الإسكندرية... «مدينة الذكرى» وجهة الصيف والشتاء

دليلك إلى عروس البحر المتوسط

مكتبة الإسكندرية  (صفحة المكتبة الرسمية على فيسبوك)
مكتبة الإسكندرية (صفحة المكتبة الرسمية على فيسبوك)
TT

الإسكندرية... «مدينة الذكرى» وجهة الصيف والشتاء

مكتبة الإسكندرية  (صفحة المكتبة الرسمية على فيسبوك)
مكتبة الإسكندرية (صفحة المكتبة الرسمية على فيسبوك)

ما إن تضع قدمك في الإسكندرية، ثاني أهم المدن المصرية، حتى تلمس عن قرب روح الخيال التي تحملها، وتعي حقيقة المعاني التي وُصفت بها، منذ أن أسسها الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد. فمع خطواتك الأولى تخطفك لكونها «عروس الماء وخميلة الحكماء والشعراء» كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، وسكنك إياها يأسرك، ليصدق عليها قول المؤرخ الإيطالي بريتشا إنها «مدينة التسامح والمحبة»، ومع مغادرتك لها تدرك أنها «مدينة الذكرى»، كما يلخصها المؤرخ البريطاني مايكل هاغ.
السفر إلى المدينة الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط لا يقتصر على التمتع بجمال بحرها الذي تغنى به المطربون، بل هو متعة لاستكشاف الطبيعة الفريدة التي تميزت بها الإسكندرية، التي جمعت، في فترة ما، عددا كبيرا من الجنسيات والحضارات والثقافات والانتماءات صهرت فيها جميعها مكونة مزيجا فريدا يقتصر عليها، وهي الطبيعة التي لم تغادر المدينة على مدار عقود طويلة من الزمان وحتى اليوم، حيث يعد السفر لها بمثابة نافذة تُفتح للاطلاع على تاريخ بعيد وثقافات متنوعة.
تجذب الإسكندرية ملايين المصريين والسائحين العرب والأجانب، حيث تعتمد على السياحة الداخلية وسياحة المؤتمرات في المقام الأول، وخلال السنوات الأخيرة ارتفع عدد زوارها من الأجانب مع مبادرة «العودة للجذور» التي تستهدف جذب الأحفاد لزيارة المدينة التي عاش بها أجدادهم لا سيما الإيطاليين واليونانيين والقبارصة، بالإضافة إلى جنسيات عديدة أخرى، حيث تجذبهم شواطئها وشوارعها ومطاعمها، ومتاحفها ومعالمها وأبنيتها.


متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية (صفحة المتحف الرسمية على فيسبوك)

وإذا كان قاصدو الإسكندرية يستهدفونها صيفا لمناخها المعتدل وبالطبع بحرها الشهير، إلا أن الإسكندرية شتاءً – والذي تستعد لاستقباله - لا تقل بهاءً، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تحمل فيه خصوصية تحت زخات الأمطار وبياض السحب، وأمام زرقة البحر وموجه العالي، وبين لفحات الهواء البارد وأشعة شمسها الدافئة و«ترابها الزعفران»، وهو ما يجعلها على مدار أيام السنة تحمل عوامل الانجذاب إليها.
كيفية الوصول
إذا كنت في العاصمة القاهرة فإن الرحلة للإسكندرية يمكن القيام بها بعدة وسائل وعلى مدار الـ24 ساعة، فهناك القطارات والحافلات وسيارات الأجرة، لكن يظل استقلال القطار هو الأكثر راحة، والرحلة به تستغرق ساعتين ونصف الساعة، كما أنه يضمن لك الوصول إلى وسط المدينة وليس على أطرافها، مقارنة بالحافلات والسيارات.
كذلك يمكن الوصول إلى الإسكندرية مباشرة عبر مطار برج العرب، القريب منها، حيث تبعد عنه 50 كلم فقط جهة الشمال الشرقي، ومنه يمكن استقلال تاكسي أو سيارة «أوبر» إلى أي مكان ترغبه في الإسكندرية.


لا تكتمل زيارة الإسكندرية إلا بزيارة قلعة قايتباي (البوابة الإلكترونية لمحافظة الإسكندرية)

