تطور الإعلام المصري يصطدم بـ {تحديات كبرى»

خبراء يطالبون بوضع خطة استراتيجية و«تفعيل بحوث المشاهدة»

د. حسن عماد مكاوي
د. حسن عماد مكاوي
TT

تطور الإعلام المصري يصطدم بـ {تحديات كبرى»

د. حسن عماد مكاوي
د. حسن عماد مكاوي

في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة، والأزمات الاقتصادية التي تحيط بالصناعة، والتي تتزامن جنباً إلى جنب مع منافسة «شرسة» من مواقع التواصل الاجتماعي، بات الحديث عن تطوير الإعلام المصري أمراً وجوبياً. وحقاً، لا يكاد يمر يوم من دون أن يتحدث أكاديمي أو إعلامي، أو حتى سياسي، في هذه «الأزمة»؛ أملاً في استعادة ما تسمى «الريادة الإعلامية» في منطقة الشرق الأوسط. وفي حين يؤكد خبراء الإعلام على «قوة» الإعلام المصري، وتاريخه العريق الذي جعله قادراً على «تشكيل وقيادة الرأي العام العربي في فترات سابقة»، فإنهم أشاروا إلى تحديات كبرى تواجه أي محاولات للتطوير.
ملف تطوير الإعلام المصري يحظى راهناً باهتمام على أعلى المستويات، وفي أبريل (نيسان) الماضي أشار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء المصري، خلال لقائه الكاتب الصحافي كرم جبر، رئيس «المجلس الأعلى لتنظيم ‏الإعلام» (الهيئة المسؤولة عن تنظيم الإعلام بموجب الدستور) إلى «تعاظم دور الإعلام في عالمنا المعاصر يوماً بعد يوم، لا سيما مع التطور ‏التكنولوجي الهائل والمتسارع الذي نشهده حالياً على مستوى العالم»، واصفاً إياه بأنه «قوة لا يستهان بها في تنوير المجتمع، وحشد الجهود من ‏أجل الدفاع عن الوطن ضد التهديدات، والحفاظ على مقدرات الوطن».
وأكد «احترام الدولة المصرية الدائم لحرية الرأي والتعبير وتعدد الآراء، بما يخدم ‏مصلحة الوطن وصالح المواطنين».

التحدي التكنولوجي

الدكتورة حنان يوسف، عميدة كلية اللغة والإعلام في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، تضع التكنولوجيا على رأس التحديات التي تواجه تطوير الإعلام في مصر، والمنطقة العربية. وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الإعلام المصري يواجه مجموعة من التحديات التي يشترك فيها مع المنظومة العربية عموماً، على رأسها التحدي التكنولوجي والتطور السريع، وهو تحدٍّ مخيف يتطلب مواكبة هذه التغيرات المتلاحقة بسرعة كبيرة».
وأضافت أنه «يترافق مع الغزو التكنولوجي تحدٍّ آخر هو التحدي المجتمعي والقيمي؛ حيث يواجه المجتمع ضربات متلاحقة لقيمه، يزيد من تأثيرها ارتفاع نسب الأمية، والتفاوت الديمغرافي في السن، والزيادة السكانية الضخمة». أما الدكتور حسن عماد مكاوي، العميد الأسبق لكلية الإعلام في جامعة القاهرة، فيرى أن «الإعلام المصري يعيش أصعب فتراته خلال السنوات الأخيرة، من حيث سيطرة القالب الواحد، من دون تنوع يعكس وجهات النظر المختلفة في المجتمع، فضلاً عن عزوف الجمهور عن الإعلام المصري، وسعيه لمنصات وقنوات بديلة، تقدم معلومات مغرضة وغير دقيقة عن البلاد».
للعلم، بينما يوجه البعض انتقادات إلى الإعلام المصري لافتقاره للتنوع، أكد رئيس الوزراء المصري في تصريحات تلفزيونية بداية العام الجاري أن «الإعلام المصري متنوع، ويقوم يومياً بانتقاد عدد من القضايا». وأشار إلى «وجود منصات موجهة ضد الدولة المصرية، وهو ما نعمل على موازنته عبر منصات أخرى تشرح الخطط الحكومية». وفي هذه الأثناء، يشغل حال الإعلام الحكومة المصرية، وأيضاً الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وجَّه عدة رسائل للإعلام على مدار السنوات الماضية، من بينها دعوته للإعلاميين، خلال يونيو (حزيران) الماضي، في أثناء افتتاح عدد من المشروعات، لتغطية «الحقيقة»؛ إذ قال: «لا أريد منكم أن تتحدثوا بشكل إيجابي... بل أطالبكم بتوضيح الحقيقة للمصريين». ولقد سبق أن أشار الرئيس السيسي إلى قوة تأثير الإعلام المصري في عقد الستينات، إذ قال في تصريحات على هامش مؤتمر الشباب عام 2019، إن «عدم التطوير لسنوات طويلة، جعل التأثير يتراجع... إلا أن الدولة المصرية وضعت خطة للتطوير».


