سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

سكورسيزي يهاجم مجدداً ليذكّر بماضٍ أجمل

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي
TT

سينما اليوم تفتقر إلى ما كانت عليه في السبعينات

مارتن سكورسيزي
مارتن سكورسيزي

استغل المخرج مارتن سكورسيزي وقوفه على منصّة مهرجان نيويورك الأخير ليصوّب رصاصاته على هوليوود الحالية. قال إنها تُكرس وضعاً صعباً، عبر تجاهل كل مقوّمات العمل السينمائي باستثناء اللهاث وراء أرقام «شباك التذاكر». وأضاف: «منذ الثمانينات ركّزت هوليوود على الأرقام. إنه أمر يدعو للاشمئزار». من ثَم تابع: «كسينمائي وشخص لا يتصور الحياة بلا سينما، وجدت دائماً أن هذا الهوس مهين».
طبعاً هذه ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها المخرج هوليوود، بل سبق له أن وجه إلى إكثارها وتفضيلها لأفلام الـ«سوبرهيرو» نقداً لاذعاً، مقارناً هذه الأفلام بحدائق ومتنزهات الترفيه (Theme Parks).
ما يقوله صحيح وما تفعله هوليوود يبرره. آخر ما تفتقت عنه هوليوود من أفعال إطلاق الأفلام السينمائية تزامناً مع إطلاقها على المنصات الإلكترونية. ليس بعد أسبوع أو أسبوعين أو شهر، بل في اليوم نفسه. وهذا ما حدث أخيراً، مع فيلم «هالووين ينتهي»، الذي سجل 41 مليون دولار محتلاً القمة، علماً بأنه في نفس يوم افتتاحه بُث على الإنترنت. مما يعني أنه لو أتيح لصالات السينما الانفراد بعرضه، لسجل الفيلم ضعف ذلك المبلغ أو قريباً منه.

روبرت ردفورد في «المرشّح»

- انتصار صلب
الحال لم تكن على هذا النحو قبل 50 سنة (ولا قبلها أو بعدها حتى نهاية السبعينات). كصناعة تقوم على التجارة لا بد لكل شركة إنتاج أن تحلم باسترداد التكلفة على الأقل، ناهيك عن تسجيل أرباح قصوى. لكن هوليوود‪، ‬ قبل 50 سنة، كنموذج، كانت لا تزال تؤمن بأن هناك جماهير عدّة وليس جمهوراً واحداً هو الجمهور الذي يفضل الأفلام المحض تجارية. كانت لا تزال تطلق أفلاماً من كل نوع وليس فقط من نوعين أو ثلاثة، على أساس أنها هي وحدها التي تستحق الإنتاج كما هو حاصل اليوم.‬
نظرة فاحصة لما كانت عليه السينما سنة 1972 تفصح عن الكثير.
1972 هو العام الذي حقق فيه المخرج فرنسيس فورد كوبولا تحفته الأولى «العرّاب». ولم يكن تحقيق هذا الفيلم الذي فاجأ نجاحه التجاري والنقدي هوليوود سهلاً. كوبولا، الذي لم يكن بعد كوّن اسماً دامغاً، حارب اتجاهات الشركة المنتجة (باراماونت) في دفع الفيلم صوب معالجات تقليدية. أصر على معالجته الخاصة لرواية ماريو بوزو وعلى جلب أي ممثل أراده (كل من مارلون براندو وآل باتشينو كانا موضع رفض لدى الشركة في بادئ الأمر).
انتصار كوبولا الصلب، ساهم كثيراً في تسهيل عملية إنتاجه الجزء الثاني سنة 1974 وتأكيد دور المخرج في الفيلم كأعلى من مجرد منفّذ. لكن لم تشهد كل الأفلام المبهرة في ذلك العام هذا التحدي الكبير. بعضها تم تحقيقه من دون تلاحم وفرض شروط. لذلك شهدت السينما الأميركية أعمالاً رائعة أخرى غير فيلم «العرّاب» تميّزت بالتنوع حين كان التنويع لا يزال ضرورياً.
الآيرلندي جون بورمن أنجز «خلاص» (Deliverance)، عن تلك الرحلة فوق نهر بعيد تشهد مواجهة بين أبناء المدينة ومجاهل عالم لا يزال يعيش في كنف الأمس. لاحقاً، حقق في الولايات المتحدة أعمالاً لافتة أخرى بينها «Point Blank» بوليسي صارم من بطولة لي مارفن.
المخرج بوب فوسي أنجز فيلمه المستمد من سيرة حياته وهو «كباريه»، أحد أفضل أعماله. حفل الفيلم بألوان تعبير فنية مختلفة فهو مسرح، وموسيقى، وتمثيل، ورقص، وسرد حياة خاصّة في قالب واحد.
المخرج الرائع ألفرد هيتشكوك عاد في 1972 إلى تألقه عبر فيلم بعنوان «هيجان» (Frenzy)، والمخرج الذي لا يقل قيمة جون هيوستن حقق «مدينة سمينة» (Fat City). بينما انصرف هيتشكوك لاستعادة قدراته الفنية في كيفية تحويل قصّة جريمة إلى فيلم يثير الذعر بنجاح، منح هيوستن فيلمه صبغة إنسانية ومعالجة اجتماعية باتت نادرة المثال اليوم. قصّة ملاكم سابق (ستايسي كيتش) يحاول العودة إلى الحلبة عن طريق تبني ملاكم شاب يأمل به نجاحاً (جف بريدجز). على عكس أفلام رياضية كثيرة، هذا الفيلم ليس عن الملاكمة بل عن الطموح ثم الإحباط مروراً بمتاعب اجتماعية وعاطفية وأزمات.

من فيلم «خلاص» لجون بورمن

- ردفورد في ثلاثة
شهدت السنة نفسها، ثلاثة أفلام لعب روبرت ردفورد بطولتها. ليس من بينها ما يمكن إنتاجه اليوم بنجاح إلا مع تغيير قواعدها والإتيان بمشاهد خيالية جانحة ومواقف غير منطقية. الفيلم الأول هو «المرشّح»، الذي أخرجه المنسي مايكل ريتشي وفيه لعب ردفورد دور سياسي يعلن ترشيحه كسيناتور عن ولاية كاليفورنيا مدركاً احتمالات إخفاقه بسبب نظام سياسي يطاله الفساد. فيلمه الثاني في العام نفسه كان «الجوهرة الساخنة» (The Hot Rock) لبيتر ياتس، الذي تحوّل فيه إلى رئيس عصابة وسيم وذكي يقرر سرقة جوهرة من داخل خزانة المصرف. الفيلم الثالث كان «ويسترن»، عنوانه «جيروميا جونسون» لسيدني بولاك عن مكتشف براري يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في بيئة خطرة.
الـ«ويسترن» بالمناسبة كان انتقل من مجرد حكايات رعاة بقر وهنود حمر إلى مرثيات عاطفية أشبه بغناء البلوز. كان منها في ذلك العام ثلاثة أفلام برزت أكثر من سواها هي «جونيور بونر» لسام بكنباه، حول ذلك الرجل الذي يحن لعصر مضى (قام به ستيف ماكوين) و«أصحاب سوء» (Bad Company) لروبرت بنتون، ودار حول مجموعة من الشباب لم تترك لهم مصاعب الحياة سوى اقتراف الجريمة و«غارة ألزانا» لروبرت ألديتش: بيرت لانكاستر وحامية عسكرية تدافع عن نفسها ضد المواطنين الأميركيين. النهاية البائسة لكل فيلم من هذه الأفلام، كما المعالجة الواقعية، لم تمنع تحولها إلى أيقونات سينمائية محفورة في صلب التاريخ.
بكنباه، مخرج «جونيور بونر» كان لديه فيلم آخر في عام 1972 هو «الفرار» (the Getaway)، أيضاً مع الممثل ستيف ماكوين: دراما بوليسية يواجه فيها ماكوين عصابة تريد السطو على ما سطا عليه من غنيمة. نصف هذه الأفلام التي ذكرتها سجّلت إقبالاً جماهيرياً ناجحاً وانتهت على قائمة أنجح أفلام السنة.
«العرّاب» تربع على القمة بنحو 83 مليون دولار حين كان سعر التذكرة لا يزيد عن 3 دولارات في المساء وأقل من ذلك في ساعات النهار. «خلاص» جاء في المرتبة الرابعة، وفي الخامسة «جيرميا جونسون»، وفي السادسة «كباريه» وفي الثامنة «الفرار».
مع تعديل قيمة الدولار لسعر اليوم أنجز كل من هذه الأفلام ما يزيد عن 100 مليون دولار من دون تنازل عن مساره فنياً أو موضوعاً.
