الاقتصاد العالمي في فترة «هشاشة تاريخية»

{النقد الدولي} يرسم صورة قاتمة باحتمالية تراجع النمو تحت 2% وخطر متزايد لركود عام

توبياس أدريان المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
توبياس أدريان المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد العالمي في فترة «هشاشة تاريخية»

توبياس أدريان المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)
توبياس أدريان المستشار المالي ومدير إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)

خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2023 إلى 2.7 في المائة، انخفاضاً من نسب نمو 2.9 في توقعاته في شهر يوليو (تموز) الماضي، وسط ضغوط الأزمات الجيوسياسية المتشابكة من الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة بشكل حاد، محذراً من أن الظروف قد تتدهور بشكل كبير العام المقبل وأنه لا بد من الاستعداد للأسوأ.
وفي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر صباح الثلاثاء، قال صندوق النقد الدولي إن التوقعات تظهر أنه من المرجح أن ينكمش ثلث الاقتصاد العالمي بحلول العام المقبل، حيث ستواجه الاقتصاديات الثلاثة الأكبر وهي الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والصين انكماشاً اقتصادياً وتعثراً اقتصادياً، مع ارتفاع معدلات التضخم إلى حوالي 8.8 في المائة، وترشيحات لأن تظل مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، ولن تعود نحو 4.1 في المائة حتى عام 2024. وأشار خبراء الصندوق إلى أن هناك خطراً متزايداً من انزلاق الاقتصاد العالمي إلى حالة ركود عام.
ووضع الصندوق احتمالات أن ينخفض النمو العالمي إلى أقل من 2 في المائة العام المقبل - وهي ظاهرة حدثت خمس مرات فقط منذ عام 1970 - وقال إن هناك احتمالاً لانكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأن يكون أداء الاقتصاد العالمي أسوأ من التوقعات، محذراً من أن هذا السيناريو المتشائم قد يمثل ضعفاً اقتصادياً عالمياً وسيكون مؤلماً جداً لكثير من الدول.

- الأسوأ قادم
وقال بيير أوليفيه غورينشاس، كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي للصحافيين صباح الثلاثاء، إن الارتفاع السريع في أسعار الطاقة والغذاء سيتسبب في صعوبات خطيرة، ورغم التباطؤ فإن ضغوط التضخم أصبحت أوسع وأكثر ضغطاً مما كان متوقعاً. وأشار إلى أنه من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم العالمي ذروته عند 9.5 في المائة في الربع الأخير من عام 2022. وأضاف غورينشاس أن «الاقتصادات الثلاثة الأكبر، الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو، ستستمر في التعثر... باختصار، الأسوأ لم يأت بعد، وبالنسبة لكثير من الناس، سيشعرون عام 2023 بالركود».
وأشار إلى تحدي قوة الدولار، وقال: «أصبح الدولار الآن في أقوى مستوياته منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مقابل عملات الأسواق الناشئة، وهذا الارتفاع مدفوع بالمعايير الأساسية مثل تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأزمة الطاقة»، ونصح صناع السياسة في الأسواق الناشئة إلى العمل على تحسين احتياطيات السيولة وتقليل تأثير الاضطرابات المالية من خلال اتخاذ تدابير احترازية كلية وقائية.

- مصداقية المصارف المركزية
ووسط حالة من عدم اليقين غير العادية بشأن التوقعات والتضخم المرتفع والمتزايد، واصلت البنوك المركزية تطبيق سياسات لاستعادة استقرار الأسعار وقامت بتشديد السياسات المالية والنقدية منذ أبريل (نيسان) الماضي، وأكدت البنوك المركزية العزم على محاربة التضخم لكن يبدو أن الخلاف بين المستثمرين حول ارتفاع التضخم أصبحت أكثر وضوحاً، وتعكس ارتفاعات معدلات التضخم في منطقة اليورو المخاوف المتزايدة بشأن تباطؤ النمو الكلي وأظهرت بالفعل الأسواق المالية الأوروبية مخاوف من الدخول في ركود اقتصادي.
وقال غورينشاس إن «المصداقية التي تحققت بشق الأنفس للبنوك المركزية يمكن أن تتقوض إذا أساءت مرة أخرى الحكم على استمرار التضخم العنيد... هذا من شأنه أن يضر أكثر بكثير باستقرار الاقتصاد الكلي في المستقبل».

