فقدان التنوُّع الوراثي يتجاوز الخطوط الحمراء عالمياً

يؤثّر في صحة الإنسان والكوكب

TT

فقدان التنوُّع الوراثي يتجاوز الخطوط الحمراء عالمياً

يكشف تقرير «الكوكب الحي 2022» انخفاضاً بنسبة 69 في المائة في أعداد الكائنات الحيّة منذ عام 1970. ويعزو التقرير الصادر عن الصندوق العالمي للحياة البرية هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أهمّها التغيُّرات في استخدام الأرض والبحر، والاستغلال المفرط للنباتات والحيوانات، وتغيُّر المناخ، والتلوُّث، والأنواع الغريبة الغازية.
أبرز الأسباب المباشرة لفقدان التنوُّع البيولوجي وتدهور النظم البيئية وخدماتها، هي زيادة الطلب على الطاقة والغذاء والموارد الأخرى؛ بسبب النمو الاقتصادي السريع والزيادات في أعداد السكان، والتجارة الدولية، والتطورات التكنولوجية، ولا سيما خلال السنوات الخمسين الماضية.
ويشير التقرير إلى أن نحو مليون من أصل ثمانية ملايين نوع من النباتات والحيوانات في العالم مهدد بالانقراض؛ بسبب الأنشطة البشرية في أغلب الحالات. كما أنّ 1.5 إلى 2.5 في المائة من أنواع الطيور والثدييات والبرمائيات والزواحف والأسماك انقرضت بالفعل، وتناقصت الوفرة في أعداد النوع الواحد، وخسر كثير من الأنواع موائلها المحددة مناخياً، وتراجع تنوُّعها الوراثي.
- التنوُّع الوراثي وحماية الأنواع
يعبّر التنوُّع الوراثي، أو التنوُّع الجيني، عن مجموع المورّثات داخل نوع حي أو مجموعة من الأنواع، ويشير إلى كل من الأعداد الهائلة للأنواع المختلفة، بالإضافة إلى السمات المتفاوتة داخل النوع الواحد.
ويُعدّ التنوُّع الوراثي المساهم الرئيس في التنوُّع البيولوجي ضمن النظام البيئي، الذي يشمل بدوره الأنواع المختلفة من الكائنات الحيّة الدقيقة والنباتات والحيوانات، إلى جانب مورّثاتها وموائلها.
ويؤدي التنوُّع الأكبر في الأنواع إلى زيادة تنوُّع الموائل، كما يحافظ على وظائف النظام البيئي وهيكله. ويتيح تنوُّع النظام البيئي إمكانية التعافي من آثار أي تغيُّرات تحدث بسبب الكوارث الطبيعية أو التبدلات المفاجئة. أما النظم البيئية المنخفضة التنوُّع، فهي لا تحافظ بسهولة على وظيفتها الطبيعية المستقرة، لذا قد تتغيّر وظيفتها بشكل دائم؛ مما يغيّر تكوين الأنواع ويؤدي إلى خسارة كبيرة في الموارد الطبيعية.
وكلّما كان هناك تنوُّع وراثي أكبر ضمن تجمُّع لأحد الأنواع الحيّة، كانت الفرصة أفضل للتكيُّف مع البيئات المتغيّرة. وبوجود عديد من التباينات، من المرجح أن يمتلك بعض الأفراد في المجموعة السكانية الواحدة أنواعاً مختلفة من المورّثات المناسبة التي تعزز فرص بقائهم على قيد الحياة واستمرار المجموعة لأكثر من جيل عبر سلالة تحمل هذه المورّثات.
ومن دون التنوُّع الوراثي، لن تستطيع الأنواع الحيّة مواجهة التغيُّرات البيئية المؤثرة، وستضطر لتغيير موائلها بحثاً عن ظروف أفضل.
