رواندا تنهض بنجاح مذهل رغم جرح «الإبادة العرقية»

واشنطن تريد توثيق علاقاتها بها بسبب قدراتها العسكرية لمواجهة نفوذ روسيا

روانديون يرفعون أياديهم وهم يقتربون من جنود بلجيكيين طالبين الحماية خلال الإبادة العرقية، في 13 أبريل 1994 (أ.ب)
روانديون يرفعون أياديهم وهم يقتربون من جنود بلجيكيين طالبين الحماية خلال الإبادة العرقية، في 13 أبريل 1994 (أ.ب)
TT

رواندا تنهض بنجاح مذهل رغم جرح «الإبادة العرقية»

روانديون يرفعون أياديهم وهم يقتربون من جنود بلجيكيين طالبين الحماية خلال الإبادة العرقية، في 13 أبريل 1994 (أ.ب)
روانديون يرفعون أياديهم وهم يقتربون من جنود بلجيكيين طالبين الحماية خلال الإبادة العرقية، في 13 أبريل 1994 (أ.ب)

ما إن تبدأ الطائرة باختراق الغمام الأبيض الكثيف في سماء رواندا عند انبلاج خيوط الفجر الأولى، حتى تتبدى الهضاب المكسوة بخضرة زمردية لا متناهية منحت هذه البلاد لقب «سويسرا أفريقيا» قبل أن يطلق البعض عليها «سنغافورة الجديدة».
وأول تنبيه تسمعه قبل أن تطأ قدمك أرض كيغالي، يذكرك بأن هذه المدينة كانت الأولى في العالم التي منعت استخدام أكياس البلاستيك، لتتبين لاحقاً أنها، على فقرها، من أنظف العواصم الأفريقية والعالمية.
لكن ثمة جرحاً عميقاً في صدر هذا البلد الذي ينهض بنجاح مذهل من أبشع حروب الإبادة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، والتي تمت أمام أعين الأسرة الدولية التي كان بعض أفرادها ضالعاً فيها بشكل مباشر. جرح يحمل أنين أكثر من 800 ألف ضحية سقطت في عام 1994، وما زال ينزف من ذاكرة مضطربة تبحث عن المسؤولين عن عذابها وتلاحقهم.
الشائع عن رواندا بين المراقبين عن بعد للواقع الأفريقي، أنها كانت مستعمرة بلجيكية حتى أواسط القرن الماضي، وأنها عانت واحدة من أفظع الإبادات في العصر الحديث، وأنها اليوم قدوة تحتذى على الصعيدين الإنمائي والأمني في قارة منكوبة بالفقر والعنف.
لكن الواقع لا يطابق تماماً هذه الصورة عن البلد الذي يحكمه بول كاغامي بيد من حديد منذ عام 1994، والذي تسعى الدول الكبرى منذ سنوات لاجتذابه إلى دائرة نفوذها.
في مطلع تسعينات القرن الماضي، عادت قيادات الجبهة الوطنية الرواندية من منفاها الطويل في أوغندا، وأجبرت حكومة الهوتو الراديكالية التي كان يرأسها جوفينال أبيرايامانا على تقاسم السلطة قبل أن تسقط الطائرة التي كان يستقلها إلى جانب نظيره رئيس بوروندي، لتندلع في إثر ذلك المجازر العرقية التي قضت على مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال التوتسي وبعض المعتدلين من قبائل الهوتو.
ولم تتوقف تلك المجازر إلا بعد دخول الجبهة الوطنية وإسقاطها النظام الذي كان قد بدأها. لكن أكثر من مليوني شخص كانوا قد غادروا البلاد، فيما كانت الوعود بالمصالحة والعدالة تتحول تدريجياً إلى كابوس يحول دون الاندماج العرقي الذي لا يزال النظام الحالي يرفع في طليعة شعاراته.
معظم الدول الكبرى، ومعها المنظمات والمؤسسات الدولية، تبنت أسطورة كاغامي البطل الذي أنهى حرب الإبادة، بينما كانت منظمات حقوق الإنسان توثق عشرات المجازر التي كان النظام يدبرها ضد معارضيه داخل البلاد وخارجها.
يقول المراقبون المحايدون إن المسؤول الرئيسي عن هذا الوضع هو بول كاغامي الذي كان قد أحكم سيطرته على الجبهة الوطنية بعد وفاة زعيمها في ظروف لا تزال غامضة، قبل أن يمسك بزمام السلطة بعد الإبادة، ويبدأ بمغازلة الدول الكبرى التي فتحت له أبوابها، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين أغدقتا عليه مساعدات مالية ضخمة ووضعته في عين اهتمامات المنظمات الدولية، متجاهلة التقارير العديدة للمنظمات الحقوقية والإنسانية التي وثقت جرائم النظام وانتهاكاته. ولا شك في أن كاغامي كان بارعاً في استغلال المنافسة المحمومة بين الدول الكبرى لتوسيع دائرة نفوذها في القارة الأفريقية، خصوصاً في البلدان القليلة التي تنعم باستقرار سياسي وأمني مثل رواندا، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.