أين تقيم؟
تنتشر في الإسكندرية فنادق بفئات نجوم مختلفة، حوالي 5 آلاف غرفة فندقية، تناسب جميع الزائرين، ففي فئة الخمس نجوم يمكن الحجز بفنادق «فور سيزونز» الإسكندرية، «هلنان فلسطين»، «هيلتون الإسكندرية جرين بلازا»، «راديسون بلو»، «شيراتون المنتزه». أما إذا كنت تتطلع إلى الإقامة بوسط الإسكندرية فهناك فندقا «Hotel Delta»‬ و«فيليب هاوس»، أما الفنادق الاقتصادية فأبرزها «مدترانين سويتس» و«غرين بلازا إن».‬‬‬
ويمكن الحجز في هذه الفنادق عن طريق مواقع السفر، مثل «tripadvisor»، أو «Booking.com»، والاستفادة من العروض التي تقدمها.
أما الأكثر انتشارا للإقامة فهو الشقق السكنية المفروشة، المتاحة للتأجير اليومي أو الأسبوعي، والتي تنتشر بطول «كورنيش» الإسكندرية، ويمكنك الإقامة على البحر مباشرة أو في الشوارع القريبة، وفق ميزانيتك، ويمكنك استئجار هذه الشقق من خلال السماسرة المنتشرين بكثرة على الكورنيش، والذين يعلنون عن نشاطهم.
المواصلات
تتميز وسائل النقل العامة في الإسكندرية بالتنوع، فيمكن استقلال سيارات الأجرة أو حافلات النقل العامة أو تاكسي بطول الكورنيش ذهابا وإيابا، وهو ما يتيح لك التمتع برؤية البحر، ويمكن تجربة الأتوبيس ذي الطابقين، الذي يوفر مشهدا بانوراميا لراكبه بإطلالة على الشاطئ.
ويعتبر «الترام» من العلامات المميزة بالمدينة، التي يخترقها بشبكة واسعة من الخطوط، ولكن يعيبه البطء نوعا ما، إلا أن إيقاع هدهدة عرباته وأصوات عجلاته يتيح لراكبه رحلة حالمة للتعرف على شوارع المدينة الداخلية وأحيائها ومبانيها، التي تشكل مزيجا من حضارات وثقافات متنوعة.
كما يوجد خط قطار داخلي هو «أبوقير»، الذي يربط مناطق شرق ووسط المدينة ويخضع حاليا لعملية تطوير شاملة.
استكشف الإسكندرية
تفتح الإسكندرية أبوابها لكي يتعرف الزائر لها على ما تضمه من معالم وآثار، تتسم بالتعدد والتنوع، ويمكن لزائر المدينة أن يتضمن برنامج زيارته الأماكن التالية:
مكتبة الإسكندرية
تقع المكتبة على ساحل البحر في منطقة الشاطبي، افتتحت عام 2002 لكي تعيد أمجاد مكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت منارة للعالم كله، تتسم المكتبة بطراز معماري مميز، وهي ليست فقط قبلة محبي الثقافة، حيث تضم معارض فنية ومتاحف عدة، وبإمكان الزائر التجول بين متحف الآثار، متحف المخطوطات، قسم الميكروفيلم، العرض المتحفي، متحف تاريخ العلوم، مركز علوم القبة السماوية، إلى جانب المراكز البحثية المتخصصة.
تبلغ أسعار دخول المكتبة لغير المصريين 70 جنيها مصريا (نحو 4 دولارات)، وتبلغ قيمة تذكرة متحف الآثار 50 جنيها ومتحف المخطوطات 30 جنيها.
قلعة قايتباي
لا تكتمل زيارة الإسكندرية إذا لم تزر قلعة قايتباي التي تقع في أقصى غرب الإسكندرية، حيث شيدت في الموقع القديم لفنار الإسكندرية والذي تهدم سنة 702هـ، وقد بدأ السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي بناء هذه القلعة في سنة 882هـ وانتهى من بنائها سنة 884هـ.
ويمكن زيارة القلعة نهارا لتفقد معمارها ومبانيها، وكذلك متحف الأحياء المائية التابع لها، وكذلك التجول في الممشى السياحي الذي ينتشر به بازارات بيع الهدايا التذكارية وبيع القواقع والأصداف البحرية، أو زيارة القلعة ليلا والتجول في ساحتها الخارجية، التي توازي ساحل البحر مباشرة، والتي خضعت مؤخرا لعملية تجديد وتطوير ما جعل الساحة تمتلئ يوميا بالزوار صيفا وشتاءً، حيث يمكن تناول «الآيس كريم» و«الذرة المشوي».
متحف المجوهرات الملكية
يقع بمنطقة زيزينيا على مساحة 4185 متراً مربعاً، ويعد تُحفة معمارية، حيث يمتاز بالزخارف الداخلية واللوحات الجدارية وزجاج النوافذ الملون، وكان مِلكاً للأميرة فاطمة الزهراء إحدى أميرات الأسرة العلوية، وقد صمم طبقاً لطراز المباني الأوروبية في القرن التاسع عشر.
أما مقتنياته من التحف والمجوهرات فتضم الساعات والعملات الأثرية المتنوعة التي تعود للعصور الرومانية والبيزنطية والفارسية والقبطية، كما يضم مجموعة من الأوسمة والقلائد المصرية والتركية والأجنبية المرصعة بالمجوهرات والذهب والتي كانت تخص أفراد أسرة محمد علي باشا.
