مونيكا بيلوتشي: الشعر الأشقر مسؤولية

صبغت خصلاتها السوداء لتؤدي دور السويدية أنيتا إكبرغ

مونيكا بيلوتشي
مونيكا بيلوتشي
TT

مونيكا بيلوتشي: الشعر الأشقر مسؤولية

مونيكا بيلوتشي
مونيكا بيلوتشي

ينزل إلى الصالات في فرنسا، قريباً، الفيلم الوثائقي الطويل «الفتاة في النافورة» للمخرج الإيطالي أنطونجيليو بانيزي. والفتاة المقصودة هي الممثلة السويدية أنيتا إكبرغ، الساحرة الشقراء التي نزلت بفستان السهرة الأسود إلى نافورة «تريفي» السياحية في روما لتخوض في الماء مع حبيبها الممثل مارشيلو ماستروياني. وسرعان ما تحولت تلك اللقطات التي صورها المخرج الكبير فدريكو فيليني، عام 1960 في فيلم «الحياة الحلوة» إلى واحد من أشهر المشاهد في السينما.
لكي تؤدي دور أنيتا في الفيلم الوثائقي، كان على مونيكا بيلوتشي أن تصبغ شعرها الأسود الطويل إلى اللون الذهبي. وفي مقابلة معها لدى استضافتها في البرنامج الصباحي المباشر في القناة الفرنسية الثانية، قالت إن الشعر الأشقر مسؤولية لا تدركها السمراوات. إنه يلفت النظر في الشارع ويشتت انتباه سائقي السيارات، كما أن منتجي السينما العالمية يفضلون الممثلات الشقراوات.
لكن تلوين الشعر لم يكن أصعب ما واجهته الممثلة الإيطالية الفاتنة وهي تؤدي هذا الدور، بل كان عليها أن تراجع تاريخ أنيتا إكبرغ وأن تقلب ملفات صورها وأفلامها وأن تدرس حركاتها وطريقة نطقها.
كان من المنطقي أن يبحث مخرج الفيلم الوثائقي عن ممثلة ذهبية الشعر لتأدية الدور. لكنه راهن على موهبة بيلوتشي لأنها تتمتع بجاذبية استثنائية مثل زميلتها السويدية. كما أنها تستطيع، أكثر من غيرها، أن تتفهم الأحزان الشخصية لامرأة جميلة تقدمت في السن ولم تعد مطلوبة للبطولة في الأفلام مثلما كانت في فترة صباها. وهي حين وافقت على الدور كانت تدرك أنها ستدخل في لعبة مرايا متعاكسة، بينها وبين أنيتا إكبرغ. لقد ابتعدت إكبرغ عن الشاشة وتغيرت ملامحها وزاد وزنها حتى رحلت عام 2015 عن 83 عاماً. وهو مصير لا بد أنه يُقلق حسناوات السينما بعد عمر معين.
لماذا اختار المخرج تسمية الفيلم «الفتاة في النافورة» وليس «المرأة في النافورة»؟ لقد كانت إكبرغ تطفح أنوثة في ذلك المشهد الذي خاضته بفستان يكشف عن جماليات جسدها. وكتب أحد النقاد يومها أنها أحدثت فيضاناً وإعصاراً في مياه النافورة، بل في العالم، وهي تنادي حبيبها مارشيلو لكي يلتحق بها وينزل ببدلته وحذائه وبكامل قيافته إليها. وحتى اليوم، ما زال مئات الآلاف من السياح الذين يقصدون الموقع ليرموا بقطعة نقدية في الحوض الحجري، بعد أن يُضمروا أمنية معينة، يتذكرون المشهد التاريخي الذي رسمه فيليني لذلك العناق. هل كان دلع أنيتا الطفولي هو السبب في اعتبارها بنتاً في جسد امرأة؟ أم أنها تحولت بفضل ذلك المشهد من فتاة مجهولة آتية من صقيع الشمال إلى وجه ناضج يحفظ المشاهدون ملامحه في الذاكرة الجماعية؟
مع هذا فإن الشخصية في الفيلم لا تتطابق مع شخص الممثلة. وهو الالتباس الذي كان على مونيكا بيلوتشي أن تتصدى له وهي تقترب، على مدى ساعة وعشرين دقيقة، من الشخصية الحقيقية لأنيتا إكبرغ. تقمص يتطلب حساسية بالغة وفهماً عميقاً للأهواء البشرية. بل إنها لكي تنجح في دورها كان عليها الابتعاد عن فكرة التقمص، أي كسر صورة الأنثى في النافورة لكشف ما وراء ذلك الملصق الإعلاني الشهير. إن الهدف ليس كيل أوصاف المديح لأنيتا بوصفها ربة الحسن الذي لا يقاوم. تلك صفات الآلهة الإغريقية في حين أن الحقيقة هي أنها عجينة ينحتها المخرج حسبما يشاء. وفي مقدوره أن يُظهر محاسن قامتها من زوايا تصوير معينة أو أن يركز على ترهلات جسدها فينسف الصورة السابقة.
بعد فيلمها مع فليني صارت الممثلة السويدية رمزاً للإغراء. ضاعت فرصتها في تأكيد مواهبها كممثلة، وفي تجسيد قضايا بنات جنسها على الشاشة. لقد تحولت إلى مجسم أبيض مثير منحوت في رخام نافورة روما، مثل باقي التماثيل التي تقف شواهد على الحافة الشمالية للنافورة. وهو تحدٍّ جديد لمونيكا التي حملت لقب المرأة الأجمل في العالم، وسبق لها أن أدَّت أدوار نساء شهيرات من أمثال كليوباترا ومالينا ودانييلا وستضيف إليهن أنيتا، أيقونة السينما الأوروبية الحديثة. وعلى امتداد الفيلم، تسير الشخصيتان في خطين متوازيين، وينشأ بينهما حوار مثير نابع من الفترة التي عاشتها كل منهما ومميزات تلك الفترة.



