كبير اقتصاديي صندوق النقد: العالم يواجه مخاطر كبيرة والعولمة لم تمُت

قال إن قيود ترمب التجارية دفعت الدول لبدائل بعيدة عن أميركا

غورينشاس يتحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
غورينشاس يتحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
TT

كبير اقتصاديي صندوق النقد: العالم يواجه مخاطر كبيرة والعولمة لم تمُت

غورينشاس يتحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)
غورينشاس يتحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)

أكد كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي، بيير أوليفير غورينشاس، أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر هبوطية كبيرة إذا لم يصمد وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً في الوقت ذاته، إلى أن العولمة لم تمُت في وجه الصدمات التجارية الحالية؛ بل تمر بمرحلة «تحول» وإعادة تشكيل لسلاسل الإمداد.

وأوضح غورينشاس، في مقابلتين منفصلتين مع وكالتي «رويترز» و«الصحافة الفرنسية»، قبيل مغادرته منصبه الأسبوع المقبل، للعودة إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن النزاعات الجيوسياسية وسياسات الرسوم الجمركية التي تنتهجها واشنطن، تفرض واقعاً جديداً يتطلب مرونة أعلى من الدول والمؤسسات المالية.

معضلة النفط

كشف غورينشاس أن عمليات السحب الاستراتيجي السريعة من احتياطيات النفط، أسهمت في تجنب قفزة حادة في الأسعار نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث تم سحب 3 في المائة فقط من النفط العالمي من الأسواق، بدلاً من التوقعات الأولية التي تراوحت بين 10 و15 في المائة.

ومع ذلك، حذر المسؤول الدولي من أن هذه الاحتياطيات استُنفدت بشكل كبير الآن، مما يقلص هامش المناورة لدى الدول في حال اشتعال الصراع مجدداً وانهيار وقف إطلاق النار، لا سيما بعد اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إيران، باستهداف سفينة قرب عُمان.

وفي سياق متصل، لمّح غورينشاس إلى أن الصندوق، الذي سيصدر تحديثاً لتوقعاته العالمية في 8 يوليو (تموز)، قد يعود لتقديم «توقعات خط الأساس» التقليدية بدلاً من السيناريوهات الثلاثة التي اعتمدها في أبريل (نيسان) الماضي، نتيجة الضبابية التي خلفها إغلاق مضيق هرمز وتجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار.

وجمّدت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، يوم الخميس، الإجابة عما إذا كان الصندوق سيستمر في سيناريوهات النمو الثلاثة، أو يعود إلى توقعات خط الأساس التقليدية.

وكانت كوزاك قد ذكرت الشهر الماضي، في وقت كان فيه مضيق هرمز لا يزال مغلقاً وأسعار النفط القياسية فوق 100 دولار للبرميل، أن الاقتصاد العالمي يتحول من «التوقعات المرجعية» الأكثر تفاؤلاً، التي افترضت نهاية سريعة للصراع ونمواً بنسبة 3.1 في المائة في عام 2026، إلى «سيناريو معاكس» بنمو قدره 2.5 في المائة.

الرسوم الجمركية بلا جدوى

رغم التحولات العميقة، نفى غورينشاس فرضية «انتهاء العولمة»، مؤكداً أن نسب التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي لا تزال قوية. ووصف المشهد الحالي بأنه «رغبة في خفض مستوى التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين»، مشيراً إلى أن سلاسل الإمداد بدأت تتكيف بالفعل عبر دخول دول وسيطة مثل المكسيك وفيتنام.

وانتقد كبير الاقتصاديين المغادر تسارع استخدام إدارة ترمب للرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية لحل النزاعات السياسية، قائلاً: «العقوبات والرسوم تمنح قوة تأثير على المدى القصير فقط، لكن الفاعلين على الجانب الآخر يجدون طرقاً للالتفاف عليها، أو تسريع ابتكاراتهم، أو بناء روابط تجارية جديدة بعيداً عن واشنطن. لذلك، على المدى المتوسط إلى الطويل، هي لا تنجح تقريباً على الإطلاق».

كما أبدى تشككه في قدرة سياسات توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة على زيادة الوظائف، موضحاً أن المصانع الجديدة في الاقتصادات المتقدمة ستعتمد بكثافة على التكنولوجيا وستوظف عمالة أقل.

