الحكومة اليمنية تطالب بموقف رادع ضد إعلان الحوثيين البحر الأحمر منطقة عسكرية

روسيا تؤكد وقوفها إلى جانب أمن واستقرار اليمن > الأمم المتحدة تواصل مساعيها لتمديد الهدنة الإنسانية لفترة إضافية

وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك يعقد مؤتمراً صحافياً في العاصمة المغربية الرباط (أ.ف.ب)
وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك يعقد مؤتمراً صحافياً في العاصمة المغربية الرباط (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تطالب بموقف رادع ضد إعلان الحوثيين البحر الأحمر منطقة عسكرية

وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك يعقد مؤتمراً صحافياً في العاصمة المغربية الرباط (أ.ف.ب)
وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك يعقد مؤتمراً صحافياً في العاصمة المغربية الرباط (أ.ف.ب)

طالبت الحكومة اليمنية الثلاثاء، بموقف دولي «رادع» إزاء تهديدات جماعة الحوثيين، لشركات الملاحة الدولية.
وفي بيان نشرته وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»؛ قال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية، معمر الإرياني إن «الإعلان الخطير الصادر عن الحوثيين باعتبار البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب، منطقة عمليات عسكرية، وتوجيههم تهديداً سافراً لشركات الملاحة العالمية باستهداف السفن التجارية وناقلات النفط؛ يكشف عن حقيقتهم كميليشيا إرهابية لا تكترث بالقوانين والمواثيق الدولية».
وعدّ الوزير الإرياني، هذا التهديد الخطير تأكيداً على مصداقية التحذيرات التي أطلقت منذ وقت مبكر من استمرار سيطرة ميليشيات إرهابية تدار من نظام طهران وتنفذ سياساته التدميرية، على أجزاء من الشريط الساحلي اليمني، على أمن وسلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وإمدادات الطاقة عصب الاقتصاد العالمي.
وطالب البيان المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، باتخاذ موقف واضح ورادع من هذا التهديد الخطير، والقيام بمسؤولياتهم القانونية في التصدي للأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني وأداته الحوثية التي باتت تمثل تهديدا خطير للسلم والأمن الإقليمي والدولي.
وكان ما يُعرف بالمجلس السياسي الأعلى التابع للميليشيات الحوثية، أعلن الأحد الماضي أن الميليشيات ستضع مطارات وموانئ وشركات النفط التابعة لدول التحالف العربي في مرمى نيرانها.
من جانبه، أكد وزير الخارجية اليمني، أحمد عوض بن مبارك، الأربعاء، حرص حكومته على السلام وتمديد الهدنة، لافتا إلى أنها نفذت جميع التزاماتها تجاه الهدنة من أجل سلام شامل.
وفي مؤتمر صحفي عقده في العاصمة المغربية؛ اتهم الوزير اليمني الحوثيين بالتنصل عن تنفيذ بنود الهدنة خلال سريانها وفتح الطرقات في محافظة تعز، وتحويل البحر الأحمر إلى منطقة عسكرية، قبل رفضهم تمديد الهدنة مجددا، مبينا أن هذا أظهرها كطرف معرقل لجهود السلام.
وقال بن مبارك إن «هناك مصلحة استراتيجية للإقليم والعالم في إنهاء انقلاب جماعة الحوثي، كي يصبح اليمن دولة فاعلة ضمن جوارها العربي والإسلامي»، منوهاً إلى أن الحرب فرضتها جماعة الحوثي تنفيذاً لأجندة طهران التوسعية في المنطقة، وأن الحكومة اليمنية «لن تسمح باستيلاء إيران على موارد اليمن النفطية».
كما اتهم الميليشيات الحوثية بارتكاب ما يعرف في اليمن بالعيب الأسود، وهو اختطاف النساء والاعتداء عليهن، وذكر أن اليمن يعاني من تهجير داخلي؛ حيث يضطر اليمنيون لترك مدنهم بسبب ممارسات ميليشيات الحوثي، رغم تشبثهم بأراضيهم ومنازلهم.
وأفاد وزير الخارجية بأن عدد ضحايا الجيش اليمني خلال فترة الهدنة المنتهية بلغ أكثر من 1400 جندي وضابط، إضافة إلى المدنيين الذين سقطوا بسبب الخروقات الحوثية، وعدم احترام التهدئة العسكرية، وذلك بأعمال القصف والقنص المباشرين، أو من خلال الهجمات بالطائرات المسيرة والألغام، رغم حرص الحكومة على التهدئة وإتاحة فرص السلام.
وأضاف أن الميليشيات نهبت أكثر من 45 مليار ريال يمني قبل الهدنة، وجمعوا خلال فترة الهدنة أكثر من 200 مليار ريال كان يفترض أن توظف في دفع رواتب الموظفين اليمنيين حسب اتفاق الهدنة، وبناء على التزامات الميليشيات في اتفاق استوكهولم في ديسمبر (كانون الأول) 2018، إلا أنهم عادوا باشتراط تسديد الحكومة لرواتب الموظفين كشرط لقبولهم بالتمديد.
