قمة براغ أظهرت تماسك الأوروبيين في وجه روسيا

قمة براغ أظهرت تماسك الأوروبيين في وجه روسيا

توافق على 5 محاور للعمل المشترك
الجمعة - 12 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 07 أكتوبر 2022 مـ
الزعماء الأوروبيون في قمة براغ أمس (د.ب.أ)

هل يكون يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) تاريخياً لأنه شهد ولادة «المجموعة السياسية الأوروبية» في قصر براغ الكبير أم أن هذا المخلوق الجديد سيكون وليداً هجيناً لا فائدة من ظهوره على الساحة السياسية الأوروبية؟ السؤال يستحق أن يطرح بعد القمة التي استضافتها العاصمة التشيكية وشهدت حضور رؤساء دول وحكومات 44 دولة أوروبية يمثلون كل بلدان القارة باستثناء الرئيس الروسي بوتين ونظيره البيلاروسي لوكاشنكو.
وجاءت الصورة التذكارية بالغة الدلالة من حيث رمزيتها، إذ بينت عزلة بوتين والغاية من قمة «المجموعة» التي أطلق الرئيس الفرنسي فكرتها في مايو (أيار)، أي في عز الحرب الروسية على أوكرانيا. ووفق أكثر من مصدر، فإن الرسالة الأولى التي أفرزتها القمة موجهة تحديداً للزعيم الروسي ومفادها أن أوروبا بكل دولها موحدة ومتضامنة مع أوكرانيا. وبمواجهة الغياب الروسي، فإن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان حاضراً «عن بعد» وكان أول من ألقى كلمة في القمة مطالباً فيها الأوروبيين بتوفير الدعم لبلاده من أجل «معاقبة المعتدي» و«كسب الحرب اليوم حتى لا تستطيع البحرية الروسية إغلاق موانئ أخرى في البحر الأسود أو المتوسط أو أي بحر آخر حتى لا تبلغ الدبابات الروسية وارسو أو براغ».
وفي سياق الدلالات الرمزية، فإن القادة الأوروبيين الـ44 اجتمعوا في قاعة فلاديسلاف التي شهدت تنصيب الكاتب والمفكر التشيكي المنشق فاتسكلاف هافيل الذي انتخب عام 1989 أول رئيس للجمهورية التشيكوسلوفاكية بعد انهيار النظام الشيوعي. ولأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو صاحب الفكرة، فقد كان له شرف عرض نتائج المناقشات التي أجرتها أربع لجان حول محورين رئيسيين؛ هما: من جهة، الحرب والسلم في أوروبا، والطاقة والبيئة والاقتصاد من جهة أخرى. وفي كلمته، قال ماكرون إن المجموعة السياسية الأوروبية هي «فكرة قديمة لكنها اليوم ربما آخذة في التحول إلى واقع». وكان يشير بذلك إلى ما اقترحه الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران في عام 1989 ودعوته إلى إنشاء «أوروبا كونفيدرالية» بعد سقوط جدار برلين. إلا أن طرحه بقي في إطار العصف الذهني ليس إلا.
واستطرد الرئيس الفرنسي قائلاً: «الفكرة انبعثت مجدداً لأننا نجتاز أزمة، وآمل ألا نحتاج لأزمة ثانية حتى نلتقي مجدداً». وإذ رحب بـ«وحدة الأوروبيين»، اعتبر أنهم جماعياً «أدانوا بكل وضوح العدوان الروسي وعبروا عن دعمهم لأوكرانيا». ولخص رئيس الوزراء البلجيكي غاية الاجتماع بقوله إن ما نسعى إليه هو «توفير الاستقرار للقارة الأوروبية» وتدارك أي تصعيد (أي حرب) لاحقة والعمل معاً من أجل مواجهة نتائج عودة الحرب إلى أوروبا مثل ارتفاع أسعار الطاقة... وأفضت المناقشات في إطار اللجان الأربع إلى خلاصات «عملية» هي عبارة عن المحاور التي يستطيع الأوروبيون العمل معاً بشأنها أكانوا داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه مثل الطاقة وحماية البنى التحتية الحساسة ومواجهة الحرب السيبرانية والهجرات وتعزيز التواصل بين الشباب.
