50 قتيلاً في مظاهرات تشاد... والرئيس ديبي يعد بـ«العدالة»

منظمات حقوقية تتحدث عن «بوليس سياسي» يختطف المعارضين

مظاهرات خرجت في العاصمة انجامينا صباح الخميس، وفي مدن عديدة أخرى بشكل متزامن (ا.ب)
مظاهرات خرجت في العاصمة انجامينا صباح الخميس، وفي مدن عديدة أخرى بشكل متزامن (ا.ب)
TT

50 قتيلاً في مظاهرات تشاد... والرئيس ديبي يعد بـ«العدالة»

مظاهرات خرجت في العاصمة انجامينا صباح الخميس، وفي مدن عديدة أخرى بشكل متزامن (ا.ب)
مظاهرات خرجت في العاصمة انجامينا صباح الخميس، وفي مدن عديدة أخرى بشكل متزامن (ا.ب)

زار الرئيس الانتقالي لتشاد، الجنرال محمد إدريس ديبي إيتنو، مساء أمس (الجمعة)، مصابين في مظاهرات كانت تطالب برحيله، سقط خلالها نحو 50 قتيلاً، وفق حصيلة أولية أعلنتها الحكومة. وفيما كان ديبي يتجول في المستشفى للاطمئنان على المصابين، تحدثت منظمات حقوقية عن استمرار «الشرطة السياسية في ملاحقة واختطاف وتعذيب» معارضين من الشباب شاركوا في المظاهرات.
المظاهرات التي خرجت في العاصمة انجامينا، صباح أول من أمس (الخميس)، وفي مدن عديدة أخرى بشكل متزامن، تحولت إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، استُخدم فيها الرصاص الحي، ما أسفر عن مقتل خمسين شخصاً وإصابة 300 آخرين، حسب ما أعلن صالح كبزابو، رئيس الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية التي عقدت، أول من أمس، اجتماعاً استثنائيا، بالتزامن مع الاحتجاجات.
وقال كبزابو في تصريح صحافي إن الحكومة قررت فرض حظراً للتجول ابتداء من الساعة السادسة من مساء كل يوم، ويستمر حتى الساعة السادسة فجراً، مشيراً إلى أن الحظر سيتواصل حتى «الاستعادة التامة للأمن في انجامينا وموندو ودوبا وكومرا»، كما أعلن في السياق ذاته «تعليق أنشطة» أحزاب معارضة دعت إلى التظاهر.
رئيس الوزراء قال إن السلطات ستعمل على «فرض النظام في كامل البلاد، ولن تتسامح بعد الآن مع أي انزلاق، أياً كان مرتكبه»، وفيما بدت نبرة التهديد واضحة في حديث رئيس الوزراء، كانت وحدات من الأمن تجوب شوارع العاصمة انجامينا، فيما نظمت الشرطة خلال ساعات ليل الخميس الجمعة حملات اعتقال واسعة في صفوف الشباب الذين شاركوا في المظاهرات، حسب منظمات حقوقية عديدة.
وسبق أن أعلنت السلطات التشادية أن المعارضة التي دعت للمظاهرات كانت تسعى لتنظيم «عصيان شعبي ومسلح بدعم من قوى خارجية»، دون تحديد هذه القوى، ولكن المعارضة رفضت هذه التهم، وقالت إنها كانت تحتج سلمياً على عدم وفاء الجنرال ديبي بوعد تسليم السلطة يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2022. لكن حواراً وطنياً نظمته السلطات نهاية سبتمبر (أيلول)، أبقى ديبي رئيساً حتى إجراء انتخابات «حرة وديمقراطية» متوقعة في نهاية فترة انتقالية ثانية، مدتها عامان، وسيتمكن ديبي من الترشح للانتخابات المقبلة.
وتأتي مظاهرات أول من أمس لتزيد من تعقيد الوضع السياسي في تشاد، ذلك البلد الأفريقي الحبيس الذي يخوض منذ سنوات حرباً شرسة ضد الإرهاب، مع تاريخ طويل من الحروب والتمرد السياسي، بل إن آخر تمرد مسلح قُتِل فيه رئيس البلاد منذ لثلاثة عقود المشير إدريس ديبي إيتنو، يوم 20 أبريل (نيسان) 2021، ليتسلم ابنه الجنرال محمد ديبي (38 عاماً) الحكم منذ ذلك الوقت، ولكنه يواجه صعوبة كبيرة في الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة.
الجنرال الشاب الذي اشتهر بشجاعته في ساحة المعركة، حين قاتل «القاعدة» و«داعش» في شمال مالي، قبل وصوله إلى الحكم، يواجه اليوم أزمة سياسية خانقة، تحمل معها تعقيدات اجتماعية واقتصادية، وفي حين يبحث عن حلول سلمية للوضع، لم يرخِ قبضته الأمنية؛ فنشرت رئاسة الجمهورية التشادية صوراً له وهو يزور الجرحى في أحد أكبر مستشفيات العاصمة انجامينا، بزيه الأفريقي الأبيض، محاطاً بمسؤولين في الحكومة.
