واشنطن تتوقع «لحظات صعبة» خلال تنفيذ الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي

يدخل حيز التنفيذ بعد تأكيد الطرفين موافقتهما على أحكامه

قطعة بحرية إسرائيلية خلال دورية قبالة رأس الناقورة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
قطعة بحرية إسرائيلية خلال دورية قبالة رأس الناقورة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تتوقع «لحظات صعبة» خلال تنفيذ الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي

قطعة بحرية إسرائيلية خلال دورية قبالة رأس الناقورة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)
قطعة بحرية إسرائيلية خلال دورية قبالة رأس الناقورة على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)

غداة توصل لبنان وإسرائيل إلى مسودة اتفاق وصف بأنه «اختراق تاريخي» لتسوية نزاع حدودي بحري عمره عقود حول السيطرة على الموارد على امتداد الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، أقر مسؤولون أميركيون كبار بأنهم يتوقعون «لحظات صعبة أخرى» خلال تنفيذ هذا الاتفاق، مؤكدين أن المفاوضات لم تجر «في ظل تهديدات (حزب الله)»، ولم تتضمن مشاورات مع التنظيم المدعوم من إيران.
ووفقاً للنص النهائي للمسودة المؤرخة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2022 والتي سربت عبر صحافي إسرائيلي، «يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ في التاريخ الذي تُرسل فيه حكومة الولايات المتحدة إشعاراً يتضمن تأكيداً على موافقة كل من الطرفين على الأحكام المنصوص عليها في هذا الاتفاق». وفي اليوم الذي يرسل فيه هذا الإشعار، سيرسل لبنان وإسرائيل في الوقت ذاته إحداثيات متطابقة إلى الأمم المتحدة تحدد موقع الحدود البحرية، على أن يبقى الوضع الراهن قرب الشاطئ على ما هو عليه، بما في ذلك على طول خط العوامات البحرية الحالي.
وأوضح مسؤول أميركي رفيع لمجموعة من الصحافيين أن الوساطة التي قادتها الولايات المتحدة في شأن النزاع على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل «بدأت منذ أكثر من عشر سنين» في عهد الرئيس باراك أوباما ونائب الرئيس آنذاك جو بايدن، ولم تؤد إلى أي نتيجة حتى عام 2020 حين «اتخذت منعطفاً تمثل بتوقف الطرفين عن التفاوض». ولكن إدارة الرئيس جو بايدن عاودت وساطتها في خريف 2021 وأوائل عام 2022، «في إطار السعي إلى (…) تحول نموذجي من شأنه أن يسمح بتحقيق اختراق» تمثل خلال الأسابيع القليلة الماضية باتفاق كل من الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية مع الولايات المتحدة «على إنهاء هذا النزاع». وشدد على أن هذا الاتفاق «ليس ثنائياً» بين لبنان وإسرائيل، بل من خلال الولايات المتحدة. لكنه «يرسم حداً يسمح لكلا البلدين بمتابعة مصالحهما الاقتصادية من دون نزاع».
- لا اتفاق مباشراً
هذا ما كشفه مصدر أميركي آخر عندما أوضح أن ما حصل هو «اتفاقان منفصلان»، الأول بين الولايات المتحدة وإسرائيل والثاني بين الولايات المتحدة ولبنان، «عوض الاتفاق المباشر» بين إسرائيل ولبنان.
وإذ أشار المسؤول الأميركي الرفيع إلى الاتصالين اللذين أجراهما الرئيس بايدن الثلاثاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد والرئيس اللبناني ميشال عون، فقد أكد أن ما حصل سيكون لمصلحة لبنان الذي «يعاني أزمة اقتصادية كبيرة - تشمل كل قطاعات الاقتصاد»، مضيفاً أنه «من دون معالجة أزمة الطاقة والكهرباء، يستحيل رؤية أي أمل في التعافي الاقتصادي». وأكد أن هذا الاتفاق سيوفر للبنان «إمكانات جديدة للاستثمار الأجنبي المباشر»، ولا سيما في قطاع الطاقة، فضلاً عن «البدء في استكشاف الموارد الهيدروكربونية في البحر الأبيض المتوسط باعتبارها الدولة الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط التي لم تفعل ذلك بعد».