يفتتح المتحف أبوابه للزيارة طوال أيام الأسبوع من الساعة التاسعة صباحا وحتى الساعة الخامسة مساء، وتبلغ سعر تذكرة الدخول للزائر الأجنبي 100 جنيه.
حدائق المنتزه
هي مكان رائع للهروب إلى الطبيعة الخضراء حيث الأشجار العتيقة وأحواض الزهور النادرة التي تمتد بمساحة 370 فدانا، تحيط بقصر المنتزه الملكي الرئيسي المبني على الطراز الفلورنسي الإيطالي، وأيضا قصر السلاملك.
ويمكن التجول وسط الحدائق وزيارة القصور، والاستمتاع بالمشي حتى شاطئ البحر، وهي الأماكن التي يمكن التقاط صور فوتوغرافية عليها ترصد لحظاتك في المكان الرائع لا سيما ساعة الغروب.
المتحف اليوناني الروماني
يعرض المتحف تشكيلة واسعة من الآثار التي عثر عليها في الإسكندرية وما حولها، وهي في معظمها آثار من العصر البطلمي والعصر الروماني.
متحف الإسكندرية القومي
يضم المتحف ما يزيد على 1800 قطعة أثرية، تعود للعصر الفرعوني والروماني والبيزنطي والإسلامي. والمتحف عبارة عن قصر تأسس على الطراز المعماري الإيطالي. ويضم المتحف مسرحا في الهواء الطلق لتقديم العروض الفنية عليه ليلا.
عمود السواري
يُعتبر عمود السواري من أشهر المعالم الأثرية في الإسكندرية، أقيم فوق تل باب سدرة بين منطقة مدافن المسلمين الحالية والمعروفة باسم «مدافن العمود» وبين هضبة كوم الشقافة الأثرية، ويصل طوله إلى حوالي 27 متراً.
المسرح الروماني
يقع المسرح الروماني في منطقة كوم الدكة وسط المدينة، هو أحد آثار العصر الروماني وقد تمت إقامته في بداية القرن الرابع الميلادي، وهو المسرح الروماني الوحيد في مصر، اكتشف هذا الموقع بالصدفة أثناء إزالة التراب للبحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر، ويتميز بالدرجات الرخامية المرقمة بحروف وأرقام يونانية.
أين تأكل وتسهر؟
باعتبارك في مدينة ساحلية، يكون للمأكولات البحرية نصيب الأسد من مطاعمها، وتشتهر الإسكندرية بالعديد من المطاعم التي تقدم الأسماك، تتراوح بين الفاخرة والشعبية، أشهرها «راقودة»، «إيلع»، «قدورة»، «أنفوشيا»، «زفريون»، «بيلا فيستا»، «شعبان»، «عروس البحر». كما أن زيارة مناطق بعينها مثل «أبوقير» يتيح لك زيارة أكشاك بيع الأسماك وأسواق بيعها، والتي تنتشر من حولك في كل مكان.
تشتهر الإسكندرية أيضا بالكبدة والحواوشي، وهما أكلتان شعبيتان تنسبان للمدينة وفق طريقة التحضير، فالكبدة الإسكندراني لها شهرتها، ويمكن تجربتها من المحلات الشهيرة في تقديمها مثل «كبدة الفلاح». أما الحواوشي الإسكندراني فهو يتميز بطهي اللحم داخل العجين، بخلاف الحواوشي البلدي الذي يتم تسوية اللحم أولا ثم يوضع داخل الخبز، ويمكن تذوقه في الإسكندرية في محلات المعجنات والفطائر.
الأكلات الشعبية خاصة الفول والفلافل تشتهر بها الإسكندرية، حيث يمكن تجربتهما على الطريقة السكندرية، ويعد مطعم «محمد أحمد» بمنطقة محطة الرمل أشهر المطاعم التي تقدمها على الإطلاق، والذي يشتهر بجذب المشاهير إليه منذ عشرات السنين.
أما إذا رغبت في إفطار أو عشاء مغاير فيمكنك التوجه لمطعم «ألبان سويسرا»، بمنطقة «كامب شيزار، الذي يقدم السندوتشات بكافة أنواع الجبن السائل، وهو ما يمتد إلى الطاسات المتنوعة من السجق، والسوسيس، والبسطرمة، والبيض وغيرها.
الأطباق مثل الأرز باللبن والمهلبية وأم علي والكسكسي والبليلة، تتخصص بها العديد من المحلات، وعلى رأسها محل «الشيخ وفيق» بمنطقة رأس التين.
أما «الهريسة» فهي على رأس أطباق الحلويات المميزة بالإسكندرية، ويتخصص في تقديمها أسماء بعينها مثل «الحلبي»، «أحمد حسنين»، «إبراهيم الغفير»، «الطيبين»، «طلعت»، «أولاد رزق».
في المساء، لا يوجد أدنى مشكلة في قضاء وقت ممتع، فأمامك المقاهي والكافيهات التي تنتشر بطول كورنيش الإسكندرية، والتي تقدم المشروبات الساخنة والباردة، و«الشيشة» لمحبيها، أو بعض المأكولات الخفيفة، وننصحك بالتوجه لمنطقة محطة الرمل، فهي مكان يمكن فيه التجول والتسوق ودخول السينما، إلى جانب العديد من الكافيهات الشهيرة مثل «تريانون» و«أتينيوس» و«كافية دي لا بيه» و«عمر الخيام» وغيرها.


