تحذيرات صحية من خطر «سيجارة الفيتامينات الإلكترونية»

تحذيرات صحية من خطر «سيجارة الفيتامينات الإلكترونية»
TT

تحذيرات صحية من خطر «سيجارة الفيتامينات الإلكترونية»

تحذيرات صحية من خطر «سيجارة الفيتامينات الإلكترونية»

تُحكم إدارة الغذاء والدواء الأميركي قبضتها على الشركات المنتجة للسجائر الإلكترونية وللنيكوتين الصناعي، إلا أن الباحثين يفيدون بأن استخدام أنواع من السجائر الخالية من النيكوتين في ارتفاع. ولكن هل صحيح أن هذه السجائر آمنة أكثر من التقليدية؟
ومع تشديد إدارة الغذاء والدواء الأميركية لضوابطها ضد صانعي السجائر الإلكترونية في محاولة منها لردع الشباب عن استخدام المنتجات التي تحتوي على النيكوتين، تتجه بعض الشركات إلى ما يُعرف بالسجائر الإلكترونية الصحية wellness vapes، وكذلك يفعل الأشخاص الذين يوسعون دائرة استهلاكهم لمنتجات من مواد لا تستنشقها الرئتان، مثل الكافيين والفيتامينات وغيرها.

سيجارة الفيتامينات
ولكن استهلاك الفيتامينات بواسطة سيجارة إلكترونية قد لا يمنحكم دفعة الطاقة التي تحتاجونها لزيادة إنتاجيتكم، ولن يعود عليكم بالمكاسب الصحية، وهذا ما يدفع إدارة الغذاء والدواء إلى التشكيك في هذه المنتجات من جديد. وتشهد شعبية السيجارة الإلكترونية التي تحتوي على الفيتامينات نمواً لافتا في السنوات الأخيرة، في ظل الحملات التسويقية التي تدعي أنها تعزز التركيز، وتقوي الوظائف المناعية، وتحسن النوم. حصلت هذه السجائر الإلكترونية المعززة بالفيتامينات أخيراً على اسم جديد هو «نافثات المكملات الغذائية» nutritional supplement diffusers، وتعمل بنفس الطريقة التي تعمل بها السجائر الإلكترونية ولكن دون نيكوتين.
وهكذا تعد شركات عدة أبرزها «هيلث فيلدج» و«إنهيل هيلث» زبائنها بتزويدهم بجرعتهم اليومية من فيتامين بي12 وفيتامين سي، والميلاتونين، والدهون الأساسية بنفثات قليلة من هذه السيجارة الصحية. ولكن الترويج للحصول على فوائد ومكاسب صحية بواسطة سيجارة الفيتامينات الإلكترونية يخالف القوانين، حسب إدارة الغذاء والدواء. وعلى عكس بعض الادعاءات، لا تستطيع هذه السجائر الصحية المستجدة محاربة الأورام، ولا تساعد في علاج الربو، ولا في اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة، ولا الخرف.
ومع ذلك، يشهد استخدام منتجات التدخين الإلكتروني الخالية من النيكوتين نمواً ملحوظاً. فقد أشارت دراسة أخيرة لجامعة ستانفورد الأميركية نُشرت في مايو (أيار) الماضي، أن 26 في المائة تقريباً من 6131 مشاركا أميركيا في الدراسة بين 13 و40 عاماً، يستخدمون السجائر الإلكترونية الخالية من النيكوتين. وكشفت الأرقام أيضاً أن 17 في المائة من المشاركين استهلكوا سيجارة إلكترونية خالية من النيكوتين في الأيام الثلاثين الماضية، مقابل 12 في المائة استهلكوا سيجارة واحدة خلال الأسبوع الماضي.
يقول جورج مركادو، طبيب متخصص بأمراض الرئة في مستشفى لانغون التابع لجامعة نيويورك، إن عدد المرضى الذين يطرحون الأسئلة حول سلامة «السجائر الإلكترونية الصحية» في ازدياد، ولكنه يوصي من يسأله بالابتعاد عنها رغم تزايد استهلاكها.
يشير بحث أجرته شركة «غراند فيو ريسرتش» المتخصصة في استشارات الأعمال وأبحاث السوق، إلى أن صناعة الفيتامينات والمكملات الغذائية الآخذة في التوسع تحقق أرباحاً سنوية تُقدر بالمليارات، وأن قيمتها السوقية وصلت إلى 151.9 مليار عام 2021. وتساعد الفيتامينات التي تُباع على شكل مكملات غذائية الناس في علاج القصور في الأغذية الشائعة، إلا أن خبراء عالم الطب يعتبرون مكملات الفيتامينات المتعددة مجرد وسيلة لهدر المال. ومع ذلك، أظهرت دراسة عاينت استخدام المكملات نُشرت في سبتمبر (أيلول) 2019 أن 77 في المائة من الأميركيين يستهلكون الفيتامينات ومكملات أخرى.
وكانت إدارة الغذاء والدواء قد أصدرت في ديسمبر (كانون الأول) الفائت تحذيراً من بعض منتجات السجائر الإلكترونية الصحية، ونبهت من بعض الادعاءات التي تروج لفوائدها الصحية. تقول الإدارة إن بعض المنتجات قد لا تكون نظيفة كما تدعي، وإنه لا توجد طريقة حتى اليوم لتحديد تركيبة ومحتوى المنتج الذي يستخدمه الناس.
ولكن يبدو أن الناس المقبلين على هذه السوق لا يريدون الاستماع للسلطات الصحية. يملك جورج ميشالوبولوس، الرئيس التنفيذي لشركتي «بريث بي 12» و«فيتامين فيب» المصنعتين للسجائر الإلكترونية الصحية واللتين تبيعان سجائر إلكترونية صحية تزود مستهلكها بالفيتامين بي12، براءة اختراع بالتقنية المستخدمة لصناعة السجائر. يدعي ميشالوبولوس أنه «لا يستهلك أنواعاً فموية من الفيتامين بي12، ولهذا السبب عمل على ابتكار هذا المنتج لنفسه أولاً». ويضيف الرئيس التنفيذي أن السجائر الإلكترونية الصحية التي تصنعها شركتاه تستخدم منتجات من النوع الدوائي، ولا تحتوي على مادتي البروبيلين غليكول والدياسيتيل (تشير الدراسات إلى أن الدياسيتيل، مادة كيميائية موجودة في منكهات السجائر الإلكترونية، تسبب عند استنشاقها التهابا في القصيبات المسد، يؤدي بدوره إلى تندب والتهاب في الرئة).
يشدد ميشالوبولوس على أنه لا يستطيع تسويق منتجه كمحسن لمستويات الفيتامين بي12، وعلى أن موقعه يوضح هذا الأمر. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد ادعاء واحد من شركتي «بريث بي12» و«فيتامين فيب» حول رفع مستويات الفيتامين بي12 مع بعض الاستثناءات.
أرسلت إدارة الغذاء والدواء تحذيراً لميشالوبولوس في ديسمبر الماضي حول ادعاءات ظهرت مرة على موقع شركته الإلكتروني حول فاعلية المنتج المزمعة. وكانت «فيتامين فيب» واحدة من أربع شركات تلقت رسالة مشابهة من الإدارة هذا الشهر.
ادعت الشركة المذكورة آنفاً في إحدى المرات أن كل سيجارة إلكترونية أو «ناشر» يحتوي على أربعة أضعاف كمية الفيتامين بي12 التي يحصل عليها المستهلك من الحقنة، وأنها أكثر فعالية من حبوب مكمل الفيتامين بي12 المتوفرة في الأسواق. واستشهدت الصفحة السابقة لشركة «فيتامين فيب» مرة أيضاً بدراسات عن استنشاق الفيتامين بي12 نُشرت في الخمسينات والستينات، ولكن الصفحة حُذفت بعدها.