فخ «الدخل المتوسط»

في قراءته لمستقبل الدول النامية، حذر غورينشاس من خطر وقوع كثير من اقتصادات الأسواق الناشئة في «فخ الدخل المتوسط». وأوضح أن النموذج الصيني القائم على التصدير والاستفادة من فوارق التكلفة، الذي كان بمثابة وصفة نجاح منذ التسعينات، لم يعد متاحاً بسهولة اليوم.

واختتم غورينشاس حديثه بالإشارة إلى التحدي الكبير الذي يواجه دولاً كبرى مثل الهند، قائلاً: «في ظل ميل الاقتصادات المتقدمة نحو الانغلاق، واستمرار الصين في تقديم منافسة شرسة في تكاليف التصنيع، يضيق الهامش المتاح أمام الدول الناشئة لاعتماد نموذج نمو قائم على التصدير، مما يترك دولاً كالهند في حالة عدم يقين بشأن القدرة على السير على خطى بكين».


مقالات ذات صلة

6 %... عتبة القلق الجديدة لسندات الخزانة الأميركية

تحليل إخباري رُفعت الأعلام الأميركية خارج بورصة نيويورك بمناسبة زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو إلى مدينة نيويورك (إ.ب.أ)

6 %... عتبة القلق الجديدة لسندات الخزانة الأميركية

لأعوام، شكّل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات عند مستوى 5 في المائة نقطة الخطر التي يخشى المستثمرون عندها اضطراب الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط»
الاقتصاد سبائك من الذهب بعد إخراجها من قوالبها في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)

الذهب يتحرك في نطاق ضيق مع تنامي توقعات تشديد «الفيدرالي»

تحركت أسعار الذهب في نطاق ضيق الخميس، تحت ضغط توقعات مواصلة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تشديد سياسته النقدية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد طائر نورس يحلق فوق صبي يقف بدراجته على شاطئ يطل على سفن تجارية راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)

النفط يتراجع مع انفتاح إيران على الدبلوماسية لإنهاء الحرب

تراجعت أسعار النفط، الخميس، بعد صعودها 4 في المائة في الجلسة السابقة، مع انفتاح إيران على مواصلة الدبلوماسية لإنهاء الحرب

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شعار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على مقرها في باريس (أ.ف.ب)

«التعاون الاقتصادي» ترفع توقعات النمو العالمي في 2026 رغم صدمة الطاقة

أبقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصاد العالمي في مسار من الصمود أمام تداعيات الحرب، مدفوعة بصورة خاصة بالاستثمارات القوية في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ورقة نقدية من فئة الدولار الأميركي على آلة عدّ العملات داخل متجر إلكترونيات في البصرة (أ.ف.ب)

الدولار يقترب من أعلى مستوى بشهرين مع ترقب استمرار رفع الفائدة ومسار الحرب

استقر الدولار قرب أعلى مستوى له في شهرين خلال تعاملات الأربعاء، مدعوماً بتوقعات استمرار رفع أسعار الفائدة على المدى القريب.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
TT

وكالة المالية الألمانية تتوقع رقماً قياسياً جديداً للاقتراض في عام 2027

أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)
أفق الحي المالي في فرنكفورت (رويترز)

قالت وكالة المالية الألمانية، يوم الخميس، إنها تتوقع أن يصل الاقتراض الفيدرالي إلى مستوى قياسي يبلغ 525.5 مليار يورو (598 مليار دولار) في عام 2026، وأن يرتفع أكثر في العام المقبل، مدفوعاً، بشكل رئيسي، بازدياد احتياجات إعادة التمويل وارتفاع متطلبات الصناديق الخاصة.

قال تامو ديمر، المدير التنفيذي لوكالة المالية الفيدرالية، للصحافيين في فرنكفورت: «سيرتفع هذا الرقم أيضاً في عام 2027». وأعلنت الوكالة المسؤولة عن إدارة ديون ألمانيا أنها تعتزم نشر توقعاتها السنوية لإصداراتها لعام 2027 في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وفق «رويترز».