8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.


تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
TT

تداعيات «حرب إيران» على اليابان وكوريا الجنوبية

لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)
لثطة من اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة وزراء الياباني سانيي تاكاييتشي في واشنطن (غيتي)

لم تنتظر الأسواق الآسيوية طويلاً لتستوعب أبعاد ما جرى في الخليج، فبعد ساعات قليلة من اندلاع حرب إيران أواخر فبراير (شباط)، هوى مؤشر «نيكاي» الياباني أكثر من أربعة آلاف ومئتي نقطة في جلسة واحدة، وانزلق الين الياباني نحو مائة وستين مقابل الدولار. وفي سيول، سجّل مؤشر «كوسبي» COSPI (الكوري الجنوبي) أسوأ انهيار له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبلغت نسبة التراجع 12 في المائة في يوم واحد. فكانت الرسالة صريحة لا تحتمل التأويل: الحرب ليست حرب المنطقة وحدها، بل هي اختبار وجودي لأمن الطاقة والتوازن الاستراتيجي في آسيا بأسرها. وحقاً يكشف النظر في أرقام الاعتماد النفطي لليابان وكوريا الجنوبية التي نقلتها مجلة «ذي ديبلومات» في عدد 11 مارس (آذار) المنصرم، عن هشاشة بنيوية عميقة؛ إذ إن اليابان تستورد ما يزيد على 95 في المائة من احتياجاتها النفطية من الخارج، وتعتمد في نحو 70 في المائة منها على مضيق هرمز. أما كوريا الجنوبية فتستورد كل برميل تستهلكه تقريباً، وتعتمد على قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة في أكثر من 13 في المائة من وارداتها من الغاز المسال. ولذا فإن إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، بات يشكل تهديداً مباشراً لخُمس الإمدادات النفطية العالمية. وللعلم، فإن ما يزيد على 80 في المائة من النفط والغاز المسال المشحون عبر هرمز كان موجهاً عام 2024 إلى الأسواق الآسيوية، وتتصدّر القائمة كل من الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان. وحين أصابت الطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت قطر في رأس لفان، قفزت أسعار الغاز المسال الفوريّة في آسيا لتتجاوز 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، مسجّلةً أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات.

في تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، كانت الدكتورة فاليري نيكيه، الباحثة المتخصّصة في الدراسات الآسيوية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية»FRS في العاصمة الفرنسية باريس، واضحة بهذا الخصوص؛ إذ قالت إن «الاحتياطيات الاستراتيجية متاحة لفترة محدودة، وليست حلاً مستداماً، لا سيما أن النفط لا يزال يمثّل نحو 35 في المائة من استهلاك اليابان الأولي للطاقة. أما الحكومة الكورية الجنوبية فقد أعلنت عن تجميد تاريخي لأسعار الوقود، هو الأول منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهدّدت بفرض غرامات على المتلاعبين بالأسعار». وتضيف الباحثة الفرنسية: «بالتالي، ترسّخ هذه قناعة عند صنّاع القرار في طوكيو وسيول بأن التنويع في مصادر الطاقة لم يعُد رفاهاً استراتيجياً، بل صار ضرورة أمنية لا تقبل التأجيل... ومن ثم، فإن الأنظار تتجه أكثر فأكثر نحو الطاقة النووية المدنية، ليس لاعتبارات بيئية فحسب، بل لأنها تقدّم بديلاً حقيقياً عن التبعية لممرّات الشحن المكشوفة».