مقالات ذات صلة

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

سفر وسياحة عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة.

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة «سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة

محمد عجم (القاهرة)
الاقتصاد الوزير الخطيب في كلمته للحضور بالنسخة الماضية من المنتدى في الرياض (واس)

تحت رعاية ولي العهد... الرياض تستضيف منتدى «تورايز 2027» في مارس المقبل

تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعلن وزير السياحة رئيس مجلس إدارة منتدى «تورايز» أحمد بن عقيل الخطيب، اليوم، إطلاق منتدى «تورايز».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)

الرياض تجمع 80 جهة عارضة من 14 دولة للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً

اجتمعت أكثر من 80 جهة عارضة من 14 دولة حول العالم في العاصمة السعودية الرياض للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
سفر وسياحة رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل...

جوسلين إيليا (بيروت)

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
TT

عندما يغيّر المناخ خريطة السفر: هل تتجه السياحة الأوروبية شمالاً؟

موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)
موجة الحر التي ضربت أوروبا غيرت مسار السياح (رويترز)

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فقط، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد وأنماط الحياة، ومن بينها صناعة السفر والسياحة. فمع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر في أنحاء مختلفة من العالم، بدأ المناخ يدخل بصورة متزايدة في قرارات المسافرين: إلى أين يسافرون؟ ومتى؟ وما نوع التجربة التي يبحثون عنها؟

إسكتلندا من البلدان التي استفادت من موجة الحر التي ضربت انجلترا (أ.ف.ب)

لسنوات طويلة، ارتبطت العطلة الصيفية الأوروبية بالشمس والبحر والوجهات المتوسطية، من إسبانيا وإيطاليا إلى اليونان وكرواتيا. لكن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية بدأ يغير هذه المعادلة. فالسائح الذي يريد التجول في مدينة تاريخية أو ممارسة أنشطة في الهواء الطلق قد يجد أن الحرارة الشديدة تجعل التجربة أقل راحة، بل وأحياناً أكثر خطورة.

ومن هنا برز اتجاه سياحي جديد يعرف باسم «Coolcation»، أي اختيار وجهة أكثر برودة أو اعتدالاً هرباً من حرارة الصيف. وبدأت دول شمال أوروبا، مثل النرويج وفنلندا والسويد وآيسلندا، إلى جانب المناطق الجبلية في وسط أوروبا، تستفيد من هذا الاتجاه المتنامي.

ادنبرة من المدن التي استفادت بسبب تغير المناخ (إ.ب)

اسكوتلندا... نموذج للخريطة السياحية الجديدة

تقدم اسكوتلندا مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه أجزاء من إنجلترا لموجات حر قوية، أصبحت اسكوتلندا وجهة جذابة لمن يبحثون عن طقس أكثر اعتدالاً، فضلاً عن طبيعتها التي تشمل المرتفعات والبحيرات والسواحل.

وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع حجوزات الرحلات الجوية إلى المطارات الاسكوتلندية بنسبة 15 في المائة خلال يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026، في حين تراجعت الحجوزات إلى لندن وبقية إنجلترا. وكان الطقس الأكثر برودة أحد العوامل التي ساعدت على جذب الزوار، إلى جانب الطبيعة والثقافة والفعاليات. كما شهدت إدنبرة موسماً قوياً للمهرجانات، مع ارتفاع مبيعات التذاكر بنحو 30 في المائة.

لكن من المهم عدم اختزال نمو السياحة الاسكوتلندية في عامل الطقس وحده؛ فالرحلات الجوية المباشرة، والمهرجانات، والترويج السياحي، والطبيعة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز جاذبية البلاد.

السياحة تنتعش في أوروبا الشمالية (إ.ب)

هل يشجع تغير المناخ السياحة الداخلية؟

أحد أهم آثار هذه الظاهرة هو إمكانية تعزيز السياحة الداخلية. فعندما تصبح بعض الوجهات الخارجية شديدة الحرارة أو أكثر تكلفة، قد يفضل المسافر قضاء عطلته داخل بلده، خصوصاً إذا كانت هناك مناطق محلية توفر طقساً أكثر راحة وتجارب مختلفة.

وفي بريطانيا، يمكن أن تستفيد اسكوتلندا من هذا الاتجاه؛ إذ يستطيع السائح الإنجليزي الوصول إليها دون الحاجة إلى السفر دولياً، والاستمتاع بالطبيعة والثقافة والمدن التاريخية.

لكن التجربة الاسكوتلندية في 2026 تظهر أن المناخ وحده لا يكفي؛ فارتفاع تكاليف المعيشة والإقامة والنقل يمكن أن يحد من قدرة الأسر البريطانية على السفر، حتى عندما تكون الوجهة المحلية جذابة. ولذلك تحتاج السياحة الداخلية إلى مزيج من الأسعار التنافسية، وسهولة الوصول، والمنتجات السياحية المناسبة.

ما يحدث في اسكوتلندا ليس حالة منفردة؛ ففي أوروبا، بدأت الوجهات الشمالية والأكثر اعتدالاً تستفيد من الاهتمام بالسياحة الصيفية الأقل حرارة. وفي المقابل، لا تزال إسبانيا وإيطاليا واليونان وغيرها من الوجهات المتوسطية تحتفظ بمكانتها القوية، لكن بعض المسافرين بدأوا بتغيير توقيت رحلاتهم.

التغير المناخي يغير خريطة السفر (بيكسيلز)

فبدلاً من السفر في ذروة يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، يتجه بعض السياح إلى مايو (أيار) ويونيو (حزيران) أو سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول)، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً. وهذا يعني أن تغير المناخ قد يؤدي إلى إعادة توزيع السياحة جغرافياً وزمنياً في آن واحد: من المناطق شديدة الحرارة إلى المناطق الشمالية والجبلية، ومن ذروة الصيف إلى مواسم الربيع والخريف.

كما أن تأثير الحرارة ليس موحداً على جميع الأنشطة. فقد تستفيد الشواطئ والمسابح ومرافق الأنشطة المائية من الطقس الحار، بينما تواجه المعالم السياحية والأنشطة التي تتطلب المشي أو البقاء في الخارج لساعات طويلة تحديات أكبر.

