العراق... غموض حول موقف الحكومة الجديدة من قضية «الانتخابات المبكرة»

TT

العراق... غموض حول موقف الحكومة الجديدة من قضية «الانتخابات المبكرة»

يبدو الغموض سيد الموقف بشأن قيام حكومة رئيس الوزراء الجديد محمد السوداني بإجراء انتخابات مبكرة، ومردّ ذلك الغموض إلى تداول نسختين مختلفتين إلى حد ما لبرنامجه الانتخابي، في الأولى يلتزم السوداني بتعديل قانون الانتخابات خلال 3 أشهر، وإجراء انتخابات مبكرة خلال عام واحد، أما في النسخة الثانية من المنهاج الحكومي فلا يوجد إلا الالتزام بدعم المفوضية العليا للانتخابات، ودعمها لتتمكن من القيام بإجراء انتخابات مجلس النواب الاتحادي ومجالس المحافظات المحلية.
ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة الجديدة عمدت إلى تسريب نسختين مختلفتين من منهاجها الحكومي لإرضاء القوى السياسية المتصارعة، أم أن تعديلاً ضرورياً أجرته على المنهاج، لاعتبارات عملية تتعلق بقدرتها على تنفيذ برنامجها.
وسواء كان التعديل متعمداً أو لاعتبارات أخرى، فإن قضية إجراء الانتخابات المبكرة تتصدر لائحة اهتمامات التيار الصدري والقوى المدنية والعلمانية خارج البرلمان، غير أنها في الوقت ذاته لا تحظى باهتمام يذكر من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية وحلفائهم من الأكراد والسنة الذين نجحوا في قلب المعادلة السياسية، وتشكيل حكومة رئيس الوزراء محمد السوداني. وبين هذين الاتجاهين السياسيين، ثمة من يشدد على ضرورة إجراء انتخابات مبكرة لاستعادته شرعية النظام، وآخر لا يرى في ذلك إلا مزيداً من إضاعة الوقت.
الصدريون أبرز الاتجاهات السياسية التي ترغب في انتخابات مبكرة، وهي أحد المطالب الرئيسية لزعيمهم مقتدى الصدر، بعد موافقته الضمنية على تمرير حكومة محمد شياع السوداني، وسبق أن طالب بذلك علناً بعد قيامه بسحب كتلته النيابية (73 مقعداً) من البرلمان. ويشاطر الصدريون ذلك قوى الحراك الاحتجاجي وبعض القوى المدنية، وضمنها الحزب الشيوعي العراقي، إلى جانب طيف واسع من الناشطين والمنتقدين لحكومة «الإطار التنسيقي» الجديدة.
أما قوى «الإطار التنسيقي» فلا تحبذ فكرة الانتخابات المبكرة، وتصر على إكمال دورة الحكومة الحالية حتى عام 2025، وترى أن عاماً من الزمن غير كافٍ لعمل أي حكومة، ولن تكون قادرة على تحقيق أي إنجاز، إلى جانب إمكانية عزوف الناخبين الذين ملُّوا من كثرة الانتخابات.
وفي هذا الاتجاه، يقول النائب معين الكاظمي عن كتلة «بدر» المنضوية ضمن «الإطار التنسيقي»: إن «الانتخابات الجديدة المتفق عليها لا بد من أن يكون قبلها تعديل لقانون الانتخابات الذي أوصت به المحكمة الاتحادية. وهذا التعديل يحتاج إلى وقت، فضلاً عن إعادة النظر في المفوضية وتهيئة المستلزمات اللوجستية والأجواء العامة للشعب، ليكون مستعداً للانتخابات».
وأضاف الكاظمي في تصريحات للقناة الرسمية: «نرى أن الوضع العام والمزاج الشعبي ليس مع السرعة في إجراء الانتخابات، ولا بد من أن يكون هناك إنجازات لهذه الحكومة لتعيد الثقة للشعب بالعملية السياسية، وتكون هناك مشاركة فاعلة أكبر من المشاركات التي جرت في الفترة السابقة». وتابع بأن «إعادة النظر في قانون الانتخابات تكون في محاور مهمة، منها قضية الدوائر المتعددة أم نعود إلى اعتبار محافظة ميسان -على سبيل المثال- دائرة واحدة وليست 3 دوائر، وبابل دائرة واحدة وليست 4 دوائر، وهكذا، وهذا موضوع لا بد من مناقشته، وهناك آراء لدى الكتل السياسية والمكونات بهذا الشأن».
من جانبه، يؤكد القاضي والخبير الدستوري رحيم العكيلي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عدم وجود نص قانوني يحدد القيمة الإلزامية للبرنامج الحكومي، باعتبار تعهدها بإجراء انتخابات مبكرة، وبرنامجها في الغالب وعود أو طموحات سياسية تعد الحكومة أو تسعى لتحقيقها، وقد تتحقق أو لا تتحقق، لذلك لا تعد نصوصه قانونية إلزامية بأي حال من الأحوال».
وأضاف: «في حدود الانتخابات المبكرة، فإن الإشارة إليها إنما هي إشارة إلى التزام الحكومة بتوفير الشروط اللازمة لإجراء الانتخابات فقط، وليس معناه وعداً ملزماً بإجرائها؛ لأن الأمر منعقد بحل مجلس النواب، وليس بإرادة الحكومة أو برنامجها الحكومي، فإذا لم يحل مجلس النواب نفسه لم يكن ممكناً إجراء انتخابات مبكرة، ولو هيأت الحكومة شروط ومتطلبات إجرائها». ويتفق مدير «المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية» الدكتور غازي فيصل حسين، مع عدم وجود نص دستوري يتعلق بالانتخابات المبكرة؛ لكنها «ظهرت بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي (2019) بفعل الأحداث الدامية كواحد من بين أفضل الحلول لتصويب مسارات النظام السياسي وتحقيق المطالب الشعبية».
ويعود حسين ليؤكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «إجراء انتخابات مبكرة قضية ملحة وملزمة لاستعادة الشرعية الدستورية للبرلمان، بعد انسحاب التيار الصدري الذي يمثل أغلبية برلمانية، كما أنها مطلب وطني من مختلف الأحزاب داخل وخارج البرلمان، لتصحيح الاختلالات التي اجتاحت النظام السياسي».
ويضيف أن «النظام منذ عام يواجه مآزق عديدة، ومن دون الذهاب لانتخابات ديمقراطية مبكرة وتقويض سلطة الفساد، وإنهاء احتكار الأحزاب الدعوية للسلطة، ستعود الاحتجاجات من أجل التغيير».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