وأوضحت الوكالة أن أحد العوامل الرئيسية يتمثل في ازدياد حجم الديون المستحَقة التي يتعيّن سدادها وإعادة تمويلها. ويتعيّن على ألمانيا سداد 309 مليارات يورو من ديونها القائمة للمستثمرين، هذا العام.

وأشار ديمر إلى أن صافي اقتراض الموازنة الاتحادية يشهد ارتفاعاً طفيفاً، في حين تزداد أيضاً احتياجات التمويل المرتبطة بالصناديق الخاصة الألمانية.

وذكر أن هذه العوامل مجتمعة تشير إلى ارتفاع إجمالي متطلبات التمويل، مضيفاً: «تمر الحكومة الاتحادية بمرحلة توسع في سياستها المالية».

وأضاف أن المستثمرين يدركون أن هذه المرونة المالية تُستخدم لزيادة الاستثمار في البنية التحتية والدفاع، وهما قطاعان حيويان لاستدامة ألمانيا في المستقبل.

وقال ديمر: «هذه أهداف مفهومة ومهمة، وتُعد أساسية لاستمرارنا في المستقبل، وتُعزز، في نهاية المطاف، الجدارة الائتمانية للحكومة الفيدرالية».

ولا تزال ألمانيا من أكثر الدول السيادية طلباً في العالم، نظراً إلى تصنيفها الائتماني الممتاز «إيه إيه إيه»، الذي أكدته وكالة التصنيف الأوروبية «سكوب»، هذا الشهر.

يأتي ذلك على الرغم من عمليات البيع المكثفة للسندات الحكومية، التي نجمت عن الحرب مع إيران، وأدت إلى ارتفاع حاد في العائدات، خلال الأسابيع الأخيرة. وارتفع عائد السندات الألمانية القياسية لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة فوق 3.5 في المائة، هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ 17 عاماً.

ومن بين أسباب ذلك ازدياد مخاطر التضخم نتيجة الصراع في الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي مرتين، هذا العام، ما أدى إلى زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي.


«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري
TT

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

«المركزي» اللبناني يلاحق «المشبوهين» بتبديد أمواله واحتياطه الدولاري

عمد البنك المركزي اللبناني إلى تسريع وتيرة سلسلة من الإجراءات القانونية والدعاوى والمسارات القضائية الهادفة إلى ملاحقة عمليات مالية مشبوهة أسهمت في تبديد احتياطاته من العملات الصعبة، وإساءة استخدام واختلاس أموال عامة، وسبقت ثم رافقت مرحلة الانهيارات النقدية والمالية.

وبدت المبادرة إلى تجميد الحسابات المصرفية لمجموعة أولى من الأفراد والشركات الذين تطولهم الاتهامات، والمعزَّزة بالأدلة والوثائق المدققة داخلياً، بمثابة رسالة حازمة للداخل والخارج بالتزام التغيير «الكبير» في إدارة القرار النقدي وسياسات البنك المركزي واستقلاليته، ولا سيما عبر تكريس مفاهيم المساءلة والمحاسبة، خارج منظومة المصالح السياسية وغير السياسية.

وتشي قراءة الخلفية الخاصة بأصحاب الحسابات المجمدة من قِبل هيئة التحقيق الخاصة، التي يرأسها الحاكم، بجرأة واعدة، وفق مسؤول كبير معنيّ، في اختراق سقوف «الحمايات»، ولا سيما الحزبية والسلطوية والمحاصصات، بما يشكل دفعاً قوياً للمسار القضائي اللاحق لدى النيابات العامة ذات الاختصاص، وفي مقدمها النيابة العامة المالية، التي تحظى بتمثيل مباشر في المجلس المركزي للبنك المركزي.

ودُون لبس، تستهدف هذه الإجراءات القانونية، وفق إفصاح حاكمية «المركزي»، أيّ شخص طبيعي أو معنوي، سواء أكان مرتبطاً رسمياً بالمؤسسة أم غير مرتبط بها، يثبت أنه اختلس أو أساء استخدام أو بدّد أموالاً تعود إليها، مع التنويه بأن القاسم المشترك بين هذه التصرفات أنها أدت إلى استنزاف موجودات مصرف لبنان وتآكلها.