بالنسبة إلى الوجهات الشمالية، يمثل هذا التحول فرصة اقتصادية مهمة؛ فزيادة عدد الزوار تعني مزيداً من الإنفاق على الفنادق والمطاعم والنقل والأنشطة السياحية، وقد تساعد على دعم الشركات المحلية والمجتمعات الريفية.

لكن زيادة أعداد السياح تفرض في المقابل تحديات تتعلق بالبيئة والبنية التحتية والازدحام والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما أن المناطق التي تستفيد اليوم من مناخها المعتدل ليست محصنة من آثار تغير المناخ مستقبلاً.

لذلك، فإن المستفيد الحقيقي من التحول المناخي سيكون الوجهة القادرة على التكيف مع المناخ، وإدارة أعداد الزوار، وتوفير تجربة مستدامة، والحفاظ على أسعار تنافسية.

تكشف تجربة اسكوتلندا عن تحول أعمق في صناعة السياحة؛ فالمناخ لم يعد مجرد خلفية للرحلة، بل أصبح جزءاً من قرار اختيار الوجهة وتوقيت السفر.

وقد لا يعني ذلك نهاية السياحة المتوسطية أو انتقال السائحين جميعاً إلى شمال أوروبا، لكنه يشير إلى ظهور خريطة سفر أكثر تنوعاً. ففي المستقبل، قد يصبح السؤال بالنسبة للسائح ليس فقط: «إلى أين أذهب؟»، بل «ما الطقس الذي سأجده هناك؟ ومتى يكون أفضل وقت للزيارة؟».

ومن هذه الزاوية، تبدو اسكوتلندا مثالاً مهماً على السياحة في عصر تغير المناخ؛ فالمناخ الأكثر برودة، الذي كان في السابق مجرد سمة طبيعية للبلاد، يمكن أن يتحول إلى ميزة تنافسية سياحية في عالم تصبح فيه موجات الحر أكثر حضوراً.

إن قصة اسكوتلندا ليست مجرد قصة عن سياح يبحثون عن طقس بارد، وإنما مؤشر على تحول أوسع: المناخ بدأ يعيد رسم خريطة السفر الأوروبية، ويدفع صناعة السياحة إلى التفكير في وجهات جديدة، ومواسم مختلفة، ونماذج أكثر استدامة للسفر.


«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
TT

«سوما باي»... ملاذ عشاق الطبيعة والغوص

الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)
الاسترخاء على البحر في سوما باي وقت الغروب يبعث في النفس طاقة متجددة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

على ضفاف البحر الأحمر، الساحل الشرقي لمصر، وعلى بُعد 45 كيلومتراً جنوب مدينة الغردقة، توجد هذه اللوحة الطبيعية النابضة بالحياة، التي تتلاشى فيها الضوضاء أمام هدير الأمواج التي تعانق ضوء الشمس، لتمنح الزائر تجربة استرخاء لا تُضاهى.

«سوما باي» ليست مجرد منتجع سياحي، بل وجهة عالمية للمشاهير ولكل من يبحث عن الهدوء، والجمال، واعتدال الأجواء طوال العام، فمع اختلاف فصول العام تكون وجهة مثالية، حيث تشهد شواطئها، الممتدة بطول 11 كيلومتراً، حركة لا تتوقف للاستجمام أمام المياه النقية، أو القفز في الماء، أو الغوص لاستكشاف الشعب المرجانية.

ممارسة القفز في الماء أثناء الغروب تجربة لا تُضاهى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

لذا، سواء كنت تخطط لعطلة رومانسية تبقى في الذاكرة، أو ترغب بقضاء وقت ممتع مع العائلة، أو الأصدقاء، فإن المنطقة توفر تجربة مميزة تناسب الجميع، مقدمةً تجربة استثنائية تتجاوز مفهوم الإجازة التقليدية، لتصبح رحلة ساحرة تجمع بين الهدوء، والفخامة، وجمال الطبيعة البكر، بما يجعلها مكاناً متكاملاً يعكس التطور الذي تشهده المناطق الساحلية المصرية.

مناظر بانورامية خلابة

تظل «سوما باي» خياراً مثالياً للباحثين عن وجهة تجمع بين الفخامة والخصوصية في قلب الطبيعة، حيث تتميز بموقعها الجغرافي الفريد داخل خليج سوما باي، إذ تحيط بها مياه البحر الأحمر من ثلاث جهات «شبه جزيرة»، مما يمنح هذا الخليج مناخاً معتدلاً طوال العام.

كما أن الموقع الاستراتيجي يقدم للزائر فرصة التمتع برؤية مناظر بانورامية خلابة على امتداد البصر للبحر والسماء، وعلى مدار اليوم، تتبدل طبيعة «سوما باي» مع تغير الساعات لتقدم أوجه متعددة من سحر مصر؛ فمع شروق الشمس على الشواطئ ونسائم الصباح تكون الفرصة مواتية لمنح الزائر نفسه إحساساً بالاستجمام، أو بدء اليوم بجلسة يوغا أمام صوت الأمواج.

الطريق إلى الغطس في سوما باي يبدأ بالسير وسط البحر الأحمر أعلى الممشى (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بينما تعد ساعة الغروب وسط هذه الطبيعية الأخّاذة، حيث انعكاس الشفق الأحمر على الشواطئ والمياه الفيروزية الصافية، مشهداً يبعث في النفس طاقة متجددة، وفرصة لعيش لحظات من التأمل أمام صوت الموج. أما المساء، ومع أجوائه الصاخبة التي تخلقها الفعاليات الفنية والموسيقية المتنوعة، فتشهد المنطقة طاقة حيوية تفرض نفسها على المكان.

