«روفيجي» التنزاني: رسالة مصرية لإثيوبيا... وحضور قوي في «حوض النيل»

القاهرة أنهت الأعمال الإنشائية لجسم السد الرئيسي... وتُجهز لملء الخزان

انتهاء الأعمال الإنشائية بسد «روفيجي» في تنزانيا (مجلس الوزراء المصري)
انتهاء الأعمال الإنشائية بسد «روفيجي» في تنزانيا (مجلس الوزراء المصري)
TT

«روفيجي» التنزاني: رسالة مصرية لإثيوبيا... وحضور قوي في «حوض النيل»

انتهاء الأعمال الإنشائية بسد «روفيجي» في تنزانيا (مجلس الوزراء المصري)
انتهاء الأعمال الإنشائية بسد «روفيجي» في تنزانيا (مجلس الوزراء المصري)

فيما بدا رسالة موجهة إلى إثيوبيا، تُظهر حضوراً قوياً بدول حوض النيل، أنهت مصر الأعمال الإنشائية لجسم سد عملاق تقيمه على نهر روفيجي في تنزانيا، تمهيداً لاحتجاز الماء وملء خزانه بهدف توليد الطاقة الكهرومائية.
ويحظى المشروع برعاية واهتمام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ووفق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، فإن السيسي طالب بـ«تنفيذ على أعلى مستوى من الجودة»، باعتباره المشروع «الحلم للأشقاء في تنزانيا».
واحتفل التحالف المصري المكون من شركتي «المقاولون العرب والسويدي إلكتريك»، باكتمال الأعمال الإنشائية للسد الرئيسي، التي استمرت على مدار 687 يوماً، منذ تحويل مجرى النهر في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وذلك بالانتهاء (الخميس)، من صبّ آخر مكعب من الخرسانة المدموكة RCC في جسم السد الرئيسي، بحضور كبار مسؤولي الشركة التنزانية المالكة للمشروع.
وتنزانيا هي إحدى دول حوض النيل الـ11، ويأتي مشروع سد «روفيجي» بمثابة رد عملي على اتهامات إثيوبيا لمصر بإعاقة المشروعات التنموية في دول الحوض، على خلفية نزاعهما حول «سد النهضة» الذي تبنيه أديس أبابا منذ عام 2011 على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتقول القاهرة إنه يهدد حصتها من المياه. وقال الدكتور محمود أبو زيد، وزير الري المصري الأسبق رئيس المجلس العربي للمياه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشروع يؤكد تعاون مصر مع دول حوض النيل، ويدحض اتهامات إثيوبيا لمصر، بشأن إعاقتها المشروعات التنموية بدول الحوض، للاستئثار بالنصيب الأكبر من المياه».
وأضاف أبو زيد أن «مصر ترفض فقط عدم التنسيق المسبق بشأن المشروعات التي تؤثر على مجرى النيل، وفي المقابل تعمل على تحقيق التكامل عبر مشروعات تنموية مشتركة للاستفادة من مياه الأمطار التي تهطل سنوياً، وتذهب هباء في معظم تلك الدول». ووفق وزير الإسكان المصري عاصم الجزار، فإنه وباكتمال الأعمال الإنشائية لسد تنزانيا الرئيسي، شرع التحالف المصري في التجهيز لبدء احتجاز مياه نهر روفيجي خلف السد، التي من المقرر لها أن تستمر لمدة نحو شهرين (بحسب توقعات الفيضان للعام الجاري).
وتتضمن التحضيرات إنهاء تركيبات واختبارات بوابات تصريف المياه العملاقة على ثلاثة مستويات في جسم السد، يلي ذلك بدء إجراءات هندسية شديدة الدقة لإغلاق نفق تحويل مجرى النهر إيذاناً بالبدء في ملء البحيرة خلف السد على مساحة نحو 158 ألف كيلومتر مربع بسعة تشغيلية 32.7 مليار متر مكعب وبسعة قصوى تصل إلى 34 مليار متر مكعب.
وأعلن الجزار، في تقرير عرضه على رئيس الوزراء، أنه بوصول السد الرئيسي لارتفاع 190 متراً فوق سطح البحر على قاعدة مساحتها نحو 20 ألف متر مربع وبطول يصل إلى 1033 متراً عند القمة، يكون التحالف المصري انتهى من صبّ مليون وأربعمائة وخمسين متراً مكعباً من الخرسانة المدموكة، علاوة على نحو ثلاثمائة وعشرين ألف متر مكعب من الخرسانة CVC، وهي الأعمال التي شارك فيها 2500 مهندس وعامل تقريباً.
وأكد أن المشروع يتقدم بنجاح رغم العديد من المعوقات الطبيعية، مستهدفاً اكتمال تركيب واختبار وحدات التوليد الكهرومائية الـ9 تباعاً، اعتباراً من العام المقبل، محققاً «حلماً تنزانياً بدأ في ستينات القرن الماضي، وإيذاناً بتحقيق أهداف المشروع في الوصول لتنمية مستدامة على المستوى القومي في تنزانيا».
ويستهدف المشروع مضاعفة القدرات الكهربائية على الشبكة التنزانية؛ حيث يتضمن تصميم وتنفيذ «محطة توليد وسد يوليوس نيريري الكهرومائية»، بقدرة إجمالية 2.115 ميغاوات بمنخفض شتيجلر على نهر روفيجي، كما سيتيح التحكم في الفيضانات التي تسببت في وفاة وفقد الآلاف أغلبهم من الأطفال، ويحد من تكون المستنقعات الموسمية التي تعد السبب الرئيسي لانتشار أمراض خطيرة، علاوة على استدامة التصرفات المائية اللازمة للزراعة وأنشطة الصيد النهري.
وتنفذ مصر مشروعات مائية في عدة دول أفريقية، مثل مشروع سد «واو» بدولة جنوب السودان، ومشروع مقاومة الحشائش المائية بالبحيرات العظمى، ومشروع درء مخاطر الفيضان بمقاطعة كسيسي غرب أوغندا، فضلاً عن سدود لحصاد مياه الأمطار ومحطات مياه الشرب الجوفية لتوفير مياه الشرب النقية في المناطق النائية، من بينها حفر 180 بئراً جوفية في كينيا و75 بئراً جوفية في أوغندا و30 بئراً جوفية في تنزانيا و10 آبار جوفية في ولاية دارفور السودانية و6 آبار جوفية بنطاق مدينة جوبا بدولة جنوب السودان، وفق وزارة الموارد المائية بمصر.


