محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

بنسلفانيا «أم المعارك» في الانتخابات النصفية الأميركية

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ
TT

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الأميركية النصفية، صعد السباق الصعب في ولاية بنسلفانيا على عضوية مجلس الشيوخ، بين الجمهوري محمد أوز، طبيب أمراض القلب، والديمقراطي جون فيترمان، إلى مرتبة قد تحدد نتائج توازن القوى داخل مجلس الشيوخ الحالي، المنقسم مناصفة بين الحزبين. فالديمقراطيون يراهنون على احتفاظهم الهش بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وتعزيزها عبر الفوز بالمقعد الذي شغر في الولاية، إثر إعلان السيناتور الجمهوري بات تومي اعتزاله العمل السياسي والإحجام عن الترشح للمنصب. وفي المقابل، يرى الجمهوريون أن الولاية باتت «متأرجحة» بشكل يقرّبها أكثر إلى صفهم. ويراهنون على نجاح مرشحهم محمد أوز للاحتفاظ بهذا المقعد، وتهيئة الظروف لسيطرة الجمهوريين على المقعد الثاني الذي يشغله السيناتور الديمقراطي الشهير بوب كايسي. غير أن هذا الطموح قد تحول دونه عوامل عدة، على رأسها شخصية أوز نفسه. إذ رغم صعود حظوظه في مواجهة منافسه فيترمان، الذي نجا قبل أشهر من سكتة دماغية، ولا يزال يتماثل للشفاء منها، فلا تزال تحيط بأوز علامات استفهام عدة، مرتبطة بحياته المهنية والشخصية والسياسية والإعلامية.
محمد أوز - الشهير باسم «الدكتور أوز» - لم يصنع شهرته من كونه طبيباً جراحاً متخصصاً بأمراض القلب فقط ، بل من تحوله إلى نجم تلفزيوني مثير للجدل. إذ شارك في كثير من البرامج التي صنعت شهرته، لكنها ساهمت أيضاً في إثارة الجدل حول صحة ادعاءاته الطبية وصدقيتها. فقد اتهم بالكذب وبتقديم معلومات طبية غير صحيحة، مستغلاً شهرته للترويج لمنتجات طبية، واستثمار أموال في الشركات المنتجة، من بينها مثلاً عقار لمكافحة الشيخوخة، وآخر لإنقاص الوزن، لم تنل موافقة الجهات الرسمية.
وعام 2020، وإبان جائحة «كوفيد 19» شجع أوز الرئيس السابق دونالد ترمب على الترويج لاستخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» المضاد للملاريا، لعلاج الجائحة. وفي وقت لاحق، ألغت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية ترخيص الاستخدام الطارئ للهيدروكسي كلوروكين، ليتبيّن أن أوز يمتلك أيضاً ما لا تقل قيمته عن 630 ألف دولار من الأسهم في شركتين تتوليان تصنيع أو توزيع هذا العقار.
في أي حال، تسليط الأضواء على محمد أوز نابع من كونه أول أميركي مسلم يرشحه أي من الحزبين الرئيسين لمجلس الشيوخ الأميركي. بيد أن حصوله على تأييد ترمب، الذي دفع بمرشحين موالين له، لإظهار ثقله السياسي وسيطرته على الحزب الجمهوري، ضاعف من الاهتمام به. ويعود الفضل إلى ترمب في فوزه في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أمام منافسين أقوياء. لكن فوزه كان صعباً، إذ تأكد بعد إعادة فرز الأصوات، أمام منافسه ديفيد ماكورميك، مرشح «المؤسسة الحزبية». ومقابل هذا الدعم، قدم أوز ولاء الطاعة للرئيس السابق، متراجعاً عن كثير من مواقفه وآرائه «المعتدلة». والتزم بشعارات ترمب، الذي بات يعده «حصانه الرابح» لخوض معركة السيطرة على ولاية بنسلفانيا ومجلس الشيوخ.
وفي حين كافح منافسه الديمقراطي، في المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما قبل أيام، للظهور بمظهر متعافٍ قادر على تولي المنصب، ودافع عن سياسات حزبه، أظهر أوز، الشخصية التلفزيونية السابقة، وضوحاً وتماسكاً صقلتهما سنوات خبرته أمام الكاميرا. ومنذ الدقائق الأولى، انتهز الفرصة لمخاطبة الوسط السياسي، واصفاً نفسه بأنه «جراح يعمل على حل المشكلات»، مكرراً مراراً وصف منافسه فيترمان بأنه «راديكالي». وقال إنه يريد «إعادة التوازن إلى واشنطن في مواجهة التطرف». ومع تبنّي أوز بالكامل شعار ترمب «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، فإنه عدّل بعض شعاراته للانتخابات النصفية، قائلاً إنه يريد أن تكون «واشنطن متحضّرة مرة أخرى» وأن يكون «مرشح التغيير»، مؤكداً أنه سيدعم ترمب مرة أخرى في انتخابات عام 2024.
> خدمته في الجيش التركي
محمد جنكيز أوز، المعروف بـ«الدكتور أوز»، على اسم برنامجه التلفزيوني الشهير، الذي كان وراء تصنيف مجلة «تايم» له من بين 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم، مؤلف وسياسي وأستاذ فخري وطبيب متقاعد متخصص في جراحة أمراض القلب. تخرج من كل من جامعة هارفارد وجامعة بنسلفانيا، ويحمل الجنسية المزدوجة للولايات المتحدة وتركيا.
خدم أوز سنتين في الجيش التركي خلال الثمانينات، وخضع لتدريب إلزامي لمدة 6 أسابيع، للمواطنين الذين يقيمون في دول أجنبية، للحفاظ على جنسيته التركية. ومارس مهنة الطب في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وعام 2001 أصبح أستاذاً للجراحة، قبل أن يتقاعد ويصبح أستاذاً فخرياً فيها عام 2018. وفي حال فوزه، سيصبح أغنى سيناتور أميركي في تاريخ مجلس الشيوخ، بثروة تقدر ما بين 78 و500 مليون دولار.
عام 2003، كانت أوبرا وينفري أول ضيفة يستضيفها أوز في برنامج على قناة «ديسكفري»، ليظهر معها لاحقاً بشكل منتظم لأكثر من 60 مرة في برنامجها. وعام 2009، أطلق برنامج «دكتور أوز شو»، الذي يركز على الأمور الطبية والصحية، من قبل شركتي «وينفري برودكشن» و«سوني بيكتشرز»، واستمر عرضه لمدة 13 موسماً، وعرضت الحلقة الأخيرة منه في 14 يناير (كانون الثاني) 2022، غير أنه اتهم بالترويج للعلوم الزائفة، بما في ذلك مواضيع الطب البديل، والشفاء الإيماني، ومختلف المعتقدات الخارقة. الأمر الذي سبّب له انتقادات عدد من المنشورات الطبية والأطباء.
> الانتخابات غيّرت قناعاته
عام 2018، عيّنه الرئيس السابق ترمب في مجلس الرئيس للرياضة واللياقة والتغذية، وجدّد له منصبه في نهاية 2020، بعد خسارته سباق الرئاسة. غير أن أوز فُصل لاحقاً من المنصب في إدارة جو بايدن الحالية، بعدما أعلن ترشحه لعضوية مجلس الشيوخ بنهاية 2021، ومعارضته كثيراً من متطلبات الوقاية من جائحة «كوفيد 19»، داعياً إلى طرد الدكتور أنتوني فاوتشي من منصبه كمستشار بايدن الرئاسي، بعدما كان من أشد المؤيدين له.
وفي عام 2007، وصف أوز نفسه بأنه «جمهوري معتدل»، واستشهد بحاكم كاليفورنيا السابق الممثل أرنولد شوارزنيغر، وبالرئيس السابق ثيودور روزفلت كمصدر إلهام. ولكن خلال إعلان حملته لعام 2022، وصف نفسه بـ«الجمهوري المحافظ». ثم بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، وصف نفسه بأنه «زعيم معتدل، لكنه ليس سلبياً». ورغم معارضته الإجهاض، رفض الإفصاح عن موقفه من هذه القضية بشكل مباشر خلال مناظرته مع فيترمان، تخوفاً من تأثيرها سلبياً على حظوظه الانتخابية بين النساء. وأيضاً، أعلن معارضته لقانون الرعاية الميسرة «أوباما كير» بعدما كان من أشد المؤيدين له، وعارض تشريع حشيشة الكيف.
وفي المقابل، يدعم أوز حق اختيار الأهل للمدرسة، والمدارس المستقلة، وينتقد قوة نقابات المعلمين وعلاقتها الوثيقة بالحزب الديمقراطي. كذلك يدعم التكسير الهيدروليكي لإنتاج النفط، ويعتقد أن الغاز الطبيعي يمكن أن يساعد الولايات المتحدة في أن تصبح مستقلة في الطاقة وتقليل أسعار البنزين. وبالنسبة للبيئة أيضاً، كان من أشد المدافعين عن تهديدات تغير المناخ، لكنه بعد ترشحه قلل من أهمية الخطر الذي يمثله ثاني أكسيد الكربون ودوره في الاحتباس الحراري، قائلاً: «إنه لا يمثل سوى 0.04 في المائة من هوائنا. هذه ليست المشكلة». وبجانب ذلك، فهو يؤيد الحق في حمل السلاح، وتنفيذ عقوبة الإعدام، وحماية الزواج المثلي، ويدعم حق إسرائيل في الوجود، ويعارض حركة المقاطعة ضدها، بل يؤيد إبقاء السفارة الأميركية في القدس، ويدعم استمرار المساعدة العسكرية لها. وبالنسبة لأوكرانيا، أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، ووصفه بأنه «مروع» و«يمكن منعه».
> مسلم معتدل
ولد أوز عام 1960 في مدينة كليفلاند، بولاية أوهايو. والده مصطفى من مقاطعة قونية في تركيا، طبيب جراح، ووالدته سونا من أصل شركسي ومن عائلة ثرية في إسطنبول.
عام 1950، انتقل والده إلى الولايات المتحدة؛ حيث تدرب على جراحة القلب والصدر في جامعة إيموري في أتلانتا (عاصمة ولاية جورجيا) وكان رئيس قسم جراحة الصدر في المركز الطبي في ولاية ديلاوير لعدة سنوات قبل أن يعود إلى تركيا.
لدى أوز أختان، سيفال ونظليم، ونشأ في بيئة إسلامية مختلطة حيث تمارس أسرة والده الإسلام التقليدي، بينما أسرة والدته أكثر علمانية. نشأ أوز في مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير، وتلقى تعليمه في مدرسة تاور هيل فيها. عام 1982، حصل على شهادة بكالوريوس علوم في علم الأحياء بامتياز من جامعة هارفارد. وعام 1986 حصل على الدكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة بنسلفانيا، كما نال الماجستير من كلية وارتون للتمويل الشهيرة في جامعة ببنسلفانيا.
بدأ أوز حياته المهنية في مدينة نيويورك، ثم في مستشفيات جامعة كولومبيا. وعام 2001 أصبح أستاذاً فيها حتى عام 2018. وهناك ساعد في تطوير كثير من الأجهزة والإجراءات المتعلقة بجراحة القلب، وحصل عام 2015 على عدد من براءات الاختراع المتعلقة بجراحة القلب. ولقد طلبت مجموعة من 10 أطباء، في جامعة كولومبيا، خلال العام نفسه إزالته من الكلية بسبب «ازدرائه العلوم والطب القائم على الأدلة»، لكن الجامعة رفضت ذلك، بحجة أنها ملتزمة بمبدأ «الحرية الأكاديمية ودعم حرية أعضاء هيئة التدريس في التعبير».
تزوج من زوجته ليزا أوز، الكاتبة والشخصية تلفزيونية، عام 1985، ولديهما 4 أبناء، بما في ذلك ابنته الكبرى دافني، وهي أيضاً مؤلفة ومقدمة برامج تلفزيونية. ومن ناحية ثانية، في 2020، رفعت أخته نظليم أوز دعوى قضائية ضده، بزعم أنه كان يحجب دخلها من الإيجار من الشقق المملوكة لوالدهما الراحل. وردّ أوز بأنه أُجبر على تعليق مدفوعات الشقق كضمان، لأن والدتهم وأقاربهم كانوا يقاضونها في محكمة الوصاية التركية بشأن توزيع أملاك والده.
هذا، وتعهد أوز أنه، في حال انتخابه، سيتخلى عن جنسيته التركية «التي كان يتمسك بها من أجل مساعدة والدته التي تعاني من مرض ألزهايمر في تركيا»، على الرغم من أنه لا يوجد قانون أميركي يحظر على أعضاء الكونغرس أن يكونوا مزدوجي الجنسية. وهو يعرّف عن نفسه بأنه «مسلم علماني»، ويرفض تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة. وفي إشارة إلى أن زوجته وأولاده الأربعة مسيحيون، قال أوز إنه يعتقد أن الولايات المتحدة تأسست على القيم اليهودية والمسيحية.
> ولاية بنسلفانيا... في سطور
اكتسبت ولاية بنسلفانيا تسميتها كإحدى «ولايات الصدأ»، من كونها أكبر مركز لصناعة الحديد والصلب في البلاد، وأيضاً في إنتاج الفحم الحجري. لكن المنافسة غير المتكافئة مع الصين في إنتاج الحديد أدت إلى إغلاق كثير من مصانعها وتراجع إنتاج الفحم، ما أدى إلى تدهور أحوال عمالها ودور اتحاداتهم النقابية، التي كانت تدين بالولاء للديمقراطيين.
هذا الواقع ساهم في تعزيز الخطاب الشعبوي، سواء من اليمين أو اليسار، في صفوفهم. وحقاً تحولت الولاية في السنوات الأخيرة إلى ولاية متأرجحة، بعدما تمكن الجمهوريون من تعزيز شعبيتهم وسط هذه الشريحة، التي تسكن ضواحي المدن والأرياف. وعلى الرغم من فوز ترمب بالولاية في عام 2016 بهامش ضيق، فإن بايدن تمكن من استعادتها للديمقراطيين، وبهامش ضيق أيضاً. وهو ما يعزز آمال الجمهوريين في الاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ وإعادتها عام 2024 لسيطرتهم.
وفعلاً، كثفت مجموعة الضغط في الحزب الجمهوري، من إنفاقها على حملة أوز، مضيفة 6 ملايين دولار إلى حجوزاتها التلفزيونية في الولاية، في الأيام المتبقية من الحملة. فيما ضخت لجنة الحزب الديمقراطي 5 ملايين دولار أخرى الأسبوع الماضي. وقال ستيفن لو، رئيس مجموعة الضغط الجمهورية: «نعتقد أننا إذا فزنا في بنسلفانيا، فسنفوز بالغالبية في مجلس الشيوخ». ويرى كثير من المراقبين أنه في ظل عدم توقع حصول تغيير في سيطرة الحزبين على الولايات الأخرى، تحولت بنسلفانيا إلى «أم المعارك» الانتخابية. فسيطرة الجمهوريين عليها ستمنحهم 51 مقعداً من أصل 100 مقعد، كافية لتقرير مصير كثير من المواجهات مع البيت الأبيض. وهو ما دفع ترمب، وكذلك بايدن، لإيلاء أهمية خاصة بها، وزيارتها مرات عدة.


مقالات ذات صلة

علاج جديد يعيد الأمل للأطفال والشباب المصابين بالسرطان

يوميات الشرق يعتمد العلاج على تقنية تُعرف باسم «الأجسام المضادة المرتبطة بالأدوية» (جامعة كولومبيا البريطانية)

علاج جديد يعيد الأمل للأطفال والشباب المصابين بالسرطان

كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا عن تطوير علاج جديد موجّه للسرطان أظهر نتائج مشجعة في نماذج تجريبية ما قبل السريرية 

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك يمكن الحفاظ على صحة الكلى باتباع عادات يومية بسيطة مثل تقليل الملح في الطعام (بيكسباي)

نصائح يومية للحفاظ على صحة الكلى

يمكن الحفاظ على صحة الكلى باتباع عادات يومية بسيطة مثل شرب الماء بانتظام وتقليل الملح في الطعام وتناول غذاء متوازن غني بالخضراوات والفواكه...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك هناك ارتباط قوي بين بكتيريا الفم وسرطان المعدة (رويترز)

بكتيريا الفم قد تتسبب في سرطان المعدة

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود ارتباط قوي بين بكتيريا الفم وسرطان المعدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يحتوي الجوز على عدة مركبات مضادة للأكسدة (بيكساباي)

لا تحب السبانخ؟ 9 أطعمة غنية بمضادات الأكسدة قد تمنحك نفس الفائدة

يعتقد كثيرون أن السبانخ هي المصدر الأهم لمضادات الأكسدة، لكن خبراء التغذية يؤكدون أن هناك أطعمة أخرى شائعة قد تقدم فوائد مماثلة أو حتى أعلى في بعض الجوانب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تمارين رفع الساق خلال الجلوس تُساعد على استقرار مستوى السكر في الدم بعد الوجبات (بيكسلز)

تمرين بسيط خلال الجلوس قد يساعد على ضبط سكر الدم لساعات

تشير البحوث إلى أن تمارين رفع الساق خلال الجلوس، والمعروفة أيضاً بتمارين الضغط على عضلة النعل، تُساعد على استقرار مستوى السكر في الدم بعد الوجبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.