ويتيح هذا التنوع على مدار ساعات النهار والليل للزائر تجربة لا تُنسى، ويجعل من «سوما باي» ملاذاً رائعاً لعطلة مميزة في واحدة من أبرز الوجهات السياحية على ساحل البحر الأحمر.

تمتد الفخامة إلى ما تضمه «سوما باي» من مجموعة من أرقى المنتجعات السياحية الفاخرة فئة 5 نجوم، والتي تتنوع في تقديم خدماتها ما بين ملاعب الغولف ومارينا لليخوت، أو تقديم تجربة استشفائية بتوظيف مياه البحر في العلاج، ما يجعلها وجهة للباحثين عن الاسترخاء والرفاهية.

سوما باي تمنح زائرها رحلة ساحرة استثنائية تجمع بين الهدوء والفخامة (الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة)

بين المغامرة والمنافسة

تحتل «سوما باي» مكانة خاصة لدى محبي المغامرة والترفيه وعشاق الرياضات المائية عالمياً، إذ ترسخ مكانتها بوصفها أحد أفضل مواقع الغوص في البحر الأحمر، وتوفر المنطقة تجربة غنية للمبتدئين والمحترفين على حد سواء؛ حيث يمتد داخل البحر ممشى بطول 420 متراً يتيح للزوار الوصول بسهولة إلى أعماق الشعاب المرجانية المتنوعة.

وإلى جانب الغوص، تشتهر المدينة بكونها مركزاً رائداً لرياضة «الكايت سيرف»، عبر ركوب الأمواج بالألواح، مستفيدة من الظروف الطبيعية والمناخية التي توفرها المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة لم تعد منطقة «سوما باي» مجرد وجهة للاسترخاء والتمتع بالطبيعة الخلابة فحسب، بل تحولت بفضل بنيتها التحتية المتطورة وقدرتها على توفير بيئة تنافسية عالمية المستوى، إلى قبلة رئيسية لاستضافة أبرز الفعاليات الرياضية المحلية والدولية، لترسم بذلك مساراً جديداً يعزز من تنافسية هذا المقصد السياحي على الخريطة العالمية.

كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة أبرز الفعاليات الرياضية التي تحتضنها سوما باي (وزارة الشباب والرياضة المصرية)

هذا التطور جعلها ضمن أجندة الحكومة المصرية، ممثلة في وزارتي السياحة والآثار والشباب والرياضة، إذ تسعى الحكومة إلى تنظيم أهم البطولات المحلية والعالمية في إطار تعزيز السياحة الرياضية، حيث توضع «سوما باي» على رأس أجندة الفعاليات، بهدف تحويلها إلى مركز استراتيجي للرياضات المائية والاحترافية.

وأثمر هذا التوجه عن استضافة المنطقة لجولات سلسلة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، في حدث يعكس الالتزام المصري بتوفير بيئة رياضية عالمية المستوى، تضاهي أكبر المراكز الرياضية في العالم.

ولا يتوقف الحضور عند الرياضات المائية؛ فقد سجلت «سوما باي» سبقاً تاريخياً في المنطقة باستضافة منافسات التنس على «ملاعب عشبية»، لتكون بذلك أول وجهة في الشرق الأوسط وأفريقيا تنظم بطولات من هذا النوع، مما يعد نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية الرياضية الإقليمية.

كما نجحت المنطقة في استقطاب فئات متنوعة من الزائرين من مختلف القارات، وهو ما تجلى في تنظيم مهرجانات التحمل الرياضي هذا العام، تحت رعاية الاتحاد المصري للخماسي الحديث، والتي شهدت مشاركة آلاف المتسابقين من عشرات الجنسيات.

كذلك امتد هذا التنوع الرياضي ليشمل «كأس مصر للفروسية»، التي تجمع بين أصالة رياضة قديمة وأجواء حديثة في بيئة البحر الأحمر الساحرة.

ومع هذا الحضور الرياضي المكثف، أضحت «سوما باي» وجهة لا تكتفي بتقديم الترفيه، بل تصيغ تجربة رياضية استثنائية، في أجواء مميزة تجمع بين التحدي والمتعة وروح المنافسة.


رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
TT

رحلة سريعة تختصر لبنان... سياحياً

رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)
رحلة قصيرة ما بين الشاطئ والجبل (أ.ب)

في لبنان، لا تحتاج المسافات القصيرة إلى وقت طويل كي تغيّر المشهد تماماً. رحلة واحدة قد تبدأ من شاطئ المتوسط، بين أزقة البترون وملاحات أنفه، ثم تتجه نحو سهل البقاع وكرومه وسهله، قبل أن تنتهي في بيروت، حيث تختلط طبقات التاريخ بالحياة اليومية والمقاهي والمطاعم والواجهة البحرية.

ولمن يريد اكتشاف لبنان بعيداً عن الرحلات التقليدية، تبدو البترون وأنفه، ثم البقاع وزحلة، وصولاً إلى بيروت، مساراً يجمع في أيام قليلة بين البحر والطبيعة والتاريخ والطعام، ويكشف في كل محطة وجهاً مختلفاً من البلاد.