- الديون
وأبدى كبير الاقتصاديين بصندوق النقد الكثير من القلق حول أزمة الديون التي تعاني منها الدول ذات الدخل المنخفض، مشيراً إلى أهمية إعادة هيكلة الديون من خلال مجموعة العشرين.
ومن المتوقع أن يكون تخفيف ديون الأسواق الناشئة موضوعاً رئيسياً للمناقشة بين صانعي السياسة المالية العالميين في اجتماعات واشنطن، وقال غورينشاس إن الوقت قد حان للأسواق الناشئة «لتضييق الخناق للاستعداد لظروف أكثر صعوبة... وكانت السياسة المناسبة لمعظم الناس هي إعطاء الأولوية للسياسة النقدية لاستقرار الأسعار، والسماح للعملات بالتكيف والحفاظ على احتياطيات العملات الأجنبية القيمة عندما تسوء الظروف المالية بالفعل».
ولم تكن مفاجأة أن تخرج هذه التوقعات الأكثر قتامة حول آفاق الاقتصاد العالمي، حيث حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في تصريحات سابقة من الأوضاع القاتمة للاقتصاد، وأشارت إلى أن «مخاطر الركود تتزايد» حول العالم وأن الاقتصاد العالمي يواجه «فترة من هشاشة تاريخية».
وقال صندوق النقد الدولي إن توقعاته تخضع لعملية توازن دقيقة من جانب البنوك المركزية لمكافحة التضخم دون الإفراط في التشديد، الأمر الذي قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى «ركود حاد لا داعي له» ويسبب اضطرابات للأسواق المالية ويؤذي البلدان النامية. وأشارت مديرة صندوق النقد الدولي إلى ضرورة السيطرة على التضخم باعتبارها الأولوية الأكبر.
وحافظ التقرير على توقعاته للربع الرابع من العام الجاري عند مستوى نمو 3.2 في المائة، فيما توقع نمو الناتج المحلي العالمي لعام 2023 بنسبة 2.7 في المائة متراجعاً عن التوقعات السابقة في يوليو الماضي بنسبة نمو 2.9 في المائة.
وأرجع التقرير هذا التراجع إلى ارتفاع أسعار الفائدة التي أصدرها الفيدرالي الأميركي وأزمة شح مصادر الطاقة وارتفاع أسعار الغاز التي تعاني منها القارة الأوروبية، إضافة إلى تأثير التراجع الاقتصادي الصيني بسبب إغلاقات كوفيد 19 والضعف العام في قطاع العقارات.

- نمو أميركي «هزيل»
وتوقع التقرير تراجعاً كبيراً في معدلات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة هذا العام، مشيراً إلى نمو هزيل بنسبة 1.6 في المائة - انخفاضاً بنسبة 0.7 نقطة مئوية عن توقعات شهر يوليو، مما يعكس انكماشاً غير متوقع في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني. وأبقى صندوق النقد توقعاته للنمو في الولايات المتحدة لعام 2023 دون تغيير عند 1.0 في المائة.

- تراجع صيني هائل
وتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 3.2 في المائة فقط هذا العام، بانخفاض كبير عن 8.1 في المائة العام الماضي. وأوضح التقرير أن بكين وضعت سياسة صارمة لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد، وشنت حملة على الإفراط في الإقراض العقاري، مما أدى إلى تعطيل النشاط التجاري. ومن المتوقع أن يتسارع النمو في الصين إلى 4.4 في المائة العام المقبل، لكنه لا يزال فاتراً بالمعايير الصينية.
وتوقع الصندوق للهند - التي تعد أسرع الاقتصادات الآسيوية نمواً - ارتفاعاً بنسبة 6.8 في المائة للعام الجاري وانخفاضاً إلى 6.1 في المائة العام المقبل.

- منطقة اليورو المطحونة في الأزمة
وتوقع الصندوق نمواً هزيلاً بنسبة لا تتجاوز 0.5 في المائة فقط في عام 2023 للدول الأوروبية التسعة عشر التي تشترك في عملة اليورو، والتي تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة بشكل ساحق بسبب هجوم روسيا على أوكرانيا والعقوبات الغربية ضد موسكو. ويحذر الصندوق من أزمة طاقة في أوروبا حيث تسببت الحرب في إعادة تنظيم جيوسياسي لإمدادات الطاقة التي يصفها التقرير بأنها ستكون واسعة وممتدة.
وكانت كل من ألمانيا وإيطاليا في صدارة الدول التي ستعاني من ركود خلال العام المقبل، حيث سيتراجع النمو المحلي الإجمالي الألماني (الذي يعد الأكبر في منطقة اليورو) بنسبة 0.3 في المائة، ويتراجع النمو المحلي الإجمالي الإيطالي بنسبة 0.2 في المائة.

