قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الأميركية النصفية، صعد السباق الصعب في ولاية بنسلفانيا على عضوية مجلس الشيوخ، بين الجمهوري محمد أوز، طبيب أمراض القلب، والديمقراطي جون فيترمان، إلى مرتبة قد تحدد نتائج توازن القوى داخل مجلس الشيوخ الحالي، المنقسم مناصفة بين الحزبين. فالديمقراطيون يراهنون على احتفاظهم الهش بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وتعزيزها عبر الفوز بالمقعد الذي شغر في الولاية، إثر إعلان السيناتور الجمهوري بات تومي اعتزاله العمل السياسي والإحجام عن الترشح للمنصب. وفي المقابل، يرى الجمهوريون أن الولاية باتت «متأرجحة» بشكل يقرّبها أكثر إلى صفهم. ويراهنون على نجاح مرشحهم محمد أوز للاحتفاظ بهذا المقعد، وتهيئة الظروف لسيطرة الجمهوريين على المقعد الثاني الذي يشغله السيناتور الديمقراطي الشهير بوب كايسي. غير أن هذا الطموح قد تحول دونه عوامل عدة، على رأسها شخصية أوز نفسه. إذ رغم صعود حظوظه في مواجهة منافسه فيترمان، الذي نجا قبل أشهر من سكتة دماغية، ولا يزال يتماثل للشفاء منها، فلا تزال تحيط بأوز علامات استفهام عدة، مرتبطة بحياته المهنية والشخصية والسياسية والإعلامية.
محمد أوز - الشهير باسم «الدكتور أوز» - لم يصنع شهرته من كونه طبيباً جراحاً متخصصاً بأمراض القلب فقط ، بل من تحوله إلى نجم تلفزيوني مثير للجدل. إذ شارك في كثير من البرامج التي صنعت شهرته، لكنها ساهمت أيضاً في إثارة الجدل حول صحة ادعاءاته الطبية وصدقيتها. فقد اتهم بالكذب وبتقديم معلومات طبية غير صحيحة، مستغلاً شهرته للترويج لمنتجات طبية، واستثمار أموال في الشركات المنتجة، من بينها مثلاً عقار لمكافحة الشيخوخة، وآخر لإنقاص الوزن، لم تنل موافقة الجهات الرسمية.
وعام 2020، وإبان جائحة «كوفيد 19» شجع أوز الرئيس السابق دونالد ترمب على الترويج لاستخدام عقار «هيدروكسي كلوروكين» المضاد للملاريا، لعلاج الجائحة. وفي وقت لاحق، ألغت «إدارة الغذاء والدواء» الأميركية ترخيص الاستخدام الطارئ للهيدروكسي كلوروكين، ليتبيّن أن أوز يمتلك أيضاً ما لا تقل قيمته عن 630 ألف دولار من الأسهم في شركتين تتوليان تصنيع أو توزيع هذا العقار.
في أي حال، تسليط الأضواء على محمد أوز نابع من كونه أول أميركي مسلم يرشحه أي من الحزبين الرئيسين لمجلس الشيوخ الأميركي. بيد أن حصوله على تأييد ترمب، الذي دفع بمرشحين موالين له، لإظهار ثقله السياسي وسيطرته على الحزب الجمهوري، ضاعف من الاهتمام به. ويعود الفضل إلى ترمب في فوزه في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين أمام منافسين أقوياء. لكن فوزه كان صعباً، إذ تأكد بعد إعادة فرز الأصوات، أمام منافسه ديفيد ماكورميك، مرشح «المؤسسة الحزبية». ومقابل هذا الدعم، قدم أوز ولاء الطاعة للرئيس السابق، متراجعاً عن كثير من مواقفه وآرائه «المعتدلة». والتزم بشعارات ترمب، الذي بات يعده «حصانه الرابح» لخوض معركة السيطرة على ولاية بنسلفانيا ومجلس الشيوخ.