وبعد الجولة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى عدد من الدول الأفريقية شملت مصر وأوغندا وإثيوبيا والكونغو، وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الكاميرون وبنين وغينيا بيساو، اختار وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن رواندا محطة رئيسية في جولته الأفريقية الأخيرة التي قال إنها تهدف إلى تصويب العلاقات الأميركية - الأفريقية بعد الاهتزاز الذي تعرضت له خلال الرئاسة السابقة، وتأكيد حرص واشنطن على دعم الديمقراطية في أفريقيا.
تجدر الإشارة إلى أن الكونغرس الأميركي كان قد أقر في أبريل (نيسان) الفائت «قانون مكافحة الأنشطة الروسية الخبيثة في أفريقيا»، والذي يستهدف محاصرة الجهود التي تبذلها موسكو لتوسيع دائرة نفوذها في القارة السمراء، معتمدة على قوات مجموعة «فاغنر» المنتشرة في عدد من البلدان الأفريقية من السودان إلى مالي وتشاد وأفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، وعلى وسائط التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام لبث معلومات ضد الغرب والأنظمة الديمقراطية.
ويشير مراقبون إلى أن حرص واشنطن على توثيق علاقاتها مع رواندا، رغم سجلها الأسود في مجال حقوق الإنسان، يعود إلى القدرات العسكرية الرواندية التي يمكن الاعتماد عليها لمواجهة النفوذ الروسي، بقدر ما هو ناشئ عن مخاوفها من اتساع دائرة النزاع المسلح الذي نشب مؤخراً في المناطق الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية، واحتمال دخول موسكو على خط هذا النزاع في منطقة استراتيجية مثل الكونغو.
وكانت الإدارة الأميركية قد أعربت عن قلقها من التقارير الموثقة عن الدعم الذي تقدمه رواندا للثوار المتمردين من حركة «23 مارس»، وهي مجموعة كونغولية مسلحة من قبائل التوتسي استأنفت نشاطها مطلع هذا الصيف واستولت على عدد من المدن الواقعة على الحدود مع أوغندا. وتفيد التقارير التي وضعت على طاولة مجلس الأمن الدولي، بأن قوات رواندية تتدخل عسكرياً داخل أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ أواخر العام الماضي، وأن رواندا قدمت دعماً للثوار المتمردين.
تجدر الإشارة إلى أن التوتر الشديد يسود العلاقات بين الكونغو ورواندا منذ أن بدأ الهوتو الروانديون يتدفقون على الكونغو بعد ارتكابهم مجازر عام 1994.
وما يزيد من مخاوف واشنطن أن الثوار الذين تدعمهم رواندا في شرق الكونغو، يتعاونون مع منظمات أخرى متحالفة مع تنظيم الدولة الذي يعتبرها ركيزته في أفريقيا الوسطى والشرقية. وتخشى الإدارة الأميركية من أن تدخل موسكو من ثغرة هذا النزاع للدخول إلى الكونغو، ومنه إلى موزمبيق ومدغشقر.


مقالات ذات صلة

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

أفريقيا هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

هل تنجح دعوات استعادة الجواهر الأفريقية المرصِّعة للتاج البريطاني؟

بينما تستعد بريطانيا لتتويج الملك تشارلز الثالث (السبت)، وسط أجواء احتفالية يترقبها العالم، أعاد مواطنون وناشطون من جنوب أفريقيا التذكير بالماضي الاستعماري للمملكة المتحدة، عبر إطلاق عريضة للمطالبة باسترداد مجموعة من المجوهرات والأحجار الكريمة التي ترصِّع التاج والصولجان البريطاني، والتي يشيرون إلى أن بريطانيا «استولت عليها» خلال الحقبة الاستعمارية لبلادهم، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الدول الأفريقية على المطالبة باسترداد ثرواتها وممتلكاتها الثمينة التي استحوذت عليها الدول الاستعمارية. ودعا بعض مواطني جنوب أفريقيا بريطانيا إلى إعادة «أكبر ماسة في العالم»، والمعروفة باسم «نجمة أفريقيا»، وا

