سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

الجائزة الأولى لفيلم حول فتاة وقطّة.. وبين المعروض فيلم سوري

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
TT

سينما الأنيميشن تتحرك بنجاح على شاشة مهرجان «أنيسي»

فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»
فيلم الجائزة الأولى «أبريل والعالم المنحرف»

خمسة أيام من فن سينما التحريك وبث الحياة في الرسومات تعيشها مدينة أنيسي الفرنسية الواقعة عند الحدود السويسرية (من الأسهل الوصول إليها من سويسرا) كل عام ولكن ما ميّز دورتها الجديدة هذه السنة هي أنها الأكبر بالنسبة لعدد الأفلام والضيوف. أكثر من 200 فيلم أنيميشن طويل وقصير وبين بين تم عرضها ما بين العشرين والخامس والعشرين من الشهر الحالي لجمهور سعيد بما هو متوفر في مخيلة صانعي هذه الأفلام.
كانت البداية سنة 1960 على أساس معاودته مرّة كل عامين. في العام 1967 توقف عن الحدوث حتى سنة 1971 واستمر مرّة كل عامين حتى سنة 1997 عندما أصبح له موعد سنوي ولا يزال. وهو تخصص في هذا النوع من السينما وأصبح نبضها السنوي كما «كان» نبض السينما العالمية في شتّى المجالات، أو كما حال مهرجان دبي بالنسبة للسينما العربية.
جوائزه دائمًا ما انقسمت على وجهتين هما الأفلام القصيرة (وذلك منذ الدورة الأولى سنة 1960) والأفلام الطويلة (بدءًا من عام 1985).
ولا تخفى نشاطاته ونجاحاته عن هوليوود، ليس لأنها باتت مشاركة ملحوظة في الأعوام الأخيرة فقط، بل من حيث توافد من هو مستعد للبحث عن أفلام يشتريها للسوق الأميركية، كما حدث هذا العام إذ وجد الهوليووديون أعمالاً أوروبية وآسيوية متعددة فقاموا بتوقيع عقود مع بعضها.
أحد هذه الأفلام «فانتوم بوي» ولا نستطيع أن نتجاهل أنه من تلك الأفلام الأوروبية (إنتاج فرنسي) المصنوعة وهدفها الأساسي التمتع بتسويق أميركي. يكفي أن أحداثه تدور في نيويورك. حكايته ذات الملامح البسيطة (كما رسمها كل من آلان غانول وجان - لوب فيليشيولي) تقوم على شخصية صبي بقوى خارقة للعادة يساعد شرطيًا مقعدًا على التصدي لمن يحاول قتله وإخفاء جريمة قتل سابقة. الشرطي نذر نفسه للعدالة، والصبي برسم إلكتروني جيد وإيقاع سريع، سيساعده في تحقيق رغبته مواجهًا معه عصابة خطرة (طبعًا).
هذا نوع من الأفلام المنتشرة في ربوع «أنيسي» من حيث انتمائها إلى أعمال كان يمكن تصويرها حيّة من دون أن تخسر شيئًا من سمات حكايتها. هناك أفلام كثيرة من هذا النوع لم يكن تنفيذها مرسومة ومصممة على الكومبيوتر على هذا النحو شرطًا عليها لإتمامها.
فيلمان من كولومبيا يندرجان تحت هذا الوصف. الأول الفيلم البوليسي - السياسي «سابوغال» لمخرجيه خوان جوزيه لوزانو وسيرجيو ميّا. يدور حول أحداث ينفي الفيلم وقوعها في مقدّمته لكنها تبدو واقعية في بلد لاتيني تتجاذبه التيارات السياسية التي لا تصل أنباؤها إلى العالم بل تبقى محليّة على أهميّتها. سابوغال هو محام وناشط في مجال الحقوق المدنية ينطلق للتحقيق في حادثة اغتيال سياسي. بعد حين يصبح معرضًا للاغتيال إذا ما توقف عن التحقيق. طبعًا سوف لن يتوقف وسيسبر الفيلم تلك المحاولات التي ينجو منها.
في البداية، تجد نفسك أمام موضوع نموذجي كان المخرج اليوناني - الفرنسي كوستا - غافراس على استعداد لتصويره في حقبة أعماله الأولى مثل «زد» و«الاعتراف» في السبعينات. لاحقًا تجد أن منوال هذا الفيلم شبيه بتلك التي كان المخرج الإيطالي فرنشسكو روزي يقوم بها في الستينات والسبعينات. في الحالتين فإن «سابوغال» مثير للاهتمام على نحو متفاوت بين فصل وآخر. لكن هناك الكثير من الحنكة في التنفيذ: الشخصيات الأمامية مرسومة بالأبيض والأسود كما لو كانت بقلم رصاص لكن خلفياتها (مبانٍ، غرف، ديكورات، شوارع، سيارات.. إلخ)، ملوّنة. أيضا هو فيلم أنيميشن بالكامل باستثناء ما اختير من مشاهد إخبارية مبثوثة على التلفزيون. حقيقة إعلان الفيلم في مطلعه بأن أي تشابه بين الأسماء والشخصيات والأحداث الواردة في الفيلم مع أسماء وشخصيات وأحداث حقيقية هو «صدفة» وحقيقة منوال الفيلم التحقيقي تدلان على أنهما مستوحيان من وقائع فعلية.
هو أفضل من الفيلم الكولومبي الآخر «منفي». مثل سابقه هو فيلم طويل يبدأ ركيك التنفيذ ويبقى كذلك حتى نهايته. لكن رسالته تتطوّر فإذا به معاد للحرب التي يتصوّر أن أحدًا شنّها على كولومبيا في مستقبل قريب. الحكاية هنا تنطلق من مشهد لفتاتين تتحدثان عن علاقاتهما مع الرجال وتنتهي بإحداهما تنتظر عودة من تحب من الحرب الدائرة وهو الذي حاول تجنّبها منذ البداية مؤمنًا بأن لا فائدة منها. قبيل منتصفه يقع التطوّر الأول على صعيد الحكاية إذ تمر طائرات حربية فوق العاصمة بوغوتا على علو منخفض وتبدأ بقصف الناس. البطلان يهربان إلى صالة مسرح ويحاول المخرج دييغو غويرا تسجيل نقاط «فنية» بجعل بطليه يمارسان الحب على خلفية قصف الطائرات للمدينة وسقوط إحداها مصابة بنيران أرضية.
لكن التنفيذ يبقى فطريًا مع أغانٍ إنجليزية وإسبانية من باب التسلية، ومحاولات الارتقاء فنيًا عن طريق مشاهد تنوي، ولا تحقق، صدمات بصرية.
كلا هذين الفيلمين يدخلان في نطاق الأعمال التي تنتجها سينمات الدول اللاتينية من دون أن يتبوأ أحدهما مركزًا متقدمًا بينها على مستوى شبيه بما حققه الفيلم البرازيلي «ريو 2096: قصة حب وغضب» للويز بولونيزي الذي فاز بذهبية المهرجان ذاته في العام الماضي متناولاً أحداث مستقبلية لكن جذورها تمتد إلى زمن عانى فيه المثقفون اللاتينيون من قمع سلطاتهم.
والسياسة موجودة في أفلام كثيرة. أحد هذه الأفلام سوري بعنوان «سُليمى» لجلال ماغوط. هذا فيلم كرتوني قصير بالأبيض والأسود ينتمي إلى الرسوم المنفّذة باليد ومستواه الفني ضحل لكنه يستند في حضوره على حقيقة أنه يتحدّث عن سوريا في هذا الوقت الراهن. بطلته ذات الاسم المموه (كما يذكر الفيلم في مطلعه) هي امرأة تعلن مرّتين عن أن عمرها «48 سنة و3 أشهر» وأنه لو قدّر لها أن تعيش مرّة ثانية لفعلت أكثر مما فعلته في مطلع الثورة على النظام الحالي.
نراها تشترك في المظاهرات التي نشبت في مطلع الأزمة وتعتقل ثم يفرج عنها فتشترك في مظاهرة أخرى بعدما تخلّى عنها زوجها وابنها وتعتقل مرّة ثانية وتسجن هذه المرّة. نراها في المظاهرات وفي الشوارع الخالية من الناس وفي المعتقل ونسمعها تذكر بما فعله حافظ الأسد من مذابح في حينه وكيف أنه كان عليها وعلى الشعب السوري أن يثور ضد الظلم الحاصل.
لكن الفيلم، على الرغم من رسالته هذه، لا يُملي جديدًا ولا يتمتع بالقدرات الإنتاجية الكافية لتمييزه فنيًا. حدود قدراته مثلاً هي التي تجعل مشاهده جامدة. الرسم مبدئي. الحركات محسوبة لأن كثرتها تتطلب جيشًا من الرسامين.
هذا لا يعني أن كل ما ارتسم على الشاشة كان سياسيًا. والأفلام الفائزة ليست كذلك. من بين 37 فيلما طويلا تم اختيار 17 فيلمًا لهذه المسابقة آتية من أستراليا وبلجيكا وكندا والصين وكولومبيا ولاتفيا ولوكسمبرغ والولايات المتحدة وإسبانيا والدنمارك وجمهورية التشيك وروسيا وسلوفاكيا ولاتفيا واليابان وفرنسا.
أحد أفضلها رسمًا كان الإنتاج الفرنسي للمخرجين فرانك إكيني وكرستيان دسمارس «أبريل والعالم المنحرف» و«مس هوكوساي» لكايشي هارا (اليابان) والفيلم الإسباني - البلجيكي - الأميركي الرائع «حكايات استثنائية» (أو «فوق العادة» ترجمة لكلمتي Extraordinary Tales) للإسباني راؤول غارسيا المقتبس عن جملة حكايات للأميركي الفذ إدغار آلان بو.
لكنه فيلم آخر هو الذي حظي بالجائزة الأولى بين الأفلام الطويلة هو الفرنسي «أبريل والعالم المنحرف» الذي يسرد أحداثًا تاريخية حول عالم مختف وابنته (اسمها أبريل) التي تقرر البحث عنه بصحبة قطتها جوليوس الناطقة. جائزة لجنة التحكيم ذهبت للفيلم الياباني «مس هوكوساي» بينما فضّل الجمهور الإنتاج الدنماركي «طوال الطويق شمالا» (كما سمي بالإنجليزية). وبين الأفلام القصيرة فاز الفيلم الروسي «لا نستطيع العيش من دون كوزموز» بالجائزة الأولى.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.