كما تهدف هذه التدابير، بتأكيد الحاكم كريم سعيد، إلى استرداد الأموال التي جرى استخدامها أو تحويلها بصورة غير مشروعة من قِبل أشخاص، سواء من داخل المصرف أم من خارجه. وبالتبعية، تثبيت وتأكيد الحق القانوني لمصرف لبنان في جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات المتعاقبة، بأي وسيلة أو صيغة كانت، حتى نهاية عام 2023.

وبالتوازي، تُشكل هذه الدفعة الأولى ولواحقها المرتقبة، تبعاً لحصيلة التدقيق الجنائي في حسابات «المركزي» والعمليات «الخاصة» المنفَّذة خلال ولاية الحاكم الأسبق رياض سلامة، الموقوف بتُهم اختلاسات وتبييض أموال، معالم خريطة الطريق التي سيجري اعتمادها، بتجميد الحسابات والملاحقات القضائية، لمجموعات نفوذ سياسي واقتصادي وتجار استفادوا من حُزم مالية صُرفت بالدولار النقدي من احتياطات مصرف لبنان، بإجمالي لا يقل عن 8 مليارات دولار، بموجب قرارات حكومية سابقة لدعم سلع استهلاكية، في مقدمتها القمح والمحروقات والأدوية، في حين تتوفر أدلة دامغة على حصول عمليات تهريب واسعة النطاق، ولا سيما إلى سوريا، وتزوير فواتير وعدم مطابقة في قيود الإمدادات إلى الأسواق الداخلية.

ويؤمل أن يفضي هذا المسار المزدوج إلى جمع طوعي أو بالمصادرة لأصول داخل البلد وخارجه، لمئات الملايين من الدولارات «المبدَّدة»، سواء عبر عمليات ائتمان وتمويل وهمية جرت بين «المركزي» ومسؤولين كبار في بنوك كبرى، أو عبر فواتير الدعم الاستهلاكي التي وصل نزرها القليل إلى المواطنين في الداخل، بينما كانت تُعرض في أسواق خارجية وسوبر ماركت حاملة دمغة «مدعوم».

ويقتضي التنويه، وفق المسؤول عينه، بأن حجم الاحتياطات النقدية كان يقارب 30 مليار دولار عشية انفجار الأزمات، وانحدر بسرعة إلى نحو 10 مليارات، دون أي أثر يُذكر، لا في كبح وتيرة الانهيار الذي استنزف نحو 98 في المائة من العملة الوطنية، ولا في تمكين المواطنين من مواجهة التضخم المفرط بثلاثة أرقام، بينما جرى إخراج البلد قسراً من الأسواق المالية الدولية، عبر قرار حكومي بتعليق دفع مستحقات سندات الدَّين الدولية، وواجه المودِعون صعوبات حادة في السحب من مدّخراتهم، ولو بأسعار تُعادل أقل من 20 في المائة من القيمة الأصلية.

وبمعزلٍ عن الملف الداخلي المتعلق بالمحاكم السابق، وتشعباته الداخلية والخارجية بالوقائع والأدلة والأصول المملوكة، يقوم مصرف لبنان بإعداد تقرير شامل ومدعَّم بكامل المستندات، يهدف إلى تحديد وحصر وتقدير جميع الأموال التي وُضعت بتصرف الحكومات في العقود السابقة حتى نهاية عام 2023، أو التي جرى دفعها نيابة عنها أو بناءً على تعليماتها، أياً كان شكلها، سواء أكانت قروضاً أم سلفاً أم تحويلات أم تسهيلات من أي نوع.

ويجري إعداد التقرير بغية تحديد المبالغ بصورة دقيقة، وتحديد الظروف التي أدت إلى تحويل هذه الأموال، وتحديد الأسس القانونية والقنوات الإجرائية المناسبة للمطالبة باستيفاء كامل هذه المستحقات، ومنها خصوصاً المبالغ التي صرفها مصرف لبنان لتمويل برامج الدعم التي فرضتها الحكومة، والمدفوعات التي أُنجزت نيابة عن وزارة الطاقة والمياه ومؤسسة الكهرباء، وجميع المبالغ الإضافية التي جرى دفعها أو تسليفها إلى الدولة.

ويبلغ إجمالي هذه الأموال، وفق التقديرات الأولية من قِبل «المركزي»، ما يتعدى ثلاثة أضعاف المطالبة القائمة على الدولة في الميزانية والمالية، البالغة نحو 16.5 مليار دولار.

