المطبخ الفارسي استعار توابله من الهند وترجمها في وصفاته

مهرجانات الطعام تفتح شهية الهنود على المأكولات الإيرانية

المطبخ الفارسي استعار توابله من الهند وترجمها في وصفاته
TT

المطبخ الفارسي استعار توابله من الهند وترجمها في وصفاته

المطبخ الفارسي استعار توابله من الهند وترجمها في وصفاته

أقام مطعم سفيانا، المتخصص في تقديم وجبات عشاء متنوعة لأشهى أطباق المطبخ الفارسي والشرق أوسطي، مهرجانا كبيرا للطعام بمدينة دلهي. وبدأت رحلة الطعام الفارسي بأطباق الفواكه الطازجة مقطعة على هيئة شرائح ذات رائحة ذكية ونكهة النعناع. واشتمل العرض على أطباق إيرانية مميزة مثل «ماهي كباب»، و«تشالو كباب»، و«جونه دجاج مالي»، «لحم كبسة»، «روز خير وبقلاوة» وكذلك «شوربة العدس مع الفتوش»، «والتبولة»، و«خيار باللبن»، و«دجاج شيش طاووق»، و«تشيلو كباب»، «وشاورما دجاج» وغيرها.
ويعتبر الطعام الفارسي أحدث صيحات الطعام في الهند نظرا لميل الهنود للتقليل من التوابل وتفضيل الطعام الصحي المعتمد على الفاكهة.
ومن أكثر الأطعمة رواجا الآن «شاورما الدجاج»، «تشيلو كباب»، و«ماهي كباب» والمقبلات الإيرانية مع الأرز المطهي مع الحليب مع نكهة الورد.