- مصر و«التحديات الخارجية»
وقال مسؤولو الصندوق إن مصر تأثرت بالتباطؤ العالمي وتشديد الأوضاع المالية وشهدت خروج رأس مال كبير للخارج مع ارتفاع التضخم. وخفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد المصري من 4.8 في المائة إلى 4.4 في المائة، ويرجع التخفيض إلى تحديات خارجية. وتتفاوض الحكومة المصرية مع صندوق النقد منذ مارس (آذار) الماضي للحصول على قرض ودعم مالي. ولا تزال المفاوضات جارية وتأخذ وقتاً طويلاً «غير معتاد»، وتتوقع بعض الدوائر أن يصل القرض لمصر ما بين 3 إلى 5 مليارات دولار. وتشير بنوك عالمية إلى أن مصر تعاني من فجوة تمويلية تتجاوز 15 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.


مقالات ذات صلة

واشنطن تلتف على المحكمة العليا بتحقيقات أمنية ورسوم طوارئ

الاقتصاد ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

واشنطن تلتف على المحكمة العليا بتحقيقات أمنية ورسوم طوارئ

تستعد الولايات المتحدة لإطلاق سلسلة من التحقيقات الإضافية المتعلقة بالأمن القومي، لتمكين الرئيس دونالد ترمب من فرض رسوم جمركية جديدة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد حقل غرب القرنة النفطي في البصرة جنوب شرقي بغداد (رويترز)

النفط في أعلى مستوياته من 7 أشهر وسط توترات إيران

اقتربت أسعار النفط، يوم الثلاثاء، من أعلى مستوياتها في 7 أشهر، حيث يُقيّم المتداولون المخاطر الجيوسياسية قبيل جولة جديدة من المحادثات بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام تعرض في مصفاة الذهب والفضة النمساوية «أوغوسا» في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع من أعلى مستوى في 3 أسابيع وسط عمليات جني أرباح

تراجعت أسعار الذهب يوم الثلاثاء مع جني المستثمرين للأرباح بعد ارتفاع المعدن النفيس بأكثر من 2 في المائة في الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

شهد العالم تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ليزا كوك: الذكاء الاصطناعي قد يرفع البطالة... والفائدة ليست الحل

كوك تتحدث في مؤتمر «الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال» (أ.ف.ب)
كوك تتحدث في مؤتمر «الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال» (أ.ف.ب)
TT

ليزا كوك: الذكاء الاصطناعي قد يرفع البطالة... والفائدة ليست الحل

كوك تتحدث في مؤتمر «الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال» (أ.ف.ب)
كوك تتحدث في مؤتمر «الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال» (أ.ف.ب)

حذرت عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك، من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أحدثت تحولاً «جيلياً» في سوق العمل بالولايات المتحدة، مشيرة إلى إمكانية حدوث ارتفاع في معدلات البطالة قد لا يتمكن البنك المركزي من كبحه عبر أدواته التقليدية مثل خفض أسعار الفائدة.

وقالت كوك، في كلمة أعدتها لمؤتمر «الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال»، إن الاقتصاد يقترب مما وصفته بـ«أهم عملية إعادة تنظيم للعمل منذ أجيال». واستشهدت بالتغيرات الجذرية التي طرأت على مهن برمجة الكمبيوتر، والصعوبات المتزايدة التي يواجهها الخريجون الجدد في العثور على وظائف للمبتدئين، كدليل على أن مرحلة الانتقال قد بدأت بالفعل.

معضلة «البطالة الهيكلية» والتضخم

أوضحت كوك أنه رغم الفرص الجديدة التي سيوفرها الذكاء الاصطناعي، فإن المراحل الأولى قد تشهد «إزاحة للوظائف تسبق خلق وظائف جديدة»، مما قد يؤدي لارتفاع معدل البطالة وانخفاض المشاركة في القوى العاملة.