وفي حين كافح منافسه الديمقراطي، في المناظرة الوحيدة التي أجريت بينهما قبل أيام، للظهور بمظهر متعافٍ قادر على تولي المنصب، ودافع عن سياسات حزبه، أظهر أوز، الشخصية التلفزيونية السابقة، وضوحاً وتماسكاً صقلتهما سنوات خبرته أمام الكاميرا. ومنذ الدقائق الأولى، انتهز الفرصة لمخاطبة الوسط السياسي، واصفاً نفسه بأنه «جراح يعمل على حل المشكلات»، مكرراً مراراً وصف منافسه فيترمان بأنه «راديكالي». وقال إنه يريد «إعادة التوازن إلى واشنطن في مواجهة التطرف». ومع تبنّي أوز بالكامل شعار ترمب «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، فإنه عدّل بعض شعاراته للانتخابات النصفية، قائلاً إنه يريد أن تكون «واشنطن متحضّرة مرة أخرى» وأن يكون «مرشح التغيير»، مؤكداً أنه سيدعم ترمب مرة أخرى في انتخابات عام 2024.
> خدمته في الجيش التركي
محمد جنكيز أوز، المعروف بـ«الدكتور أوز»، على اسم برنامجه التلفزيوني الشهير، الذي كان وراء تصنيف مجلة «تايم» له من بين 100 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم، مؤلف وسياسي وأستاذ فخري وطبيب متقاعد متخصص في جراحة أمراض القلب. تخرج من كل من جامعة هارفارد وجامعة بنسلفانيا، ويحمل الجنسية المزدوجة للولايات المتحدة وتركيا.
خدم أوز سنتين في الجيش التركي خلال الثمانينات، وخضع لتدريب إلزامي لمدة 6 أسابيع، للمواطنين الذين يقيمون في دول أجنبية، للحفاظ على جنسيته التركية. ومارس مهنة الطب في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، وعام 2001 أصبح أستاذاً للجراحة، قبل أن يتقاعد ويصبح أستاذاً فخرياً فيها عام 2018. وفي حال فوزه، سيصبح أغنى سيناتور أميركي في تاريخ مجلس الشيوخ، بثروة تقدر ما بين 78 و500 مليون دولار.
عام 2003، كانت أوبرا وينفري أول ضيفة يستضيفها أوز في برنامج على قناة «ديسكفري»، ليظهر معها لاحقاً بشكل منتظم لأكثر من 60 مرة في برنامجها. وعام 2009، أطلق برنامج «دكتور أوز شو»، الذي يركز على الأمور الطبية والصحية، من قبل شركتي «وينفري برودكشن» و«سوني بيكتشرز»، واستمر عرضه لمدة 13 موسماً، وعرضت الحلقة الأخيرة منه في 14 يناير (كانون الثاني) 2022، غير أنه اتهم بالترويج للعلوم الزائفة، بما في ذلك مواضيع الطب البديل، والشفاء الإيماني، ومختلف المعتقدات الخارقة. الأمر الذي سبّب له انتقادات عدد من المنشورات الطبية والأطباء.
> الانتخابات غيّرت قناعاته
عام 2018، عيّنه الرئيس السابق ترمب في مجلس الرئيس للرياضة واللياقة والتغذية، وجدّد له منصبه في نهاية 2020، بعد خسارته سباق الرئاسة. غير أن أوز فُصل لاحقاً من المنصب في إدارة جو بايدن الحالية، بعدما أعلن ترشحه لعضوية مجلس الشيوخ بنهاية 2021، ومعارضته كثيراً من متطلبات الوقاية من جائحة «كوفيد 19»، داعياً إلى طرد الدكتور أنتوني فاوتشي من منصبه كمستشار بايدن الرئاسي، بعدما كان من أشد المؤيدين له.