وتستند هذه المطالبات إلى مستندات كاملة ومثبتة. وعند الاقتضاء، لن يتردد مصرف لبنان، وفق إفصاح سابق، في القيام بواجبه الرسمي في تأكيد حقوقه أمام المراجع الإدارية والقضائية المختصة، بهدف استيفاء كامل حقوقه.

وبذلك، يسعى المصرف المركزي، بتأكيد الحاكم، من خلال هذه الحملة القانونية أيضاً، إلى تثبيت وممارسة حقه الكامل والمشروع، وفقاً للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، تجاه الدولة، فيما يتعلق بجميع التسهيلات الائتمانية أو السلفات أو القروض أو الأموال التي جرى منحها أو وضعها بتصرف الحكومات المتعاقبة؛ وذلك بهدف استرداد هذه الأموال واستخدامها حصراً في سداد الودائع.


الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

الين يضع اليابان بين خيارات التدخل وتسريع رفع الفائدة

مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

تواجه اليابان ضغوطاً لوقف تراجع الين، بعدما تجاوزت العملة مستوى 158 مقابل الدولار رغم رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، ما أعاد احتمال التدخل في سوق الصرف إلى الواجهة بالتزامن مع توقعات بأن يسرع البنك المركزي وتيرة التشديد النقدي لمواجهة موجة تضخمية جديدة. وأكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، الخميس، أن المبادئ التي استند إليها التدخل المنسق بين اليابان والولايات المتحدة في سوق العملات في 31 يوليو (تموز) لا تزال قائمة، في إشارة إلى استعداد طوكيو للتحرك مجدداً بالتنسيق مع واشنطن إذا أصبحت تقلبات الين مفرطة أو غير منظمة. وقالت كاتاياما إن «المبادئ المعمول بها منذ التدخل المشترك السابق لا تزال قائمة»، لكنها امتنعت عن التعليق على مستويات محددة لسعر الصرف.

وتكتسب تصريحاتها أهمية بعدما أجرت السلطات اليابانية، الجمعة، عمليات فحص لأسعار الدولار مقابل الين في الأسواق الخارجية، حسب مصادر مطلعة. وتعد هذه الخطوة في الأسواق مؤشراً محتملاً إلى الاستعداد للتدخل، إذ تطلب السلطات من المؤسسات المالية تقديم أسعار مباشرة للعملة قبل اتخاذ قرار محتمل بالشراء أو البيع. واستجاب الين لفترة وجيزة، قبل أن يتخلى سريعاً عن مكاسبه ويهبط إلى ما دون مستوى 158 للدولار، ما يعكس استمرار الضغوط الأساسية على العملة.

رفع الفائدة لم ينقذ الين

كان بنك اليابان قد رفع سعر الفائدة الأسبوع الماضي إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، لكن القرار لم يمنح الين الدعم الذي كانت تأمله السلطات. وركز المستثمرون بدلاً من ذلك على اعتراض عضوين في مجلس البنك بموقف أكثر ميلاً إلى التيسير، وعدوا ذلك دليلاً على أن وتيرة رفع الفائدة قد لا تكون سريعة بما يكفي لتضييق الفجوة الكبيرة بين العوائد اليابانية والأميركية. لكن ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس بنك اليابان الذي لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع صانعي السياسة، يرى أن اجتماع سبتمبر (أيلول) مثّل تحولاً مهماً في طريقة تعامل البنك مع التضخم، وأن رفع الفائدة قد يصبح أكثر انتظاماً خلال الأشهر المقبلة. وتوقع ساكوراي أن يرفع البنك الفائدة مرة كل ثلاثة أشهر تقريباً، لتصل إلى 2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2027، مع احتمال تجاوز هذا المستوى إذا ظل التضخم مرتفعاً قرب 3 في المائة.

ويرجح أن تكون الخطوة التالية رفع الفائدة إلى 1.5 في المائة بحلول نهاية العام، وعلى الأرجح في ديسمبر (كانون الأول)، ثم إلى 1.75 في المائة خلال الربع الأول من 2027، وصولاً إلى 2 في المائة بحلول يونيو. ولا يستبعد ساكوراي رفع الفائدة في أكتوبر (تشرين الأول) إذا أجرى البنك تعديلاً كبيراً بالزيادة لتوقعاته للتضخم في تقريره الفصلي المقبل.