وتعرض بن مبارك إلى تنصل الميليشيات وتهربها من تنفيذ اتفاق استوكهولم الخاص بمدينة الحديدة، وتحييد المدينة الساحلية وموانئها، مقابل إيقاف العمليات العسكرية، مذكرا أنها نشرت الألغام البحرية في مياه البحر الأحمر، الأمر الذي يعدّ استهدافا للملاحة البحرية.
كما أكد الوزير بن مبارك، خلال اتصال هاتفي مع المبعوث الخاص للرئيس الروسي للشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف، أن حكومته نفذت كل التزاماتها تجاه الهدنة، والحوثيون رفضوا فتح طرق تعز، واستعرض الطرفان الجهود التي تبذلها الحكومة للحفاظ على الهدنة وتجنيب اليمن وشعبها ويلات الحرب والدمار الذي تسعى له ميليشيا الحوثي.
ووفقاً لوكالة الأنباء اليمنية «سبأ»، تناول الجانبان العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين والتي ستحل الذكرى الـ94 لتأسيسها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، حيث لفت بن مبارك، إلى التعاون الكامل والمرونة العالية التي أبدتها الحكومة في التعامل مع مقترحات المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ودعمها لجهوده لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.
وجدّد بن مبارك الإشارة إلى تعمّد الحوثيين عرقلة جميع الجهود المبذولة للانتقال إلى العملية السياسية الشاملة وفقاً للمرجعيات الثلاث، والرغبة غير العقلانية لميليشيا الحوثي للعودة للحرب والتهديد باستهداف الشركات العاملة بمجال النفط في اليمن والمنطقة وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مطالبا باتخاذ مجلس الأمن موقفا حازما إزاء المواقف السلبية لميليشيا الحوثي.
ومن جانبه، أكد بوغدانوف، على وقوف روسيا إلى جانب أمن واستقرار اليمن والمنطقة وسعيها للمساهمة بإحلال السلام في اليمن.
إلى ذلك، لا تزال الجهود الأممية سارية من أجل تمديد الهدنة السابقة التي انتهت في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، رغم إعلان المبعوث الخاص للأمين العام للأم المتحدة هانس غروندبيرغ مساء الأحد الماضي انتهاء الهدنة دون التوصل إلى اتفاق، بعد فشل مساعيه لإقناع الميليشيات بالتمديد.
وكشفت مصادر دبلوماسية يمنية وغربية، الثلاثاء، عن استمرار الأمم المتحدة في محاولة تمديد الهدنة الإنسانية لفترة إضافية تصل إلى 6 أشهر بعد وصول التفاهمات مع الميليشيات الحوثية إلى طريق مسدود.
ووفقا للمصادر التي تحدثت في تصريحات صحافية؛ فإن التحركات الأممية اتجهت لممارسة ضغوط جديدة على مسارين آخرين أحدهما مع إيران والآخر مع مجلس القيادة الرئاسي، حيث «عاد المبعوث الأممي لممارسة ضغوط على مجلس القيادة الرئاسي الموجود جميع أعضائه حاليا في الرياض، لإرغامهم على الموافقة على ملف مرتبات المسجلين على قوام كشوفات القطاع العسكري والأمني في مناطق سيطرة الحوثيين وصرفها في غضون العام المقبل كأقل تقدير».
وقدمت ميليشيا الحوثي هذا الملف تحت اسم «موظفي وزارتي الدفاع والداخلية» وهو ملف إضافي لهيكلة الأجور والمرتبات لموظفي الدولة لعام 2014.
وبدأ سريان الهدنة في أبريل (نيسان) الماضي لمدة شهرين، ونصت على إيقاف العمليات العسكرية الهجومية براً وبحراً وجواً داخل اليمن وعبر حدوده، وفتح الطرق في تعز وغيرها من المحافظات لتحسين حرية حركة المدنيين، وتيسير دخول 18 سفينة تحمل الوقود إلى مواني الحديدة غرب اليمن خلال شهرين، فضلاً عن السماح برحلتين جويتين من وإلى مطار صنعاء الدولي أسبوعياً، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الميليشيات من إيرادات ميناء الحديدة.
وتتهم الحكومة اليمنية الميليشيات الحوثية بالتنصل من تنفيذ التزاماتها بتسديد رواتب الموظفين بعد حصولها على مئات المليارات من العملة المحلية من إيرادات ميناء الحديدة، ورفض فتح الطرقات في تعز، بعد أن كانت الحكومة أوفت بالتزاماتها، وسمحت بتسيير رحلات جوية من مطار صنعاء، واستخدام جوازات السفر الصادرة من مصلحة الهجرة والجوازات التي تديرها الميليشيات في صنعاء.
وعقب الإعلان عن انتهاء الهدنة؛ أحبطت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عددا من الهجمات التي نفذتها الميليشيات في عدد من الجبهات في محافظات تعز والحديدة ولحج والضالع ومأرب.
وناقش وزير الدفاع اليمني الفريق الركن محسن محمد الداعري، ورئيس هيئة الأركان العامة، قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، مع ‏قائد القوات المشتركة، لتحالف دعم الشرعية، نائب رئيس أركان الجيش السعودي الفريق الركن مطلق الأزيمع، طبيعة الموقف العسكري في جبهات القتال المختلفة.
وحسبما نقلت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»، استعرض اللقاء الذي عُقد في مقر قيادة القوات المشتركة للتحالف الثلاثاء الخطط العملياتية، استعداداً للمرحلة المقبلة، على امتداد جبهات القتال، حسب مقتضى الموقف الراهن.
وفي اللقاء، أكد وزير الدفاع ورئيس الأركان جاهزية القوات المسلحة للتصدي ومواجهة ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً، بكل كفاءة واقتدار، لافتين إلى تعنت الميليشيات ورفضها تمديد الهدنة الإنسانية تحقيقاً لمصالح النظام الإيراني، وتأكيداً منها أنها لن تجنح للسلام، وتريد استمرار عبثها وعدوانها على الشعب اليمني، وأن القوة والبندقية، اللغة الوحيدة التي تفهمها.
ويرى الناشط السياسي اليمني محمد عبد المغني أنه كان من المتوقع انسداد الأفق أمام مساعي الأمم المتحدة للوصول إلى اتفاق لتمديد الهدنة، وبالتالي الحصول على طرف مسار ينهي الحرب في اليمن، ويتجه نحو تحقيق السلام، بسبب تعنت الميليشيات الحوثية المبالغ به.
ويذهب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الميليشيات الحوثية تبالغ في تقدير قوتها وسيطرتها، وتريد أن تؤكد للمجتمع الدولي والمحيط العربي والإقليمي أنها قوة لا يمكن تجاهلها، وعلى هذا الأساس وضعت شروطا تؤدي إلى زيادة المخاطر والتهديدات، وليس العكس، فهذه الشروط، إذا ما تم الاستجابة لها، فستكون من أسباب إطالة الحرب.
ويستغرب من أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي يوافقان على شروط الميليشيات الحوثية بدفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرتها، حيث إن هناك احتمالا كبيراً أن هذه الرواتب ستذهب إلى تمويل الميليشيات، وكأن الحكومة الشرعية والتحالف العربي يدفعون رواتب أفراد الميليشيات التي يواجهونها عسكريا.
وختم بالإشارة إلى أن فشل المجتمع الدولي في إقناع الميليشيات بالعودة إلى مسار الحرب؛ سيطيل القتال في المناطق التي حددتها الميليشيات لتحقيق مكاسب استراتيجية حاليا، وهي عازمة على ذلك وتخطط لأجله.
من جهته، أعرب المركز الأمريكي للعدالة عن فشل المجتمع الدولي في تمديد الهدنة الإنسانية في اليمن، وتعاطيه المتراخي مع شروط الميليشيات الحوثية، والغموض الذي يغلف المباحثات التي أجراها بشأن التمديد في الأيام الأخيرة من الهدنة المنتهية، كما جاء في بيان له.
وقال المركز، وهو منظمة حقوقية مقرها واشنطن؛ إن المجتمع الدولي لم يبذل جهوداً كافية لتمديد الهدنة، ولم يفصح عن تفاصيل المباحثات التي جرت بين المبعوث الخاص للأمين العام للأم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ وقادة جماعة الحوثي في صنعاء، وما هي العراقيل والشروط التي عقَّدت مهمته، ولم تسمح بالوصول إلى اتفاق.
وجاء في البيان: «طوال فترة الهدنة المنتهية، والتي أعلنت لأغراض إنسانية ولتخفيف المعاناة عن المدنيين اليمنيين؛ تنصلت جماعة الحوثي من تنفيذ أهم الشروط الخاصة بالوضع الإنساني، وهما فتح الطرقات لتخفيف المعاناة عن المدنيين خصوصا في محافظة تعز، وتسديد رواتب موظفي الدولة من إيرادات موانئ الحديدة».
ودعا المركز المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في حماية المدنيين من آثار انتهاء الهدنة، ورفض جماعة الحوثي تمديدها، وما قد يترتب عن ذلك من عودة الاشتباكات التي تحدث أغلبها في مناطق سكنية، أو مناطق حيوية وتتسبب بسقوط المدنيين وتخريب مساكنهم وممتلكاتهم، وتقيد حريتهم في الحركة والتنقل، ووقف وصول إمدادات المواد الأساسية والأغذية والأدوية إليهم.
وطالب المجتمع الدولي بهيئاته ودوله بالاضطلاع بدور جاد وفاعل وحازم لاستعادة الهدنة من جهة؛ ومواصلة الفعاليات والجهود لإنهاء الحرب في اليمن بصيغة عادلة من جهة أخرى، بما يؤدي إلى وقف جميع الانتهاكات الناجمة عنها، وبناء عملية سلام شاملة وكاملة.


مقالات ذات صلة

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

العالم العربي غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

غروندبرغ يتحدث عن «نقاش جوهري» مع العليمي ويدعو لتقديم التنازلات

وصف المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الخميس) اللقاء الذي جمعه برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في عدن بـ«المثمر والجوهري»، وذلك بعد نقاشات أجراها في صنعاء مع الحوثيين في سياق الجهود المعززة للتوصل إلى تسوية يمنية تطوي صفحة الصراع. تصريحات المبعوث الأممي جاءت في وقت أكدت فيه الحكومة اليمنية جاهزيتها للتعاون مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر لما وصفته بـ«بتصفير السجون» وإغلاق ملف الأسرى والمحتجزين مع الجماعة الحوثية. وأوضح المبعوث في بيان أنه أطلع العليمي على آخر المستجدات وسير المناقشات الجارية التي تهدف لبناء الثقة وخفض وطأة معاناة اليمنيين؛ تسهيلاً لاستئناف العملية السياسية

علي ربيع (عدن)
العالم العربي الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

الحوثيون يفرجون عن فيصل رجب بعد اعتقاله 8 سنوات

في خطوة أحادية أفرجت الجماعة الحوثية (الأحد) عن القائد العسكري اليمني المشمول بقرار مجلس الأمن 2216 فيصل رجب بعد ثماني سنوات من اعتقاله مع وزير الدفاع الأسبق محمود الصبيحي شمال مدينة عدن، التي كان الحوثيون يحاولون احتلالها. وفي حين رحب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالخطوة الحوثية الأحادية، قابلتها الحكومة اليمنية بالارتياب، متهمة الجماعة الانقلابية بمحاولة تحسين صورتها، ومحاولة الإيقاع بين الأطراف المناهضة للجماعة. ومع زعم الجماعة أن الإفراج عن اللواء فيصل رجب جاء مكرمة من زعيمها عبد الملك الحوثي، دعا المبعوث الأممي في تغريدة على «تويتر» جميع الأطراف للبناء على التقدم الذي تم إنجازه

علي ربيع (عدن)
العالم العربي أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

أعداد اللاجئين الأفارقة إلى اليمن ترتفع لمعدلات ما قبل الجائحة

في مسكن متواضع في منطقة البساتين شرقي عدن العاصمة المؤقتة لليمن، تعيش الشابة الإثيوبية بيزا ووالدتها.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

كيانات الحوثيين المالية تتسبب في أزمة سيولة نقدية خانقة

فوجئ محمود ناجي حين ذهب لأحد متاجر الصرافة لتسلّم حوالة مالية برد الموظف بأن عليه تسلّمها بالريال اليمني؛ لأنهم لا يملكون سيولة نقدية بالعملة الأجنبية. لم يستوعب ما حصل إلا عندما طاف عبثاً على أربعة متاجر.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

تحذيرات من فيضانات تضرب اليمن مع بدء الفصل الثاني من موسم الأمطار

يجزم خالد محسن صالح والبهجة تتسرب من صوته بأن هذا العام سيكون أفضل موسم زراعي، لأن البلاد وفقا للمزارع اليمني لم تشهد مثل هذه الأمطار الغزيرة والمتواصلة منذ سنين طويلة. لكن وعلى خلاف ذلك، فإنه مع دخول موسم هطول الأمطار على مختلف المحافظات في الفصل الثاني تزداد المخاطر التي تواجه النازحين في المخيمات وبخاصة في محافظتي مأرب وحجة وتعز؛ حيث تسببت الأمطار التي هطلت خلال الفصل الأول في مقتل 14 شخصا وإصابة 30 آخرين، كما تضرر ألف مسكن، وفقا لتقرير أصدرته جمعية الهلال الأحمر اليمني. ويقول صالح، وهو أحد سكان محافظة إب، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد بسبب الحرب فإن الهطول ال

محمد ناصر (عدن)

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.