وفي عام 2007، وصف أوز نفسه بأنه «جمهوري معتدل»، واستشهد بحاكم كاليفورنيا السابق الممثل أرنولد شوارزنيغر، وبالرئيس السابق ثيودور روزفلت كمصدر إلهام. ولكن خلال إعلان حملته لعام 2022، وصف نفسه بـ«الجمهوري المحافظ». ثم بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية، وصف نفسه بأنه «زعيم معتدل، لكنه ليس سلبياً». ورغم معارضته الإجهاض، رفض الإفصاح عن موقفه من هذه القضية بشكل مباشر خلال مناظرته مع فيترمان، تخوفاً من تأثيرها سلبياً على حظوظه الانتخابية بين النساء. وأيضاً، أعلن معارضته لقانون الرعاية الميسرة «أوباما كير» بعدما كان من أشد المؤيدين له، وعارض تشريع حشيشة الكيف.
وفي المقابل، يدعم أوز حق اختيار الأهل للمدرسة، والمدارس المستقلة، وينتقد قوة نقابات المعلمين وعلاقتها الوثيقة بالحزب الديمقراطي. كذلك يدعم التكسير الهيدروليكي لإنتاج النفط، ويعتقد أن الغاز الطبيعي يمكن أن يساعد الولايات المتحدة في أن تصبح مستقلة في الطاقة وتقليل أسعار البنزين. وبالنسبة للبيئة أيضاً، كان من أشد المدافعين عن تهديدات تغير المناخ، لكنه بعد ترشحه قلل من أهمية الخطر الذي يمثله ثاني أكسيد الكربون ودوره في الاحتباس الحراري، قائلاً: «إنه لا يمثل سوى 0.04 في المائة من هوائنا. هذه ليست المشكلة». وبجانب ذلك، فهو يؤيد الحق في حمل السلاح، وتنفيذ عقوبة الإعدام، وحماية الزواج المثلي، ويدعم حق إسرائيل في الوجود، ويعارض حركة المقاطعة ضدها، بل يؤيد إبقاء السفارة الأميركية في القدس، ويدعم استمرار المساعدة العسكرية لها. وبالنسبة لأوكرانيا، أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، ووصفه بأنه «مروع» و«يمكن منعه».
> مسلم معتدل
ولد أوز عام 1960 في مدينة كليفلاند، بولاية أوهايو. والده مصطفى من مقاطعة قونية في تركيا، طبيب جراح، ووالدته سونا من أصل شركسي ومن عائلة ثرية في إسطنبول.
عام 1950، انتقل والده إلى الولايات المتحدة؛ حيث تدرب على جراحة القلب والصدر في جامعة إيموري في أتلانتا (عاصمة ولاية جورجيا) وكان رئيس قسم جراحة الصدر في المركز الطبي في ولاية ديلاوير لعدة سنوات قبل أن يعود إلى تركيا.
لدى أوز أختان، سيفال ونظليم، ونشأ في بيئة إسلامية مختلطة حيث تمارس أسرة والده الإسلام التقليدي، بينما أسرة والدته أكثر علمانية. نشأ أوز في مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير، وتلقى تعليمه في مدرسة تاور هيل فيها. عام 1982، حصل على شهادة بكالوريوس علوم في علم الأحياء بامتياز من جامعة هارفارد. وعام 1986 حصل على الدكتوراه في الطب من كلية الطب بجامعة بنسلفانيا، كما نال الماجستير من كلية وارتون للتمويل الشهيرة في جامعة ببنسلفانيا.
بدأ أوز حياته المهنية في مدينة نيويورك، ثم في مستشفيات جامعة كولومبيا. وعام 2001 أصبح أستاذاً فيها حتى عام 2018. وهناك ساعد في تطوير كثير من الأجهزة والإجراءات المتعلقة بجراحة القلب، وحصل عام 2015 على عدد من براءات الاختراع المتعلقة بجراحة القلب. ولقد طلبت مجموعة من 10 أطباء، في جامعة كولومبيا، خلال العام نفسه إزالته من الكلية بسبب «ازدرائه العلوم والطب القائم على الأدلة»، لكن الجامعة رفضت ذلك، بحجة أنها ملتزمة بمبدأ «الحرية الأكاديمية ودعم حرية أعضاء هيئة التدريس في التعبير».