النفط يغير معادلة التضخم

يأتي التحول المتوقع في السياسة النقدية مدفوعاً بدرجة كبيرة بارتفاع ضغوط الأسعار، خصوصاً بعد الزيادة الحادة في تكاليف استيراد الطاقة. وحسب ساكوراي، تظهر البيانات الحكومية أن تكلفة واردات اليابان من النفط الخام قفزت بين 70 و80 في المائة خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بمستوياتها قبل الهجوم الأميركي على إيران في فبراير (شباط)، وهو ما يتوقع أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين. وقد يتجاوز التضخم 3 في المائة بحلول نهاية العام ويظل عند هذه المستويات في بداية 2027، ما قد يدفع بنك اليابان إلى التحرك بصورة أسرع لمنع التضخم الأساسي من تجاوز هدفه البالغ 2 في المائة بصورة مستدامة.

وفي الوقت نفسه، لا تأتي الضغوط التضخمية من الواردات وحدها، فالين الضعيف يرفع تكلفة السلع المستوردة، بينما يسهم الطلب القوي المرتبط بالذكاء الاصطناعي في تعزيز أرباح الشركات المصنعة، بما يدعم النشاط الاقتصادي، ويضيف ضغوطاً ناتجة عن الطلب المحلي.

ويرى ساكوراي أن بنك اليابان أصبح أكثر وعياً بهذه المخاطر، وهو ما يفسر انتقاله من التركيز على ضمان استدامة التضخم إلى محاولة منع الأسعار من الارتفاع بصورة أكبر من المستهدف. كما أشار إلى أن تأييد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لرفع أسعار الفائدة في اليابان منح البنك المركزي مساحة أكبر لتسريع التشديد النقدي.

السياسة المالية تبقي الضغط على العملة

لكن المفارقة أن رفع الفائدة بوتيرة أسرع قد لا يكون كافياً لإعادة الين إلى مسار صعود مستدام. ويرى ساكوراي أن المستثمرين قد يستمرون في بيع العملة والسندات الحكومية اليابانية بسبب توقعاتهم باستمرار رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في اتباع سياسة مالية توسعية. وقال إن الين «لن يتعافى ما لم تتغير السياسة المالية لتاكايتشي»، مضيفاً أنه حتى إذا رفع بنك اليابان الفائدة بقوة، فقد لا يؤدي ذلك سوى إلى إبطاء وتيرة انخفاض العملة. وهذا يضع السلطات أمام معادلة مزدوجة. فمن ناحية، يحتاج بنك اليابان إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم وتقليص فجوة الفائدة مع الولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى، قد تؤدي السياسة المالية التوسعية وزيادة الإنفاق الحكومي إلى إبقاء الضغوط على السندات والين. ويفسر ذلك عودة التدخل المباشر في سوق العملات إلى الحسابات. فقد أظهر التحرك الياباني - الأميركي المشترك في يوليو استعداد واشنطن وطوكيو للتدخل عندما تعدان أن تحركات السوق أصبحت مفرطة وغير منظمة.

ومع تجاوز الدولار مستوى 158 يناً، أصبحت الأسواق تراقب من كثب تصريحات وزارة المالية وأي عمليات جديدة لفحص الأسعار. لكن كاتاياما حرصت على عدم تحديد مستوى بعينه يمكن أن يدفع السلطات إلى التحرك، بما يحافظ على عنصر عدم اليقين أمام المضاربين. وهكذا يدخل الين مرحلة تتداخل فيها ثلاثة خطوط دفاع: رفع أسعار الفائدة، والتدخل المحتمل في سوق الصرف، والسياسة المالية. وإذا صحت توقعات وصول الفائدة إلى 2 في المائة بحلول منتصف 2027، فإن اليابان ستكون أمام أسرع تحول في سياستها النقدية منذ عقود، لكن مسار العملة سيظل مرهوناً بمدى قدرة هذه الخطوات على التغلب على فجوة العوائد، وضغوط الإنفاق الحكومي، وارتفاع فاتورة الطاقة.