وخلاصة ماكرون أن القمة سعت إلى «بناء تفاهمات استراتيجية» و«توفير قراءة موحدة لأوروبا» للتحديات المشتركة. وحرص المنظمون على الاتفاق على عقد قمتين في العام، ستكون اللاحقة في مولدافيا من باب التناوب في الاستضافة بين دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وأخرى خارجه. وبعد بريستينا، ستنتقل القمة إلى إسبانيا وعقبها إلى بريطانيا. حقيقة الأمر أن أهم ما أفرزته القمة، وفق مصادر أوروبية في باريس، أنها «نجحت في جمع كل دول القارة في محفل واحد من أجل حوار سياسي مفتوح رغم التباينات لا بل النزاعات بين عدد من أعضائها». والدليل على ذلك أنها وفرت الفرصة لمجموعة من اللقاءات الرئيسية من أجل تبريد النزاعات داخل القارة وأهمها القمة الرباعية التي ضمت الرئيس الأذربيجاني ورئيس الوزراء الأرميني بحضور الرئيس الفرنسي ورئيس الاتحاد الأوروبي شارل ميشال. ويسعى ماكرون وميشال إلى الحلول محل روسيا كوسيط بين الدولتين المتنازعتين.
وأفضى الاجتماع المطول إلى التفاهم على إرسال «بعثة أوروبية مدنية» مدتها شهران ومهمتها المساعدة على تهدئة أجواء بين يرفان وباكو اللتين عرفتا اشتباكات، الشهر الماضي، أودت بـ300 قتيل. وفي السياق عينه، التقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للمرة الأولى رئيس الوزراء الأرميني باشينيان. وأهمية اللقاء أن تركيا هي الداعم الأول وغير المشروط لأذربيجان عسكرياً وسياسياً وهي التي مكنتها في إلحاق الهزيمة بالقوات الأرمينية في حرب عام 2020. لم يغب الخلاف بين كوسوفو وصربيا عن القمة وحاول ماكرون والمستشار الألماني شولتز أن يجمعا الطرفين، لكنهما لم يفلحا في ذلك، لذا فقد عقدا اجتماعين منفصلين مع رئيسة كوسوفو عثماني صدريو والرئيس الصربي ألكسندر فوشيتش لعرض الوساطة الأوروبية و«تطبيع» العلاقات بين بريستينا وبلغراد.
ورغم العلاقة المتأرجحة بين باريس وأنقرة، فقد جرى لقاء بين ماكرون وإردوغان وهدف الرئيس الفرنسي إلى تحقيق أمرين: الأول، إقناع إردوغان بالانضمام إلى العقوبات المفروضة على روسيا وهو ما ترفضه أنقرة حتى اليوم رغم إدانتها لضم روسيا، الأسبوع الماضي، أربع مناطق أوكرانية. ويتمسك إردوغان برغبته في القيام بدور الوسيط بين موسكو وكييف وقد نجح في ذلك بتسهيل خروج الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود بالتعاون مع الأمم المتحدة. والأمر الثاني، حضّ الرئيس التركي على خفض التصعيد مع اليونان. وكان إردوغان قد انتقد خروج كيرياكوس ميتسوتاكيس من القاعة لدى إلقاء كلمته فيما تحاشى الرجلان الالتقاء وجهاً لوجه. ومجدداً، انتقدت السلطات اليونانية أنقرة لتساهلها في وصول موجات الهجرات من سواحلها إلى الجزر اليونانية.
خلال ساعات، اجتمعت العائلة الأوروبية بمن فيها بريطانيا التي مثلتها رئيسة الوزراء ليز تراس والتي عادت بمعنى ما إلى الحضن الأوروبي. وحرصت القمة على إبراز صورة الانسجام والوحدة. لكن الحقيقة مختلفة بعض الشيء. فبعض الحاضرين لم يتردد في التعبير عن رفضه أن تكون «المجموعة» بديلاً عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. والبعض الآخر، لم يرغب في تهشيم صورة الإجماع بالنسبة لروسيا رغم أن عدة بلدان مثل المجر وصربيا لها مواقف مختلفة عن مواقف دول البلطيق أو بولندا. يبقى السؤال حول ما سيخرج عملياً من هذه المنصة الجديدة وهو ما سيظهر في المقبل من الأيام.


التشيك اخبار اوروبا أخبار روسيا

اختيارات المحرر

فيديو