أفريقيا «النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

«النقد الدولي»: أفريقيا الخاسر الأكبر من «الاستقطاب العالمي»

مع تركيز مختلف القوى الدولية على أفريقيا، يبدو أن الاقتصادات الهشة للقارة السمراء في طريقها إلى أن تكون «الخاسر الأكبر» جراء التوترات الجيو - استراتيجية التي تتنامى في العالم بوضوح منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتوقَّع تقرير صدر، (الاثنين)، عن صندوق النقد الدولي أن «تتعرض منطقة أفريقيا جنوب الصحراء للخسارة الأكبر إذا انقسم العالم إلى كتلتين تجاريتين معزولتين تتمحوران حول الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المقابل». وذكر التقرير أن «في هذا السيناريو من الاستقطاب الحاد، ما يؤدي إلى أن تشهد اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى انخفاضا دائماً بنسبة تصل إلى 4 في الما

أفريقيا السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

السعودية والاتحاد الأفريقي يبحثان وقف التصعيد العسكري في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، اليوم (الثلاثاء)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف المتنازعة في السودان، وإنهاء العنف، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضها، بما يضمن أمن واستقرار ورفاهية البلاد وشعبها. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي، برئيس المفوضية، وتناول آخر التطورات والأوضاع الراهنة في القارة الأفريقية، كما ناقش المستجدات والموضوعات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أفريقيا «مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

«مكافحة الإرهاب» تتصدر الأجندة الأوغندية في «السلم والأمن» الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، التي تؤرق غالبية دول القارة الأفريقية، الأجندة الأوغندية، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الأفريقي، في شهر مايو (أيار) الجاري. ووفق المجلس، فإنه من المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة الإرهاب في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان له، أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيناقش نتا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

مكافحة «الإرهاب» تتصدر أجندة أوغندا في مجلس الأمن الأفريقي

تتصدر جهود مكافحة ظاهرة «التطرف والإرهاب»، التي تقلق كثيراً من دول القارة الأفريقية، أجندة أوغندا، خلال رئاستها مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، في مايو (أيار) الحالي. ومن المقرر عقد اجتماع تشاوري في بروكسل بين الاتحادين الأوروبي والأفريقي؛ لمناقشة النزاعات والأزمات في البحيرات الكبرى والقرن والساحل، والصراع المستمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومكافحة تمرد حركة «الشباب الإرهابية» في الصومال، والتحولات السياسية المعقدة، فضلاً عن مكافحة «الإرهاب» في بلدان منطقة الساحل، كبنود رئيسية على جدول الأعمال. وأوضح المجلس، في بيان، أنه سيناقش نتائج الحوار الوطني في تشاد، ولا سيما المسألتين ا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
TT

جنوب أفريقيا تستدعي السفير الأميركي بسبب «تصريحات غير دبلوماسية»

السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)
السفير الأميركي الجديد لدى جنوب أفريقيا برنت بوزيل (أ.ب)

استدعى وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا السفير الأميركي الجديد برنت بوزيل، اليوم الأربعاء، لتوضيح تصريحات اعتُبرت «غير دبلوماسية»، بعد أقل من شهر من توليه منصبه في بريتوريا.

تولى بوزيل مهامه في ظل تدهور شديد في العلاقات الثنائية، بعدما انتقدت الولايات المتحدة جنوب أفريقيا بسبب شكواها ضد إسرائيل أمام القضاء الدولي بتهمة «الإبادة الجماعية» في غزة، وبسبب ما اعتبرته اضطهاداً للأقلية البيضاء في البلاد.

في أول خطاب له منذ وصوله إلى بريتوريا في فبراير (شباط)، انتقد الدبلوماسي الأميركي، الثلاثاء، كلمات أنشودة «اقتلوا البوير، اقتلوا المزارع» التي وصفها بأنها «تحض على الكراهية»، علماً أنها وضعت خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري. كما انتقد العديد من البرامج والقوانين في جنوب أفريقيا.

وقال وزير خارجية جنوب أفريقيا في مؤتمر صحافي: «استدعينا سفير الولايات المتحدة، السفير بوزيل، لتوضيح تصريحاته غير الدبلوماسية».