صلات قديمة

للهند وبلاد فارس تاريخ مشترك، حيث أحضر الفرس مطبخهم لشبه القارة الهندية في العصور الوسطى.
وسيطر المغول على كلتا الدولتين القديمتين لعدة قرون، ويعود الفضل في عشقنا لكل شيء إيراني للمغول، فهم من جلبوا للهند السجاد الفارسي، والحرف، وهندسة المعمار، والموسيقى، وبطبيعة الحال المطبخ الفارسي.
وبعد ذلك، وصل الزرادشتيون الفرس وجلبوا للهند ما عرف بالمطبخ الفارسي، ويعتقد البعض أن الزرادشتيين هم من جلبوا طبق «البرياني» للهند قبل أن يساهم المغول في نشره لاحقا، ويعد الطعام الفارسي السمة الأساسية للجالية الزرادشتية، وهم الفرس القدماء، في الهند.
وبحسب الأسطورة، عندما وطئ الفرس، وهم الزرادشتيون الذين هاجروا من إيران في القرن السابع عشر، أرض الهند، وصلوا في البداية إلى قرية سانجان الصغيرة على ساحل غوجارات واستأذنوا حاكمها في الاستقرار هناك، وأمر الحاكم جاداو رانا لهم بكوب مليء بالحليب حتى آخره للدلالة على الرخاء الذي تنعم به أرضه، وللإشارة لعدم وجود مكان لهم في بلاده. إلا أن قائد مجموعة اللاجئين كان رجلا ذكيا، فقد أعاد الحليب محلى ببعض السكر، في إشارة إلى أن جماعته سوف تجلب النكهة والغنى للأرض الجديدة دون أن تغير من لون أو شكل أرضها، وأن جماعته سوف تذوب في نسيج البلاد بسلاسة. أُعجب الملك بالزرادشتيين وقبل بوجودهم على أرضه ليستقروا هناك وعُرفوا فيما بعد باسم الفارسيين.
الإيرانيون الوافدون يفتتحون مطاعم في الهند
تستحضر كلمة فارس صور الثريات المزخرفة والسجاد الفخم والشيشة ورائحة الورد التي تفوح في المكان. مستعينا بكل تلك الصور ومذاق المطبخ الفارسي الأصيل، يعتبر أصحاب مطعم «إيران زمين» بمدينة دلهي مطعم المطبخ الفارسي الوحيد في الهند، فقد افتتح الإيرانيان عباس ومحمد علي جانسير المطعم العام الماضي بمنطقة لابجات نغار جنوب دلهي. ويعني الاسم الذي اختاره جانسير «كوكب إيران»، وهذا ما حاول أن يفعله الشريكان، فعلى أحد جدران المطعم وُضعت لوحات داخل أطر تصور إيران القديمة، بينما على الحائط المقابل عُلق سجاد جداري وبعض الحلي صممت كلها لتجعل الزوار يشعرون وكأنهم في بلدهم. ويضيف جانسير: «كل أعضاء الجالية الإيرانية في دلهي البالغ عددها نحو 3 آلاف إيراني يعرفوننا جيدا».
وللمطعم قائمة طعام محددة يستطيع الزائر أن يختار منها ما يطيب له، تشمل أطباقا مثل «جوغا» (كباب الدجاج) أو «براغ» (كباب لحم الماعز) مع الأرز أو الخبز. في حال قدم ذلك الطبق مع الأرز تسمى الوجبة «تشالو كباب»، وإن قُدمت مع الخبز تسمى «كوبايد». وعلى مدار ثلاثة أيام في الأسبوع، يمكنك الحصول على وجبة «سبازي غورما» مع المرق من إعداد الطاهي جانسير بمساعدة اثنين من السكان المحليين. ويقول عباس بأنه يقدم كذلك اللبن الرائب اللذيذ، حيث يعترف جانسير بأن تلك الوصفة اعتمدت الطريقة الهندية لتناسب الذوق المحلي. هذا إضافة إلى الشاي الإيراني ذي اللون الأسود القاتم المغلي في إبريق عملاق مع خلطة أعشاب تُعتبر أحد أسرار المطعم. ويضيف جانسير: «إضافة إلى الإيرانيين والأفغان، يستقبل المطعم كذلك زبائن أميركيين وأوروبيين إضافة إلى الهنود بالطبع، وكانت استجابة الزبائن جيدة مما شجعنا على التفكير في افتتاح فرع آخر ربما قريبا».
وتقول منى بوردراي، وهي وافدة إيرانية مقيمة بمدينة بون الهندية، إنها تتطلع لتحقيق هدف واحد وهو إحياء المطبخ الفارسي. وأردفت منى: «حيث لا يوجد في بون شيء واحد يشبه ولو من بعيد المطبخ الفارسي، أرى أنه أمر غريب أن يحدث هذا رغم هذا العدد الكبير من الوافدين الإيرانيين المقيمين هنا، ولهذا أرغب في تعليم الناس هنا كيف يصنعون ما نأكله في إيران».
وتعتبر منى طاهية ماهرة، حيث علمت آلاف الناس في بلادها القواعد الأساسية للمطبخ الفارسي، وأقامت نحو 50 مهرجانا في فنون الطهي في بلادها، إضافة إلى مهرجانين في الهند.
وحسب منى: «لطريقة الطهي الإيرانية أثر واضح على أغلب دول الشرق الأوسط، مثل تركيا وأرمينيا وجورجيا وأذربيجان. وفي الهند كذلك فإن لأغلب الأطباق المغولية والفارسية أصولا إيرانية».
وتعتبر النسخة الهندية من الكباب الإيراني «تيشلو كباب» التي وجدت طريقها للمطبخ الهندي سليلة المطبخ الإيراني الأصيل. وأبدت هدى خليغي، طالبة إيرانية، بعض الضيق عند تذوقها الطعام الإيراني في مطعم في حيدر آباد دفعها إلى أن تعلق: «لقد كان المذاق مختلفا عن الطعام الذي نطهوه في إيران، أريد أن أغير مفهومهم». ومع رغبتها في الطهي، فقد نظمت منى مهرجانا بعنوان «تذوق وتعلم المطبخ الإيراني» الذي شمل أطباقا مثل «زرشيك بالو با مورغ» و«غيم» أقيم في قاعة لامكان، إلا أنه لم يتسنَّ لها ملاحظة رد فعل الزوار. وأضافت منى باسمة: «عندما شرعت في الطهي، اقترب الزوار لسماعي وحينها شعرت بثقة أكبر، حيث بادروا بتوجيه أسئلة عن الأطباق وعن بلادي». وإضافة إلى دراستها في الهند، فهي كذلك تعطي محاضرات عن تذوق وتعلم المطبخ الفارسي وتقديم الطعام الإيراني للهنود.