إسرائيل تلوح بـ«منطقة عازلة» حتى الليطاني… ولبنان يتمسك بـ«التفاوض»

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
TT

إسرائيل تلوح بـ«منطقة عازلة» حتى الليطاني… ولبنان يتمسك بـ«التفاوض»

الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)
الرئيس عون مستقبلاً الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية أليس روفو والوفد المرافق (رئاسة الجمهورية)

جدد الرئيس اللبناني، جوزيف عون، التأكيد على أن «التفاوض هو الحل الوحيد» لوقف الحرب وإعادة الاستقرار، معلناً في الوقت عينه أن تل أبيب «لا تزال ترفض التجاوب لوقف الحرب وبدء مفاوضات»، وهو ما عكسته مواقف مسؤوليها عبر رفع سقف التهديدات وتشديد رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو، على أن «وقف إطلاق النار لن يكون إلا بقرار مستقل من إسرائيل»، فيما تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن نيته إقامة «منطقة عازلة» داخل الأراضي اللبنانية حتى نهر الليطاني. وبين هذين المسارين المتناقضين، تتضاءل فرص التوصل إلى وقف قريب للقتال، وسط تصعيد ميداني وضغوط سياسية متصاعدة، فيما قالت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا شيء يُعوَّل عليه» في ظل «رفض إسرائيل بحث أي مبادرات أو الانخراط في مفاوضات جدية»، لافتة إلى أن هذا الموقف «يحظى بدعم أميركي واضح»

عون يتمسك بالتفاوض: الحرب تزيد المعاناة والجيش هو الضامن

وخلال استقباله الوزيرة المفوضة لدى وزارة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، شدد الرئيس عون على أن لبنان «يرحب بالدعم الذي يقدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمساعدة لبنان على مواجهة التصعيد الإسرائيلي المستمر، وللوصول إلى وقف لإطلاق النار وبدء مفاوضات وفق المبادرة الرئاسية». وأكد أن «الحرب لن تؤدي إلى نتيجة عملية، بل ستزيد معاناة الشعب اللبناني»، عادّاً أن «التفاوض هو الحل الوحيد الذي يمكن أن يعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة».

