وفاة مدونة الطعام جولي باول التي اشتهرت بفيلم «جولي وجوليا»

ميريل ستريب في مشهد من فيلم «جولي وجوليا» (أي إم دبي بي)
ميريل ستريب في مشهد من فيلم «جولي وجوليا» (أي إم دبي بي)
TT

وفاة مدونة الطعام جولي باول التي اشتهرت بفيلم «جولي وجوليا»

ميريل ستريب في مشهد من فيلم «جولي وجوليا» (أي إم دبي بي)
ميريل ستريب في مشهد من فيلم «جولي وجوليا» (أي إم دبي بي)

في 26 أكتوبر (تشرين الأول)، توفيت جولي باول، الكاتبة المتخصصة في مجال الطعام والطهي، عن 49 عاماً، داخل منزلها في أوليفبريدج بشمال ولاية نيويورك. كانت باول قد قررت تكريس عام بأكمله لإعداد كل وصفة وردت في الكتاب الذي وضعته الطاهية الأميركية جوليا تشايلد بعنوان «إتقان فن الطهي الفرنسي»؛ ما أسهم في ظهور مدونة الطعام الشهيرة «مشروع جولي - جوليا»، والتي حملت اسم فيلم شهير من بطولة النجمة ميريل ستريب.
وأعلن زوجها، إريك باول، أن سبب الوفاة سكتة قلبية.
اعتادت جولي باول أن تروي رحلة كفاحها داخل المطبخ بصوت مضحك، لكنه لا يخلو من نبرة نقدية حادة نجحت في ملامسة جيل صاعد من المعاصرين الساخطين.


جولي باول أحدثت ثورة  في تدوين الطعام على الإنترنت

وقد تحول «مشروع جولي - جوليا» إلى نموذج شائع أمام المدونات الأخرى، وساعد في بناء جمهور حديث واسع لمواد الطهي المنزلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
عام 2002، كانت باول كاتبة طموحة تعمل في وظيفة إدارية عادية في منطقة مانهاتن. وكانت على أعتاب الثلاثين من عمرها، ولم يكن أمامها آفاق بالمعنى الحقيقي على الصعيد المهني. وقالت في مقابلة مع «نيويورك تايمز»، إن ذلك الوقت كان بمثابة «واحدة من تلك اللحظات المذعورة التي يشعر فيها المرء أنه محاصر».
وسعياً لإضفاء رونق جديد على أيامها، شرعت باول في طهي جميع الوصفات البالغ عددها 524 وصفة الواردة في النسخة البالية المملوكة لوالدتها من كتاب تشايلد الكلاسيكي الصادر عام 1961 بعنوان «إتقان فن الطهي الفرنسي»، المجلد الأول. إلا أنها باعتبارها طاهية غير مدربة تعيش في دور علوي من منزل صغير في لونغ آيلاند سيتي، وجدت باول الطريق وعرة مليئة بالصعوبات والكد والجهد.
وفي مدونة لحساب «صالون دوت كوم»، أطلقت باول «مشروع جولي - جوليا»، وحرصت على كتابة تحديثات طويلة مليئة بالحكايات المسلية حول صعوبة العثور على المكونات وخيبات الأمل الطفيفة في حياة البالغين والتحديات الأكبر المتمثلة في إيجاد هدف في الحياة.
قبل نهاية العام، أفاد موقع «صالون دوت كوم»، بأن المدونة حققت نحو 400.000 مشاهدة للصفحة، بالإضافة إلى آلاف عدة من القراء العاديين الذين انغمسوا في حالة من الدراما حول ما إذا كانت باول ستنتهي بالفعل في الوقت المناسب.
وأتاحت المدونة لباول الوصول إلى القراء عبر منصة جديدة نسبياً وبنوع جديد من اللغة المباشرة. وقالت باول في مقابلة عام 2009 «لدينا الآن وسيط يمكننا من خلاله كتابة التعليقات اللاذعة التي اعتدنا أن نقولها بصوت عالٍ لأصدقائنا».
وجرى نشر هذه التعليقات في الوقت الذي كان فيه الاهتمام الشعبي بالطعام والطهاة يتزايد. وأصبح أسلوب باول المميز القائم على نقد الذات جسراً ما بين السلطة القوية التي كان يتحدث بها كتاب مثل تشايلد وجيمس بيرد وإم إف كيه فيشر، وكتاب آخرون من السهل الوصول إليهم والتواصل معهم، مثل راشيل راي ونايجيلا ولوسون.
وقبل أسابيع قليلة من انقضاء الموعد النهائي الذي فرضته باول على نفسها، كتبت أماندا هيسر، مؤسسة موقع «فود25» والتي كانت حينها مراسلة لـ«نيويورك تايمز»، عن مشروع باول، ما زاد الاهتمام بها.
وقالت هيسر في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إن «مشروع جولي - جوليا» قلب عالم الكتابة عن الطعام رأساً على عقب. وكتبت «لم أقرأ كتابات لأي شخص آخر تشبه كتابتها. كانت كتاباتها حديثة جداً ومفعمة بالحيوية - وفي بعض الأحيان كانت فجّة! واللافت أنها لم تكن مرتبطة بأي تقليد معروف».
وقالت هيسر، إن باول ألهمت كتّاباً هواة آخرين مهتمين بالطعام كي يبدأوا الطهي من خلال كتب الطبخ، وجعلت الكتاب المحترفين المعنيين بالطعام يدركون «أنهم سقطوا في فخ الرضا بالأمر الواقع». وأضافت «أسهمت الإنترنت في إضفاء طابع الديمقراطية على الكتابة بمجال الطعام، وكان (مشروع جولي – جوليا) أول صوت مميز للمدرسة الجديدة».
من جهتها، قالت الكاتبة ديب بيرلمان، التي أطلقت مدونة الطعام الخاصة بها بعنوان «سميتين كيتشين» عام 2003 عن باول «لقد كتبت عن الطعام بصوت بشري حقاً بدا مثل الأشخاص الذين أعرفهم. لقد أوضحت أنه يمكنك الكتابة عن الطعام حتى من دون الذهاب إلى مدرسة للطهي، ومن دون خبرة كبيرة، وفي المطبخ الواقعي».
من ناحيتها، حولت مؤسسة «ليتل براون آند كمباني» المدونة إلى كتاب بعنوان «جولي آند جوليا: 365 يوماً و524 وصفة ومطبخ واحد صغير». ومع أن بعض النقاد كتبوا، أن الكتاب يفتقر إلى الثقل الأدبي، بيعت منه أكثر عن مليون نسخة.
وشهدت مبيعات الكتاب ارتفاعاً كبيراً بعد صدور الفيلم الشهير «جولي آند جوليا» عام 2009، وكان آخر أعمال نورا إيفرون ككاتبة ومخرجة، ومن بطولة ميريل ستريب ولعبت في الفيلم دور تشايلد، بينما لعب ستانلي توتشي دور زوجها، بول. أما إيمي آدامز، فلعبت دور باول.
من جهته، قال زوجها إريك باول، نائب رئيس تحرير مجلة «أركيولوجي»، إن جولي باول «كانت سعيدة بكتابة نورا إيفرون للقصة».
كما أسهم نجاح الفيلم في رفع مبيعات كتاب تشايلد لينضم إلى قائمة أفضل الكتب مبيعاً للمرة الأولى.
أما تشايلد، فلم تشاهد الفيلم، ذلك أنها توفيت عام 2004، لكنها كانت على علم بمشروع باول.
وكان روس بارسونز، محرر الطعام السابق في «لوس أنجليس تايمز» من أوائل من كتبوا عن المدونة، وبعث لتشايلد التي كانت في التسعينات من عمرها آنذاك، ببعض مقتطفات مما كتب. واعتبرت تشايلد المشروع إهانة لها، وليس مجرد محاولة سخرية من الذات من جانب باول، وأخبرت بارسونز أنها وآخرين أعادوا تجريب الوصفات بحيث يضمنون سهولة تنفيذها من جانب الطهاة من مختلف مستويات المهارة.
وقالت لبارسونز «لا أفهم كيف يمكن أن تواجه مشكلات في هذه الوصفات. لا بد أنها ليست طاهية».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