استنشاق رئوي مضر
توجد أربعة أنواع من الفيتامين بي12 في السوق، والأكثر شيوعاً منها هو السيانوكوبالامين، وهو نوعٌ صناعي وقليل التكلفة يتحول إلى ميثيل الكوبالامين داخل الجسم بعد هضمه. يزعم ميشالوبولوس أن «بريث بي12» يستخدم الميثيل كوبالامين، كنوع أفضل وأعلى تكلفة من الفيتامين بي12. ولكن الطبيب مركادو من مستشفى لانغون في جامعة نيويورك لا يصدق هذا الأمر، ويعتبر أن «سلامة تناول الفيتامين بطريقة محددة لا يعني أن امتصاصه بصيغة أخرى سيكون آمناً، خصوصاً أن الرئة ليست من الأعضاء المخولة لامتصاص الأدوية». ويشير مركادو إلى أن الكثير من الفيتامينات والمواد الأخرى محبة للدهن، ولأن الرئتين ليستا مجهزتين كما يجب للتعامل مع الدهون، يمكن لاستخدام هذه المنتجات أن يؤدي إلى حالة تُعرف بالالتهاب الرئوي الشحمي lipoid pneumonia، وهو نوع من الالتهاب الرئوي الصعب العلاج لأنه يسبب فقاعات دهنية في الرئة.
ترجح الدراسات العلمية أن النكهات الموجودة في السجائر الإلكترونية الخالية من النيكوتين تسبب الإجهاد التأكسدي للجسد وتؤذي خلايا الرئتين، فضلاً عن أن العلماء لم يستطيعوا حتى اليوم معرفة ما إذا كانت الفيتامينات المستنشقة قابلة للامتصاص في مجرى الدم.
يقول مركادو إن صناعة المكملات غير خاضعة للضوابط القانونية الكافية، ويشرح أنها لا تواجه مستوى الرقابة نفسه الذي تواجهه الصناعات الدوائية. ويضيف «عندما تكون لدينا صناعة غير منظمة بالقانون، لا نعلم كيف يمكن لجسدنا أن يمتص بعض المواد والفيتامينات».
يتركز حيزٌ كبير من رفض السجائر الإلكترونية على تقنيات التسويق التي تعتمدها الصناعة والتي غالباً ما تجذب غير البالغين، خصوصا أن النكهات التي تقدمها بعض الشركات المصنعة لهذه السجائر تطابق ما قد يجده الشباب في متاجر السكاكر أو عربات بيع الفواكه، كاللبان والمانغو، حتى أن بعض الشركات توفر نكهات تشبه تلك المتوفرة في حبوب الإفطار المخصصة للأطفال.
بعد تزايد عدد المراهقين المقبلين على منتج «جول» (خراطيش معبأة بالنيكوتين وغيرها من النكهات التي يمكن تدخينها)، أوقفت الشركة مبيعاتها لبعض النكهات عام 2018 ثم منعت مبيع خراطيشها بنكهتي النعناع والفواكه نهائياً في 2020، ولكن الخطوة الأخيرة التي اتخذتها إدارة الغذاء والدواء في يوليو (تموز) بمنع «جول» نهائياً، قد تكون دافعاً لازدهار السجائر الإلكترونية الصحية.
هذا الأمر لا يعني أن هذا الازدهار صحيح لأن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في امتصاص الفيتامينات يملكون خيارات صحية أخرى كالحقن. وإذا كنتم تبحثون عن وسيلة لتعزيز طاقتكم، ولكنكم لا تريدون تناول مكملات غذائية، فيمكنكم الحصول على الفيتامين بي12 بالتركيبة السائلة.
وأخيراً، يشير مركادو إلى أن القاعدة الذهبية التي يؤمن بها جميع اختصاصيي الرئة هي أن «الشيء الوحيد الذي يستطيع البشر استنشاقه بأمان هو الهواء».
* «إنك»... خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
TT

هل يملأ الذكاء الاصطناعي فجوة نقص المعلمين عالمياً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)
تقنيات الذكاء الاصطناعي تبرزحديثا كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية (جامعة كاليفورنيا)

تواجه أنظمة التعليم حول العالم تحديات متزايدة، أبرزها نقص المعلمين المؤهلين، وما يترتب على ذلك من تأثير سلبي على جودة التعليم وتوسيع الفجوات التعليمية بين الطلاب في مختلف المناطق.

وتقدّر منظمة «اليونسكو» أن العالم بحاجة إلى 44 مليون معلم إضافي لتحقيق التعليم الابتدائي والثانوي الشامل بحلول عام 2030، بالتزامن مع وجود 244 مليون طفل خارج المدارس عالمياً.