وفي هذا السياق، نبهت كوك إلى معضلة تواجه السياسة النقدية؛ ففي ظل طفرة إنتاجية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي، قد لا يعبر ارتفاع البطالة عن «ركود في الطلب»، بالتالي فإن محاولة الفيدرالي التدخل بخفض الفائدة لتحفيز التوظيف قد تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية بدلاً من حل المشكلة، وقالت: «صناع السياسة النقدية سيواجهون مقايضات صعبة بين البطالة والتضخم... وقد تكون سياسات التعليم وتدريب القوى العاملة أكثر فاعلية من السياسة النقدية في معالجة هذه التحديات».

تأثيرات على أسعار الفائدة «المحايدة»

أشارت كوك إلى تحدٍ آخر يتمثل في «طفرة الاستثمار» في مجال الذكاء الاصطناعي، التي قد تؤدي لرفع أسعار الفائدة المحايدة (التي لا تحفز الاقتصاد ولا تبطئه) في المدى القصير، مما قد يستدعي سياسة نقدية أكثر تشدداً. إلا أنها أردفت بأن هذا المسار قد يتغير بمرور الوقت إذا أدى اقتصاد الذكاء الاصطناعي إلى اتساع فجوة التفاوت في الدخل أو تركز المكاسب في يد فئة محدودة.

تأتي تصريحات كوك جزءاً من نقاش متزايد داخل الاحتياطي الفيدرالي حول كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد العالمي. فبينما يرى البعض أن تحسن الإنتاجية قد يسمح بخفض الفائدة، تبرز مخاوف جدية من أن يؤدي هوس الاستثمار الحالي في التقنية إلى تأجيج التضخم، على الأقل في المدى القصير، مع ترك فئات واسعة من العمال في مهب الريح.


ترمب يوظف «ذكاء البنتاغون الاصطناعي» لكسر الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة

مكعبات تحمل رموزاً وأرقاماً ذرية لعناصر الأرض النادرة (رويترز)
مكعبات تحمل رموزاً وأرقاماً ذرية لعناصر الأرض النادرة (رويترز)
TT

ترمب يوظف «ذكاء البنتاغون الاصطناعي» لكسر الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة

مكعبات تحمل رموزاً وأرقاماً ذرية لعناصر الأرض النادرة (رويترز)
مكعبات تحمل رموزاً وأرقاماً ذرية لعناصر الأرض النادرة (رويترز)

كشفت مصادر مطلعة، لـ«رويترز»، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتزم استخدام برنامج متطور للذكاء الاصطناعي، طوّرته وزارة الدفاع (البنتاغون)، لتحديد «أسعار مرجعية» للمعادن الحرجة.

تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية كحجر زاوية في مساعي واشنطن لبناء منطقة تجارية عالمية للمعادن تكون «خالية من النفوذ الصيني»، ومحصَّنة ضد تلاعب الأسعار الذي تُمارسه بكين.

تعتمد الخطة على برنامج يُعرَف اختصاراً باسم «أوبن» (OPEN) (استكشاف الأسعار المفتوحة للأمن القومي)، وهو مشروع أطلقه قطاع الأبحاث المتقدمة في البنتاغون (DARPA) عام 2023. والهدف الجوهري لهذا البرنامج هو حساب «السعر العادل» للمعدن بناءً على تكاليف العمالة، والمعالجة، والخدمات اللوجستية، مع «عزل» تأثير التلاعب بالسوق الذي تتهم واشنطن الصين بالقيام به لخفض الأسعار وإخراج المنافسين الغربيّين من السوق.

ووفق المصادر، سيركز النموذج، في مرحلته الأولى، على أربعة معادن استراتيجية هي: الجرمانيوم، والغاليوم، والأنتيمون، والتنغستن، قبل التوسع ليشمل معادن أخرى.

دعم الأسعار بالتعريفات الجمركية

تتقاطع هذه الخطة مع المقترح الذي قدَّمه نائب الرئيس جيه دي فانس، مطلع هذا الشهر، والذي دعا فيه الولايات المتحدة وأكثر من 50 دولة حليفة إلى فرض «أسعار مرجعية» مدعومة بـ«تعريفات جمركية قابلة للتعديل». وتعمل هذه التعريفات كجدار حماية؛ فإذا انخفض سعر المعدن الصيني، بشكل مصطنع، تحت «السعر المرجعي» الذي يحدده الذكاء الاصطناعي، تُرفع الرسوم الجمركية لتعويض الفارق وحماية المنتجين المحليين في دول التحالف.

