غضب يمني غداة هجوم الضبة... والحكومة تتوعد بـ«خيارات مفتوحة»

إدانات عربية ودولية ودعوات محلية لاستئناف الخيار العسكري

حطام مسيرة حوثية مفخخة أسقطها الجيش اليمني في محافظة تعز (الإعلام العسكري اليمني)
حطام مسيرة حوثية مفخخة أسقطها الجيش اليمني في محافظة تعز (الإعلام العسكري اليمني)
TT

غضب يمني غداة هجوم الضبة... والحكومة تتوعد بـ«خيارات مفتوحة»

حطام مسيرة حوثية مفخخة أسقطها الجيش اليمني في محافظة تعز (الإعلام العسكري اليمني)
حطام مسيرة حوثية مفخخة أسقطها الجيش اليمني في محافظة تعز (الإعلام العسكري اليمني)

أثار هجوم الميليشيات الحوثية على ميناء ضبة النفطي في محافظة حضرموت، وميناء رضوم في محافظة شبوة المجاورة، غضباً يمنياً واسعاً على الصعيدين الشعبي والرسمي، وتنديداً عربياً ودولياً، وسط تحركات حكومية لمحاسبة الميليشيات، ودعوات لاستئناف الخيار العسكري لإرغام الجماعة الانقلابية على خيار السلام والانصياع للمساعي الأممية.
وفي وقت رأى مراقبون يمنيون في الهجمات الحوثية «رسائل إيرانية» لتهديد أسواق الطاقة وطرق التجارة، تبنت الميليشيات الهجوم في بيان عسكري، زاعمة أنها تهدف إلى منع الحكومة اليمنية من تصدير النفط في سياق سعيها لتقاسم العائدات.
ومع تأكيد وزارة النفط اليمنية أنه تسعى إلى تأمين الموانئ وعمليات التصدير، هددت الحكومة اليمنية، في بيانها، بـ«خيارات مفتوحة» للرد على الهجمات، في إشارة إلى إمكانية استئناف العمليات العسكرية التي توقفت منذ الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، إثر الهدنة التي انتهت بعد تمديدها مرتين في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) عقب رفض الميليشيات الحوثية تمديدها وتوسيعها بموجب مقترح المبعوث الأممي هانس غروندبرغ.
وقالت الحكومة اليمنية، إن الميليشيات الحوثية أقدمت (الجمعة) على «ارتكاب هجوم إرهابي بالطائرات المسيّرة والصواريخ مستهدفة ميناء الضبة النفطي بحضرموت أثناء رسو سفينة لشحن النفط الخام من الميناء».
وأوضحت أن الهجوم هو الثاني من نوعه، حيث سبق واستهدفت الميليشيات بالطيران المسيّر ميناء رضوم البترولي في محافظة شبوة بهجمتين متعاقبتين في ليلتي 18 و19 أكتوبر الحالي، ووصفت ذلك بأنه «إصرار حوثي واضح على استهداف المنشآت المدنية والتجارية في انتهاك واضح للقانون الدولي، ومن وراء ذلك استهداف للبنية التحتية الاقتصادية وللشعب اليمني ومقدراته، وتهديد سافر لإمدادات الطاقة على المستوى الإقليمي والدولي».
وأعاد البيان اليمني التذكير بحرص الحكومة على تقديم كافة التسهيلات لتجديد الهدنة الأممية، والحفاظ على الوضع القائم بعيداً عن أي تصعيد عسكري، وقال إن الميليشيات «تتجاوز كافة الخطوط الحمراء بعد أن سبق وهددت دول الجوار وكل شركات النفط العاملة في المنطقة، من كل الجنسيات، باستهداف منشآتها وبناها التحتية ووسائل النقل (...) ونبذها لكافة المبادرات والعروض المقدمة لإحلال السلام، خدمة لأجندات النظام الإيراني المارق».
واتهمت الحكومة اليمنية، الميليشيات الحوثية، بأنها «تصر على تدشين مرحلة أكثر إجراماً من الحرب وأشد وقعاً على الأزمة الإنسانية في اليمن وأكثر اضطراباً في أمن الملاحة الدولية».
وأكدت الحكومة اليمنية أن «كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع هذا الهجوم الإرهابي والتصعيد العسكري الحوثي»، مطالبة «كافة الدول باتخاذ إجراءات صارمة وقوية لإدانة هذا العمل الإرهابي، والنظام الإيراني المارق الذي يقف خلفه».