ومع التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، برزت نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) كأداة واعدة لدعم العملية التعليمية، من خلال تقديم شروحات وإجابات عن أسئلة الطلاب بشكل شخصي وتفاعلي. لكن استخدام هذه النماذج يواجه تحدياً مهماً يتعلق بقدرتها على توليد محتوى مناسب لمستوى فهم كل طالب؛ فعلى الرغم من قدرتها على إنتاج نصوص دقيقة ومفصلة، غالباً ما تتجاوز صعوبة اللغة والمفاهيم مستوى الطلاب في المراحل التعليمية المبكرة، ما يقلل من فاعلية التعلم.

ولتجاوز هذه الفجوة، كشف فريق بحثي أميركي عن إطار عمل مبتكر يعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة لتعمل كـ«معلمين افتراضيين» متخصصين لكل مرحلة عمرية. وقد أُطلق على هذا الابتكار اسم «Classroom AI»، ويهدف إلى تقديم محتوى تعليمي دقيق علمياً ومبسط لغوياً، بما يتناسب مع قدرات الأطفال الاستيعابية، بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي، ونُشرت النتائج في عدد 9 مارس (آذار) 2026 من دورية (npj Artificial Intelligence).

تقييم النصوص

واعتمد الباحثون في تقييم مستوى صعوبة النصوص على دمج سبعة مقاييس علمية معروفة لقياس قابلية القراءة، إضافة إلى مؤشرات أخرى تتعلق بطول الجمل وصعوبة الكلمات والتركيب اللغوي. ومن خلال خوارزمية خاصة، تم دمج نتائج هذه المقاييس لتحديد المستوى الدراسي الأنسب لكل نص تعليمي.

ولإنشاء قاعدة بيانات تدريبية واسعة، استخدم الباحثون تقنيات توليد البيانات عبر نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، حيث تم إعداد آلاف الأسئلة في 54 موضوعاً تعليمياً ضمن ثمانية مجالات تشمل العلوم، والأدب، والصحة، والذكاء الاصطناعي، والفنون، والموسيقى، والرياضة، والعلوم الاجتماعية. ثم طُلب من النماذج تقديم إجابات متنوعة للسؤال نفسه، بما يتناسب مع مستويات دراسية مختلفة.

وأظهرت نتائج الاختبارات أن النماذج المدربة وفق هذا الإطار الجديد حققت تحسناً كبيراً في قدرتها على إنتاج إجابات تتوافق مع المستوى الدراسي المطلوب؛ إذ ارتفعت نسبة التوافق مع مستوى الطلاب بنحو 35.6 نقطة مئوية مقارنة بالطرق التقليدية التي تعتمد فقط على توجيهات نصية داخل السؤال.

كما شارك 208 مشاركين في تقييمات بشرية للتحقق من مدى ملاءمة الشروحات للمستويات التعليمية المختلفة، وأكدت النتائج أن مخرجات النماذج المدربة تتوافق بدرجة كبيرة مع تقديرات البشر لصعوبة النصوص ومناسبتها للطلاب.

وكشفت التحليلات أيضاً أن النماذج الموجهة لمستويات دراسية مختلفة تطور أساليب تفسير مميزة؛ فالنماذج المخصصة للمرحلة الابتدائية تستخدم كلمات أبسط وجملاً أقصر، بينما تقدم النماذج المخصصة للطلاب الأكبر سناً شروحات أكثر تفصيلاً ومصطلحات علمية متقدمة.

تحديات متزايدة

يقول الدكتور جيندونغ وانغ، أستاذ بكلية ويليام وماري للحوسبة وعلوم البيانات والباحث الرئيسي للدراسة، إن نقص المعلمين يمثل تحدياً عالمياً متزايداً، لا سيما في المناطق الريفية والمحرومة اقتصادياً. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن محدودية الوصول إلى المعلمين المؤهلين تزيد من الفجوات التعليمية، مشيراً إلى أن أكثر من 70 في المائة من المعلمين في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء غير مؤهلين بالشكل الكافي.

ويشير وانغ إلى أنه مع توفر الإنترنت لنسبة كبيرة من سكان العالم، تمتلك نماذج اللغة الكبيرة القدرة على أن تكون أداة تعليمية داعمة، قادرة على خدمة ملايين الطلاب بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.

ويوضح أن إطار الدراسة يقدم حلاً مبتكراً لهذه المشكلة، من خلال تطوير شروحات تعليمية تتوافق مع مستوى الطالب الفعلي في الصف، بدلاً من تقديم إجابات موحدة لجميع الطلاب.

ويؤكد أن هذا الإطار يمكن أن يوسع الوصول إلى التعليم للطلاب في مستويات صفية مختلفة بمجرد توفر الإنترنت، ما يسهم في تعزيز الإنصاف التعليمي عالمياً.

وعن تطبيق هذا الإطار في الصفوف الدراسية الواقعية، يوضح أنه يمكن استخدامه كمكمل للتعليم التقليدي وليس كبديل للمعلمين؛ ففي الصفوف الحقيقية غالباً ما يطرح الطلاب أسئلة مفتوحة تختلف صعوبتها بحسب خلفيتهم وسرعة تعلمهم واهتماماتهم؛ وهكذا يمكن للطلاب استخدام نموذج اللغة الكبير المتوافق مع مستوى صفهم لفهم ما لم يستوعبوه خلال الحصة، أو لاستكشاف الموضوع بعمق أكبر، أو لطرح أسئلة إضافية.

ويشير وانغ إلى أن هذا الأسلوب لا يعالج نقص المعلمين فحسب، بل يوفر أيضاً دعماً فردياً للطلاب؛ ما يزيد من تفاعلهم ويسهم في تخصيص التعليم وفق مستوياتهم المختلفة.

نظام تعليمي متكيّف

وعن التأثير البعيد المدى للتعلم المعتمد على الذكاء الاصطناعي والمخصص للمستويات الصفية، يرى وانغ أنه يمكن أن يحوّل نظام التعليم من نهج «واحد للجميع» إلى نظام أكثر تكيفاً وتخصيصاً، حيث يحصل كل طالب على الشرح المناسب لمستوى فهمه، ما يقلل من عدد الطلاب المتأخرين فقط بسبب صعوبة الشرح أو عدم توافقه مع مستواهم، كما يمكن لهذه النماذج المخصصة أن تجعل التدريس الفردي عالي الجودة أكثر قابلية للتوسع، وهو ما يمثل فرصة كبيرة للوصول إلى تعليم شخصي غالباً ما يكون مكلفاً.

لكن في الوقت نفسه، يحذر وانغ من أن التصميم غير المدروس لهذه الأنظمة قد يقيّد الطلاب ضمن مستويات ثابتة، أو يؤدي إلى تحيزات اجتماعية غير متوقعة، أو يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية؛ لذلك يؤكد ضرورة التصميم الدقيق والمراعي للاحتياجات التعليمية لضمان تطبيق واسع وفعال لهذه التكنولوجيا.

ويشير أيضاً إلى أن تبسيط اللغة لا يعني بالضرورة تبسيط المفاهيم نفسها؛ إذ قد تبقى بعض الأفكار المعقدة صعبة الفهم للأطفال بسبب محدودية خبراتهم الحياتية، لذلك يقترح في الدراسات المستقبلية دمج هذه النماذج مع قواعد معرفية أو خرائط مفاهيمية تساعد على شرح الأفكار المعقدة خطوة بخطوة.


حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل
TT

حين يرى الدماغ من دون عين... هل يتغيّر معنى الرؤية؟

حين يضيء الدماغ  تبدأ الرؤية من الداخل
حين يضيء الدماغ تبدأ الرؤية من الداخل

قد لا يكون فقدان البصر هو نهاية الرؤية... بل بداية إعادة تعريفها؛ إذ إن ما كان يُعدّ لعقود حقيقة بديهية في الطب - أن الرؤية تبدأ من العين - أصبح اليوم موضع مراجعة.

ولم يعد السؤال كيف نعالج العين، بل ما إذا كانت العين شرطاً للرؤية أصلاً.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تطور تقنيات قادرة على التواصل المباشر مع الدماغ... ومع تقدم أبحاث واجهات الدماغ والحاسوب، يقترب الطب من مرحلة قد لا تكون فيها العين أكثر من وسيط، يمكن تجاوزه.

الدماغ بوابة للرؤية

• هل يصبح الدماغ بوابة للرؤية؟ في الطب التقليدي، يُنظر إلى العين بوصفها مركز الرؤية. لكن علوم الأعصاب تُظهر أن دورها يقتصر على نقل الإشارات، بينما تتم عملية الرؤية الحقيقية داخل الدماغ. فالقشرة البصرية لا تكتفي باستقبال الضوء، بل تفسّره وتربطه بالذاكرة والسياق، لتشكّل صورة ذات معنى. ومن هنا يبرز سؤال مختلف: إذا كانت الرؤية تبدأ وتنتهي في الدماغ، فهل يمكن استعادتها دون المرور عبر العين؟

لم يعد هذا السؤال افتراضاً نظرياً، بل أصبح محور أبحاث متقدمة. فالتقنيات الحديثة لم تعد تركز على إصلاح العين، بل على تجاوزها. أو لفكرة تقوم على إرسال إشارات مباشرة إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين.

• مشروع يتجاوز الطب التقليدي. في هذا السياق، يبرز مشروع «نيورالينك» Neuralink بوصفه نموذجاً لاتجاه جديد في الطب لا يكتفي بعلاج الأعضاء، بل يسعى إلى تجاوزها.

وبدلاً من التركيز على إصلاح العين، يعمل المشروع على تطوير شرائح دماغية تُزرع داخل الدماغ، وتستطيع التواصل مباشرة مع الخلايا العصبية. وتقوم هذه المقاربة على إرسال إشارات كهربائية إلى القشرة البصرية، بحيث يتعامل الدماغ معها كما لو كانت قادمة من العين، حتى في حال غيابها أو تعطلها.

وبذلك، لا تعود الرؤية مرتبطة بوظيفة عضو محدد، بل تصبح عملية يمكن - من حيث المبدأ - توليدها داخل الدماغ نفسه.

أبحاث حديثة

• ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟ تشير أبحاث حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر لعلم الأعصاب» Nature Neuroscience إلى إمكانية توليد أنماط بصرية أولية عبر تحفيز القشرة البصرية باستخدام إشارات كهربائية دقيقة. غير أن هذه النتائج لا تزال محدودة؛ إذ تقتصر على إشارات أو أشكال بسيطة، ولا ترقى إلى مستوى الرؤية المكتملة.

وفي هذا السياق، يرى باحثون في كلية لندن الجامعية (University College London) أن التحدي لا يتمثل في إيصال الإشارة فحسب، بل في قدرتها على أن تتحول إلى تجربة بصرية مفهومة، يستطيع الدماغ تفسيرها وربطها بالسياق الطبيعي.

هل سنرى، أم سنستقبل بيانات؟ الرؤية ليست مجرد استقبال صورة، بل عملية تفسير معقدة. لكن عندما تصل الإشارات مباشرة إلى الدماغ، يبرز تساؤل أساسي: هل تبقى هذه العملية رؤية، أم تتحول إلى شكل من أشكال استقبال البيانات؟

• خطر الرؤية المصنّعة. مع تطور هذه التقنيات، لم يعد الهدف مقتصراً على استعادة البصر، بل أصبح من الممكن - نظرياً - التأثير فيما يراه الإنسان. فالإشارات التي تُرسل إلى الدماغ لا تنقل الواقع بشكل مباشر، بل تعيد بناءه داخل الدماغ، وهو ما يفتح المجال أمام تشكيل الإدراك البصري نفسه. وهنا يتحول السؤال من تقني إلى علمي وأخلاقي: هل نعيد ما فُقد... أم نعيد صياغته؟

وتمثل هذه التقنيات أملاً كبيراً لفاقدي البصر، لكنها في الوقت نفسه تضع الطب أمام مسؤولية جديدة. فلم يعد التحدي في إمكانية استعادة الرؤية فقط، بل في ضمان دقتها وحدودها. فالإشارة التي تُرسل إلى الدماغ قد تُعيد الإبصار، لكنها قد تُعيد أيضاً تفسيراً غير دقيق للواقع، وهو ما يجعل الخطأ هنا ليس تقنياً فقط، بل إدراكياً.