تزوج من زوجته ليزا أوز، الكاتبة والشخصية تلفزيونية، عام 1985، ولديهما 4 أبناء، بما في ذلك ابنته الكبرى دافني، وهي أيضاً مؤلفة ومقدمة برامج تلفزيونية. ومن ناحية ثانية، في 2020، رفعت أخته نظليم أوز دعوى قضائية ضده، بزعم أنه كان يحجب دخلها من الإيجار من الشقق المملوكة لوالدهما الراحل. وردّ أوز بأنه أُجبر على تعليق مدفوعات الشقق كضمان، لأن والدتهم وأقاربهم كانوا يقاضونها في محكمة الوصاية التركية بشأن توزيع أملاك والده.
هذا، وتعهد أوز أنه، في حال انتخابه، سيتخلى عن جنسيته التركية «التي كان يتمسك بها من أجل مساعدة والدته التي تعاني من مرض ألزهايمر في تركيا»، على الرغم من أنه لا يوجد قانون أميركي يحظر على أعضاء الكونغرس أن يكونوا مزدوجي الجنسية. وهو يعرّف عن نفسه بأنه «مسلم علماني»، ويرفض تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة. وفي إشارة إلى أن زوجته وأولاده الأربعة مسيحيون، قال أوز إنه يعتقد أن الولايات المتحدة تأسست على القيم اليهودية والمسيحية.
> ولاية بنسلفانيا... في سطور
اكتسبت ولاية بنسلفانيا تسميتها كإحدى «ولايات الصدأ»، من كونها أكبر مركز لصناعة الحديد والصلب في البلاد، وأيضاً في إنتاج الفحم الحجري. لكن المنافسة غير المتكافئة مع الصين في إنتاج الحديد أدت إلى إغلاق كثير من مصانعها وتراجع إنتاج الفحم، ما أدى إلى تدهور أحوال عمالها ودور اتحاداتهم النقابية، التي كانت تدين بالولاء للديمقراطيين.
هذا الواقع ساهم في تعزيز الخطاب الشعبوي، سواء من اليمين أو اليسار، في صفوفهم. وحقاً تحولت الولاية في السنوات الأخيرة إلى ولاية متأرجحة، بعدما تمكن الجمهوريون من تعزيز شعبيتهم وسط هذه الشريحة، التي تسكن ضواحي المدن والأرياف. وعلى الرغم من فوز ترمب بالولاية في عام 2016 بهامش ضيق، فإن بايدن تمكن من استعادتها للديمقراطيين، وبهامش ضيق أيضاً. وهو ما يعزز آمال الجمهوريين في الاحتفاظ بمقعد مجلس الشيوخ وإعادتها عام 2024 لسيطرتهم.
وفعلاً، كثفت مجموعة الضغط في الحزب الجمهوري، من إنفاقها على حملة أوز، مضيفة 6 ملايين دولار إلى حجوزاتها التلفزيونية في الولاية، في الأيام المتبقية من الحملة. فيما ضخت لجنة الحزب الديمقراطي 5 ملايين دولار أخرى الأسبوع الماضي. وقال ستيفن لو، رئيس مجموعة الضغط الجمهورية: «نعتقد أننا إذا فزنا في بنسلفانيا، فسنفوز بالغالبية في مجلس الشيوخ». ويرى كثير من المراقبين أنه في ظل عدم توقع حصول تغيير في سيطرة الحزبين على الولايات الأخرى، تحولت بنسلفانيا إلى «أم المعارك» الانتخابية. فسيطرة الجمهوريين عليها ستمنحهم 51 مقعداً من أصل 100 مقعد، كافية لتقرير مصير كثير من المواجهات مع البيت الأبيض. وهو ما دفع ترمب، وكذلك بايدن، لإيلاء أهمية خاصة بها، وزيارتها مرات عدة.
محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ
بنسلفانيا «أم المعارك» في الانتخابات النصفية الأميركية
محمد أوز... حصان ترمب الأبرز للسيطرة على مجلس الشيوخ
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