البردوني في مدينة زحلة من المعالم السياحية الجميلة (الشرق الأوسط)

البترون وأنفه: البحر بطعم لبناني

تبدأ الرحلة شمالاً باتجاه البترون، المدينة الساحلية التي تجمع بين أجواء المتوسط وشوارعها القديمة وواجهتها البحرية. والمشي في أزقتها، والتوقف عند الميناء والحي التاريخي يمنح الزائر فرصة للتعرف إلى جانب أكثر هدوءاً وأصالة من المدينة، بينما يشكل الطعام جزءاً أساسياً من التجربة، مع تنوع المطاعم التي تقدم المأكولات البحرية واللبنانية.

وتستحق البترون يوماً كاملاً، لا مجرد محطة عابرة. ويمكن بدء الجولة من المدينة القديمة، بين البيوت الحجرية والأزقة الهادئة التي تعكس تاريخ المكان، ثم التوجه إلى سور البحر الفينيقي، أحد أبرز معالم المدينة. بعدها يمكن زيارة كنيسة سيدة البحر والتجول في محيط الميناء، قبل التوجه إلى الشاطئ والجلوس في أحد المقاهي والمطاعم المطلة على البحر. ومن التفاصيل التي تمنح زيارة البترون طابعها الخاص تذوق «ليموناضة» البترون الشهيرة، التي أصبحت جزءاً من هوية المدينة، إلى جانب استكشاف الملاحات القديمة والتقاط الصور عند الساحل، ولا سيما في ساعات الغروب. أما في فصل الصيف، فتتوفر خيارات عدة لمحبي البحر، من السباحة إلى الرياضات المائية.

إقامة في بيوت تقليدية في «دومين دو شوشين» (الشرق الأوسط)

ومع نهاية الجولة، يمكن اختيار أحد مطاعم المدينة في محيط السوق القديمة لتناول وجبة لبنانية، قبل متابعة الطريق شمالاً إلى أنفه.

في أنفه، يصبح البحر أكثر حضوراً، بينما تتغير ملامح الساحل بين الصخور والملاحات والمشهد البحري المفتوح. ويطلق اللبنانيون على المنطقة اسم «أنفوريني»، تيمناً بسانتوريني في اليونان، في إشارة إلى التشابه بين المدينتين الساحليتين، ولا سيما في الألوان والأزقة المرصوفة بالحجارة البيضاء والبيوت ذات الأبواب الزرقاء المزينة بالورود والزهور.

أنفه من المناطق الساحلية الرائعة في لبنان (الشرق الأوسط)

ومن الأماكن التي يمكن التوقف عندها لتناول الغداء مطعم «شي فؤاد»، المتخصص في المأكولات البحرية الطازجة. وكان المكان في الأصل منزل العائلة التي تديره اليوم، قبل أن يتحول إلى مطعم حافظ على جانب من ذكرياته العائلية وطابعه البحري. ويمكن للزائر تمضية جزء من النهار فيه والاستمتاع بالجلسة البحرية والسباحة في البركة الصغيرة أو في البحر.

منظر مطل على مدينة زحلة في البقاع (الشرق الأوسط)

البقاع: حين يتغير المشهد

بعد الساحل، تتجه الرحلة نحو البقاع، حيث يتبدل المشهد بسرعة. فالسهل الواسع والجبال المحيطة والكروم ترسم صورة مختلفة تماماً عن الساحل الشمالي، بينما تظهر المائدة اللبنانية هنا مرتبطة بالطبيعة والضيافة والمنتجات المحلية.

وفي منطقة قب الياس يقع «دومين دو شوشين»، الذي يقدم المأكولات اللبنانية التقليدية في الهواء الطلق. ويضم المكان غرفاً فندقية تحافظ على طابعها القروي، مع ديكورات بسيطة وقناطر تستحضر شكل المنازل الريفية اللبنانية.

ولا تقتصر التجربة هنا على الطعام والإقامة، إذ يمكن القيام برحلة مشي «هايكينغ» برفرة دليل متخصص بمعالم المنطقة، تسبقها وجبة فطور لبناني مستوحاة من أجواء القرى والطبيعة المحيطة بالمكان. وهكذا تصبح الرحلة إلى البقاع انتقالاً من مجرد مشاهدة المناظر إلى التفاعل معها.

شلالات البردوني (الشرق الأوسط)

زحلة والبردوني: مدينة الشعر والماء

من قب الياس، تأخذ الرحلة طريقها نحو زحلة، إحدى أبرز مدن البقاع وأكثرها ارتباطاً بالهوية الثقافية والتراثية للبنان.

نشأت زحلة وتطورت على ضفاف نهر البردوني، الذي يعبر المدينة بين الجبال ويمنحها مشهداً طبيعياً مميزاً، حتى أصبح اسمه جزءاً من صورة زحلة وذاكرتها. ويعود تاريخ المنطقة إلى عصور قديمة، بينما ازدهرت المدينة بصورة خاصة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي مهم في البقاع، كما ارتبط اسمها بالهجرة والتجارة.

زحلة عصب البقاع (الشرق الأوسط)

أما اليوم، فيبقى نهر البردوني واحداً من أشهر معالم زحلة، ولا سيما المنطقة السياحية الممتدة على جانبيه، حيث المطاعم والمقاهي وأماكن الجلوس. هنا يمكن للزائر أن يجمع بين الغداء وصوت المياه والمناظر الجبلية، وأن يرى المدينة من زاوية مختلفة.