نائب الرئيس الأميركي خلال إلقائه كلمته في الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية مطلع الشهر الحالي (أ.ف.ب)

مواجهة «الإغراق» الصيني

تُعد الصين أكبر منتِج ومعالِج لعدد من المعادن الحرجة في العالم. وتتهم واشنطن بكين باستخدام هذه الهيمنة لإنتاج المعادن بخسارة بهدف إغراق الأسواق وخفض الأسعار العالمية، مما أجبر عدداً من المناجم والمصانع الغربية على الإغلاق، لعدم قدرتها على المنافسة. ويهدف برنامج «أوبن» إلى منح الشركات الغربية «يقيناً سعرياً» يشجعها على الاستثمار في مشاريع التعدين والمعالجة، دون الخوف من تقلبات الأسعار التي تفتعلها بكين.

تحديات ومخاوف اقتصادية

رغم الطموح الكبير للمشروع، لكنه يواجه تساؤلات معقدة:

  • التكلفة على المصنّعين: إذا نجح البرنامج في رفع أسعار المعادن لدعم عمال المناجم الأميركيين، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة الإنتاج لشركات السيارات والتكنولوجيا التي تستخدم هذه المعادن في منتجاتها.
  • الإقناع الدولي: تحتاج الإدارة لإقناع عشرات الحلفاء بالانضمام لهذه «الكتلة التجارية»؛ لضمان فاعلية النظام الجمركي الموحد، وهو ما بدأت كندا والاتحاد الأوروبي دراسته بعناية.
  • غياب الدعم المباشر: تأتي هذه الخطة في وقتٍ تبتعد فيه إدارة ترمب عن تقديم «ضمانات سعرية» مباشرة للشركات الفردية بسبب نقص التمويل من «الكونغرس»، محاولةً استبدال «هيكلية استثمارية» تعتمد على السوق والتعريفات بها.

يأتي دمج الذكاء الاصطناعي في سياسة التجارة بالتزامن مع توجه الإدارة لتسريع نشر أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى، بما في ذلك التعاون مع شركات مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل» لاستخدامات ميدانية.

تجدر الإشارة إلى أن ترمب أصدر أمراً بتغيير مسمى وزارة الدفاع لتعود إلى مسماها التاريخي «وزارة الحرب»؛ في إشارة إلى التحول الجذري بالعقيدة الدفاعية والاقتصادية للولايات المتحدة.


مفوض التجارة الأوروبي: واشنطن أكدت التزامها بالاتفاق التجاري

سيفكوفيتش يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال حضوره اجتماع وزراء اقتصاد رابطة دول جنوب شرق آسيا في سبتمبر (رويترز)
سيفكوفيتش يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال حضوره اجتماع وزراء اقتصاد رابطة دول جنوب شرق آسيا في سبتمبر (رويترز)
TT

مفوض التجارة الأوروبي: واشنطن أكدت التزامها بالاتفاق التجاري

سيفكوفيتش يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال حضوره اجتماع وزراء اقتصاد رابطة دول جنوب شرق آسيا في سبتمبر (رويترز)
سيفكوفيتش يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال حضوره اجتماع وزراء اقتصاد رابطة دول جنوب شرق آسيا في سبتمبر (رويترز)

أكد مفوض التجارة الأوروبي، ماروش سيفكوفيتش، يوم الثلاثاء، أن إدارة ترمب أكدت للاتحاد الأوروبي رغبتها الالتزام باتفاقية التجارة المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، العام الماضي، على الرغم من فرض دونالد ترمب «رسوماً إضافيةً على الواردات» بنسبة 10 في المائة.

وأضاف مفوض التجارة الأوروبي أنه كان على اتصال متكرر بنظيريه الأميركيين، الممثل التجاري جيمسون غرير ووزير التجارة هوارد لوتنيك، منذ أن ألغت المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترمب، وذلك لتحديد الخطوات التالية التي تعتزم إدارة ترمب اتخاذها.

وقال سيفكوفيتش خلال جلسة استماع في البرلمان الأوروبي: «لقد أكدا لي كلاهما التزامهما بالاتفاق مع الاتحاد الأوروبي».