أحاديث واسعة عن «بازار لبيع المناصب» غداة تشكيل الحكومة العراقية

يصل السعر في بعض الوزارات المهمة إلى عشرات ملايين الدولارات

لحظة تكليف محمد شياع السوداني تشكيل الحكومة من قبل الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد (إ.ب.أ)
لحظة تكليف محمد شياع السوداني تشكيل الحكومة من قبل الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد (إ.ب.أ)
TT

أحاديث واسعة عن «بازار لبيع المناصب» غداة تشكيل الحكومة العراقية

لحظة تكليف محمد شياع السوداني تشكيل الحكومة من قبل الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد (إ.ب.أ)
لحظة تكليف محمد شياع السوداني تشكيل الحكومة من قبل الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد (إ.ب.أ)

يجري الحديث عن بيع وشراء المناصب الوزارية والحكومية في العراق على كل لسان هذه الأيام تقريباً، بالتزامن مع الجهود التي يبذلها رئيس الوزراء المكلف محمد شياع السوداني لتشكيل حكومة قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية.
وعلى الرغم من عدم استناد هذا النوع من الأحاديث إلى أدلة ثبوتية قاطعة، فإنه ارتبط تقريباً بمعظم الحكومات التي تشكلت في الدورات البرلمانية الثلاث الأخيرة (2014- 2022). وتغذيه عوامل عديدة، أهمها فقدان الثقة الشعبية العميقة بالأحزاب والكتل السياسية التي كرست حالة الفساد المستشري في البلاد، إلى جانب معرفة الناس القريبة من اليقين، بعمليات بيع وشراء واسعة حدثت وتحدث منذ سنوات، في معظم مؤسسات الدولة، وخصوصاً العسكرية منها.
ويغذي أيضاً نظرية بيع المناصب وتصديق الناس لها، ما يرد على لسان ساسة ونواب سابقين وحاليين من تصريحات وأحاديث علنية حول ذلك، فالنائب السابق في تحالف «الفتح» الحشدي، عبد الأمير التعيبان يتحدث علناً في سلسلة تغريدات عن «بازار البيع والشراء»، ويقول حرفياً: إن «ما يحصل اليوم من توزيع للوزارات وإناطتها إلى شخصيات حسب الانتماءات والقرب من زعيم الحزب، وعلى من يدفع أكثر من ملايين (الدولارات)، لا على أساس الكفاءة، يؤكد الانحراف عن مطالب الشعب بعد (احتجاجات) تشرين والتي على أساسها تمت إقالة الحكومة وحل البرلمان وانتخابات مبكرة».
ويتساءل التعيبان: «كيف ينجح ‎رئيس وزراء محكوم بإرادات زعماء أحزاب عجائز، أطباعهم أفظع من أطباع كهنة معبد آمون. أدواته وزراء إما اشتروا الوزارة بمال الشعب، أو يعملون بإرادة اللجان الاقتصادية المهيمنة على الوزارة، طولاً وعرضاً».
وبينما يتحدث السياسي المستقل محمود الحياني عن بلوغ سعر الوزارة السيادية (الدفاع، والمالية، والخارجية) 75 مليون دولار، يتحدث آخرون عن وصول سقف الأسعار إلى 200 مليون دولار للوزارة الواحدة.
وقال الحياني في تصريحات صحافية: «هنالك خلافات على الوزارات في كابينة المكلف بتشكيل الحكومة محمد شياع السوداني. إن سعر الوزارات السيادية وصل إلى 75 مليون دولار، بينما سعر الوزارات الخدمية أقل من ذلك».
بدوره، ينفي النائب عن «الإطار التنسيقي» علي الفتلاوي، قضية بيع المناصب الوزارية، ويقول في تصريحات صحافية: إن «كل الأنباء والمعلومات التي تتحدث عن وجود عمليات بيع للحقائب الوزارية في حكومة محمد شياع السوداني، غير صحيحة، وهي مجرد شائعات تهدف إلى التسقيط والتشويش على الرأي العام».
وأشار إلى أن رئيس الوزراء المكلف «يختار أعضاء كابينته الوزارية وفق معايير محددة هو من وضعها، وهو يرفض فرض أي اسم عليه من الكتل والأحزاب السياسية».
من جانبه، يرى رئيس «مركز التفكير السياسي» الأكاديمي إحسان الشمري، أنه «من الصعب جداً الجزم بمسألة بيع وشراء المناصب الوزارية»، على الرغم من اعترافه بوجود «شبكات المال السياسي التي تهيمن على الفضاء السياسي في البلاد».
ويقول الشمري لـ«الشرق الأوسط»: «نعم يوجد مال سياسي مؤثر؛ لكني أشعر بأن قضية الشراء والبيع صارت نوعاً من الدعايات المضادة. لا يمكن نكران ما يجري من تأثيرات المال والنفوذ؛ لكنها باتت جزءاً من التنافس، وخسارة المساحة في السلطة التنفيذية تدفع بعض الأطراف إلى هذا النوع من الأحاديث».
ويضيف: «قد تكون موجودة (عمليات البيع والشراء)؛ لكني لا أتصورها بالمستوى الذي يضع جميع الوزارات في بورصة البيع والشراء. لا يوجد شيء ملموس تماماً. المطلوب من رئيس الوزراء المكلف قطع الطريق أمام أي صفقة من هذا النوع».
ويتابع الشمري: «المال موجود، وتجار السياسة يعملون بجهد للاستحواذ على بعض المناصب، ولا يشمل الأمر -ربما- جميع الوزارات».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يفتح مساراً للانتخابات التشريعية الفلسطينية... ويعد بالرئاسية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تجرى هذا العام بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لمنظمة التحرير، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني، وانتهت بسيطرة الحركة على القطاع.

