حقن البوتوكس لعلاج صرير الأسنان... مزايا ومحاذير

الهيئات الصحية الأميركية لم تُجِزْ استخدامها طبياً

صرير الاسنان ينجم عن مشاكل احتكاك الفكين
صرير الاسنان ينجم عن مشاكل احتكاك الفكين
TT

حقن البوتوكس لعلاج صرير الأسنان... مزايا ومحاذير

صرير الاسنان ينجم عن مشاكل احتكاك الفكين
صرير الاسنان ينجم عن مشاكل احتكاك الفكين

بغرزة إبرة، يستطيع أطباء التجميل مثل ميشيل غرين، إخفاء تجاعيد الجبين وإعادة إحياء منطقة تحت العينين؛ إذ يعمل البوتوكس كالسحر. ورغم أنه يثير القلق بعض الشيء، ولكنّ الطلب عليه كبير، فقد ازدهرت عيادة غرين في نيويورك مع مسارعة الأميركيين لمنح أنفسهم «إشراقة ما بعد الجائحة»، إلّا أنّ الكثير من زبائنها لا يسعون للحصول على الشباب الدائم والجاذبية هذه الأيّام، حيث إن ربع مواعيد الحقن بالبوتوكس تقريباً تعود لأشخاص لديهم دافعٌ مختلف كلياً: مشاكل الاحتكاك الدائم في الفكّين وصرير الأسنان.

مشاكل الأسنان
على امتداد البلاد، يلجأ النّاس الذين يعانون من هذه الحالة المزعجة إلى البوتوكس. وتقول لورين غودمان، ممرّضة تعمل في مجال التجميل في لوس أنجلس «لقد أصبح الأمر شائعاً جداً لدى الأشخاص الذين يعانون من احتكاك الفكين وصرير الأسنان».
تُعرف هذه الحالة علمياً باسم صرير الأسنان Bruxism، وهي عبارة عن فعلٍ لا إرادي يحصل غالباً أثناء النوم ليلاً لأسباب عدّة، أبرزها تناول الكحول، والتدخين، وتوقف النفس أثناء النوم، والتوتر – وهذه الأسباب هي على الأرجح المساهم الأكبر في تنامي هذه الحالة في الولايات المتّحدة خلال الجائحة.
تُمثل الحالة نوعاً من الإزعاج القابل للتحمّل للكثيرين، ولكنّ العوارض قد تصبح جديّة: فمع تنامي مشكلة صرير الأسنان، يشهد أطبّاء الأسنان المزيد من حالات تكسّر وتشقّق الأسنان لدى المرضى، بالإضافة إلى آلام الفكّ والوجه. ويعاني المرضى في الحالات الشديدة من ألم منهك في الرأس وتغيّر في موضع الفكّ. وتساعد العلاجات الشائعة، مثل حماء الفم mouth guards وتغيير العادات اليومية، على التخلّص من العوارض في بعض الحالات فقط. (وحماء الفم جهاز واقٍ للفم، يغطي الأسنان واللثة للوقاية والتقليل من الإصابة للأسنان، الفكين، الشفاه واللثة).


أداة «حماء الفم»

وهذا ما يجعل البوتوكس خياراً مغرياً للعدد المتزايد من المصابين بصرير الأسنان في الفترة الأخيرة. وتعمل حقن الفكّ على إراحة عضلات المضغ التي تحتك وتصدر الصرير – ما يساهم في تخفيف الألم وتجنّب مشاكل الأسنان. هذا الأمر لا يعني طبعاً أنّ كلّ مصاب بصرير الأسنان في الولايات المتّحدة يجري متوجهاً إلى أقرب عيادة بوتوكس، ولكنّ هذا الإجراء ازدهر حقاً منذ بداية الجائحة. فقد علمنا من خمسة أطباء أسنان وتجميل أنّهم لاحظوا تزايداً في عدد المصابين بصرير الأسنان الذين يلجأون للبوتوكس. واعتبرت سامنثا راودن، طبيبة متخصصة بالتعويضات السنية في مدينة نيويورك، أنّ الأشخاص الذين استنفدوا كلّ الطرق التقليدية «لا يريدون شيئاً أكثر من تخفيف آلامهم. وإذا كان هذا الأمر يعني تلقّي حقنة في الوجه، فليكن».
ولكنّ هذه الجوانب الإيجابية للبوتوكس لا تعني أنّه الحلّ الدائم والأكيد الذي بحث عنه أطباء الأسنان والمرضى لوقتٍ طويل. هذه هي قصّة صرير الأسنان: أسبابه المحتملة كثيرة وعلاجاته قد تصيب وقد تخيب – وحتّى فاعليتها لا تسري على الجميع. وكشف جيلز لافين، أستاذ محاضر في طبّ الأسنان في جامعة مونتريال، عن أنّه «لا يقول لمرضاه إنّه يستطيع علاجهم، بل إنه يستطيع مساعدتهم في السيطرة على الحالة». ولكن لماذا ما زلنا لا نعلم حتّى اليوم كيف نتعامل مع هذا الداء الشائع لهذه الدرجة؟

حقن البوتوكس
اكتشف الباحثون في السنوات الماضية أنّ الحقن، التي تشلّ العضلات الماضغة المسؤولة عن صرير الأسنان مؤقتاً، قادرة أيضاً على تخفيف وتيرة وقوّة الصرير. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الاستخدام هو واحدٌ من استخدامات كثيرة غير تجميلية شاعت منذ دخول البوتوكس إلى الأسواق عام 1989؛ إذ تعالج هذه الحقن مشاكل أخرى كالتعرّق المفرط تحت الإبطين، وحبّ الشباب، والصداع النصفي.
لم ينل البوتوكس موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA كعلاج لمشكلة صرير الأسنان، إلّا أنّ أي شخص يحمل ترخيصاً لاستخدام البوتوكس يستطيع حقن أي مريض يعاني من صرير الأسنان وبشكلٍ قانوني.
ويمكن القول، إنّ البوتوكس ينطوي، نظرياً على الأقلّ، على فوائد أكثر من علاجات صرير الأسنان التقليدية. إذ قد يساعد حماء الفم على تجنّب حدوث صرير الأسنان، وتفتيتها أثناء النوم، ولكنّه يمكن أن يكون غير فعّال على الإطلاق، حتّى أنّه قد يزيد الحالة سوءاً – لا سيّما إذا كان المريض يعاني من انقطاع النفس أثناء النوم، حسب ما شرح جايمسون سبنسر، طبيب أسنان وخبير في انقطاع النفس أثناء النوم في بويزي، أيداهو. بدورها، تنتمي الأنظمة ذات التدخليّة الطفيفة كاليوغا، والتأمّل، والعلاج السلوكي الإدراكي، والعلاج الفيزيائي، إلى الحلول التي قد تصيب أو تخيب أيضاً. ومن جهة أخرى تساعد مرخّيات العضلات Muscle relaxers بعض الأشخاص، ولكنّها ليست محبّذة لدى أطبّاء الأسنان الذين تحادثنا معهم.
في أفضل الحالات، يمكن لهذا الإجراء أن يساعد بعض المرضى الذين يعانون من صرير الأسنان، حيث أشارت بعض الدراسات إلى أنّ البوتوكس يمكن أن يخفّف درجة الألم. وتحدّث أحد زائري موقع «ريل سيلف» كيف أنّه جرّب حماء الفم، وتخفيف التوتر، والإقلاع عن استهلاك الكافيين قبل أن يلجأ أخيراً إلى حقنة الفك.
في المقابل، تحيط بالبوتوكس سلبيات حقيقية، فضلاً عن أنّ الكثير من أطباء الأسنان لا يزالون مترددين بالتوصية به. كما يتّسم البوتوكس بسعره الباهظ وتأثيره المؤقت، حيث يكلّف الإجراء المطلوب نحو 1000 دولار ولا يخضع لتغطية التأمين الصحي، بالإضافة إلى أنّه لا يدوم لأكثر من أربعة أشهر. وكما سائر العلاجات المتوفرة، يستهدف البوتوكس عوارض صرير الأسنان وليس أسبابه. ويلفت لافين إلى أنّ «النّاس يحتاجون إلى المضغ دائماً، أي أنّ العضلات الماضغة لن تكون مشلولة بالكامل، وهذا يعني أنّ طحن الأسنان سيستمرّ، ولكن بقوّة أقل».

مخاطر العلاج
علاوة على ذلك، تنطبق المخاطر التي تصاحب البوتوكس التجميلي عادة في هذه الحالة أيضاً، وأبرزها ظهور كدمة في موقع الحقنة، وآلام الرأس، والتحسّس، وتغييرات غير مرغوبة في تعابير الوجه نتيجة حقن البوتوكس في موضع خاطئ. تحدّث أحد زوار موقع «ريل سلف» مثلاً عن عدم حصول أي تحسّن في تقليل آلام الفكّ لديه، وعن ظهور تعبير مخيف أشبه بالتكشير على وجهه بعد الحقنة، بينما كشف آخر عن أن آلام الرأس اختفت بعد الحقنة... والمدهش، أن وجنتيه اختفتا كذلك، شارحاً «أنّه لم يستطع التعرّف على نفسه في المرآة وبدا وكأنّه تقدّم عشر سنوات في العمر خلال بضعة أشهر».
إن صرير الأسنان لا يشابه حوادث كسر الذراع، حيث يكون السبب والنتيجة معروفين وقابلين للعلاج. واعتبر الخبراء أنّ «تعدّد أسباب ألم الفكّ يفرض استهدافه من أكثر من مكان. هذا يعني أنّ كلّ الأشياء التي تساهم في ظهور هذا الألم يجب أن تُعالج»؛ ما قد يفرض الاستعانة بمجالات أخرى غير طبّ الأسنان. من جهته، رأى سبنسر، الباحث المتخصص في انقطاع النفس أثناء النوم، أنّ أطباء الأسنان أنفسهم لا يملكون كلّ المعلومات. نحن لا نتلقّى تعليماً مرتبطاً بحالات صرير الأسنان».
إذن، في الوقت الراهن، فإن أدوات حماء الفم والتأمّل والبوتوكس هي الحلول المتوفرة في جعبتنا ولا أفق بتطوّر العلاجات في المستقبل القريب. ويقول عدد من الخبراء، إنه مع معرفة النّاس لآخرين استجابوا لنتائج جيدة لحقنة البوتوكس لعلاج الصرير، فإنهم يتوقعون حدوث توسّع في استخدام هذا العلاج. ومن هنا، سيستمر مرضى الصرير إما بوضع حماء الفم، أو دفع آلاف الدولارات سنوياً على الحقن المؤقتة في محاولة منهم للتخلّص من آلامهم... فقط لو أنّ البوتوكس يستطيع مسح صرير الأسنان كما يفعل مع التجاعيد العنيدة!

* «ذي أتلانتك» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.