مذاقات من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
مذاقات سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

سالو... أطباق تبدو مكلفة في أجواء بعيدة عن التكلفة

من الصعب إيجاد مطعم يقدم أطباقاً عصرية وراقية ولكن في أجواء بسيطة، فالمعروف عن المطاعم التي تقدم مأكولات شبيهة باللوحات الفنية ونكهات تضاهي المطاعم المكللة...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

هونغ كونغ ترسخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا

تواصل هونغ كونغ ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الذواقة في آسيا، فكشف دليل ميشلان عن أحدث قائمة للمطاعم المختارة في حمل اسم «ميشلان هونغ كونغ وماكاو 2026»

«الشرق الأوسط» (لندن)

مدرب بيرنلي يطالب لاعبيه بمزيد من الجهد في المباريات المتبقية بالدوري الإنجليزي

سكوت باركر (د.ب.أ)
سكوت باركر (د.ب.أ)
TT

مدرب بيرنلي يطالب لاعبيه بمزيد من الجهد في المباريات المتبقية بالدوري الإنجليزي

سكوت باركر (د.ب.أ)
سكوت باركر (د.ب.أ)

أعرب سكوت باركر عن شعوره بخيبة أمل من خسارة فريقه بيرنلي أمام مضيفه نوتنغهام فورست، مطالباً لاعبيه بضرورة بذل المزيد من الجهد لتجنب الهبوط إلى دوري الدرجة الأولى الإنجليزي لكرة القدم (تشامبيون شيب)، رغم صعوبة المهمة.

وقال باركر لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «لعبنا بشكل ممتاز ومنضبط للغاية لمدة ساعة. تقدمنا في النتيجة واستمر هذا الأداء في الشوط الثاني. تغيرت مجريات المباراة بعد هدفهم، وفي تلك اللحظة استقبلنا هدفين أو ثلاثة أهداف سهلة وفقدنا تركيزنا. كان التذبذب في الأداء واضحاً في بعض الأحيان، وهذا ما رأيناه اليوم».

وأضاف: «بعد استقبال الهدف الأول لم يعد الأمر متعلقاً بالتكتيكات، بل بالتعافي ومحاولة استعادة زمام المبادرة. لم نفعل ذلك، بل حدث العكس تماماً واستقبلنا أربعة أهداف. هذا أمر مؤسف».

وأوضح مدرب بيرنلي: «الفريق يعاني من آثار المباريات السابقة، وأنا أتفهم ذلك لأن الموسم كان طويلاً. ما شاهدتموه اليوم كان انعكاساً لمباريات أخرى. من الواضح أن هذا الأمر كان له تأثير كبير، خاصة بعد استقبالنا للأهداف. ينبغي على اللاعبين المخضرمين بذل المزيد من الجهد».

وشدد باركر بالقول: «لن أنتقد أبداً أخلاقيات العمل العامة لدينا ورغبتنا في الفوز. لكن ذلك لا يغفل أننا قصرنا في تقديم الجودة المطلوبة، لكن سنواصل المحاولة».

واختتم تصريحاته قائلاً: «إنها فترة صعبة الآن، لكن الأمر يتعلق بالأفراد، بمن تريد أن تكون وكيف تريد أن تنهي هذه المباريات الأخيرة. ستكون طريقة إنهاء هذا الموسم هي المفتاح بالنسبة لنا».

وكان نوتنغهام فورست قد أنعش آماله في البقاء ببطولة الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، عقب فوزه الكبير 4 - 1 على بيرنلي، اليوم الأحد، ضمن منافسات المرحلة الـ33 للمسابقة، ليضاعف من جراح منافسه ويقربه خطوة إضافية من الهبوط.