أسماء متطابقة

استعار المطبخ الفارسي التوابل وطرق الطهي والوصفات من الهند، وفى المقابل أثرى المطبخ الفارسي نظيره الهندي، إذ إن هناك الكثير من الأطباق المشتركة بين إيران والهند إلى الحد الذي أصبح فيه صعبا أن تجزم من منهم استعار الطبق من الآخر. وحتى اليوم هناك الكثير من الأسماء الهندية والفارسية لأطباق متطابقة مثل «نان»، و«برياني»، «دمبوخت»، «فلودا»، «غرام»، «مسالا»، «سموسا» «تكا»، «كباب» «بيلاف»، «كبيبا»، «كبسا» وغيرها، فرغم أن كلها كلمات فارسية فإنها دارجة الاستخدام في حياتنا اليومية في الهند. أدخلت الهند الأطباق الفارسية بأسمائها إلى ثقافتنا الهندية؛ إذ إن تلك الأطباق جلبها المغول لنا مباشرة وأحضروا معهم كذلك طهاة فارسيين لتنفيذ تلك الأطباق في مكان استقرارهم الجديد.
الحلوى الهندية المفضلة «غالوب جامون» (كريات من العجين المقلي المنقوع في السكر) يرجع لبلاد فارس.
رغم أن الشكل الأصلي لتلك الحلوى كان يسمى «لقمة القاضي» وكان مصنوعا من كريات العجين المنقوعة في العسل، إلا أن طريقة الصنع تغيرت بعد وصولها للهند.
بالنسبة للقهوة، لم تكن موجودة في الهند حتى القرن السادس عشر حين تم تهريبها إلى داخل البلاد عن طريق بابا بودان في طريق لأداء الحج في مكة المكرمة.

الانتشار السريع للمطاعم الفارسية

في كل مدينة هندية تقريبا، من دلهي إلى كنديغرا إلى جيبور، ومن بون حتى مومباي، يمكن ملاحظة الانتشار السريع للمطاعم الفارسية، وكان آخرها «زارين» الذي يسع 120 طاولة، ويمكن وصفه بأنه مطعم يحاكي مذاق وجو البلاط الملكي الفارسي أيام سلطنة دلهي. ولبلاد فارس نفوذ وسلطة كبيرة على كل ما نشاهده حولنا الآن، بدءا من الدجاج اللذيذ المطهي بالزبد إلى الخرائب التي لا تعد ولا تحصى التي وردت في موسوعة «أركيولوجيكال سيرفي أوف إنديا». وفى أحد المطاعم حيث استمعنا لدرس في التاريخ من قبل كبير الطهاة مانبريت سينغ الذي صحح لنا الكثير من المعلومات قبل أن يغمس يده في إناء فضي مليء بالزهور ليهديها لنا. ومررنا بعيوننا على قائمة الطعام الطويلة بأيدينا المغسولة جيدا والمعطرة، أشرنا لنطلب عينة من كل صنف. وشملت الأطباق التي طلبناها «البريانى» الإيراني الذي يقدم مع «ماتزون» (سلطة زبادي) وسلاطة عادية «حليم إيراني» (عصيدة القمح مع بروتين اللحم المتبل أو الخضراوات)، و«ماهي زمين دوز» (سمك طازج ينقع في ماء مالح ثم يُشوى بعد ذلك) وكانت المعدة مصير كل تلك الأطباق التي عادت للمطبخ فارغة.
وعلى هذا المنوال كان مطعم «باربكيو نيشن»، وهو مطعم هندي حقق انتشارا واسعا بفضل ما يقدمه من قائمة طويلة من أطباق فارسية متخصصة مثل لحم الماعز المطهي على نار هادئة «كليتكو» و«كباب بارغ» و«كيبيت» وغيرها مما لذ وطاب على طاولات المطعم.
كذلك احتل مطعم «برشيان تيريس» بمدينة بنغالورو مواقع الأخبار ومنتديات عشاق المطبخ بقائمة أطباقه المميزة التي يقدمها لزواره.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».