وحذرت من أنه «في حال لم يتم العمل بشكل قوي وصارم لإدانة وتلافي تكرار هذا السلوك والفعل الإرهابي، فسيؤدي ذلك إلى آثار سلبية على عملية السلام في اليمن، وعلى إمدادات واستقرار سوق الطاقة العالمي».
وزارة النفط والمعادن اليمنية أعلنت في بيان تفصيلي عدم حدوث أي أضرار مادية أو بشرية جراء الهجمات الحوثية، مشيرة إلى أن الميليشيات الحوثية أرسلت تهديدات إرهابية بالإيميل لمالك السفينة التي تحمل العلم اليوناني ما دفع إلى عدم دخول السفينة إلى ميناء الضبة.
وأكد البيان استمرار عمل كافة شركات النفط، وأن هناك تواصلاً مع الشركات الناقلة لتأمين عملية تصدير النفط الخام، ومع بقية مؤسسات الدولة لاتخاذ كافة التدابير اللازمة لتأمين عملية التصدير.
- حراك دبلوماسي
وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك، قاد بعد الهجمات الحوثية تحركاً على المستوى الدبلوماسي، حيث أجرى اتصالات مكثفة مع المبعوثين الأممي والأميركي وأمين عام مجلس التعاون الخليجي وسفراء أوروبيين في سياق سعيه لإيجاد ضغوط على الميليشيات وبيان موقف الحكومة.
وقال الوزير اليمني، «إن الحوثيين تجاوزوا الخطوط الحمراء»، مشدداً على ضرورة اتخاذ مواقف حازمة ضد هذا العمل الإرهابي، متهماً الميليشيات بأنها «تسعى إلى مفاقمة الأوضاع الإنسانية، وهو ما يجعل كل الخيارات مفتوحة أمام الحكومة للتعامل مع هذا التطور الخطير».
ونقلت المصادر الرسمية، أن بن مبارك ناقش مع المبعوث الأممي هانس غروندبرغ، «تداعيات الهجمات الإرهابية الحوثية على كل من ميناءي رضوم والضبة النفطيين»، ووصف ذلك بأنه «يقوض كافة الجهود الدولية الرامية لإنهاء الحرب وتحقيق السلام في اليمن، بما فيها مساعي تمديد وتوسيع الهدنة».
وحسب ما أوردته وكالة «سبأ»، أكد بن مبارك أن الميليشيات الحوثية تعزز من خلال هذه الهجمات القناعة بأنها لن تكون يوماً شريكاً في السلام، وإنما مجرد جماعة إرهابية تهدد السلام والاستقرار في اليمن والمنطقة والعالم.
وطالب الوزير اليمني، الأمم المتحدة، باتخاذ موقف صارم وقوي ضد التهديدات الإرهابية الحوثية ومعاقبة مرتكبيها، وإيقاف ما يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
في اتصال هاتفي آخر مع المبعوث الأميركي تيم ليندركينغ، قال بن مبارك، إن الهجمات الإرهابية الحوثية «تقوض كافة الجهود الدولية المبذولة لإحلال السلام في اليمن أو تلك المتعلقة بمفاوضات تمديد الهدنة»، محذراً من التداعيات الكارثية على ضمان سلامة إمدادات ونقل الطاقة.
ودعا وزير الخارجية اليمني، الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي، إلى «اتخاذ موقف صارم وقوي ضد التهديدات الإرهابية الحوثية وتحميل مرتكبيها المسؤولية، والعمل بما يضمن منع تكرار هذه الهجمات الإرهابية، أو اتساع نطاقها، بما قد يحمله ذلك من تهديد للأمن والسلم الدولي».
- تنديد محلي واسع
الهجمات الحوثية، وهي الأولى من نوعها التي تستهدف موانئ تصدير النفط على بحر العرب، لقيت تنديداً واسعاً على المستوى اليمني، حيث وصفتها هيئة رئاسة البرلمان اليمني بأنها «عمل إرهابي بامتياز».
وحمّل بيان هيئة رئاسة البرلمان اليمني «الميليشيات وداعميها في قلب النظام الإيراني المسؤولية (...) لجعل اليمن داخل دوامة الصراع والفوضى والحرب من أجل خدمة بقائها في اغتصاب السلطة وخدمة المصالح التوسعية للنظام الإيراني في الجزيرة العربية».