«الكُمون النووي» والاختبار الإيراني

من جهة ثانية، لعل أعمق ما أثارته هذه الحرب في دوائر الاستراتيجية الآسيوية هو سؤال «الكُمون النووي». والمقصود بهذا المفهوم امتلاك دولة ما القدرة التقنية على صنع أسلحة نووية من دون أن تعلن ذلك رسمياً. أي أنها تمتلك المعرفة التقنية والبنية التحتية الصناعية اللازمة، بحيث تستطيع التحوّل إلى دولة نووية إذا اتخذت قراراً سياسياً.

بيد أن الحرب على إيران أثبتت أن استراتيجية «الكُمون النووي» تحمل في طيّاتها ثغرات جوهرية: ذلك أن الدولة التي تمتلك قدرة قريبة من العَتَبة النووية قد تكون كافية لإثارة قلق خصومها، لكنها ليست كافية لردعهم فعلياً. ولذا فإن اليابان، مثلاً، تتبّنى سياسة «الكُمون النووي» ليس فقط كدرع تقنية، بل كـ«رافعة دبلوماسية».

ووفقاً لتقرير نشرته «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» الفرنسية بعنوان «الكُمون النووي: رافعة دبلوماسية مزدوجة الاستخدام»، تهدف اليابان من خلال الحفاظ على قدراتها النووية الكامنة إلى التحوُّط من التهديدات المتزايدة في محيطها الجغرافي، عبر رسالة ردع للصين وكوريا الشمالية مفادها أن اليابان قادرة تقنياً على التحوّل إلى قوة نووية في وقت قصير جداً إذا ما تعرّض أمنها للخطر. وفي الوقت ذاته، توظيف هذا الملف كـ«ورقة ضغط» في علاقتها مع واشنطن، لضمان استمرار «المظلة النووية» الأميركية والحؤول دون تخلي واشنطن عن التزاماتها الدفاعية تجاه اليابان، وإلا فإن اليابان قد تتّجه نحو «انتشار نووي سريع» لضمان أمنها القومي.

هنا تذكّرنا الباحثة نيكيه، في تعقيبها لـ«الشرق الأوسط»، بـ«الحساسية التاريخية» لهذا الموضوع، بالذات في اليابان، فتضيف: «النقاش لا يزال محتدماً بسبب (عقدة) هيروشيما وناغازاكي، حيث يواجه أي توجّه نحو التسلّح النووي معارضة شعبية مبنية على إرث تاريخي مؤلم لا تزال جروحه مفتوحة في ذاكرة اليابانيين».

من جهة ثانية، تبدو كوريا الجنوبية أكثر اندفاعاً وأقل مواربة في مساعيها لامتلاك قدرات نووية بالمقارنة مع اليابان؛ إذ إنه على الرغم من القيود الصارمة التي تفرضها «اتفاقية التعاون النووي المدني مع الولايات المتحدة الأولى» عام 1974 و«الثانية» عام 2015، في ملف تخصيب اليورانيوم، فإن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ يقود منذ وصوله للحكم في يونيو (حزيران) 2025 حراكاً تفاوضياً مكثفاً لتعديل هذه الشروط. ويتركز طموح سلطات سيول حالياً على نيل حق التخصيب لغاية تشغيل غوّاصات تعمل بالطاقة النووية.

واللافت، كما يشرح لـ«الشرق الأوسط»، أنطوان بونداز، الباحث الفرنسي المتخصّص في شؤون كوريا الجنوبية بـ«مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» في باريس، أن «هناك تحوّلاً جذرياً في الداخل الكوري؛ إذ لم يعد التوجّه النووي حكراً على اليمين المحافظ، بل بات يتمتع بإجماع وطني عابر للأطياف السياسية... ينادي بضرورة امتلاك قدرة نووية مستقلة، وبالأخص لأن كوريا الجنوبية تعيش تحت تهديد مباشر ومستمر من الترسانة النووية لـ«جارتها» كوريا الشمالية، ما يدفع كثيرين إلى الشعور بأن الاعتماد الكلي على الحماية الأميركية لم يعد كافياً الآن».