د. سامي عبد العزيز - د. حنان يوسف

الاحتراف والمهنية

من جهته، يلخص الدكتور سامي عبد العزيز، العميد الأسبق لكلية الإعلام في جامعة القاهرة، التحديات التي تواجه الإعلام المصري في كلمتين، هما «الاحتراف» و«المهنية». وهو يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «التدريب والتأهيل عنصر مهم لتحقيق الطفرة المطلوبة في الإعلام»، مشدداً على أن أي محاولات للتطوير «لا بد من أن تنطلق من واقع بحوث تتحدث عما يحتاجه الرأي العام، مع إنشاء مركز تدريب عالمي يخرج كوادر جديدة».
وفي هذا السياق ترصد الدكتورة حنان يوسف تحدياً آخر يواجه الإعلام المصري، ألا وهو «الفجوة بين الواقع والمأمول، بين ما يجري تدريسه في الجامعات وبين الممارسة المهنية على الأرض التي تشهد تجاوزات لأخلاقيات الإعلام والقواعد المهنية»، على حد قولها. وتتابع متطرقة إلى «الخلل» في شكل البرامج التلفزيونية التي أصبحت «نموذجاً مكرراً، وقالباً واحداً، يتكلّم فيه المذيع لمدة ساعتين للجمهور». ثم تستطرد بأن التحديين المهني والتكنولوجي يرتبطان بتحدٍّ اقتصادي «نابع من الأضرار التي تتعرض لها الصحافة الورقية جراء المنافسة مع المنصات الرقمية».
وكان كرم جبر قد قال أخيراً في تصريحات له، إن المشهد الإعلامي في مصر يحتاج إلى «خطوات أخرى»، وإنه «على الرغم من الجهود المبذولة لتنظيم الإعلام على مدار السنوات الأربع الماضية، بالتنسيق ‏والتعاون مع الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام لتحسين بيئة الإعلام وضبط المشهد، فلا يزال الطريق طويلاً، وهناك يقين ‏بضرورة استكمال بقية خطـوات ضبط المشهد الإعلامي». ‎