وقال البيان، «إن عدم الجدية من المجتمع الدولي بترك الحوثي يسرح ويمرح ويعبث كيف يشاء جعله يمارس الإرهاب والقتل والتدمير ونهب الإغاثة الإنسانية والإيغال في ظلم المواطنين، والعبث بهم، وإغلاق جميع منافذ الحرية والحقوق والممارسة السياسية».
إلى ذلك، صدرت بيانات تنديد مماثلة عن مجلس الشورى اليمني وهيئة التشاور والمصالحة، ومن جهات حزبية وشخصيات يمنية، وأعضاء في مجلس القيادة الرئاسي. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، في تغريدة على «تويتر»، إن «باب الحوار لن يبقى مفتوحاً إلى ما لا نهاية».
وأضاف أن الحوثي الذي وصفه بـ«المجرم» يسعى «لعرقلة صرف المرتبات في المناطق المحررة، باستهدافه مصادر تمويلها، بعد أن أوقفها في صنعاء بنهبه للخزينة وإيرادات الدولة». وأكد أن «اليمنيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه البلطجة والإرهاب الذي يجري تحت سمع وبصر العالم»، وفق تعبيره.
في السياق نفسه، طالب مئات الناشطين اليمنيين على مواقع التواصل الاجتماعي باستئناف عملية التحرير، وصولاً إلى استعادة صنعاء، باعتبار ذلك هو الحل الأمثل لقطع الإرهاب الحوثي، كما طالبوا بالانسحاب من كل الاتفاقات مع الميليشيات، بما في ذلك «استوكهولم» والعودة إلى تحرير موانئ الحديدة.
- إدانات عربية ودولية
على وقع الهجمات الحوثية، حملت مصر في بيان صادر عن وزارة خارجيتها ميليشيا الحوثي مسؤولية التصعيد، وعرقلة جهود تجديد الهدنة، مؤكدة على ضرورة تخلي الجماعة عن مواقفها المتعنتة، وتجاوبها بشكل فوري مع المساعي الدولية والإقليمية لتجديد الهدنة، على النحو الذي يمهد الطريق إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق نار وإفساح المجال أمام جهود التسوية السياسية، ورفع المعاناة عن الشعب اليمني.
كما حذر البيان المصري من مغبة استغلال أي طرف للظروف الدولية الراهنة لتأجيج الصراع في اليمن، وتهديد أمن واستقرار المنطقة وطرق الملاحة، أو محاولة الاستحواذ على المقدرات الاقتصادية للشعب اليمني، وشدد على دعم مصر الراسخ لوحدة اليمن وسيادته على أراضيه وتضامنها الكامل معه في مواجهة كافة التهديدات.
من جهتها، دانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن الهجمات الحوثية بشدة، وقالت إنه «ولحسن الحظ، لم تزهق أرواح، وتمكنت السفينة من المغادرة بأمان، ولكن التهديد الصارخ للتجارة البحرية الدولية غير مقبول».
ووصف البيان الأوروبي الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية بأنه «انتهاك للمبادئ الأساسية لقانون البحار، حيث تعرض حرية الملاحة عبر الممرات المائية في المنطقة للخطر، وتعيق الوصول إلى الموانئ اليمنية وتحرم اليمنيين من القدرة على تحمل تكاليف السلع الأساسية، ويمكن أن تؤثر على تدفق السلع الأساسية إلى اليمن».
وقالت، «إن السبيل للمضي قدماً هو الحد من التوترات، وخفض التصعيد، ومضاعفة الجهود لإنهاء الصراع في اليمن من خلال تسوية تفاوضية... هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان استفادة جميع اليمنيين من موارد البلاد والتمتع بمستقبل أكثر ازدهاراً. سنواصل دعم الجهود التي يقودها المبعوث الخاص للأمم المتحدة غروندبرغ لتجديد الهدنة والتوصل إلى تسوية سياسية للصراع في اليمن».