وعرض عون أمام الوفد الفرنسي حجم الكارثة الإنسانية، مشيراً إلى أن «استمرار القصف الإسرائيلي للبلدات والقرى وتدمير المنازل والممتلكات، أدى إلى ارتفاع عدد النازحين إلى أكثر من مليون شخص»؛ ما تسبب في «أزمة اجتماعية وإنسانية كبيرة تعمل الدولة اللبنانية على معالجتها بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة».

كما شدد عون على أن إسرائيل «لا تزال ترفض التجاوب مع الدعوات اللبنانية والعربية والدولية لوقف الحرب وبدء مفاوضات»، مؤكداً أن الهدف اللبناني هو «تحقيق السيادة على كامل الأراضي الجنوبية حتى الحدود الدولية، وتمكين الجيش اللبناني من إعادة الانتشار وبسط سلطة الدولة».

وبشأن دور المؤسسة العسكرية، قال عون إن «أي مساعدة للجيش اللبناني ستسمح له بالقيام بواجبه الوطني»، مشدداً على أن «اللبنانيين من مختلف الطوائف والاتجاهات يثقون بجيشهم ويلتفون حوله ولا يريدون بديلاً عنه».

كما رحب بـ«الرغبة التي أبدتها دول أوروبية وغير أوروبية لإبقاء قوات منها في الجنوب بعد انتهاء مهمة (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - يونيفيل)»، عادّاً أن ذلك يعزز الاستقرار في المرحلة المقبلة.

سلام: لبنان مستعد للدخول في مسار تفاوضي

وفي إطار الحراك الفرنسي، التقت الوزيرة روفو أيضاً رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، حيث نقلت رسالة دعم من الرئيس ماكرون، مؤكدة «وقوف فرنسا إلى جانب لبنان دبلوماسياً» و«دعمها الجيش اللبناني» و«استعدادها لتسهيل المفاوضات مع إسرائيل».

من جهته، أكد الرئيس سلام «استعداد لبنان للدخول في مسار تفاوضي»، مشيداً بالجهود الفرنسية.

تحذير من تفاقم الأزمة

في موازاة ذلك، وخلال استقباله وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة، توم فليتشر، عرض عون التداعيات الإنسانية الخطيرة نتيجة الحرب، مشيراً إلى «ازدياد أعداد النازحين والضغط الكبير على البنى التحتية والخدمات»، إضافة إلى «سقوط شهداء وجرحى؛ بينهم عاملون في القطاعين الصحي والإغاثي، وإعلاميون».

وأكد أن لبنان «يواصل العمل لاحتواء التداعيات»، مشدداً على «ضرورة التوصل إلى حلول مستدامة عبر المسارات السياسية والدبلوماسية بما يحفظ السيادة والاستقرار».

من جهته، شدد فليتشر على «تضامن الأمم المتحدة الكامل مع لبنان» و«التزامها مواصلة دعم الجهود الإنسانية في ظل الظروف الدقيقة».

إسرائيل تفرض شروطها الميدانية

في المقابل، تواصل إسرائيل تبني مقاربة ميدانية تصعيدية، حيث تحدث رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن «إنشاء أحزمة أمنية واسعة» و«تطهير القرى»، مؤكداً أن «قرار وقف إطلاق النار لن يكون إلا بقرار إسرائيلي مستقل».

غارة إسرائيلية تستهدف مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

أما وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فيؤكد التوجه نحو «إقامة منطقة عازلة حتى الليطاني» و«منع عودة السكان» و«هدم القرى الحدودية»، إضافة إلى «تغيير الواقع الأمني في لبنان بشكل جذري».

