سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

الجائزة الأولى لفيلم حول فتاة وقطّة.. وبين المعروض فيلم سوري

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
TT

سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»

خمسة أيام من فن سينما التحريك وبث الحياة في الرسومات تعيشها مدينة أنيسي الفرنسية الواقعة عند الحدود السويسرية (من الأسهل الوصول إليها من سويسرا) كل عام ولكن ما ميّز دورتها الجديدة هذه السنة هي أنها الأكبر بالنسبة لعدد الأفلام والضيوف. أكثر من 200 فيلم أنيميشن طويل وقصير وبين بين تم عرضها ما بين العشرين والخامس والعشرين من الشهر الحالي لجمهور سعيد بما هو متوفر في مخيلة صانعي هذه الأفلام.
كانت البداية سنة 1960 على أساس معاودته مرّة كل عامين. في العام 1967 توقف عن الحدوث حتى سنة 1971 واستمر مرّة كل عامين حتى سنة 1997 عندما أصبح له موعد سنوي ولا يزال. وهو تخصص في هذا النوع من السينما وأصبح نبضها السنوي كما «كان» نبض السينما العالمية في شتّى المجالات، أو كما حال مهرجان دبي بالنسبة للسينما العربية.
جوائزه دائمًا ما انقسمت على وجهتين هما الأفلام القصيرة (وذلك منذ الدورة الأولى سنة 1960) والأفلام الطويلة (بدءًا من عام 1985).
ولا تخفى نشاطاته ونجاحاته عن هوليوود، ليس لأنها باتت مشاركة ملحوظة في الأعوام الأخيرة فقط، بل من حيث توافد من هو مستعد للبحث عن أفلام يشتريها للسوق الأميركية، كما حدث هذا العام إذ وجد الهوليووديون أعمالاً أوروبية وآسيوية متعددة فقاموا بتوقيع عقود مع بعضها.
أحد هذه الأفلام «فانتوم بوي» ولا نستطيع أن نتجاهل أنه من تلك الأفلام الأوروبية (إنتاج فرنسي) المصنوعة وهدفها الأساسي التمتع بتسويق أميركي. يكفي أن أحداثه تدور في نيويورك. حكايته ذات الملامح البسيطة (كما رسمها كل من آلان غانول وجان - لوب فيليشيولي) تقوم على شخصية صبي بقوى خارقة للعادة يساعد شرطيًا مقعدًا على التصدي لمن يحاول قتله وإخفاء جريمة قتل سابقة. الشرطي نذر نفسه للعدالة، والصبي برسم إلكتروني جيد وإيقاع سريع، سيساعده في تحقيق رغبته مواجهًا معه عصابة خطرة (طبعًا).
هذا نوع من الأفلام المنتشرة في ربوع «أنيسي» من حيث انتمائها إلى أعمال كان يمكن تصويرها حيّة من دون أن تخسر شيئًا من سمات حكايتها. هناك أفلام كثيرة من هذا النوع لم يكن تنفيذها مرسومة ومصممة على الكومبيوتر على هذا النحو شرطًا عليها لإتمامها.
فيلمان من كولومبيا يندرجان تحت هذا الوصف. الأول الفيلم البوليسي - السياسي «سابوغال» لمخرجيه خوان جوزيه لوزانو وسيرجيو ميّا. يدور حول أحداث ينفي الفيلم وقوعها في مقدّمته لكنها تبدو واقعية في بلد لاتيني تتجاذبه التيارات السياسية التي لا تصل أنباؤها إلى العالم بل تبقى محليّة على أهميّتها. سابوغال هو محام وناشط في مجال الحقوق المدنية ينطلق للتحقيق في حادثة اغتيال سياسي. بعد حين يصبح معرضًا للاغتيال إذا ما توقف عن التحقيق. طبعًا سوف لن يتوقف وسيسبر الفيلم تلك المحاولات التي ينجو منها.
في البداية، تجد نفسك أمام موضوع نموذجي كان المخرج اليوناني - الفرنسي كوستا - غافراس على استعداد لتصويره في حقبة أعماله الأولى مثل «زد» و«الاعتراف» في السبعينات. لاحقًا تجد أن منوال هذا الفيلم شبيه بتلك التي كان المخرج الإيطالي فرنشسكو روزي يقوم بها في الستينات والسبعينات. في الحالتين فإن «سابوغال» مثير للاهتمام على نحو متفاوت بين فصل وآخر. لكن هناك الكثير من الحنكة في التنفيذ: الشخصيات الأمامية مرسومة بالأبيض والأسود كما لو كانت بقلم رصاص لكن خلفياتها (مبانٍ، غرف، ديكورات، شوارع، سيارات.. إلخ)، ملوّنة. أيضا هو فيلم أنيميشن بالكامل باستثناء ما اختير من مشاهد إخبارية مبثوثة على التلفزيون. حقيقة إعلان الفيلم في مطلعه بأن أي تشابه بين الأسماء والشخصيات والأحداث الواردة في الفيلم مع أسماء وشخصيات وأحداث حقيقية هو «صدفة» وحقيقة منوال الفيلم التحقيقي تدلان على أنهما مستوحيان من وقائع فعلية.
هو أفضل من الفيلم الكولومبي الآخر «منفي». مثل سابقه هو فيلم طويل يبدأ ركيك التنفيذ ويبقى كذلك حتى نهايته. لكن رسالته تتطوّر فإذا به معاد للحرب التي يتصوّر أن أحدًا شنّها على كولومبيا في مستقبل قريب. الحكاية هنا تنطلق من مشهد لفتاتين تتحدثان عن علاقاتهما مع الرجال وتنتهي بإحداهما تنتظر عودة من تحب من الحرب الدائرة وهو الذي حاول تجنّبها منذ البداية مؤمنًا بأن لا فائدة منها. قبيل منتصفه يقع التطوّر الأول على صعيد الحكاية إذ تمر طائرات حربية فوق العاصمة بوغوتا على علو منخفض وتبدأ بقصف الناس. البطلان يهربان إلى صالة مسرح ويحاول المخرج دييغو غويرا تسجيل نقاط «فنية» بجعل بطليه يمارسان الحب على خلفية قصف الطائرات للمدينة وسقوط إحداها مصابة بنيران أرضية.
لكن التنفيذ يبقى فطريًا مع أغانٍ إنجليزية وإسبانية من باب التسلية، ومحاولات الارتقاء فنيًا عن طريق مشاهد تنوي، ولا تحقق، صدمات بصرية.
كلا هذين الفيلمين يدخلان في نطاق الأعمال التي تنتجها سينمات الدول اللاتينية من دون أن يتبوأ أحدهما مركزًا متقدمًا بينها على مستوى شبيه بما حققه الفيلم البرازيلي «ريو 2096: قصة حب وغضب» للويز بولونيزي الذي فاز بذهبية المهرجان ذاته في العام الماضي متناولاً أحداث مستقبلية لكن جذورها تمتد إلى زمن عانى فيه المثقفون اللاتينيون من قمع سلطاتهم.
والسياسة موجودة في أفلام كثيرة. أحد هذه الأفلام سوري بعنوان «سُليمى» لجلال ماغوط. هذا فيلم كرتوني قصير بالأبيض والأسود ينتمي إلى الرسوم المنفّذة باليد ومستواه الفني ضحل لكنه يستند في حضوره على حقيقة أنه يتحدّث عن سوريا في هذا الوقت الراهن. بطلته ذات الاسم المموه (كما يذكر الفيلم في مطلعه) هي امرأة تعلن مرّتين عن أن عمرها «48 سنة و3 أشهر» وأنه لو قدّر لها أن تعيش مرّة ثانية لفعلت أكثر مما فعلته في مطلع الثورة على النظام الحالي.
نراها تشترك في المظاهرات التي نشبت في مطلع الأزمة وتعتقل ثم يفرج عنها فتشترك في مظاهرة أخرى بعدما تخلّى عنها زوجها وابنها وتعتقل مرّة ثانية وتسجن هذه المرّة. نراها في المظاهرات وفي الشوارع الخالية من الناس وفي المعتقل ونسمعها تذكر بما فعله حافظ الأسد من مذابح في حينه وكيف أنه كان عليها وعلى الشعب السوري أن يثور ضد الظلم الحاصل.
لكن الفيلم، على الرغم من رسالته هذه، لا يُملي جديدًا ولا يتمتع بالقدرات الإنتاجية الكافية لتمييزه فنيًا. حدود قدراته مثلاً هي التي تجعل مشاهده جامدة. الرسم مبدئي. الحركات محسوبة لأن كثرتها تتطلب جيشًا من الرسامين.
هذا لا يعني أن كل ما ارتسم على الشاشة كان سياسيًا. والأفلام الفائزة ليست كذلك. من بين 37 فيلما طويلا تم اختيار 17 فيلمًا لهذه المسابقة آتية من أستراليا وبلجيكا وكندا والصين وكولومبيا ولاتفيا ولوكسمبرغ والولايات المتحدة وإسبانيا والدنمارك وجمهورية التشيك وروسيا وسلوفاكيا ولاتفيا واليابان وفرنسا.
أحد أفضلها رسمًا كان الإنتاج الفرنسي للمخرجين فرانك إكيني وكرستيان دسمارس «أبريل والعالم المنحرف» و«مس هوكوساي» لكايشي هارا (اليابان) والفيلم الإسباني - البلجيكي - الأميركي الرائع «حكايات استثنائية» (أو «فوق العادة» ترجمة لكلمتي Extraordinary Tales) للإسباني راؤول غارسيا المقتبس عن جملة حكايات للأميركي الفذ إدغار آلان بو.
لكنه فيلم آخر هو الذي حظي بالجائزة الأولى بين الأفلام الطويلة هو الفرنسي «أبريل والعالم المنحرف» الذي يسرد أحداثًا تاريخية حول عالم مختف وابنته (اسمها أبريل) التي تقرر البحث عنه بصحبة قطتها جوليوس الناطقة. جائزة لجنة التحكيم ذهبت للفيلم الياباني «مس هوكوساي» بينما فضّل الجمهور الإنتاج الدنماركي «طوال الطويق شمالا» (كما سمي بالإنجليزية). وبين الأفلام القصيرة فاز الفيلم الروسي «لا نستطيع العيش من دون كوزموز» بالجائزة الأولى.



السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).