ما الذي نراه حقاً؟ قد لا يكون السؤال هو: هل يمكن إعادة البصر؟

بل: ما الذي نعيده فعلاً؟ فهل الرؤية مجرد إشارات كهربائية يمكن نقلها إلى الدماغ؟ أم أنها تجربة إنسانية تتشكل من الذاكرة والسياق والفهم؟

وهنا، لا يصبح التحدي الحقيقي في نقل الصورة، بل في استعادة معناها.

وقد يتمكن الإنسان مستقبلاً من إدراك الصور دون الاعتماد على العين، لكن التحدي الحقيقي لن يكون في تحقيق ذلك تقنياً، بل في فهم ما يعنيه هذا التحول للإنسان نفسه. فحين تتغير طريقة الإدراك، لا يتغير ما نراه فقط، بل تتغير الطريقة التي نفهم بها العالم من حولنا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على المعنى الإنساني للرؤية، في زمن يمكن فيه توليدها صناعياً؟


تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية
TT

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

تطورات الفحص الجيني تطرح أسئلة أخلاقية

مع التقدم المتسارع في تقنيات الفحص الجيني، بات الأطباء اليوم قادرين على اكتشاف مخاطر الإصابة بالأمراض بدقة وسرعة لم تُعرفا من قبل. لكن هذا الإنجاز العلمي تصاحبه أسئلة أخلاقية شائكة مثل: كيف ينبغي إبلاغ الأشخاص بمعلومات قد تغيّر مسار حياتهم؟ ومن يملك الحق في الوصول إلى تلك البيانات شديدة الحساسية؟ وهل يرغب الجميع حقاً في معرفة ما تخبئه جيناتهم من مخاطر؟

للبحث عن إجابات، أجرى فريق من الباحثين في مستشفى سينسيناتي للأطفال وجامعة سينسيناتي بولاية أوهايو الأميركية، دراسة موسعة امتدت لست سنوات في إطار مبادرة وطنية تعرف باسم شبكة السجلات الطبية الإلكترونية وعلم الجينوم «eMERGE» وهي تحالف يضم مؤسسات طبية أميركية تكرّس جهودها للارتقاء باستخدام السجلات الطبية الإلكترونية في أبحاث علم الجينوم، بهدف دمج المعلومات الوراثية في الرعاية الصحية اليومية بطريقة مسؤولة وآمنة.

وكانت المجلة الأميركية لعلم الوراثة البشرية «American Journal of Human Genetics» قد نشرت نتائج الدراسة في 23 مارس (آذار) 2026، حيث قدّمت نموذجاً عملياً لكيفية مشاركة المعلومات الجينية مع المرضى، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الفائدة الطبية وحقوق الخصوصية.

درجات الخطورة الجينية

* تقييم المخاطر الجينية

قاد فريقان بحثيان من المركز الطبي لمستشفى سينسيناتي للأطفال بقيادة الدكتورة ليا كوتيان، من مركز علم جينوم المناعة الذاتية وأسبابها، والدكتورة ليزا مارتن، من قسم علم الوراثة البشرية وخدمات المرضى، دراسة موسعة لتقييم المخاطر الجينية لأمراض شائعة، شارك فيها باحثون من 10 مراكز طبية متخصصة.

وشملت الدراسة تحليل بيانات قرابة 24 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 3 و75 عاماً خضعوا لاختبارات جينية لتقييم خطر الإصابة بـ11 حالة صحية شائعة، بالاعتماد على ما يُعرف بـ«درجات الخطورة الجينية»، وهي مؤشرات تُحتسب بناءً على مئات أو آلاف المتغيرات الجينية لتقدير احتمالية الإصابة بأمراض متعددة.

وشملت قائمة الحالات كلاً من الربو والسكري من النوع الأول (للأطفال) والسمنة والسكري من النوع الثاني والرجفان الأذيني وأمراض الكلى المزمنة وأمراض القلب وارتفاع الكوليسترول وأمراض القولون وسرطان البروستاتا وسرطان الثدي.