وكذلك لفت إلى أن إسرائيل «نجحت للغاية» في تطوير موارد غاز وموارد هيدروكربونية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط، والاتفاق مع لبنان «سيوفر لها نوعاً من الأمن والاستقرار»، علما بأن التصدير يجعلها «جزءاً من الحل العالمي والأوروبي لأزمة الطاقة». وأكد أن «المفاوضات لم تكن سهلة»، متوقعاً أن «تكون هناك لحظات صعبة أخرى» خلال تنفيذ هذا الاتفاق، موضحاً أن الولايات المتحدة «ستواصل تقديم مساعدتها في تسهيل أي مناقشات في المستقبل».
ورداً على سؤال حول أثر التهديدات التي أطلقها الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله على المفاوضات والاتفاق، قال المسؤول الأميركي الرفيع إن «حقل كاريش ليس في المنطقة المتنازع عليها»، مشدداً على أن «المفاوضات لم تجر في ظل (…) التهديدات»، علما بأن الولايات المتحدة «دعمت دائماً حق إسرائيل في تطوير كاريش»، على أن يكون حقل قانا ضمن الحدود البحرية اللبنانية. وتوقع توقيع البلدين على الاتفاق ودخوله حيز التنفيذ «في أسرع وقت ممكن». وأكد أن «المفاوضات التي أجريت بوساطة أميركية لم تتضمن مناقشات مع (حزب الله)».
- مستثنى من العقوبات
وسئل عن اتفاق خط الغاز العربي، فأجاب أن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن «استيراد الغاز من مصر عبر الأردن، وصولاً إلى لبنان، هو تطور إيجابي بالنسبة لبنان» الذي «لا يزال عليه اتخاذ بعض الخطوات»، بالإضافة إلى «خطوات البنك الدولي بعد ذلك». وقال: «سنقوم بإجراء مراجعة نهائية في الولايات المتحدة للتأكد من أنها تتماشى مع العقوبات الأميركية»، في إشارة إلى «عقوبات قيصر» ضد سوريا، معبراً عن «ثقته بأنه يمكننا توصيل الغاز إلى لبنان على أساس سريع إلى حد ما إذا اتخذت بالفعل خطوات الإصلاح التي التزمها لبنان».
ويأمل المسؤولون الأميركيون في أن تمنح الصفقة، التي توسط فيها المبعوث الأميركي الخاص آموس هوكستاين، إسرائيل مزيداً من الأمن، على أن تتيح للبنان مجالاً أكبر في المستقبل لتخفيف أزماته المتعلقة بالطاقة، وتزويد أوروبا بمصدر جديد محتمل للغاز وسط النقص الناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا. ووصف الرئيس بايدن الاتفاق بأنه «اختراق تاريخي في الشرق الأوسط»، لأنه «يمهد الطريق لمنطقة أكثر استقراراً وازدهاراً، وتسخير موارد الطاقة الحيوية الجديدة للعالم».
ويحدد الاتفاق فقط الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وليس الحدود البرية التي يبلغ طولها 80 كيلومتراً والتي لا تزال محل نزاع وتخضع لمراقبة دوريات القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان، (اليونيفيل).
وتأتي الصفقة في الوقت الذي تعيد فيه اكتشافات الغاز رسم خريطة الطاقة في البحر الأبيض المتوسط فيما تبحث أوروبا عن مصادر طاقة بديلة عقب غزو روسيا لأوكرانيا. ويمكن لدبلوماسية الغاز أن تؤدي أيضاً إلى إذابة الجليد في العلاقات المتوترة بين إسرائيل وتركيا، حيث يسعى البلدان إلى إحياء خطط جرى التخلي عنها منذ فترة طويلة لبناء خط أنابيب يمر عبر تركيا إلى أوروبا.
وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إن «هذا الاختراق يعني بداية حقبة جديدة من الازدهار والاستقرار في الشرق الأوسط»، لأنه «سيوفر الطاقة الحيوية لشعوب المنطقة والعالم». واعتبر أن الإعلان «يوضح قوة التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة في الشرق الأوسط وخارجه». وشدد على أنه «من الأهمية بمكان الآن أن تقوم كل الأطراف بوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق بسرعة والوفاء بالتزاماتها للعمل نحو التنفيذ لصالح المنطقة والعالم».