وحذّر كاتس بأنه «لن يتمكن 600 ألف من سكان جنوب لبنان؛ الذين تم إجلاؤهم، من العودة حتى ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل»، مضيفاً: «عازمون على فصل لبنان عن الساحة الإيرانية، وعازمون على تغيير الوضع في لبنان تغييراً جذرياً من خلال وجود أمني للجيش بالمواقع المطلوبة».


تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

يشير التوسع الإسرائيلي نحو البقاع الغربي إلى تحوُّل نوعي في مسار العمليات، يتجاوز الإطار الحدودي التقليدي باتجاه عمق جغرافي أكثر حساسية، في موازاة ضغط ميداني متزامن على جبهات عدة، بما يعكس محاولة لإعادة تشكيل خريطة الاشتباك جنوباً وشرقاً.

فقد شهد البقاع ليل الاثنين– الثلاثاء، سلسلة غارات جوية مكثفة ترافقت مع قطع طرقات رئيسية بين سحمر ويحمر، ويحمر ولبايا، وقليا– الدلافة، وقليا– الأحمدية، إضافة إلى الطريق بين الأحمدية وإبل السقي (برغز)، ما أدى إلى شلل واسع في حركة التنقل ضمن محاور حيوية.

وجاء ذلك عقب إنذار عاجل وجَّهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إلى سكان بلدات: زلايا، ولبايا، ويحمر، وسحمر، وقليا، ودلافي، دعاهم فيه إلى الإخلاء الفوري والتوجُّه شمالاً نحو القرعون.

مدفعية إسرائيلية منتشرة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية تقوم بقصف أهداف في لبنان

وكشف مصدر مطَّلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط» أن التركيز الإسرائيلي منذ اندلاع المواجهة الأخيرة ينصبُّ على بلدات جنوب البقاع الغربي المتاخمة للأقضية الجنوبية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية؛ إذ تشكِّل امتداداً جغرافياً لمجرى نهر الليطاني، وتشرف على محاور حيوية تمتد نحو جزين وحاصبيا، وهي مناطق كانت ضمن نطاق الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000.

المرتفعات الحاكمة: مفتاح الفصل بين الجنوب والبقاع

في قراءة ميدانية واستراتيجية، يضع العميد المتقاعد بسام ياسين هذا التصعيد ضمن سياق السعي إلى السيطرة على المرتفعات الحاكمة التي تكتسب أهميتها من قدرتها على فصل البقاع الغربي عن الجنوب اللبناني، بوصفها امتداداً جغرافياً لمنطقة الخيام، وتشرف على خطوط التواصل الحيوية بين المنطقتين. ويؤكد ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن السيطرة على هذه التلال: «تمنح إسرائيل تفوقاً ميدانياً يعيد رسم خريطة انتشارها إلى ما كانت عليه قبل عام 2000، أي قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان»، معتبراً أن «ما يجري اليوم يعكس محاولة لإحياء نموذج الاحتلال السابق القائم على التمركز في الشريط الحدودي والمرتفعات».

من «خط الجبال» إلى شريط بعمق 10 كيلومترات

ويستعيد ياسين تجربة عام 1982، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت قبل أن تنسحب تدريجياً عام 1985 وتتمركز فيما عُرف بـ«خط الجبال»، وهو تموضع «وفَّر لها الحماية والتواصل بين مواقعها». ويرى أن «هذا النموذج يُعاد طرحه اليوم عبر السعي إلى تثبيت شريط بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مستفيدة من البنية العسكرية السابقة التي لا تزال آثارها قائمة، ما يسهل إعادة تأهيلها وتحويلها إلى مواقع». ويشير إلى أن البقاع الغربي «يشكل امتداداً طبيعياً للقطاع الشرقي في الجنوب، وهو ممر استراتيجي يربط بين الجبهتين، ما يفسر التركيز الإسرائيلي المتزايد على هذه المنطقة».

بنت جبيل والخيام: عقدة الحسم الأولى

وعلى مستوى السيناريوهات الميدانية، يرجِّح ياسين «أن تكون بنت جبيل محور المعركة الأساسية في المرحلة الأولى، نظراً لموقعها الحيوي ودورها كمركز ثقل في القطاع الأوسط»؛ مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول تطويق المدينة من عدة اتجاهات، تمهيداً للسيطرة عليها، من دون الدخول حتى الآن في مواجهة حاسمة داخلها.

ويضيف: «في حال حُسمت معركتا الخيام وبنت جبيل، فإن التوجه المرجح سيكون نحو التوسع باتجاه البقاع الغربي، ضمن خطة تقوم على العمل على محورين متوازيين، بهدف تثبيت واقع ميداني جديد يعيد وصل مناطق الانتشار ضمن رؤية استراتيجية أشمل»، مشيراً إلى أن «المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تصعيد تدريجي قد يفضي إلى معارك أوسع».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد ناري واسع من الجنوب إلى الضاحية

ميدانياً، وسَّعت إسرائيل رقعة استهدافاتها، فشنَّ الطيران الحربي منذ الصباح غارات على المنصوري، والطيبة، وتولين، وقبريخا، ومجدل سلم، وزوطر، والحنية، ومجدل زون، والقليلة جنوب صور، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين الشهابية وكفردونين.

وتزامن ذلك مع قصف مدفعي متقطع طال وادي صربين وأطراف بيت ليف والمنصوري، بينما سُجلت رشقات نارية في محيط القوزح. كما أُفيد بحالات اختناق في صفوف الدفاع المدني و«الصليب الأحمر» إثر تسرُّب الكلور بعد استهداف محطة مياه في مرجعيون. وأغار الطيران المسيَّر الإسرائيلي على سيارة «رابيد» في منطقة الواسطة القاسمية، ما أدى إلى سقوط قتيلين.

وفجراً، استهدفت الغارات بلدة كفرا، وعبا؛ حيث قُتل الشاب شادي حسن معلم بعد استهداف منزله، إضافة إلى بلدة الدوير (حي الروس)؛ حيث دُمِّر منزل، إلى جانب غارات على منطقة السموقة بين جبشيت وعبا، وحي المشاع في دير الزهراني.

عائلة لبنانية نازحة تقيم بخيمة في بيروت (رويترز)

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، نُفِّذت غارة على بئر العبد بعد إنذار مسبق، كما وجَّه أفيخاي أدرعي إنذاراً عاجلاً إضافياً إلى سكان حي الغبيري، طالب فيه بإخلاء مبنى محدد والمباني المجاورة له لمسافة لا تقل عن 300 متر، بذريعة وجود منشأة تابعة لـ«حزب الله». ويُشار إلى أن المبنى المهدد لا يقع في عمق الضاحية الجنوبية ضمن المناطق التي استهدفت سابقاً؛ بل على أطرافها القريبة من منطقة بئر حسن، في نطاق جغرافي يقترب من الموقع الذي استُهدفت فيه شقة يوم الاثنين، ما يعكس توسيعاً تدريجياً لدائرة الاستهداف نحو تخوم الضاحية.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف دبابة على طريق القنطرة– الطيبة، وحاجز عسكري في مستوطنة «مسكاف عام»، ومنظومة دفاع جوي في «معالوت ترشيحا».

خسائر إسرائيلية في المواجهات البرية

وفي تطور ميداني لافت، اعترفت إسرائيل بمقتل 4 عسكريين، بينهم ضابط من لواء «ناحال»، وإصابة 3 آخرين خلال معارك في جنوب لبنان. وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن الجنود قُتلوا في اشتباكات مع مقاتلي «حزب الله»، بينما نقلت القناة «12» أن الاشتباكات جرت من مسافة قريبة.


غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

استهدفت غارة، الثلاثاء، مبنى محاذياً للطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي، كما أظهر بثّ مباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد إنذار الجيش الإسرائيلي سكان المنطقة المحيطة به بالإخلاء لوجودهم قرب «منشأة تابعة لـ(حزب الله)».

وتصاعدت سحابة دخان ضخمة من المبنى الواقع على تخوم ضاحية بيروت الجنوبية على أثر الغارة، بينما أظهر مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، صاروخاً يصيب الطوابق العلوية من المبنى وتناثر حجارة على طريق المطار التي قطعتها الأجهزة الأمنية بعد الإنذار الإسرائيلي.

وهذه الغارة الثانية، الثلاثاء، على ضاحية بيروت الجنوبية، التي نزح العدد الأكبر من سكانها منذ بدء الحرب، على وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية.