هل العمل الإبداعي الأول «مراهقة أدبية» تتطلّب «رأفة» الناقد؟

أدبار كبار حرقوا أعمالهم الأولى وآخرون كتبوا أعمالاً ناضجة

د. عادل الأسطة  -  الروائي يحيى يخلف
د. عادل الأسطة - الروائي يحيى يخلف
TT

هل العمل الإبداعي الأول «مراهقة أدبية» تتطلّب «رأفة» الناقد؟

د. عادل الأسطة  -  الروائي يحيى يخلف
د. عادل الأسطة - الروائي يحيى يخلف

هناك أدباء كثيرون تخلوا عن أعمالهم الأولى واعتبروها ضربا من المراهقة. وهنا أشير إلى محمود درويش وديوانه الأول «عصافير بلا أجنحة». وأعتقد أنها حالة كثير من الأدباء، ومنهم مشاهير. منهم مثلاً عبد الرحمن منيف الذي لم ينشر روايته الأولى «أم النذور» في حياته، ونشرت بعد وفاته. وحين يمعن المرء فيها فإنه لا يرى أنها تنبئ بموهبة واعدة. لكن نشرها لاحقا، وكذلك الالتفات إلى ديوان محمود درويش الأول مهم للكتاب الشباب، لأن ذلك يطمئنهم بأن من بلغوا مكانة عالية في عالم الإبداع لم يولدوا مكتملين. ولو تعامل النقد مع الأعمال الأولى بقسوة فقد يحطم مواهب كثيرة، لهذا يفضل التعامل مع العمل الأول، تحديدًا، بقدر من الرأفة.
بهذه المداخلة الموجزة، بدأ الناقد الفلسطيني د. عادل الأسطة، أستاذ اللغة العربية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، حديثه حول العمل الإبداعي الأول وهل يجب التعامل معه بشيء من الخصوصية من قبل القراء والنقاد على حد سواء.
قال الأسطة: «هناك أعمال أولى لكتاب معينين بدت ناضجة حقا. كلنا يذكر (سداسية الأيام الستة)، و(المتشائل) لإميل حبيبي. وهو ليس حالة استثنائية في الأدب الفلسطيني، فهناك كتاب شباب قدموا أعمالا أولى لقيت الاستحسان، كرواية (كافر سبت) لعارف الحسيني على سبيل المثال لا الحصر، وهناك غيرها».

* تأنّ وتخلّ
ورأى الأسطة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن كثيرًا من الكتاب يكونون فرحين، ويرغبون في أن يكون عملهم الأول منشورا، وقليلون هم من يتأنون. والذين لا يتأنون، وإن كتبوا أعمالا لاحقة ناضجة، يتخلون عن عملهم الأول. وقال: «لم يكن محمود درويش استثناء، فالشاعر الفلسطيني المتوكل طه أعدم ديوانه الأول. وحين أعد طالب ماجستير دراسة عن المتوكل شاعرا، طلب الديوان الأول منه، فرفض المتوكل أن يعطيه النسخة. تصور لو تعامل النقد بقسوة مع العمل الأول للمتوكل طه، فإنه قد يحطمه، وحينها سيكون الأدب الفلسطيني خسر شاعرًا وكاتبًا أرى أنه جيد».

* هجرة الأدب
وأضاف الأسطة: «أنا مثلا ملوم لأنني لا ألتفت إلى أعمال الشباب، وأركز على أسماء محددة. تعلمت من التجارب ألا أجازف وأنفق وقتي على تناول أعمال أولى بالنقد. والسبب أن أكثر أصحابها سرعان ما يتركون عالم الأدب بعد العمل الأول، وينصرفون إلى شؤون حياتية أخرى. فالأدب ليس جوهريا في حياتهم. غالبية النقاد يكرسون أقلامهم لأسماء ترسخت في عالم الأدب ولا يجازفون في تناول أسماء جديدة».
وتابع الأسطة: «تصور كم من كاتب أصدر عمله الأول ثم توقف ولم يعد يلتفت إلى الأدب. وهناك من كان ينبئ عن موهبة حقا، لكنه لم يواصل. وبهذا الخصوص، أتذكر تساؤل فاروق وادي في كتابه (ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية): هل يكرس الكاتب أديبا من خلال عمل واحد؟ والجواب طبعا هو: قلة من الكتاب من يكرسون أدباء بكتاب واحد».
وختم الأسطة حديثه قائلا: «بالإضافة إلى ما ذكر، هناك ملاحظة مهمة جدا بخصوص العمل الأول للكاتب أو الأعمال الأولى. وهي أن كثيرا من الكتاب يكونون صادقين في أعمالهم الأولى، تكون لافتة. لكنهم هم أنفسهم يبدأون بكتابة مختلفة تفتقد الصدق والحرارة. وقد يكون السبب أنهم أخذوا يعملون في مؤسسات سلطة ما، ويريدون أن يحافظوا على مراكزهم. وهكذا ينتجون نصوصا مختلفة لكنها ليست فاعلة. تستغرب أنني معجب بأعمال مبكرة لكتاب لم أعد اقرأ نصوصهم الأخيرة، وأعتقد أنها باتت غير ذات جدوى».

* ما بين جيلين
وحول الأعمال الإبداعية الأولى، شدد الروائي والكاتب الفلسطيني يحيى يخلف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن ثمة حالة من الاستسهال لدى البعض في الكتابة والنشر هذه الأيام. وقال: «بالنسبة لنا كنا نرى أن الكتابة مسؤولية، فكان الكاتب مثابرًا وقارئًا ومتابعًا، ولم يكن ينشر كتابه الأول، إلا بعد أن يكرّس ككاتب من خلال المجلات الأدبية المرموقة. وكانت هناك مجلة (الآداب) في بيروت أيامنا، ومجلة (الأديب)، ومجلات مصرية متخصصة عدة. وفي ذلك الوقت، كانت معايير دور النشر صارمة، وليس كما هي الحال الآن، إذ بات بإمكان أي كاتب نشر ما يريد بمجرد أن يدفع مبالغ نقدية متفقا عليها مع ناشر ما. الكتاب من أبناء جيلي كانوا قارئين للتراث والأدب الحديث على المستوى العربي والعالمي. وبالتالي كان الكتاب في الأساس قراء حقيقيون. ومن لا يقرأ التراث، على المستويين الشعري والنثري، برأيي، لن يكون كاتبًا وازنًا».
وأضاف يخلف: «أقرأ لكثير من الشباب ممن يكتبون قصيدة النثر، وأشعر مع غالبية ما أقرأ، وليس جامعه، بأنه يفتقد الثقافة واللغة الرشيقة والعميقة في آن. وكثير منهم يكرر بعضهم بعضا، بل إن بعضهم يعيد توليف مفردات محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف، لكن هذا لا يعني أن لا مبدعين هناك. هذا الأمر لم يكن حتى مع من تعاطوا مع الحداثة في الأجيال السابقة من الفلسطينيين، كدرويش وسميح القاسم، وحتى من سبقهم كإبراهيم طوقان، وأبو سلمى، وغيرهم».
وحول تجربته الشخصية، أشار يخلف إلى أن روايته الأولى «نجران تحت الصفر» حققت حضورًا لافتًا عند نشرها، وقدمته للمشهد العربي، لكنها لم تأتِ مصادفة، بل بعد مراكمة كثير من الكتابات الإبداعية، عبر مجلة الأفق الجديد في القدس وغيرها من المجلات العربية آنفة الذكر. وقال: ««لو جمعت تجاربي في (الأفق الجديد)، وقمت بطباعتها لما حققت ما حققته الرواية أو حتى المجموعة القصصية الأولى لي (المهرة). ولذلك أرى أن على الكتاب الجدد التأني قبل الخروج بالأعمال الأولى لهم، وأن يعمدوا إلى نشر نصوص لهم في صحف ومجلات، لينتشروا، وليتم تقييم إبداعاتهم، قبل الدخول في معمعة نشر العمل الأول، سواء أكان مجموعة شعرية أو رواية، أو مجموعة قصصية، أو غيرها».

* ضد التحطيم
وأكد يخلف أنه ليس مع تحطيم أي عمل أول طموح، وأنه يرى أن «على الناقد التركيز على ما هو إيجابي، من دون إغفال السلبيات. وهذا ما كان يقوم به الدكتور إحسان عباس، إذ يزيد لمعان النقاط المضيئة في النص على علاته. قد يكون في الكتاب الأول كثير من الثغرات، ولكن قد يكون كتابه الثاني مختلفًا. ولدينا من الكتاب الشباب من كرسوا أنفسهم كزياد خداش، وأكرم مسلم، وعاطف أبو سيف. وهؤلاء يكتبون الرواية والقصة القصيرة، وليس الشعر الذي بات نثريًا في فلسطين، وفي غالبيته ليس جيدًا. أفضل أن يكرس الكاتب نفسه قبل العمل الأول، وتبقى الموهبة والثقافة هي الأساس».
وشدد يخلف بشيء من غضب الحريص على مسيرة الإبداع في فلسطين، على القول بأنه «لا يجب اعتبار الأدب جحشا ضالا يحق لأي كان القفز على ظهره».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».