وتعدّ «مجاعة البطاطا الإيرلندية» الشهيرة أبرز مثال عن أهمية التنوُّع الوراثي وعواقب فقدانه على البشر. وتُنتج البطاطا عادةً عن طريق إكثار الدرنات، أي أن المحصول بأكمله هو في الأساس استنساخ لحبة بطاطا واحدة دون أي تنوُّع وراثي قادر على مواجهة معظم الأوبئة.
وفي أربعينات القرن التاسع عشر، كان أغلب سكان إيرلندا يعتمدون على البطاطا كغذاء أساسي، وقاموا بزراعة مجموعة من البطاطا الكبيرة الحجم، التي تعرّضت للإصابة بالعفن الفطري. وقد دمّر العفن الفطري معظم محصول البطاطا، وترك مليون شخص يموتون جوعاً.
في عالم المال، تحتاط الدول لتغيُّرات الصرف بتنويع محافظها من العملات الأجنبية. وفي التنوُّع البيولوجي وخدمات النظام البيئي، غالباً ما يُشار إلى «تأثير المحفظة» بوجود تنوُّع وراثي أكبر.
داخل أنواع الأسماك، على سبيل المثال، ينعكس التنوُّع الوراثي بوجود استراتيجيات مختلفة للبقاء لدى عديد من المجموعات السكانية المنفصلة. فقد يكون أداء إحدى المجموعات أفضل في أحد الأعوام، بينما تكون الأفضلية لمجموعة أخرى في عام آخر. ومع مرور الوقت، وبفضل هذا الاختلاف، تقلل الأنواع من خطر الانهيار الكامل، مثلما حصل في مجاعة البطاطا.
ويمكن أن يساعد التنوُّع الوراثي وتأثير المحفظة في حماية الأنواع من تغيُّر المناخ العالمي. ويُعتبر سلمون المحيط الهادئ مثالاً واضحاً على ذلك؛ لأنه يتمتع بمجموعة واسعة من استراتيجيات البقاء، ولا سيما اختلاف توقيت هجرة المجموعات من أجل التفريخ. وغالباً يُعزى استقرار وفرة السلمون في جنوب شرق ألاسكا إلى هذا المستوى العالي من التنوُّع، ولا سيما في ظل تغيُّر المناخ الذي يجعل بعض استراتيجيات البقاء لدى السلمون أكثر مواءمة.
وتظهر المشاكل الوراثية في المجموعات السكانية المحدودة العدد، حيث يحصل التزاوج بين الأقارب، الذي يؤدي إلى فقدان التنوُّع الوراثي بمرور الوقت. ولهذا السبب، فعندما تتعرّض المجموعات القليلة الأفراد لتأثير «عنق الزجاجة»، ستكون فرص خسارتها لتنوُّعها الوراثي أكثر من المجموعات السكانية الكبيرة.
- إجراءات حفظ التنوُّع الوراثي غير كافية
يواجه التنوُّع الوراثي عديداً من التهديدات، ولذلك يهتم المجتمع الدولي بالحفاظ على جميع مستويات التنوُّع البيولوجي، بما في ذلك التنوُّع الوراثي للأنواع. وتشمل إجراءات الحفظ ضمان العناصر المختلفة التي تؤثر على التنوُّع الوراثي، مثل الأنماط الوراثية والأنواع الحيّة والمجموعات السكانية. وفيما يحافظ التنوُّع الوراثي على القدرة الإنجابية على المدى القصير، فهو يعزز قدرة الأنواع على التكيُّف والتطور على المدى الطويل.
وتعتمد الاستراتيجية الأكثر ملاءمة لحفظ مورّثات أحد الأنواع على السمات المحلية، والتركيب الجيني للسكان، وحجم النطاق الجغرافي. فعلى سبيل المثال، يتم الحفاظ على التنوُّع الوراثي لأشجار الغابات عن طريق زيادة السكان في موطنها الأصلي، أو تخزين الأصول الوراثية في بيئة باردة، أو زراعة الأشجار في أماكن مختلفة خارج منشئها.