وقالت رئاسة الجمهورية إن ديبي حين كان متوجهاً إلى صلاة الجمعة، قرر المرور بالمستشفى، حيث اطلع على الوضع الصحي لمصابين كان بعضهم في العناية المركزة، وقبيل مغادرة المستشفى، عبَّر الرئيس ديبي عن «تنديده القوي بهذه الأعمال التخريبية التي تسببت في سقوط قتلى وجرحى، وخسائر مادية كبيرة»، وأضاف في التصريح الذي نشرته الرئاسة: «العدالة ستأخذ مجراها، والقضاء سيقوم بعمله باستقلالية تامة، وسيُعاقب المسؤول».
في الوقت ذاته، كان العديد من أحياء العاصمة قد عاش ليلة صعبة، وسط انتشار أمني كثيف، ومع انتهاء فترة حظر التجول، كانت هذه الدوريات تمنع المارة من التجمع، فيما كان أغلبهم مواطنين ينوون التوجه إلى أماكن عملهم. وفي حي هابينا وكامندا، سُمع دوي قنابل مسيلة للدموع أطلقتها وحدات من قوات الأمن لمنع تجمهر بعض المواطنين، كما شوهد عسكريون على متن آليات مدرعة، وهم يتجولون في شوارع الأحياء، ويستخدمون الهراوات لتفريق المواطنين.
في غضون ذلك، قالت «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان»، وهي هيئة مقربة من الحكومة، إنها قلقة إزاء الإفراط في القمع تجاه المتظاهرين، وقال محمد نور إبدو، رئيس اللجنة، إنه يندد باستخدام الرصاص الحي من طرف قوات الأمن، مشيراً إلى أن أغلب الرصاص أطلقه «مدنيون على متن سيارات مصفحة لا تحمل لوحة ترقيم».
وأضافت اللجنة أن مصادر أمنية رفيعة المستوى أكدت لها أن تعليمات صارمة وُجّهت إلى قوات الأمن، بمنع إطلاق أي رصاصة تجاه أي متظاهر، ولكن اللجنة أكدت أن الحكومة ملزمة بتشكيل «لجنة تحقيق مستقلة وذات مصداقية، من أجل تحديد المسؤوليات ومعرفة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة وغير المقبولة، وتوقيفهم وتقديمهم للعدالة». وطلبت اللجنة في بيان صحافي من السلطات «التوقف الفوري عن اعتقال الشباب ومطاردتهم في منازلهم، وهم في أغلبهم أبرياء».
من جهته، طلب الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان من الاتحاد الأفريقي ومنظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والدول التي لديها مصالح استراتيجية مع تشاد، خصوصاً فرنسا «التدخل بشكل عاجل من أجل إيقاف العنف الذي يتعرض له سكان تشاد»، مشيرة إلى أن «إفلات الحكومة التشادية من العقاب غير مقبول؛ فالمجموعة الدولية لم يعد بمقدورها حماية الجنرال محمد ديبي، الذي يقود بلده نحو انتهاك كل القواعد الديمقراطية».
وقال الاتحاد الدولي إنه سجل في تشاد «استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، وحالات تعذيب واعتقال تعسفي مستمرة، واستهداف سيارات إسعاف تنقل مصابين بالرصاص، ومقتل صحافي بالرصاص، وعمليات اختطاف منظمة وقعت ليل الخميس - الجمعة».
وكانت الحكومة في تشاد قد أعلنت على لسان المتحدث باسمها فتح تحقيق في الأحداث التي راح ضحيتها متظاهرون وعدد من أفراد قوات الأمن، ولكنها في الوقت ذاته أكدت أنها لن تتسامح مع المساس بالأمن والسكينة، جاء ذلك في ختام أول اجتماع تعقده حكومة الوحدة الوطنية بعد تشكيلها يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وخلال الاجتماع الذي تزامن مع المظاهرات الدامية، قال رئيس تشاد الجنرال محمد ديبي مخاطباً الوزراء: «يجب أن يشعر مواطنونا في حياتهم اليومية، من خلال جميع أنشطة الحكومة، بأنهم في قلب اهتمامات الجمهورية»، كما أعلن اتخاذ ستة قرارات لتحسين عمل الحكومة تتعلق بمعايير تعيين المسؤولين، وتعديل مدونة الصفقات العمومية لحذف توقيع رئيس الدولة كشرط لتمرير الصفقات، ومراجعة قائمة الأسعار من أجل تفادي التضخم.
كما تضمنت القرارات حل المفتشية العامة للدولة، تماشياً مع مخرجات الحوار الوطني الشامل والسيادي، وإعادة هيكلة عميقة للجهاز القضائي حتى يقوم بمسؤولياته، حسبما نشرت رئاسة الجمهورية التشادية عبر موقعها الإلكتروني.
ورغم أن هذه القرارات كانت ضمن مطالب شعبية رفعتها المعارضة، فإن الشارع في تشاد كان مشغولاً عنها بالقمع الذي تعرضت له مظاهرات المعارضة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

العالم العربي الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

الأمم المتحدة: ما بين 10 آلاف و20 ألفاً فرّوا من السودان إلى تشاد

فرّ ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص من المعارك الجارية في السودان بحثاً عن ملاذ في تشاد المجاورة، وفقاً لفرق تابعة لمفوضية الأمم المتّحدة السامية لشؤون اللاجئين موجودة على الحدود. ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، قالت المفوضية، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ «غالبية الوافدين هم من النساء والأطفال... تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومة التشادية وشركائها لتقييم احتياجاتهم وإعداد استجابة مشتركة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

مباحثات سعودية ـ تشادية تناقش آفاق التعاون والمسائل المشتركة

التقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في جدة، (الاثنين)، محمد إدريس ديبي رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب بحث عدد من المسائل ذات الاهتمام المشترك. حضر اللقاء من الجانب السعودي، الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، والمهندس خالد الفالح وزير الاستثمار، وأحمد قطان المستشار بالديوان الملكي، وعامر ال

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

لقاء سعودي - تشادي يبحث المسائل المشتركة

بحث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، الاثنين، مع محمد إدريس ديبي، رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، المسائل ذات الاهتمام المشترك. جاء ذلك خلال لقاء جمعهما في جدة، واستعرضا فيه أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق التعاون في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

تشاد: مخاوف من تضرر المساعدات الإنسانية بعد الأزمة مع ألمانيا

أثارت الأزمة الدبلوماسية بين تشاد وألمانيا في أعقاب الطرد المتبادل لسفيري البلدين، مخاوف عميقة بشأن انعكاسات الأزمة على المساعدات الإنسانية التي تقدمها دول ومؤسسات غربية مانحة لتشاد، التي تعد من بين أكثر دول العالم فقرا، كما تستضيف ما يزيد على مليون من اللاجئين والنازحين. وتبادل البلدان اللذان تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1960 طرد السفيرين خلال الأيام القليلة الماضية، إذ طلبت ألمانيا (الثلاثاء) من سفيرة تشاد لديها، مريم علي موسى، مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وذلك رداً على تحرك مماثل قامت به الدولة الواقعة في وسط أفريقيا (الجمعة). ونقلت وكالة «رويترز» عن وزارة الخارجية الألمانية قولها إن الخ

العالم تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

تشاد تطرد سفير ألمانيا بحجة «سلوكه الفظ»

طرد السفير الألماني في تشاد الذي أعلنته الحكومة «شخصا غير مرغوب فيه» بسبب «سلوكه الفظّ»، مساء السبت، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين في العاصمة التشادية نجامينا. وكانت الحكومة التشادية أعلنت الجمعة أنها طلبت من السفير الألماني مغادرة البلاد خلال 48 ساعة، بسبب «عدم احترامه الممارسات الدبلوماسية». وقال وزير الخارجية التشادي، محمد صالح النظيف، إن «سفير ألمانيا في تشاد يان كريستيان غوردون كريكه سافر على متن طائرة (إير فرانس) مساء السبت». وأكد المتحدث باسم الحكومة عزيز محمد صالح مغادرة السفير.

«الشرق الأوسط» (نجامينا)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».