وجاء فوز نوتنغهام ليواصل احتفالاته بالتأهل إلى الدور قبل النهائي في بطولة الدوري الأوروبي، يوم الخميس الماضي، حيث بدأ بيرنلي التسجيل عن طريق ريان فليمينغ في الدقيقة الثانية من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع للشوط الأول.

لكن مورغان غيبس - وايت قلب الموازين في الشوط الثاني بتسجيله ثلاثة أهداف (هاتريك) في الدقائق 62 و69 و77، قبل أن يختتم إيغور جيسوس الرباعية بهدف رابع في الدقيقة الثامنة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع.

وبهذه النتيجة، رفع نوتنغهام فورست رصيده إلى 36 نقطة في المركز السادس عشر (الرابع من القاع)، بفارق خمس نقاط عن مراكز الهبوط، فيما تجمد رصيد بيرنلي عند 20 نقطة في المركز التاسع عشر (قبل الأخير).


بن زكري: قطر وفرت كل شيء لإنجاح البطولة وما حدث «أمر مؤسف»

بن زكري: قطر وفرت كل شيء لإنجاح البطولة وما حدث «أمر مؤسف»
TT

بن زكري: قطر وفرت كل شيء لإنجاح البطولة وما حدث «أمر مؤسف»

بن زكري: قطر وفرت كل شيء لإنجاح البطولة وما حدث «أمر مؤسف»

نفى الجزائري نور الدين بن زكري، مدرب فريق الشباب، تقليله من منافسهم فريق زاخو العراقي، بدليل أنهم «تدربوا على تنفيذ ركلات الترجيح في المران الأخير الذي سبق المواجهة الخليجية».

وقال بن زكري في المؤتمر الصحافي بعد اللقاء: «بعض التصريحات غير واقعية، يقول البعض بن زكري قلل من قيمة الفريق المنافس في بعض التصريحات، ولكن عملياً دربت فريقي على ركلات الترجيح، وأعلم جيداً أن في مثل هذه البطولات يلعب العامل النفسي دوراً كبيراً في حسم مبارياتها».

وأضاف: «صنعنا بعض الفرص ولم نستغلها. وبعد مرور الوقت، الفريق العراقي اكتسب ثقة أكبر، وكان الرجوع بالنتيجة صعباً جداً، وكرة عزايزة لو سجلناها لأنهينا المباراة في الـ90 دقيقة، ولكن اتجه اللقاء لركلات الترجيح، والذي أهدر ركلة الترجيح، علي الأسمري، لم يتمرن معنا عليها».

وأردف: «الشباب نادٍ كبير ويحب الفوز دائماً، ومنذ وصولي الكل يطالب بالفوز والكل يقول لي أذهب وفز بالكأس، وهو شيخ الأندية، ولم يعد ذلك الفريق الذي خسر أمام تضامن حضرموت، مع احترامي لكل الأندية، لكن الشباب كان يعاني والآن عاد، والمستقبل سيكون جيداً».

واختتم بن زكري حديثه بقوله: «الأحداث التي حصلت بعد المباراة مؤسفة بين أشقاء، ويجب أن نظهر بشكل أفضل، وقطر وفرت كل شيء لتكون البطولة جيدة وكل شيء كان جيداً بالملعب».

من جانبه، قال أيوب أديشو، مدرب فريق زاخو العراقي: «في بعض الأحيان كرة القدم تكون بعكس الصحيح، السفر أثر علينا، والمباراة المقبلة مهمة لنا بالدوري ونتمنى أن تكون الحالات الذهنية أفضل داخل الملعب، وأفضل شيء يقوم به الفريق الفائز بعد المباراة هو مواساة لاعبي الفريق الخاسر، ومن المفترض أن الأخلاق الرياضية لا تصل لهذه المرحلة».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».