مقالات ذات صلة

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

خاص صرف المستشفى أكثر من 150 ألف نظارة طبية و342 ألف وصفة دوائية مجانية (الشرق الأوسط)

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

تحوّل المستشفى التخصصي لطب وجراحة العيون الممول بالكامل من السعودية ويقدم خدماته مجاناً بنسبة 100 في المائة، إلى نافذة أمل لآلاف اليمنيين من مختلف المحافظات.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد المدير العام التنفيذي أن «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال (الشرق الأوسط)

خاص كعيتي لـ«الشرق الأوسط»: «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز المسال

كشفت شركة «صافر» عن خطط لاستخدام غاز الميثان وقوداً للسيارات والمنازل، إلى جانب دراسة استثمار احتياطات محتملة من النفط الصخري.

عبد الهادي حبتور (مأرب )
خاص السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط) p-circle

خاص شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

عدَّ السفير الألماني لدى اليمن محافظة مأرب نموذجاً إيجابياً يُحتذى به في مجال التعاون بين الحكومة اليمنية وبين الدول المانحة والوكالات الأممية.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير (سبأ)

بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير

يرتبط اسم سلطان العرادة لدى مؤيديه بلقب «حارس الجمهورية الأخير»، فيما يعلّق هو على ذلك بالقول: «حراس الجمهورية الحقيقيون هم أبناء الوطن جميعاً من الشرفاء».

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد اللواء سلطان العرادة أن السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة (الشرق الأوسط) p-circle 01:33

خاص العرادة لـ«الشرق الأوسط»: السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة

قال اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، إن السعودية جنّبت اليمن وحمته من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
TT

نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)

اعتمد مجلس جامعة الدول العربية، بالإجماع، نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان، الاثنين، حسب المكتب الإعلامي للجامعة.

ويأتي فهمي خلفاً لأحمد أبو الغيط، وتبدأ ولايته مطلع يوليو (تموز) المقبل وتستمر خمس سنوات.

وفهمي دبلوماسي مخضرم تولى منصب وزير الخارجية المصري بين عامي 2013 و2016، وسيكون ثامن أمين عام للجامعة التي تتخذ القاهرة مقرا لها.وطوال تاريخها، لم يقد الجامعة العربية سوى أمناء عامّين مصريين، باستثناء التونسي الشاذلي القليبي الذي تولى المنصب في ثمانينات القرن الماضي بعد تعليق عضوية مصر في المنظمة على خلفية توقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل.وفي بيان الإجماع على ترشيحه وصف فهمي البالغ 75 عاما المنصب بأنه «مسؤولية كبيرة» نظرا إلى «ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».


توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
TT

توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)

تتسع دائرة المخاوف الصحية في اليمن مع استمرار تسجيل إصابات بأمراض يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات، بالتزامن مع تفاقم معاناة المصابين بالأمراض الوراثية المزمنة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وسط تحذيرات من أن تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية الأساسية يهددان حياة آلاف الأطفال والمرضى.

وتشير تقديرات ومعلومات صادرة عن مصادر طبية وعاملين في القطاع الصحي اليمني إلى أن الحصبة وشلل الأطفال عادا ليمثلا تحدياً صحياً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية ضغوطاً متصاعدة بسبب نقص الإمكانات وتراجع برامج الوقاية والرعاية الطبية.

في هذا السياق، حذر تيسير السامعي، وهو مسؤول الإعلام الصحي في محافظة تعز (جنوب غرب)، من تفاقم الوضع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مؤكداً أن المعلومات الواردة من مصادر طبية هناك تفيد باستمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة وصعوبة الوصول إلى الإحصاءات الصحية.

12 ألف إصابة بالحصبة في اليمن خلال 5 أشهر (إعلام محلي)

وأوضح السامعي أن تقديرات متداولة تتحدث عن آلاف الإصابات ومئات الوفيات المرتبطة بالحصبة في تلك المناطق، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي، خصوصاً مع تراجع أنشطة التحصين الروتيني وحملات التطعيم الموسعة.

في المقابل، أظهرت بيانات صحية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية تسجيل نحو 12 ألفاً و791 حالة حصبة مشتبهاً بها خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بينها 71 حالة وفاة. وتصدرت محافظة حضرموت المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات، تلتها تعز ثم عدن.