ومن البردوني يمكن الصعود إلى مقام سيدة زحلة والبقاع للاستمتاع بإطلالة واسعة على المدينة والسهل، ثم العودة إلى النهر لقضاء الأمسية وسط أجواء زحلة الحيوية.

في هذه المدينة تحديداً، تبدو عناصر الرحلة الثلاثة حاضرة في مكان واحد: الطبيعة، والمائدة، والحكاية.

زحلة من المدن السياحية المميزة في لبنان (الشرق الأوسط)

بيروت: مدينة تصل الماضي بالحاضر

بعد البحر والجبال والكروم، تأتي بيروت لتكون المحطة الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه مدينة تختصر الكثير مما سبق. هنا يلتقي البحر بالتاريخ، وتجاور الأبنية القديمة المطاعم والمقاهي والحياة الليلية.

يمكن بدء الجولة من وسط بيروت وساحة النجمة، حيث تتجاور الأبنية التاريخية مع المساحات الحديثة، ثم الانتقال إلى الحمامات الرومانية وساحة الشهداء والجامع العمري الكبير، في جولة تكشف طبقات متعددة من تاريخ العاصمة.

ومن هناك، يستحق المتحف الوطني في بيروت زيارة خاصة، لما يقدمه من رحلة في تاريخ لبنان وآثاره. وبعدها يمكن الانتقال إلى شارع الحمرا أو الجميزة ومار مخايل لاكتشاف جانب آخر من المدينة، أكثر حيوية واتصالاً بالمشهد الثقافي والمطاعم والمقاهي.

«دومين دو شوشين» إقامة في أجواء ريفية (الشرق الأوسط)

ومع اقتراب المساء، يتغير إيقاع الرحلة. يتجه المشهد نحو البحر، إلى كورنيش بيروت وصخرة الروشة، حيث تتداخل مياه المتوسط مع صورة المدينة. ويمكن أيضاً المرور بـزيتونة باي، الذي يجمع المرسى والمطاعم والمقاهي في واجهة بحرية حديثة.

لكن الروشة تبدو مختلفة عندما تُرى من البحر. ومن التجارب التي يمكن إضافتها إلى جولة بيروت رحلة قصيرة بالقارب حول صخرة الروشة. تنطلق القوارب من المنطقة المحيطة بالصخرة لتأخذ الزائر بمحاذاة الساحل، وتتيح له رؤية المعلم الشهير من زاوية مختلفة عن تلك التي يوفرها الكورنيش.

ومع الاقتراب من الصخرة، تظهر التجاويف والممرات الطبيعية المحيطة بها بصورة أوضح، بينما تضفي الرحلة إحساساً بالمغامرة. وفي ساعات العصر وقبل الغروب، تصبح التجربة أكثر جمالاً مع انعكاس أشعة الشمس على مياه المتوسط، لتتحول الصخرة إلى خلفية طبيعية للمشهد البيروتي.

غروب الشمس عند صخرة الروشة (أ.ب)

المائدة جزء من الرحلة

لا تكتمل جولة بيروت من دون التوقف عند مائدتها. فالمطبخ اللبناني هنا ليس مجرد خيار لتناول الطعام، بل جزء من التجربة التي يختبر من خلالها الزائر جانباً من شخصية المدينة.

ومن الخيارات الممكنة «البيروتي»، الذي يقدم المطبخ اللبناني والمتوسطي بلمسة عصرية، ويتيح تذوق مجموعة من الأطباق اللبنانية في أجواء حيوية.

«أم شريف ديلي» في وسط بيروت (أ.ف.ب)

ومن الخيارات الأخرى «قمر داون تاون»، الذي يقدم المطبخ اللبناني في أجواء مناسبة للغداء أو العشاء، إضافة إلى «أمالين دي تي»، لمحبي النكهات اللبنانية التقليدية في منطقة وسط المدينة.

أما إذا كان الخيار هو وجبة سريعة، فيمكن التوجه إلى «أم شريف ديلي»، وهو تابع لسلسلة «أم شريف»، ويقدم السندويشات بلمسة عصرية.ولمن يريد إنهاء اليوم أمام مشهد الغروب، يبقى محيط صخرة الروشة والكورنيش المطل عليها من أبرز الخيارات. ويمكن أن يكون التوقف عند فرع مقهى «ستارباكس» هناك فرصة لمتابعة غروب الشمس مع فنجان من القهوة.

الملاحات في أنفه (إ.ب.إ)

لبنان... منظر، مائدة، وحكاية

ربما تكمن متعة لبنان في أنه لا يقدم نفسه للزائر من خلال مدينة واحدة أو مشهد واحد. فبين ساحل البترون وأنفه، ومائدة الشمال، وسهل البقاع وكرومه، وأجواء زحلة وضفاف البردوني، ثم بيروت بتاريخها وصخبها وواجهتها البحرية، تتبدل الصورة من محطة إلى أخرى، فيما تبقى روح المكان حاضرة في التفاصيل.

إنها رحلة لا تحتاج إلى مسافات طويلة كي تكشف اختلاف لبنان وتنوعه، يكفي أن تبدأ من البحر، وتمر بالكروم، وتنتهي أمام المتوسط من جديد.