وأكد عباس، خلال اتصال هاتفي مع رئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو، على المضي في «برنامج الإصلاح الوطني الشامل وتعزيز المسار الديمقراطي»، مشيراً إلى «الذهاب إلى الانتخابات البرلمانية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ويتبعها في العام المقبل الانتخابات الرئاسية».

وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) إنه من المقرر أن يصدر عباس مرسوماً بالدعوة لانتخابات المجلس التشريعي بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» (التابع لمنظمة التحرير)، التي كان قد حدد الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل موعداً لإجرائها.

ويتشكل أعضاء المجلس الوطني (350 عضواً) من الداخل والخارج، ويمثل أعضاء المجلس التشريعي نسبة الثلثين تقريباً من أعضاء «المجلس الوطني».

ما التعديلات الجديدة؟

ونصت التعديلات الجديدة على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 200 عضو (من 132)، وخفض نسبة الحسم اللازمة للفوز بالمقاعد إلى 1 في المائة بدلاً من 2 في المائة، ورفع الحد الأدنى لعدد المرشحين ضمن كل قائمة انتخابية إلى 20 مرشحاً بدلاً من 16 مرشحاً.

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وتضمن القرار تعزيز مشاركة المرأة في القوائم الانتخابية، واشتراط وجود سيدة واحدة على الأقل بين كل ثلاثة مرشحين في القائمة، إضافة إلى خفض سن الترشح لانتخابات المجلس التشريعي إلى 23 عاماً بدلاً من 28 عاماً.

وقرار إجراء انتخابات تشريعية جاء في وقت حساس، يعمل فيه عباس على ترتيب وضع السلطة الفلسطينية وضمان انتقال سلس لقيادتها، وهو ما قاده حتى الآن لإجراء انتخابات محلية وانتخابات لقيادة حركة «فتح»، على أن تجري لاحقاً انتخابات «التشريعي» و«الوطني» ثم الانتخابات الرئاسية.

«تعهدات... وضغوط لم تتوقف»

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة»، وأضاف: «الضغوط منذ حرب غزة لم تتوقف، وكلها تصب باتجاه أنه يجب تجديد السلطة عبر إجراء كل الانتخابات المطلوبة، وإدخال الإصلاحات اللازمة. كان هذا جزءاً من شروط التعامل مع السلطة وإبقائها ودعمها نحو مسار سياسي متعلق بالدولة، بما في ذلك اليوم التالي في قطاع غزة».

والعام الماضي، تعهد عباس بإعادة هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة وفتح وأجهزة الدولة، وأثناء ذلك دفع حسين الشيخ إلى منصب نائب الرئيس، وأجرى تغييرات على الأجهزة الأمنية وبدأ إصلاحات مالية وأخرى في المناهج الدراسية، ولاحقاً جرت انتخابات محلية وانتخابات في قيادة حركة «فتح».

وأكد المصدر من السلطة أن «التوجه هو إجراء الانتخابات التشريعية، لكن الظروف السياسية المتعلقة بإسرائيل والوضع في غزة، يمكن أن تُلقي بظلالها بلا شك».

«حماس تهاجم»

على الرغم من أن إجراء انتخابات عامة كان مطلباً رئيسياً لحركة «حماس» في أي محادثات مصالحة مع «فتح»، لكنها هاجمت بشدة مرسوم عباس.

وقال الناطق باسم «حماس» حازم قاسم، إن «القرارات التي يصدرها عباس حول الانتخابات هي استمرار لمنطق الاستفراد»، عاداً أنها «محاولة لتكييف كل الخطوات لتناسب فقط القيادة التي تحكم السلطة».

غير أن «حماس» تواجه معضلة انتخابية غير مسبوقة، إذ تعرقل التعديلات المتتالية التي أدخلها عباس على نظام الانتخابات مشاركة أعضائها السياسية وترشحهم في الانتخابات.

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية في أبريل الماضي (أ.ب)

وكان عباس قد أصدر مراسيم سابقة اشترطت على المرشّحين للانتخابات المحلية والوطني الالتزام بـ«منظمة التحرير الفلسطينية» والتزاماتها، التي من بينها الاعتراف بإسرائيل، وهو بند ترفضه «حماس». وقال المصدر إن ذلك «سيسري على الانتخابات التشريعية».

وأضاف: «السلطة لن تأتي بـ(حماس) في مواقع ممثلة للشعب الفلسطيني، قبل أن تنخرط وتكون جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني أولاً».

وطالبت السلطة قبل ذلك «حماس» بتسليم غزة والسلاح والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تستجب حتى الآن.

ولم تشارك «حماس» في الانتخابات الرئاسية التي جاءت بعباس عام 2005، لكنها سيطرت على الانتخابات التشريعية عام 2006، قبل أن تنقلب على السلطة وتستولي على غزة، ما أدى إلى تعليق عمل «المجلس التشريعي» حتى قرر عباس حله عام 2018.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً، بعدما سوّت إسرائيل مؤسسته ومستودعاته بالأرض.

فمدينة النبطية، مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته في جنوب لبنان، شكّلت منذ الأسبوع الماضي هدفاً لهجمات إسرائيل، بعدما طالتها إنذارات إخلاء وغارات، وتقدَّمَ الجيش الإسرائيلي ميدانياً في محيطها، ما جعلها شبه مقفرة من سكانها البالغ عددهم قرابة تسعين ألفاً قبل اندلاع الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار).

أمام الشارع الذي يحمل اسم مؤسسته «بن الكمال»، لم يقوَ كمال على حبس دموعه وهو يعاين أكوام الركام متكئاً على عصا تعينه في خطواته الثقيلة.

يقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بتأثر شديد: «يا ضيعان العمر الذي أفنيناه هنا»، مشيراً إلى مؤسسته ومستودعاته التي لم تبقِّ الغارات الإسرائيلية أثراً لها.

ويضيف بينما يمسح عينيه بمنديل ورقي: «افتتحتها في السبعينيات حين كنت لا أزال شابا... لم يبقَ شيء»، موضحاً أن الشارع بأكمله «يحتاج إلى جرف» لرفع الركام.

على غرار الرجل المعروف ومؤسسته من أبناء مدينته، يتحسّر العائدون من السكان على الدمار الهائل الذي يلف أحياء في المدينة بينها سوقها التجارية المسقوفة التي انهار سقفها ولحقت أضرار جسيمة بمحالها جراء الغارات الإسرائيلية.

مواطنون يسيرون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة النبطية جنوب لبنان... يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال إن الجيش اللبناني الذي أخلى موقعاً في محيط المدينة الأسبوع الماضي، أقام الاثنين حاجزاً على مدخلها، وتولى إرشاد السكان إلى الطرق التي يمكنهم سلوكها على وقع دوي قصف مدفعي إسرائيلي متقطع وتصاعد الدخان في محيط المدينة.

وحضّ الجيش اللبناني السكان في بيان، الاثنين، على «التريّث» في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية. ودعاهم «حزب الله» إلى «انتظار توجيهات المعنيين بشأن العودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، حرصاً على سلامتهم وتفادياً لأي مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة».

ورغم أن بلدية النبطية دعت السكان إلى عدم العودة في الوقت الراهن... «نظراً لاستمرار دقة الوضع الأمني وعدم استقراره»، فإن ذلك لم يحُل دون عودة السكان التي كانت خجولة صباحاً قبل أن تزداد وتيرتها لاحقاً.

في أحد أحياء المدينة المدمرة بالكامل، وقفت رنا نصرالله (45 عاماً) التي نزحت خلال الحرب الأخيرة مع عائلتها إلى مدينة صيدا الساحلية تعاين الدمار، حيث تناثرت ملابس وفرش وأحواض زهور وذكريات تستعيدها بفخر.

وتقول السيدة التي خسرت منزلها: «نشأنا في هذا الحي. هنا كنا نلعب ونحن أطفال، وهنا كانت النسوة الكبار يتسامرن، وأمامنا سوق النبطية الأثرية... هنا المعالم التي أرادوا ربما محوها».

وتوضح بينما تحمل كمامة طبية بيدها: «فور الإعلان عن وقف لإطلاق النار وقبل أن يصدر أي بيان رسمي... انطلقنا وجئنا إلى هنا، لم يعد بإمكاننا أن ننتظر أكثر».

وتضيف: «جئنا لنشمّ تراب بلدنا... حتى لو لم يكن ثمة منزل يؤوينا ولا عمل، لكن تشعر بفرج للروح».

ورغم الدمار الهائل الذي يلف المدينة، على غرار العشرات من البلدات والقرى الجنوبية التي دمرتها القوات الإسرائيلية كلياً أو جزئياً خلال الحرب الأخيرة، تعرب نصرالله عن أملها بإعادة بناء ما تدمّر.

وتقول: «رغم الحزن والأسى عند رؤية المدينة مدمرة... لكن يعترينا الأمل بأننا سنعيد البناء». وتتابع قائلة: «لم نشعر لمرة أننا مهزومون وأننا لن ننتصر وأننا لن نعود لنعيد بناء النبطية».


سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
TT

سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)

تطلق محافظة دمشق، مساء الاثنين، مهرجان «القرية السورية» الأول على أرض حديقة الأمويين (تشرين سابقاً)، بطاقة استيعابية تتجاوز 15 ألف زائر يومياً، في توجّه نحو تنشيط السياحة الداخلية وسياحة المغتربين كمرحلة أولى، في ظل تعثر قدوم الاستثمارات الكبرى التي يعول عليها لإنعاش القطاع السياحي في سوريا.

وقالت محافظة دمشق التي ترعى مهرجان «القرية السورية» على مدار 25 يوماً، إنه سيتم تقديم أنشطة وفعاليات تجارية وثقافية وترفيهية تدعم الفئات المجتمعية كافة، من حرفيين وأصحاب مشاريع صغيرة وذوي الهمم، وغيرهم.

رئيس اتحاد غرف السياحة مرهف نزهة (سانا)

ويعترض انتعاش قطاع السياحة العديد من المعوقات، وقال رئيس اتحاد غرف السياحة السورية مرهف نزهة، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن من المعوقات «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق، والحاجة إلى إعادة تأهيل المنشآت المتضررة، وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، وصعوبات التمويل، وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى تأثير الأوضاع الإقليمية على حركة السفر والاستثمار»، لافتاً إلى أن قطاع السياحة يحتاج إلى «بيئة استثمارية أكثر استقراراً ووضوحاً، بما يشجع المستثمرين على الدخول في مشاريع جديدة أو إعادة تشغيل منشآت قائمة»، ومشيراً إلى أهمية «وضع خطة ترويج سياحي تدريجية تبدأ من السياحة الداخلية وسياحة المغتربين، ثم تتوسع باتجاه الأسواق الخارجية وفقاً للظروف المتاحة».

وبهدف تحويل السياحة إلى قطاع إنتاجي مستدام، تعرض وزارة السياحة نحو 1460 منشأة جاهزة للاستثمار، واعتبر نزهة وجود هذا العدد الكبير من المنشآت والمشاريع «فرصة مهمة»، إلا أن «تحويلها إلى استثمارات فعلية يرتبط بتوفر التمويل، وضمانات الاستثمار، ووضوح الجدوى الاقتصادية، واستقرار البيئة التشغيلية».

ركيزة ثالثة للاقتصاد

تواجه الحكومة السورية جملة تحديات معقدة سياسية وأمنية واقتصادية في المرحلة الانتقالية، في حين تأمل أن تستعيد السياحة مكانتها كبوابة للتعافي، باعتبارها ركيزة ثالثة بعد الطاقة والصادرات في رفد الاقتصاد بعائدات كانت تصل إلى 6.1 مليار دولار عام 2010، في حين لا تتجاوز اليوم 80 مليون دولار.

ملصق لاتحاد غرف السياحة السورية

وتتمتع السياحة السورية بمقومات مهمة، منها «السياحة الثقافية والأثرية والدينية والبيئية والساحلية»، إضافة إلى قدرة قطاع السياحة على توليد فرص عمل وتنشيط قطاعات مرتبطة به. لكن تحويل هذه المقومات إلى عائدات فعلية يحتاج إلى «استقرار أكبر، وتحسين الخدمات، ورفع جودة المنشآت، وتنشيط الاستثمار والترويج السياحي»، وفق ما قاله مرهف نزهة، كما يتطلب تحسين البنية التحتية، وتبسيط إجراءات الترخيص والاستثمار، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية، وتدريب الكوادر العاملة في القطاع.

وخلال عام ونصف العام وضعت الحكومة خططاً إصلاحية لدعم قطاع السياحة وتشجيع الاستثمار فيه، منها تأسيس وحدة الشرطة السياحية التي تكون مهمتها حماية السياح وتأمين المواقع الأثرية، وتطوير البنية اللوجستية من خلال ورشات عمل موسعة لرفع الجاهزية في المحافظات الساحلية قبلة السياحة الصيفية، ومنح تسهيلات لشركات السفر والرحلات الدولية لتنظيم رحلات سياحية في سوريا، وزيارة المواقع التاريخية في دمشق، وحلب، وتدمر، وقلعة الحصن، بمرونة أكبر.

وتوقع وزير السياحة السوري مازن صالحاني، في تصريحات إعلامية، أن يكون الموسم السياحي لهذا العام «متميزاً» بعد الإجراءات الإصلاحية وتحسين الخدمات التي شملت أغلب المحافظات. وأكد أن الحكومة السورية قاطبة مهتمة بالسياحة، داعياً المجتمع المحلي للتعاون والاهتمام بالزائرين.

قلعة حلب مَعلم سياحي وموقع جاذب لفعاليات مختلفة كان آخرها اليوم العالمي لليوغا في 8 يونيو (متداولة - مواقع)

وتشير أرقام وزارة السياحة إلى انتعاش حركة الوافدين إلى سوريا، بما يتخطى 3.5 مليون وافد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024؛ إذ أتاحت التغييرات السياسية عودة مئات الآلاف من السوريين المغتربين والمهجرين قسرياً الذين كانوا محرومين من زيارة بلدهم، وقد تجاوز عددهم مليونين ونصف المليون وافد ما بين عائد بشكل دائم وزائر.

الشرع في زيارة لجزيرة أرواد لتشجيع السياحة في الساحل (حساب الرئاسة السورية)

كما قفز عدد الزوار الأجانب والعرب بنسبة تصل إلى أكثر من 80 في المائة عما كانت عليه خلال السنوات القليلة الماضية، ووصل إلى نحو 868 ألف زائر (منهم 377 ألف سائح أجنبي)، مستفيدين من تسهيلات تأشيرات الدخول عند الوصول عبر الحدود اللبنانية.

ويرى رئيس اتحاد غرف السياحة السورية مرهف نزهة أن الحلول لإنعاش القطاع السياحي «تبدأ من تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين».

وما تزال الهشاشة الأمنية في العديد من المناطق، وتأخر الرفع الشامل للعقوبات عن سوريا، من أبرز معوقات جذب الاستثمارات التي تعد البوابة الكبرى للتعافي الاقتصادي في سوريا.

وانطلقت الأسبوع الماضي فعاليات الموسم السياحي في محافظة طرطوس بمشاركة الرئيس أحمد الشرع، فيما اعتُبر مؤشراً واضحاً على «استعادة الساحل السوري استقراره».

وقال الشرع: «نحن ذاهبون باتجاه التقدم والازدهار، وستكون هناك فرص عمل كثيرة حسب المشاريع التي اطلعنا عليها ونوجهها للساحل السوري».

وبحسب رؤية وزارة السياحة السورية، تشكل المشاريع الجديدة في أرواد وطرطوس واللاذقية، إلى جانب تطوير المرافئ والبنى التحتية «أرضية صلبة لقطاع قادر على المنافسة في منطقة شرق المتوسط».