* كيف تُنقل الأخبار إلى المرضى؟

في أحد أبرز محاور الدراسة الموسعة التي استمرت ست سنوات، ركّز الباحثون على سؤال محوري: كيف يمكن إيصال نتائج الفحوصات الجينية إلى المرضى بطريقة مناسبة تراعي حساسية المعلومة وحالة كل فرد؟

وللإجابة، اعتمد الفريق نهجاً متعدد المستويات يقوم على تصنيف النتائج وفقاً لدرجة الخطورة؛ فبالنسبة للأشخاص الذين ظهرت لديهم مخاطر منخفضة تم إرسال النتائج عبر رسائل إلكترونية آمنة أو عبر البريد العادي. أما في الحالات ذات الخطورة المرتفعة والتي بلغ عددها نحو 5 آلاف شخص فقد حرص الباحثون على التواصل المباشر عبر الهاتف أو مكالمات الفيديو أو اللقاءات الشخصية.

وتقول الباحثة الرئيسية الدكتورة ليا كوتيان: «تمكّنا من إجراء محادثات فردية مع نحو 79 بالمائة من البالغين و68 بالمائة من الأطفال، لكن التحدي الأكبر كان بسيطاً في بعض الأحيان... لم نتمكن ببساطة من الوصول إلى المشاركين».

وفي الحالات التي تعذّر فيها التواصل المباشر، تم إدراج النتائج في السجلات الطبية الإلكترونية إلى جانب توفير معلومات تتيح للطبيب المعالج أو للمريض نفسه إمكانية التواصل مع فريق البحث لاحقاً؛ لضمان عدم فقدان أي فرد لنتائجه أو فرصة فهمها.

وكشفت الدراسة أيضاً عن تفاوت واضح في فرص الوصول إلى هذه المعلومات؛ فقد تبين أن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى تعليمي أعلى أو استقرار سكني مثل امتلاك منزل، كانوا أكثر احتمالاً لإتمام جلسات التواصل الفردي. كما لعبت حالة التأمين الصحي دوراً في مدى نجاح التواصل، ما يشير إلى وجود فجوة في الاستفادة من هذه التقنيات بين فئات المجتمع المختلفة.

وقالت ليا كوتيان: «تُظهر هذه النتائج أنه من الممكن إعادة نتائج الفحوصات الجينية على نطاق واسع، لكننا بحاجة إلى طرق أكثر مرونة وفاعلية للتواصل مع المرضى؛ لضمان استفادة الجميع، خصوصاً أولئك الذين يواجهون مخاطر صحية أعلى».

النتائج الطبية والخصوصية

تسلط هذه الدراسة الضوء على التحدي الأساسي في عصر الطب الجيني: كيف نوازن بين حق المريض في المعرفة وحقه في الخصوصية وقدرته على اتخاذ قرارات مستنيرة؟

وفي حين يمكن لهذه المعلومات أن تساعد في الكشف المبكر عن الأمراض واتخاذ إجراءات وقائية، فإنها قد تثير أيضاً القلق أو الخوف لدى بعض المرضى، خاصة إذا لم يتم تقديمها ضمن إطار دعم وإرشاد مناسب. ولهذا يؤكد الباحثون أهمية توفير استشارات وراثية مرافقة تساعد المرضى على فهم نتائجهم، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة.

ومع تزايد استخدام الفحوصات الجينية في الممارسة الطبية، يبدو أن التحدي لم يعد تقنياً فقط بل إنسانياً أيضاً. فنجاح هذه التقنيات لا يعتمد فقط على دقتها، بل على كيفية استخدامها والتواصل بشأنها.

وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن المستقبل يتطلب أنظمة صحية أكثر مرونة، قادرة على التواصل مع المرضى بطرق تناسب احتياجاتهم وظروفهم المختلفة.

وفي نهاية المطاف، فإن الهدف ليس فقط معرفة ما تخبرنا به جيناتنا، بل كيف نستخدم هذه المعرفة لتحسين حياتنا بشكل مسؤول وعادل وإنساني.