وبالفعل، فإن هذه الوضعية المشتركة بين اليابان وكوريا الجنوبية فتحت الباب لـ«سيناريوهات» مستقبلية جريئة، تشرحها الدكتورة نيكيه لنا بالقول: «حرب إيران أعادت إلى الواجهة خطر العدو المشترك (أي كوريا الشمالية) والمنافس القوي (أي الصين)، ولذا فمن الممكن جداً التنبؤ بقيام شراكة نووية بين القطبين الآسيويين، حيث يصار إلى دمج الخبرة التقنية المتقدّمة لكوريا الجنوبية بالمواد الانشطارية المتوفرة لدى اليابان»، قبل أن تستدرك فتضيف: «مع هذا، يظل هذا التصوّر مجرّد تكهّنات أكاديمية، ذلك أنه يصطدم بواقع مرير من الإرث التاريخي المُثقل بالخلافات، وثمة عقبات سياسية مهمة تحول دون تحقيق تكامل استراتيجي من هذا النوع في المدى المنظور».

فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي:

إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي

وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه

الضغط الأميركي... و«ورطة» الاختيار

في مطلق الأحوال، فرضت «حرب إيران» على طوكيو وسيول معادلة صعبة هي: إما الانخراط في الجهد العسكري الأميركي وإما التمسك بحياد تتآكل صدقيتُه. ولقد بلغت هذه الضغوط ذروتها أخيراً مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب الذي شّدد على أن «الحماية الأميركية ليست خدمة مجانية»، مطالباً الحلفاء بتأمين إمداداتهم بوسائلهم الخاصة.

في استجابة رسمية، صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بأن طوكيو ستلتزم بما هو «ممكن دستورياً» فقط، ملمحةً إلى تقديم دعم لوجيستي محدود لتجنّب الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. أما الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، فقد حذّر من أن سحب المنظومات الدفاعية الأميركية يخلق «فجوة أمنية» تستدعي من سيول تسريع امتلاك قدرات دفاعية أكثر استقلالية. وللعلم، كانت كوريا الجنوبية قد تعرّضت لقلق إضافي حين علمت بنقل واشنطن البطاريات الأميركية المضادّة للصواريخ من أراضيها إلى منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يُعزّز الشعور بأن واشنطن مستعدة لتهميش حلفائها في شرق آسيا متى اقتضت مصالحها الآنية ذلك. وهذا التأثير ليس وهماً أو مبالغة؛ بل ينعكس على حسابات الردع الإقليمية، ويُعمّق الشك في صلابة الضمانات الأميركية الممتدة.

أما اليابان فتجد نفسها أمام معضلة هوية لا معضلة سياسية فحسب؛ إذ إن هذه البلاد التي عانت ويلات الدمار النووي عام 1945، تحمل في دستورها و«هويتها الجمعية» التزاماً راسخاً بنبذ السلاح النووي وترسيخ سيادة القانون الدولي.

وبالتالي، من شأن التداعيات الحاصلة تعميق التوتر القائم بين الولاء للحلف مع واشنطن والانسجام مع المبادئ التأسيسية التي قامت عليها هوية اليابان في مرحلة ما بعد الحرب، مُربكةً بذلك النخب السياسية والرأي العام معاً.

الباحث الفرنسي بونداز، من جانبه، لا يرى في موقف اليابان وكوريا الجنوبية «مجرد تردد ظرفي»، بل يُشخّصه على أنه «أزمة ثقة بنيوية في منظومة التحالفات الأميركية». ويلفت الخبير المتخصص بالشأن الكوري إلى أن نقل منظومات الدفاع الجوي من شبه الجزيرة الكورية شكّل ضربةً لمبدأ الاطمئنان الاستراتيجي الذي طالما أبقى الحلفاء الآسيويين في المدار الأميركي، مُضيفاً أن كلاً من طوكيو وسيول باتت تُعيد رسم خرائط تحالفاتها الاستراتيجية بصمت، بعيداً عن الإعلان الرسمي.في الوقت عينه، ولكن من منظور مغاير، يرى باسكال بونيفاس، مدير «المعهد الدولي والاستراتيجي» IRIS، أن «الغموض الأميركي الاستراتيجي لم يعُد رادعاً، بل أضحى مُقلقاً حتى لأقرب الحلفاء وأكثرهم موثوقية». ووفق بونيفاس، فإن ما تعيشه منطقة شرق آسيا يُمثّل اختباراً حقيقياً لمدى صمود نظام التحالفات الذي بنته واشنطن على مدار سبعة عقود، محذّراً من أن كل تردد أميركي يفتح الباب أمام شكوك يصعب محوها.