مقالات ذات صلة

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

العالم ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

أثار عدم التوصل إلى اتفاق، بعد محادثات سلام أولية بين الحكومة المركزية الإثيوبية، ومتمردي إقليم «أوروميا»، تساؤلات حول مستقبل تلك المحادثات، واحتمالات نجاحها، وأسباب تعثرها من البداية. ورأى خبراء أن «التعثر كان متوقعاً؛ بسبب عمق الخلافات وتعقيدها»، في حين توقّعوا أن «تكون المراحل التالية شاقة وصعبة»، لكنهم لم يستبعدوا التوصل إلى اتفاق. وانتهت الجولة الأولى من المحادثات التمهيدية بين الطرفين، دون اتفاق، وفق ما أعلنه الطرفان، الأربعاء.

العالم رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

أعلن رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد اليوم (الخميس) مقتل مسؤول الحزب الحاكم في منطقة أمهرة الواقعة في شمال البلاد. وقال آبي أحمد عبر «فيسبوك»، إنّ «أولئك الذين لم يتمكّنوا من كسب الأفكار بالأفكار، أخذوا روح شقيقنا جيرما يشيتيلا». واتهم أحمد، وفقا لما نقلته وكالة «الصحافة الفرنسية»، «متطرّفين يتسمون بالعنف» بالوقوف وراء هذا العمل الذي وصفه بـ«المخزي والمروّع».

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

تنطلق في تنزانيا، الثلاثاء، محادثات سلام غير مسبوقة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومتمردي إقليم أوروميا، ممثلين في «جبهة تحرير أورومو» التي تخوض معارك مع القوات الحكومية بشكل متقطع منذ عقود. وتسعى أديس أبابا لإبرام اتفاق سلام دائم مع متمردي الإقليم، الذي يشغل معظم مناطق وسط البلاد، ويضم مجموعة من الفصائل المسلحة التابعة لقومية الأورومو، على غرار ما حدث في «تيغراي» شمالاً، قبل 5 أشهر، خشية دخول البلاد في حرب جديدة مع تصاعد التوتر بين الجانبين. وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي زار مدينة نكيمتي بالإقليم مؤخراً، أن «جولة مفاوضات ستبدأ معهم (جيش تحرير أورومو) الثلاثاء في تنزانيا»، في أ

محمد عبده حسنين (القاهرة)
شمال افريقيا هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

عاد الخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان، بشأن منطقة «الفشقة»، إلى الواجهة، بعد أنباء سودانية عن نشاط «غير اعتيادي» للقوات الإثيوبية ومعسكراتها، في المنطقة المتنازع عليها، منذ بداية الاضطرابات الأخيرة في السودان.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
أفريقيا إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أظهر متمردو إقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام، الموقَّع قبل نحو 5 أشهر، مع الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، وذلك بتسليمهم مزيداً الأسلحة، ضمن عملية نزع سلاح الإقليم ودمج مقاتليه في الجيش الوطني. وحسب نائب مفوض «إعادة التأهيل الوطني»، العميد ديريبي ميكوريا، اليوم (الخميس)، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سلمت الدفعة الأولى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتنوعة التي تم جمعها حول منطقة دينقولات في إقليم تيغراي». وأنهى اتفاق السلام، الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حرباً عنيفة استمرت عامين، راح ضحيتها الآلاف، حسب منظمات دولية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended