محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

بنسلفانيا «أم المعارك» في الانتخابات النصفية الأميركية

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ
TT

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ

قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الأميركية النصفية، صعد السباق الصعب في ولاية بنسلفانيا على عضوية مجلس الشيوخ، بين الجمهوري محمد أوز، طبيب أمراض القلب، والديمقراطي جون فيترمان، إلى مرتبة قد تحدد نتائج توازن القوى داخل مجلس الشيوخ الحالي، المنقسم مناصفة بين الحزبين. فالديمقراطيون يراهنون على احتفاظهم الهش بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وتعزيزها عبر الفوز بالمقعد الذي شغر في الولاية، إثر إعلان السيناتور الجمهوري بات تومي اعتزاله العمل السياسي والإحجام عن الترشح للمنصب. وفي المقابل، يرى الجمهوريون أن الولاية باتت «متأرجحة» بشكل يقرّبها أكثر إلى صفهم. ويراهنون على نجاح مرشحهم محمد أوز للاحتفاظ بهذا المقعد، وتهيئة الظروف لسيطرة الجمهوريين على المقعد الثاني الذي يشغله السيناتور الديمقراطي الشهير بوب كايسي. غير أن هذا الطموح قد تحول دونه عوامل عدة، على رأسها شخصية أوز نفسه. إذ رغم صعود حظوظه في مواجهة منافسه فيترمان، الذي نجا قبل أشهر من سكتة دماغية، ولا يزال يتماثل للشفاء منها، فلا تزال تحيط بأوز علامات استفهام عدة، مرتبطة بحياته المهنية والشخصية والسياسية والإعلامية.
محمد أوز - الشهير باسم «الدكتور أوز» - لم يصنع شهرته من كونه طبيباً جراحاً متخصصاً بأمراض القلب فقط ، بل من تحوله إلى نجم تلفزيوني مثير للجدل. إذ شارك في كثير من البرامج التي صنعت شهرته، لكنها ساهمت أيضاً في إثارة الجدل حول صحة ادعاءاته الطبية وصدقيتها. فقد اتهم بالكذب وبتقديم معلومات طبية غير صحيحة، مستغلاً شهرته للترويج لمنتجات طبية، واستثمار أموال في الشركات المنتجة، من بينها مثلاً عقار لمكافحة الشيخوخة، وآخر لإنقاص الوزن، لم تنل موافقة الجهات الرسمية.
وعام 2020، وإبان جائحة «كوفيد 19» شجع أوز الرئيس السابق دونالد ترمب على الترويج لاستخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» المضاد للملاريا، لعلاج الجائحة. وفي وقت لاحق، ألغت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية ترخيص الاستخدام الطارئ للهيدروكسي كلوروكين، ليتبيّن أن أوز يمتلك أيضاً ما لا تقل قيمته عن 630 ألف دولار من الأسهم في شركتين تتوليان تصنيع أو توزيع هذا العقار.
في أي حال، تسليط الأضواء على محمد أوز نابع من كونه أول أميركي مسلم يرشحه أي من الحزبين الرئيسين لمجلس الشيوخ الأميركي. بيد أن حصوله على تأييد ترمب، الذي دفع بمرشحين موالين له، لإظهار ثقله السياسي وسيطرته على الحزب الجمهوري، ضاعف من الاهتمام به. ويعود الفضل إلى ترمب في فوزه في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أمام منافسين أقوياء. لكن فوزه كان صعباً، إذ تأكد بعد إعادة فرز الأصوات، أمام منافسه ديفيد ماكورميك، مرشح «المؤسسة الحزبية». ومقابل هذا الدعم، قدم أوز ولاء الطاعة للرئيس السابق، متراجعاً عن كثير من مواقفه وآرائه «المعتدلة». والتزم بشعارات ترمب، الذي بات يعده «حصانه الرابح» لخوض معركة السيطرة على ولاية بنسلفانيا ومجلس الشيوخ.
وفي حين كافح منافسه الديمقراطي، في المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما قبل أيام، للظهور بمظهر متعافٍ قادر على تولي المنصب، ودافع عن سياسات حزبه، أظهر أوز، الشخصية التلفزيونية السابقة، وضوحاً وتماسكاً صقلتهما سنوات خبرته أمام الكاميرا. ومنذ الدقائق الأولى، انتهز الفرصة لمخاطبة الوسط السياسي، واصفاً نفسه بأنه «جراح يعمل على حل المشكلات»، مكرراً مراراً وصف منافسه فيترمان بأنه «راديكالي». وقال إنه يريد «إعادة التوازن إلى واشنطن في مواجهة التطرف». ومع تبنّي أوز بالكامل شعار ترمب «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، فإنه عدّل بعض شعاراته للانتخابات النصفية، قائلاً إنه يريد أن تكون «واشنطن متحضّرة مرة أخرى» وأن يكون «مرشح التغيير»، مؤكداً أنه سيدعم ترمب مرة أخرى في انتخابات عام 2024.
> خدمته في الجيش التركي
محمد جنكيز أوز، المعروف بـ«الدكتور أوز»، على اسم برنامجه التلفزيوني الشهير، الذي كان وراء تصنيف مجلة «تايم» له من بين 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم، مؤلف وسياسي وأستاذ فخري وطبيب متقاعد متخصص في جراحة أمراض القلب. تخرج من كل من جامعة هارفارد وجامعة بنسلفانيا، ويحمل الجنسية المزدوجة للولايات المتحدة وتركيا.
خدم أوز سنتين في الجيش التركي خلال الثمانينات، وخضع لتدريب إلزامي لمدة 6 أسابيع، للمواطنين الذين يقيمون في دول أجنبية، للحفاظ على جنسيته التركية. ومارس مهنة الطب في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وعام 2001 أصبح أستاذاً للجراحة، قبل أن يتقاعد ويصبح أستاذاً فخرياً فيها عام 2018. وفي حال فوزه، سيصبح أغنى سيناتور أميركي في تاريخ مجلس الشيوخ، بثروة تقدر ما بين 78 و500 مليون دولار.
عام 2003، كانت أوبرا وينفري أول ضيفة يستضيفها أوز في برنامج على قناة «ديسكفري»، ليظهر معها لاحقاً بشكل منتظم لأكثر من 60 مرة في برنامجها. وعام 2009، أطلق برنامج «دكتور أوز شو»، الذي يركز على الأمور الطبية والصحية، من قبل شركتي «وينفري برودكشن» و«سوني بيكتشرز»، واستمر عرضه لمدة 13 موسماً، وعرضت الحلقة الأخيرة منه في 14 يناير (كانون الثاني) 2022، غير أنه اتهم بالترويج للعلوم الزائفة، بما في ذلك مواضيع الطب البديل، والشفاء الإيماني، ومختلف المعتقدات الخارقة. الأمر الذي سبّب له انتقادات عدد من المنشورات الطبية والأطباء.
> الانتخابات غيّرت قناعاته
عام 2018، عيّنه الرئيس السابق ترمب في مجلس الرئيس للرياضة واللياقة والتغذية، وجدّد له منصبه في نهاية 2020، بعد خسارته سباق الرئاسة. غير أن أوز فُصل لاحقاً من المنصب في إدارة جو بايدن الحالية، بعدما أعلن ترشحه لعضوية مجلس الشيوخ بنهاية 2021، ومعارضته كثيراً من متطلبات الوقاية من جائحة «كوفيد 19»، داعياً إلى طرد الدكتور أنتوني فاوتشي من منصبه كمستشار بايدن الرئاسي، بعدما كان من أشد المؤيدين له.
وفي عام 2007، وصف أوز نفسه بأنه «جمهوري معتدل»، واستشهد بحاكم كاليفورنيا السابق الممثل أرنولد شوارزنيغر، وبالرئيس السابق ثيودور روزفلت كمصدر إلهام. ولكن خلال إعلان حملته لعام 2022، وصف نفسه بـ«الجمهوري المحافظ». ثم بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، وصف نفسه بأنه «زعيم معتدل، لكنه ليس سلبياً». ورغم معارضته الإجهاض، رفض الإفصاح عن موقفه من هذه القضية بشكل مباشر خلال مناظرته مع فيترمان، تخوفاً من تأثيرها سلبياً على حظوظه الانتخابية بين النساء. وأيضاً، أعلن معارضته لقانون الرعاية الميسرة «أوباما كير» بعدما كان من أشد المؤيدين له، وعارض تشريع حشيشة الكيف.
وفي المقابل، يدعم أوز حق اختيار الأهل للمدرسة، والمدارس المستقلة، وينتقد قوة نقابات المعلمين وعلاقتها الوثيقة بالحزب الديمقراطي. كذلك يدعم التكسير الهيدروليكي لإنتاج النفط، ويعتقد أن الغاز الطبيعي يمكن أن يساعد الولايات المتحدة في أن تصبح مستقلة في الطاقة وتقليل أسعار البنزين. وبالنسبة للبيئة أيضاً، كان من أشد المدافعين عن تهديدات تغير المناخ، لكنه بعد ترشحه قلل من أهمية الخطر الذي يمثله ثاني أكسيد الكربون ودوره في الاحتباس الحراري، قائلاً: «إنه لا يمثل سوى 0.04 في المائة من هوائنا. هذه ليست المشكلة». وبجانب ذلك، فهو يؤيد الحق في حمل السلاح، وتنفيذ عقوبة الإعدام، وحماية الزواج المثلي، ويدعم حق إسرائيل في الوجود، ويعارض حركة المقاطعة ضدها، بل يؤيد إبقاء السفارة الأميركية في القدس، ويدعم استمرار المساعدة العسكرية لها. وبالنسبة لأوكرانيا، أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، ووصفه بأنه «مروع» و«يمكن منعه».
> مسلم معتدل
ولد أوز عام 1960 في مدينة كليفلاند، بولاية أوهايو. والده مصطفى من مقاطعة قونية في تركيا، طبيب جراح، ووالدته سونا من أصل شركسي ومن عائلة ثرية في إسطنبول.
عام 1950، انتقل والده إلى الولايات المتحدة؛ حيث تدرب على جراحة القلب والصدر في جامعة إيموري في أتلانتا (عاصمة ولاية جورجيا) وكان رئيس قسم جراحة الصدر في المركز الطبي في ولاية ديلاوير لعدة سنوات قبل أن يعود إلى تركيا.
لدى أوز أختان، سيفال ونظليم، ونشأ في بيئة إسلامية مختلطة حيث تمارس أسرة والده الإسلام التقليدي، بينما أسرة والدته أكثر علمانية. نشأ أوز في مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير، وتلقى تعليمه في مدرسة تاور هيل فيها. عام 1982، حصل على شهادة بكالوريوس علوم في علم الأحياء بامتياز من جامعة هارفارد. وعام 1986 حصل على الدكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة بنسلفانيا، كما نال الماجستير من كلية وارتون للتمويل الشهيرة في جامعة ببنسلفانيا.
بدأ أوز حياته المهنية في مدينة نيويورك، ثم في مستشفيات جامعة كولومبيا. وعام 2001 أصبح أستاذاً فيها حتى عام 2018. وهناك ساعد في تطوير كثير من الأجهزة والإجراءات المتعلقة بجراحة القلب، وحصل عام 2015 على عدد من براءات الاختراع المتعلقة بجراحة القلب. ولقد طلبت مجموعة من 10 أطباء، في جامعة كولومبيا، خلال العام نفسه إزالته من الكلية بسبب «ازدرائه العلوم والطب القائم على الأدلة»، لكن الجامعة رفضت ذلك، بحجة أنها ملتزمة بمبدأ «الحرية الأكاديمية ودعم حرية أعضاء هيئة التدريس في التعبير».
تزوج من زوجته ليزا أوز، الكاتبة والشخصية تلفزيونية، عام 1985، ولديهما 4 أبناء، بما في ذلك ابنته الكبرى دافني، وهي أيضاً مؤلفة ومقدمة برامج تلفزيونية. ومن ناحية ثانية، في 2020، رفعت أخته نظليم أوز دعوى قضائية ضده، بزعم أنه كان يحجب دخلها من الإيجار من الشقق المملوكة لوالدهما الراحل. وردّ أوز بأنه أُجبر على تعليق مدفوعات الشقق كضمان، لأن والدتهم وأقاربهم كانوا يقاضونها في محكمة الوصاية التركية بشأن توزيع أملاك والده.
هذا، وتعهد أوز أنه، في حال انتخابه، سيتخلى عن جنسيته التركية «التي كان يتمسك بها من أجل مساعدة والدته التي تعاني من مرض ألزهايمر في تركيا»، على الرغم من أنه لا يوجد قانون أميركي يحظر على أعضاء الكونغرس أن يكونوا مزدوجي الجنسية. وهو يعرّف عن نفسه بأنه «مسلم علماني»، ويرفض تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة. وفي إشارة إلى أن زوجته وأولاده الأربعة مسيحيون، قال أوز إنه يعتقد أن الولايات المتحدة تأسست على القيم اليهودية والمسيحية.
> ولاية بنسلفانيا... في سطور
اكتسبت ولاية بنسلفانيا تسميتها كإحدى «ولايات الصدأ»، من كونها أكبر مركز لصناعة الحديد والصلب في البلاد، وأيضاً في إنتاج الفحم الحجري. لكن المنافسة غير المتكافئة مع الصين في إنتاج الحديد أدت إلى إغلاق كثير من مصانعها وتراجع إنتاج الفحم، ما أدى إلى تدهور أحوال عمالها ودور اتحاداتهم النقابية، التي كانت تدين بالولاء للديمقراطيين.
هذا الواقع ساهم في تعزيز الخطاب الشعبوي، سواء من اليمين أو اليسار، في صفوفهم. وحقاً تحولت الولاية في السنوات الأخيرة إلى ولاية متأرجحة، بعدما تمكن الجمهوريون من تعزيز شعبيتهم وسط هذه الشريحة، التي تسكن ضواحي المدن والأرياف. وعلى الرغم من فوز ترمب بالولاية في عام 2016 بهامش ضيق، فإن بايدن تمكن من استعادتها للديمقراطيين، وبهامش ضيق أيضاً. وهو ما يعزز آمال الجمهوريين في الاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ وإعادتها عام 2024 لسيطرتهم.
وفعلاً، كثفت مجموعة الضغط في الحزب الجمهوري، من إنفاقها على حملة أوز، مضيفة 6 ملايين دولار إلى حجوزاتها التلفزيونية في الولاية، في الأيام المتبقية من الحملة. فيما ضخت لجنة الحزب الديمقراطي 5 ملايين دولار أخرى الأسبوع الماضي. وقال ستيفن لو، رئيس مجموعة الضغط الجمهورية: «نعتقد أننا إذا فزنا في بنسلفانيا، فسنفوز بالغالبية في مجلس الشيوخ». ويرى كثير من المراقبين أنه في ظل عدم توقع حصول تغيير في سيطرة الحزبين على الولايات الأخرى، تحولت بنسلفانيا إلى «أم المعارك» الانتخابية. فسيطرة الجمهوريين عليها ستمنحهم 51 مقعداً من أصل 100 مقعد، كافية لتقرير مصير كثير من المواجهات مع البيت الأبيض. وهو ما دفع ترمب، وكذلك بايدن، لإيلاء أهمية خاصة بها، وزيارتها مرات عدة.


مقالات ذات صلة

6 أنواع من الحبوب لتعزيز صحة الأمعاء

صحتك  وجبة السحور ينبغي أن تتضمن أطعمة بطيئة الهضم مثل الحبوب الكاملة ومصادر البروتين (بيكسلز)

6 أنواع من الحبوب لتعزيز صحة الأمعاء

يلعب نظامك الغذائي دوراً أساسياً في الحفاظ على صحة الأمعاء. فتناول الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية الداعمة للأمعاء، مثل الألياف، يمكن أن يعزز حركتها المنتظمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك يحتوي التفاح على مركّبات يمكن أن تساعد في حماية البشرة مع التقدّم في العمر (بيكسلز)

5 أنواع من التفاح تحتوي على ألياف تدعم الهضم وصحة الأمعاء 

يعد التفاح وجبة خفيفة رائعة لتحسين صحة الأمعاء. تحتوي بعض أنواع التفاح على ألياف أكثر بقليل من غيرها، لكن جميع الأنواع تدعم عملية الهضم وصحة القلب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تفاصيل يومية صغيرة... وتأثير كبير في صحة العقل (مجلة ريل سمبل)

7 عادات يومية تُضعف دماغك من دون أن تنتبه

ماذا عن السلوكيات اليومية التي تبدو غير مؤذية، وإنما تؤثر تدريجياً في قدراتك الذهنية وأدائك المعرفي؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك الزبادي اليوناني يُعد من المصادر الشائعة للبروتين (بيكسلز)

تتفوق على الزبادي اليوناني... 6 وجبات خفيفة مليئة بالبروتين

البروتين عنصر غذائي أساسي يلعب دوراً كبيراً في بناء العضلات والمحافظة عليها، بالإضافة إلى دوره في دعم صحة العظام، والجهاز المناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية محتجون يسيرون في وسط طهران 29 ديسمبر 2025 (أ.ب)

شهود: عناصر أمن إيرانية تعرقل علاج جرحى الاحتجاجات داخل مستشفيات مكتظة

أفاد شهود عيان من أطباء، بأن عناصر أمن إيرانية عرقلت علاج جرحى الاحتجاجات داخل مستشفيات مكتظة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.