وعلى الرغم من أن الحفاظ على التنوُّع الوراثي هو نفسه بالنسبة إلى جميع الكائنات الحيّة، فإنه توجد طرق مختلفة لإنجازه اعتماداً على هدف الحفظ، وتوزُّع الكائن المراد حفظه، والطبيعة الحيّة، وغير ذلك. وهذا يجعل معرفة الاختلافات بين السكان أمراً ضرورياً للحصول على معلومات لإدارة الحفاظ على المجموعات السكانية المختلفة.
في حالة المجموعة المهاجرة من طائر أبو منجل الأصلع الشمالي، التي جرى اكتشافها قرب مدينة تدمر السورية عام 2002، كان التنوُّع الوراثي إحدى القضايا الأساسية في الحفاظ على هذه المجموعة النادرة، التي بلغ عددها سبعة أفراد فقط. وقد أظهر التحليل الوراثي لانتشار هذا الطائر حول العالم وجود سلالتين متمايزتين: الأولى غربية مستقرة في متنزه سوس ماسة المغربي، والثانية شرقية غير مهاجرة وشبه أسيرة بالقرب من مدينة بيره جك التركية.
وتنتمي مجموعة تدمر المهاجرة إلى السلالة الشرقية؛ ولذلك شملت إجراءات الحفظ إكثار أعداد من طيور بيره جك في مدينة تدمر وإطلاقها مع المجموعة المهاجرة لتعليمها مسار الهجرة شتاءً من تدمر إلى أثيوبيا، وبذلك تزداد أعداد المجموعة النادرة. وفي الوقت نفسه، توجد برامج مماثلة لإعادة إدخال هذا الطائر إلى أوروبا، لكن بالاعتماد على إكثار أعداد من الطيور المغربية الأقرب وراثياً، وتدريبها على الهجرة بين جبال الألب وإقليم توسكانا الإيطالي، باستخدام طائرة خفيفة الوزن.
وتلعب ممارسات التهجين والانتخاب، التي كان لها دور كبير في تحسين الإنتاجية الزراعية والحيوانية، دوراً كبيراً في تعزيز بعض المؤثرات وتحييد بعضها الآخر. وفي بعض الحالات، تحمل المورّثات التي جرى تحييدها، عبر سنوات طويلة، الخصائص التي تمنح الأنواع الحيّة مرونة أفضل تجاه التغيُّرات البيئية. ولذلك يوجد عديد من المشروعات الدولية، مثل «قبو سفالبارد للبذور» في النرويج و«بنك إيكاردا» الوراثي في سورية، لحفظ الأصول الوراثية من أجل تعزيز الأمن الغذائي في وجه المتغيّرات القاسية، كالجفاف ودرجات الحرارة الشديدة وحالات تفشي الأمراض والآفات.
ولكن، هل هذه الإجراءات كافية لحفظ التنوُّع الوراثي العالمي؟
تخلص ورقة بحثية، نُشرت في دورية «ساينس» أخيراً، إلى فقدان نحو 10 إلى 16 في المائة من التنوُّع الوراثي على مستوى العالم منذ بداية الثورة الصناعية. وهذه الخسارة تتجاوز نسبة 10 في المائة التي يوصي خبراء سياسة التنوُّع البيولوجي بعدم تجاوزها للحفاظ على صحة النظم البيئية.
إن تحقيق هدف الأمم المتحدة الذي يقترح «حماية ما لا يقل عن 90 في المائة من التنوُّع الوراثي داخل جميع الأنواع» يستلزم حماية أكبر عدد ممكن لكل نوع. ويستتبع ذلك وجود مناطق محمية واسعة تضمن الحفاظ على جميع الأنواع الحيّة.
ومع ذلك، تبقى هذه الخطوة غير كافية لحماية التنوُّع الوراثي في الأنواع المعرضة للخطر أو المهددة بالانقراض، حيث من المرجح أن يكون تنوُّعها الوراثي قد ضاع إلى الأبد.


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.