سبق أن قضت المحاكم الجنوب أفريقية بأن الشعار التاريخي «اقتلوا البوير» لا يشكل خطاب كراهية، ويجب النظر إليه في سياق نضال التحرير ضد نظام الفصل العنصري.

كما انتقد السفير الأميركي برنامجاً اقتصادياً يهدف إلى تصحيح أوجه عدم المساواة الموروثة من نظام الفصل العنصري ويهدف إلى تعزيز فرص العمل للسود، مقدراً أن مثل هذه السياسات أدت إلى «ركود» الاقتصاد.

ورد رونالد لامولا قائلاً إن «برامج التمييز الإيجابي في التوظيف ليست عنصرية عكسية، كما ألمح السفير للأسف»، مؤكداً: «هذه أداة أساسية مصممة لمعالجة الاختلالات الهيكلية المتأصلة في تاريخ جنوب أفريقيا الفريد. إنها ضرورة دستورية لا يمكن لحكومة جنوب أفريقيا أن تتخلى عنها ولن تتخلى عنها أبداً».


نيجيريا: مسلحون يختطفون أكثر من 300 مدني

منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
TT

نيجيريا: مسلحون يختطفون أكثر من 300 مدني

منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)
منظر جوي لمنطقة جوس في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

قال الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو إن نيجيريا ستنتصر في الحرب ضد الإرهاب وقطاع الطرق في البلاد، وذلك بعد ساعات من اختطاف أكثر من 300 شخص، بينهم أطفال ونساء، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلد الواقع في غرب القارة الأفريقية.

وأكد مسؤولون نيجيريون أن أكثر من 300 شخص اختطفوا على يد مسلحين عقب هجوم على بلدة نغوش في منطقة غوازا بولاية بورنو، شمال شرقي نيجيريا، حيث توجد معاقل جماعة «بوكو حرام»، وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا».

انتقدت المعارضة الرئيس بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وقال مسؤولون محليون إن منفذي الهجوم اقتحموا البلدة، أمس (الجمعة)، ونفذوا غارة واسعة النطاق قبل أن ينسحبوا ومعهم مئات المختطفين، فيما صرّح بولاما ساوا، وهو مسؤول محلي، لقناة تلفزيونية محلية بأن الهجوم يُعتقد أنه مرتبط بعمليات عسكرية حديثة أسفرت، حسب التقارير، عن مقتل ثلاثة من قادة جماعة «بوكو حرام».

ورغم أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها رسمياً عن الهجوم، فإن مسؤولين أمنيين يرجّحون أن يكون منفذوه من عناصر «بوكو حرام» أو مقاتلين مرتبطين بتنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الذي ينشط على نطاق واسع في شمال شرقي نيجيريا.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

كما أكدت مصادر عسكرية أن مسلحين شنّوا هجمات إضافية على بلدات قريبة، غير أن القوات النيجيرية تمكنت من صدّ تلك الهجمات، وقال مسؤولون أمنيون إن عدة جنود، بينهم ضابط رفيع، لقوا مصرعهم خلال الاشتباكات.

وخلال ملاحقة الجيش لمنفذي الهجوم، سقط عدد من الضحايا في صفوف المختطفين، في قصف جوي نفذته طائرة تابعة لسلاح الجو النيجيري، وفق ما أفادت تقارير وأكدته الرئاسة فيما بعد.

وتسلّط عملية الاختطاف الجماعي الضوء على استمرار حالة انعدام الأمن في شمال شرقي نيجيريا، حيث تواصل الجماعات الإرهابية استهداف القرى النائية التي تعاني من ضعف الحضور الأمني.

ويقول محللون أمنيون إن المسلحين غالباً ما ينفذون هجمات خاطفة باستخدام الدراجات النارية، يهاجمون خلالها القرى ثم ينسحبون سريعاً إلى مناطق غابات قبل أن تتمكن القوات العسكرية من الرد بفاعلية.

منظر جوي لمنطقة في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

وفي المنطقة نفسها، نشرت الولايات المتحدة الأميركية عدداً من جنودها لدعم الجيش النيجيري في مواجهة الجماعات الإرهابية، فيما أكدت مصادر الشهر الماضي بداية انتشار قرابة 200 جندي أميركي في نقاط مختلفة من نيجيريا، في إطار مهام تدريب وتأطير دون المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية الميدانية.