منع اللقاحات

يرى مختصون يمنيون أن هذه الأرقام تعكس استمرار خطورة المرض رغم توافر لقاحات فعالة وآمنة قادرة على الحد من انتشاره. ويؤكدون أن الحصبة لا تزال من أكثر الأمراض المعدية تأثيراً على الأطفال، خصوصاً في البيئات التي تشهد ضعفاً في معدلات التحصين.

ويشير عاملون في القطاع الصحي اليمني إلى أن انتشار الشائعات والمعلومات المضللة من الحوثيين حول اللقاحات أسهم في إحجام بعض الأسر عن تحصين أطفالها، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوة المناعة المجتمعية وعودة ظهور أمراض كانت تحت السيطرة خلال سنوات سابقة.

وتتجاوز تداعيات تراجع التحصين مرض الحصبة لتشمل أمراضاً أخرى، أبرزها شلل الأطفال الذي كان اليمن قد أعلن خلوه منه عام 2006، قبل أن تعود حالات الإصابة للتسجيل مجدداً خلال الأعوام الأخيرة.

معظم الإصابات بشلل الأطفال تركزت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب السامعي، فقد سجلت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 450 إصابة بشلل الأطفال، مع وجود تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم اكتشافها أو الإبلاغ عنها. كما تركزت غالبية الإصابات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة تعثر حملات التحصين وصعوبة وصول الفرق الصحية إلى بعض المناطق.

ويؤكد مختصون أن المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة لم تسجل إصابات جديدة بشلل الأطفال خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يعد مؤشراً على أهمية استمرار حملات التطعيم في الحد من انتشار المرض.

ولا تقتصر المخاوف على الحصبة وشلل الأطفال فحسب، إذ تتهم الحكومة اليمنية والجهات الصحية جماعة الحوثي بمواصلة حملات مناهضة اللقاحات، وهو ما أسهم -حسب تلك الجهات- في عودة انتشار أمراض أخرى مثل الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي، وجميعها أمراض يمكن الوقاية منها عبر برامج التحصين المنتظمة.

مرضى الدم

وبالتوازي مع أزمة الأمراض الوبائية، تتفاقم معاناة آلاف المرضى المصابين بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لاستمرار العلاج.

وفي أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء، تعيش أم محمد معاناة يومية مع طفلها البالغ من العمر 12 عاماً والمصاب بالأنيميا المنجلية. فمع كل نوبة ألم حادة تهاجم عظامه ومفاصله، تبدأ رحلة البحث عن دواء أو كيس دم يخفف من معاناته، وسط نقص متكرر في المستشفيات وارتفاع أسعار الأدوية في الصيدليات الخاصة.

وتقول إن التحدي لم يعد مقتصراً على المرض ذاته، بل أصبح مرتبطاً بالحصول على العلاج والرعاية الطبية، مشيرةً إلى أن الأسرة تضطر أحياناً للانتظار أياماً قبل توفير بعض الأدوية أو المستلزمات المطلوبة.

اليمن يواجه حالياً تدهوراً في الصحة العامة وتفشي الحصبة (الأمم المتحدة)

وتعكس هذه القصة واقع آلاف المرضى في صنعاء وإب والحديدة وذمار وغيرها من المحافظات، حيث يعتمد المصابون بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا على متابعة طبية مستمرة وعمليات نقل دم دورية وأدوية متخصصة للحد من المضاعفات الصحية.

لكنَّ كثيراً من المراكز الطبية التي تقدم هذه الخدمات تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية، لا سيما العلاجات المستخدمة لخفض تراكم الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة، إضافةً إلى محدودية توفر أكياس الدم والفحوصات المخبرية الضرورية.

وفي محافظة إب، يضطر والد طفلة مصابة بالثلاسيميا إلى قطع مسافات طويلة شهرياً للوصول إلى مركز صحي يقدم خدمات نقل الدم. ويقول إن بعض الرحلات تنتهي دون حصول ابنته على الجرعة اللازمة بسبب عدم توفر الدم أو المستلزمات الطبية.

أما في محافظة ذمار، فيروي أحد المرضى البالغين معاناته مع النوبات المؤلمة التي قد تستمر لساعات أو أيام، موضحاً أن غياب الأدوية أو تأخر الحصول على أكياس الدم يؤدي إلى تفاقم حالته الصحية ويزيد من معاناة أسرته.

ضغوط متزايدة

وتكشف مصادر طبية يمنية عن ازدياد أعداد المصابين بالأمراض الوراثية في عدد من المحافظات الخاضعة للحوثيين، وسط ضغوط متنامية تواجهها المراكز والوحدات الصحية المتخصصة نتيجة محدودية الموارد وضعف الإمكانات.

وتؤكد هذه المصادر أن المرافق الطبية المتبقية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير الأدوية ومشتقات الدم والخدمات التشخيصية الدورية التي يحتاج إليها المصابون بشكل مستمر.

كانت تقارير صادرة عن الجهات الصحية التابعة للحوثيين قد أقرت سابقاً بتسجيل نحو 465 حالة وفاة مرتبطة بانعدام الأدوية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إضافةً إلى توثيق 700 إصابة جديدة بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا خلال العام نفسه.

ممرضتان يمنيتان تقدمان الرعاية لطفل حديث الولادة (الأمم المتحدة)

كما أقرت تلك الجهات بأن نحو 40 ألف مصاب بالأنيميا المنجلية و1500 مريض بالثلاسيميا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب نقص الأدوية والعلاجات اللازمة.

ويُحذر أطباء يمنيون من أن تأخر العلاج أو انقطاعه قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تشمل تلف الأعضاء الحيوية والالتهابات المتكررة وارتفاع احتمالات الوفاة في بعض الحالات، خصوصاً لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومستدامة.

ويؤكد مختصون أن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا من الأمراض الوراثية المزمنة التي تتطلب رعاية صحية مستمرة، وتوافر بنوك دم فعالة، وأدوية متخصصة وفحوصات دورية، وهي متطلبات بات توفيرها أكثر صعوبة في ظل التدهور المستمر للخدمات الصحية والأوضاع الاقتصادية.

Your Premium trial has ended


المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
TT

المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)

كشفت سلسلة اجتماعات يمنية شهدتها محافظات شبوة وعدن وحضرموت ومأرب، عن توجه حكومي ومحلي لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات العامة وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معيشية وأمنية متراكمة فرضتها سنوات الحرب الحوثية والأزمات الاقتصادية.

في هذا السياق، أكدت اللجنة الأمنية في محافظة شبوة (وسط) برئاسة المحافظ عوض ابن الوزير، مواصلة تنفيذ حملة منع حمل السلاح داخل مدينة عتق، مركز المحافظة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لترسيخ الأمن وتعزيز هيبة الدولة والنظام والقانون.

وأشادت اللجنة بالنتائج التي حققتها الحملة منذ انطلاقها، مشيرة إلى نجاحها في الحد من انتشار السلاح داخل المدينة، وتقليص المظاهر المسلحة التي كانت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الحياة المدنية والاستقرار المجتمعي.

ورأت اللجنة أن حالة الهدوء والاستقرار التي تشهدها مدينة عتق خلال الفترة الأخيرة، تعكس الأثر المباشر للحملة، مؤكدة أهمية الاستمرار في تنفيذها والبناء على ما تحقق من نتائج، وصولاً إلى القضاء الكامل على ظاهرة حمل السلاح داخل المدينة.

حملة منع السلاح بشبوة أسهمت في تقليص المظاهر المسلحة (إعلام حكومي)

واستعرض الاجتماع جملة من المستجدات الأمنية والعسكرية في المحافظة، إلى جانب تقارير الأداء الميداني ومستويات الإنجاز التي حققتها الوحدات الأمنية والعسكرية في تنفيذ مهامها المختلفة.

وأكدت اللجنة أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتطوير آليات العمل المشترك بما يضمن تعزيز الجاهزية الميدانية والاستجابة الفاعلة للتحديات الأمنية.

كما أشادت بمستوى التعاون المجتمعي الذي رافق تنفيذ حملة منع السلاح، مثمنة الدور الذي قامت به القيادات الاجتماعية والقبلية والمواطنون في دعم جهود الأجهزة الأمنية وإنجاح الحملة.

وفي السياق ذاته، جددت اللجنة الإشادة بتضحيات الجيش والأجهزة الأمنية في مختلف الجبهات، مؤكدة أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى حماية المحافظة والحفاظ على حالة الاستقرار التي تشهدها.