مقالات ذات صلة

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

المشرق العربي توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

دعت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، مساء الجمعة، إلى الهدوء بعد توتر بين حرس الحدود الإسرائيليين وأنصار لـ«حزب الله» كانوا يتظاهرون إحياءً لـ«يوم القدس». ونظّم «حزب الله» تظاهرات في أماكن عدّة في لبنان الجمعة بمناسبة «يوم القدس»، وقد اقترب بعض من أنصاره في جنوب لبنان من الحدود مع إسرائيل. وقالت نائبة المتحدّث باسم يونيفيل كانديس أرديل لوكالة الصحافة الفرنسية إنّ عناصر القبعات الزرق «شاهدوا جمعاً من 50 أو 60 شخصاً يرمون الحجارة ويضعون علم حزب الله على السياج الحدودي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أنَّ «الصمت الشيعي» حيال إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل في شمال إسرائيل لا يعني أنَّ «حزب الله» على توافق مع حركة «أمل» بهذا الشأن، بمقدار ما ينم عن تباين بينهما، إذ ارتأيا عدم إظهاره للعلن لقطع الطريق على الدخول في سجال يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الجنوبية. وقالت المصادر إنَّ حركة «أمل»، وإن كانت تتناغم بصمتها مع صمت حليفها «حزب الله»، فإنها لا تُبدي ارتياحاً للعب بأمن واستقرار الجنوب، ولا توفّر الغطاء السياسي للتوقيت الخاطئ الذي أملى على الجهة الفلسطينية إطلاق الصواريخ الذي يشكّل خرقاً للقرار 1701. وعلى صعيد الأزمة الرئاسية، ذكرت مصادر فرنسية مط

العالم العربي المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

استنكر المطارنة الموارنة في لبنان، اليوم (الأربعاء)، بشدة المحاولات الهادفة إلى تحويل جنوب لبنان إلى صندوق لتبادل الرسائل في الصراعات الإقليمية. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، طالب المطارنة الموارنة، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم الشهري في الصرح البطريركي في بكركي شمال شرقي لبنان اليوم، الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية بالحزم في تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تعزيز أجهزة الرصد والتتبُّع والملاحقة. وناشد المطارنة الموارنة، في اجتماعهم برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، «القوى الإقليمية والمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمل أعباء لم تجلب عليه ماضياً سوى الخراب والدمار وتشتيت ا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل

ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، اليوم الأحد، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والانتهاك المتمادي للسيادة اللبنانية أمر مرفوض، مؤكدا أن «عناصر غير لبنانية» وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب. وقال ميقاتي إن «الهجوم الإسرائيلي على المصلّين في الأقصى وانتهاك حرمته أمر غير مقبول على الإطلاق، ويشكل تجاوزاً لكل القوانين والأعراف، ويتطلب وقفة عربية ودولية جامعة لوقف هذا العدوان السافر». وعن إطلاق الصواريخ من الجنوب والقصف الإسرائيلي على لبنان، وما يقال عن غياب وعجز الحكومة، قال ميقاتي إن «كل ما يقال في هذا السياق يندرج في إطار الحملات الإعلامية والاستهداف المجاني، إذ منذ اللحظة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

قررت الحكومة اللبنانية تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل، على خلفية الغارات التي نفذتها على مناطق لبنانية بعد إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.