في غضون ذلك، أصدر الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو بياناً وصف فيه الهجوم بأنه «اعتداء قاسٍ على مواطنين عُزّل»، مؤكّداً أن «أعمال الإرهاب ضد المدنيين لن تثني الحكومة عن عزمها على القضاء على التمرد المسلح».

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

كما عبّر تينوبو عن تعاطفه مع عائلات الأشخاص الذين سقطوا بنيران صديقة خلال الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو النيجيري أثناء ملاحقة المسلحين الفارين، ودعا النيجيريين، ولا سيما سكان ولاية بورنو والمناطق المتضررة، إلى «عدم الاستسلام للخوف». وأقام تينوبو، أمس (الجمعة)، حفل إفطار في القصر الرئاسي جمع قادة الجيش والشرطة مع زعماء دين ومشايخ وأئمة، وذلك بعد ساعات من هجوم بورنو الإرهابي، وحادثة الخطف الجماعي.

وقال تينوبو: «أتقدّم بتعازيّ إلى نائب الرئيس شيتيما، وإلى الشعب النيجيري بأسره، وإلى سكان ولاية بورنو، على الحادث الذي وقع هناك. لقد اتصلتُ بالحاكم زولوم لأعبّر له عن تضامني ومواساتي».

Nigerians returning to their country after an unsuccessful migration journey to neighboring countries (Alarm Phone)

وأضاف: «نحن ندرك ما يواجهه الناس من تحديات بسبب الإرهاب وقطاع الطرق، لكن يمكنني أن أؤكد لكم أننا سننتصر في هذه الحرب. نيجيريا ستتغلب على هذه التحديات».

وأعلنت الرئاسة أن تينوبو أصدر تعليمات للقوات المسلحة النيجيرية بتكثيف جهود حماية المدنيين في جميع أنحاء البلاد، ومنع الهجمات التي تستهدف المنشآت العسكرية في شمال شرقي نيجيريا. كما كلّف الجيش وبقية الأجهزة الأمنية بالعمل بشكل عاجل على إنقاذ الأشخاص الذين اختطفهم مسلحون ينشطون في المنطقة، حسبما جاء في بيان صدر الجمعة، عن مستشار الرئيس لشؤون الإعلام والاستراتيجية بايو أونانوغا.


ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
TT

ارتفاع حصيلة هجوم في جنوب السودان إلى 169 قتيلاً

أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)
أحد شوارع جوبا عاصمة جنوب السودان (رويترز)

قال وزير الإعلام في منطقة روينج في جنوب السودان، اليوم الاثنين، إن حصيلة الهجوم الذي نفذه مجهولون على بلدة في المنطقة، أمس الأحد، ارتفعت إلى 169 قتيلاً، مقارنة بحصيلة أولية بلغت 122 قتيلاً.

وتصاعدت وتيرة العنف في البلاد خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ يهدد الصراع السياسي الداخلي اتفاقية السلام الهشة التي أبرمت عام 2018.

وقال وزير الإعلام جيمس مونيلواك ماجوك إن أحدث هجوم وقع في بلدة أبيمنوم في روينج، التي تعرضت لاقتحام من شبان من منطقة مايوم في ولاية الوحدة المجاورة، حيث وقعت معارك استمرت لأكثر من ثلاث ساعات.

ويعتقد أن تسعين من القتلى مدنيون، بالإضافة إلى 79 جندياً حكومياً. وأضاف مونيلواك أن عدد القتلى قد يرتفع.

رئيس جنوب السودان سلفا كير (أرشيفية - رويترز)

وقال مونيلواك لـ«رويترز»: «نعتقد أن هذا العدد قد يرتفع، لأن العديد من الأشخاص فروا إلى الغابات عند وقوع الهجمات، ولا يزال هناك بعض المفقودين». وأضاف أن الحكومة لا تعرف دوافع الهجوم.

ويسلط هذا العنف الضوء على مخاوف، بعضها من الأمم المتحدة، من تفاقم حالة عدم الاستقرار منذ اعتقال النائب الأول السابق للرئيس، ريك مشار، قبل عام.

ووقع الرئيس سلفا كير اتفاقية سلام مع مشار عام 2018 لإنهاء خمس سنوات من الحرب الأهلية التي خلفت نحو 400 ألف قتيل.

لكن تنفيذ الاتفاقية يسير ببطء، وتكررت الاشتباكات بين القوات المتنازعة بسبب خلافات حول كيفية تقاسم السلطة.