التنمية والخدمات في عدن

في محافظة عدن، حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، ناقش وزير الدولة محافظ المحافظة، عبد الرحمن شيخ، مع مديري المديريات والمكاتب التنفيذية، مستوى تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية وسير العمل في القطاعات الحيوية.

واستمع المحافظ إلى تقارير تفصيلية حول المشاريع المدرجة ضمن البرنامج الاستثماري للمحافظة، ونسب الإنجاز المحققة، إضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجه بعض المشاريع وسبل معالجتها.

اجتماع في عدن لمراجعة المشاريع الخدمية والتنموية (إعلام حكومي)

وأكد الاجتماع أهمية التركيز على المشاريع المرتبطة بشكل مباشر باحتياجات المواطنين، خصوصاً مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تمثل أولوية ملحة في ظل تزايد الطلب على الخدمات العامة.

كما تناول الاجتماع سير العملية الامتحانية الوزارية في مختلف مديريات المحافظة، ومستوى الجاهزية التعليمية، إلى جانب مناقشة الوضع الصحي وسير العمل في المرافق والمنشآت الطبية.

وشدد المحافظ على ضرورة تذليل العقبات التي قد تعرقل تنفيذ المشاريع أو تؤثر على مستوى الخدمات، مؤكداً أهمية رفع كفاءة الأداء وضمان إنجاز المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة.

التدخلات الإنسانية في حضرموت

في مدينة المكلا (شرق)، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، مع وفد برنامج الغذاء العالمي، آليات توسيع التدخلات الإنسانية وتعزيز الشراكة بين السلطة المحلية والبرنامج.

وتناول اللقاء الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المحافظة، وسبل تطوير برامج الدعم المقدمة للفئات الأكثر احتياجاً، إضافة إلى مناقشة احتياجات النازحين واللاجئين من دول القرن الأفريقي، والتحديات المرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية لهم.

وأكد الخنبشي أهمية توسيع نطاق البرامج الإنسانية لتشمل أكبر عدد ممكن من المستفيدين، مع التركيز على القطاعات ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين.

لقاء في المكلا مع وفد برنامج الغذاء العالمي لبحث توسيع التدخلات الإنسانية (إعلام حكومي)

وأولى اللقاء اهتماماً خاصاً ببرامج التغذية المدرسية، حيث دعا المسؤول اليمني إلى تعزيز هذا المسار من خلال دعم المطابخ المدرسية، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، لما تمثله من أهمية في تشجيع الطلاب على الانتظام في الدراسة وتحسين البيئة التعليمية.

كما ناقش الجانبان فرص تعزيز مشاريع سبل العيش والمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة، باعتبارها أدوات مهمة لتقوية الاعتماد على الذات، وتحسين الظروف الاقتصادية للأسر المستفيدة.

وأكد وفد برنامج الغذاء العالمي استمرار التعاون مع السلطة المحلية في حضرموت، والعمل على تطوير التدخلات الإنسانية والتنموية بما يتناسب مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.

الإصلاحات الاقتصادية في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ المحافظة، سلطان العرادة، رئيس وأعضاء اللجنة الاقتصادية المشتركة من البنك المركزي ووزارة المالية، لمناقشة تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وركز اللقاء على آليات تنفيذ الموجهات الرئاسية المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد العامة وتحسين الأداء المالي والإداري.

كما ناقش المجتمعون السبل الكفيلة بتعزيز الإيرادات العامة، ورفع كفاءة التحصيل وتطوير آليات العمل المؤسسي بما يدعم جهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة.

العرادة خلال اجتماعه باللجنة الاقتصادية المشتركة لمناقشة تنفيذ الإصلاحات (إعلام حكومي)

وأكد العرادة أهمية المضي في تنفيذ الإصلاحات، باعتبارها ضرورة ملحة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وشدد على ضرورة معالجة أوجه القصور والاختلالات الإدارية والمالية، وتعزيز معايير الشفافية والانضباط المالي، وتوريد الإيرادات وفق القوانين واللوائح النافذة.

ووجّه العرادة السلطة المحلية في مأرب بتقديم التسهيلات اللازمة للجنة الاقتصادية المشتركة، وضمان التعاون الكامل مع الجهات المختصة، لإنجاح برنامج الإصلاحات وتحقيق أهدافه التنموية والاقتصادية.