قناة إقليمية

على صعيد آخر، يراود حلم إنشاء قناة إخبارية دولية وإقليمية المصريين منذ سنوات. وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تمتلك عدداً من القنوات التلفزيونية والصحف والمواقع الإلكترونية في مصر، عن تدشين «قطاع أخبار المتحدة» بوصفه «أكبر القطاعات الإخبارية في الشرق الأوسط». وذكرت أنه سيضم قناة أخبار دولية وقناة أخبار إقليمية، فضلاً عن تطوير قناة «إكسترا نيوز»، وإطلاق قناة «إكسترا الحدث». وحول هذه النقطة قال الدكتور سامي عبد العزيز، إن «الكل في انتظار القناة الإخبارية المصرية، فبمتابعة سريعة للقنوات الدولية الصادرة بالعربية، سنجد أن معظم محتواها عن مصر، باعتبارها دولة كبيرة تاريخياً».
أما الدكتورة حنان يوسف فترى أن لدى الإعلام المصري تجربة رائدة على مستوى الإعلام الدولي، من خلال مجموعة «نايل تي في» التي تضم قنوات باللغات الإنجليزية والفرنسية، وقناة إخبارية. ثم تقول إن «مصر كانت لها ريادة إعلامية؛ لكن في ظل المنافسة الشرسة اختلف الوضع... وهذا تحدٍّ جديد يتطلب جهوداً تسويقية وإمكانات مهنية ومادية كبيرة». وتردف بأن «حلم إنشاء قناة إقليمية إخبارية مصرية ما زال قائماً، بيد أنه يتطلب استراتيجية واضحة، وإمكانات بشرية ومادية». ومن ثم تقول إن «الريادة الإعلامية المصرية ما زالت موجودة، فهي أول دولة في المنطقة تنشئ مدينة للإنتاج الإعلامي، وتطلق قمراً صناعياً، كما أن الذاكرة السينمائية العربية تزخر بالأفلام المصرية». وتوضح: «التاريخ موجود وموثق؛ ولكن المنافسة شرسة، تحتاج إلى إعادة نظر للحالة العربية، وإلى خطاب إعلامي مصري خارجي متوازن، من حيث نوعية القضايا التي يتناولها وقوالب التقديم المختلفة».

ريادة الستينات

الدكتور حسن مكاوي، من جانبه، يثمِّن «تأثير الإعلام المصري في الستينات من القرن الماضي؛ لأنه كان يقدم رسالة واضحة لاقت تجاوباً من شعوب بعض الدول... ومع أنه كان إعلام الصوت الواحد حينذاك، فإن غياب المنافسة في تلك الفترة منحه القوة والتأثير محلياً وعربياً». ويضيف موضحاً: «الوضع الآن مختلف وتنافسي بشكل كبير، الأمر الذي يستدعي توفر إمكانيات عالية مادية، إضافة إلى التدريب والتأهيل للإعلاميين». وفي حين يرى الدكتور عبد العزيز أنه «لا يمكن مقارنة الوضع في الماضي بالوضع الحالي، بسبب اختلاف طبيعة الساحة الإعلامية وغياب القدر الكبير من المنافسة»، يعتبر الإعلامي حسن حامد، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون الأسبق، أن «تفوق» الإعلام المصري في الستينات تحقق لكونه يومذاك «إعلاماً تنموياً موجهاً لجماهير الشعب، ولم تكن هناك أصوات متداخلة معه».

استراتيجية إعلامية

ختاماً، يشدد الدكتور مكاوي على «ضرورة وجود استراتيجية واضحة للإعلام المصري تحافظ على أمنه القومي في الداخل والخارج، مع ضرورة إصدار قانون حرية تداول المعلومات الذي نص عليه دستور عام 2014». في حين ترى الدكتورة حنان يوسف أن «عدم وجود استراتيجية يتبناها الإعلام يعد واحداً من التحديات الرئيسة»، مطالبة «الجماعة الإعلامية، بالعمل على وضع استراتيجية إعلامية واضحة تقود المؤسسات الإعلامية في الفترة المقبلة، باعتبار الإعلام أحد أدوات الأمن القومي المصري».
وبالفعل، تعكف مصر على وضع استراتيجية للإعلام، وسبق عرض ملامح «الاستراتيجية الإعلامية لعام 2022»، على رئيس مجلس الوزراء المصري. ووفق البيانات الرسمية، فإن «هذه الاستراتيجية تنطلق من ‏الدور الذي يلعبـه الإعلام كقوة ناعمة فـي إحداث التغيرات المطلوبة في مجال رفع الوعي والإدراك لدى المواطنين».


مقالات ذات صلة

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.