برشلونة يسحق ريال مدريد… ويفرض إعادة تعريف «الكلاسيكو» في كرة القدم النسائية

فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
TT

برشلونة يسحق ريال مدريد… ويفرض إعادة تعريف «الكلاسيكو» في كرة القدم النسائية

فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)
فريق برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو (إ.ب.أ)

لم يعد ما يحدث بين برشلونة للسيدات وريال مدريد للسيدات مجرد تفوق... بل تحوّل إلى فجوة يصعب تجاهلها، بعد أن كرر الفريق الكتالوني اكتساحه لمنافسه بنتيجة 6-0 في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، ليعبر إلى نصف النهائي بمجموع 12-2.

خلال تسعة أيام فقط، التقى الفريقان بحسب شبكة The Athletic, ثلاث مرات، انتهت جميعها بانتصارات واضحة لبرشلونة، الذي سجل 15 هدفاً مقابل هدفين فقط، في مشهد يعكس واقعاً غير متوازن، بعيد تماماً عن الصورة التاريخية التي يحملها اسم «الكلاسيكو» في كرة القدم للرجال.

يضم برشلونة عدداً من أفضل لاعبات العالم، مثل أليكسيا بوتياس (إ.ب.أ)

الأرقام وحدها تكشف حجم الفارق؛ فمنذ تأسيس فريق ريال مدريد للسيدات عام 2019 (بعد دمج نادي تاكون)، التقى الفريقان 27 مرة، فاز برشلونة في 26 منها، مسجلاً أكثر من 100 هدف، مقابل فوز وحيد لريال مدريد. وهي أرقام تجعل المقارنة بين النسختين الرجالية والنسائية من «الكلاسيكو» موضع تساؤل حقيقي.

الاختلاف لا يقتصر على أرض الملعب، بل يمتد إلى بنية المشروعين. برشلونة بنى فريقه النسائي على مدار سنوات، محققاً هيمنة مطلقة على الدوري الإسباني منذ 2020، ووصل إلى ستة نهائيات لدوري الأبطال، توّج خلالها ثلاث مرات، وبلغ نصف النهائي للمرة الثامنة توالياً. في المقابل، لا يزال ريال مدريد في مرحلة التأسيس، بخطوات أبطأ، رغم استقطابه بعض الأسماء البارزة مثل ليندا كايسيدو.

يدفع برشلونة نحو 14مليون يورو للاعباته (إ.ب.أ)

حتى التفاصيل التنظيمية تعكس الفارق؛ برشلونة لعب أمام أكثر من 60 ألف متفرج في كامب نو، بينما استضاف ريال مدريد مباراة الذهاب في ملعب الفريق الرديف. كما يحظى الفريق الكتالوني بدعم مؤسسي واضح، سواء من الإدارة أو البنية التحتية، وهو ما ينعكس في جودة المشروع واستقراره.

الفجوة تظهر أيضاً مالياً، إذ يتجاوز إجمالي رواتب فريق برشلونة للسيدات 14.3 مليون يورو، مقابل نحو 7.2 مليون فقط لريال مدريد، ما ينعكس على جودة التشكيلة، حيث يضم برشلونة عدداً من أفضل لاعبات العالم، مثل أليكسيا بوتياس وأيتانا بونماتي، اللتين احتكرتا جائزة الكرة الذهبية في السنوات الأخيرة.

ريال مدريد بحاجة إلى وقت لتقليص الهوة مع برشلونة (إ.ب.أ)

ورغم اعتراف مدرب ريال مدريد بالفارق الكبير، مؤكداً أن فريقه بحاجة إلى وقت لتقليص الهوة، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن المنافسة ما زالت بعيدة عن التوازن. فبرشلونة لا يكتفي بالفوز، بل يفرض سيطرة نفسية وفنية تجعل المواجهة أقرب إلى اتجاه واحد.

لاعبات برشلونة يحتفلن مع بوتياس (إ.ب.أ)

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مصطلح «الكلاسيكو» في نسخته النسائية لم يعد يعكس حقيقة التنافس، بقدر ما يعكس فجوة بين مشروع مكتمل وآخر لا يزال في طور البناء... فجوة تجعل برشلونة، حتى الآن، خارج المقارنة.