- تدجين جيل
خارج الولايات المتحدة شهدت السينمات العالمية مزيداً من نجاحات فنية كانت بدأت منذ منتصف الستينات. في ذلك العام حقق الروسي أندريه تاركوفسكي فيلمه «سولاريس»، الذي واكبته تقديرات النقاد الغربيين مانحة إياه خمس نجوم كشأن فيلم إنغمار برغمن في العام نفسه «صرخات وهمسات».
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم رائعة ملحمية تحت عنوان «أغوير، غضب الله» (Aguirre‪، ‬ The Wrath of God) وزميله رينر فرنر فاسبيندر، أودع جمهوره واحداً من أفضل أعماله «الدموع المرّة لترا فون كانت» (The Bitter Tears of Petra von Kant).‬
الإيطالي فرانكو زيفيرللي حقق واحداً من أفلامه البديعة هو «الأخ شمس، الأخت قمر»، والأميركي جوزف لوزي، الذي نفذ بجلده من المكارثية في الخمسينات وحل في بريطانيا، حقق فيلماً من إنتاج مشترك ما بين فرنسا وإيطاليا وبريطانيا هو «اغتيال تروتسكي».
ترشيحات أوسكار سنة 1972 لأفلام 1971 كان بدوره مزيجاً من أفلام لم نعد نرى مثيلاً لها في ركاب اليوم: «كلوكوورك أورانج» لستانلي كوبريك، «نيكولاس وألكسندرا» لفرانكلين شافنر، و«آخر عرض سينمائي» (The Last Picture Show) لبيتر بوغدانوفيتش، وفيلم المطاردة «ذا فرنش كونكشن» لويليام فرايدكن، ثم «فدلر أون ذا روف» لنورمان جويسون.
لا يجب أن ننسى أن العديد ممن ذكرنا أسماءهم من المخرجين (بل معظمهم)، رحل عن دنيانا، وبذلك لم نعد قادرين على مشاهدة جديد لهم، لكن هذا ليس السبب الذي يمنع سينما اليوم من تكوين خاماتها الفنية. ذلك لأنه يوجد اليوم مخرجون جيدون لكن معظمهم محاطون بحقيقة أن الجمهور دُجّن فعلياً منذ منتصف الثمانينات بحيث بات - في معظمه - يتبع النمط الواحد أو النمطين المتوفّرين. معظم هؤلاء من جمهور حديث لم يتسنَ له الشرب من مياه السينما الصافية حينها، وكل ما يعرفه عن الفن السابع اليوم هو قدرة الـ«سوبر هيرو» على تحقيق العدالة بالقوة الفردية، أو بخطط وحوش الدينوصورات والغوريلات الضخمة للفتك بالعالم من دون سبب وجيه سوى تحقيق «حفنة أخرى من الدولارات».


مقالات ذات صلة

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.