«نوبل» الطب... لسويدي كشف علاقتنا بأسلافنا المنقرضين

تجمع الجائزة لأول مرة بين أب ونجله

سفانتي بابو مع جمجمة إنسان قديم (معهد ماكس بلانك)
سفانتي بابو مع جمجمة إنسان قديم (معهد ماكس بلانك)
TT

«نوبل» الطب... لسويدي كشف علاقتنا بأسلافنا المنقرضين

سفانتي بابو مع جمجمة إنسان قديم (معهد ماكس بلانك)
سفانتي بابو مع جمجمة إنسان قديم (معهد ماكس بلانك)

لم تخلف جائزة نوبل عادتها السنوية، فدائماً ما تأتي خارج إطار التوقعات، وهو ما حدث العام الحالي في فرع الطب، الذي أُعلن صباح أمس (الاثنين).
وبينما كانت أغلب الترشيحات تتجه نحو منحها مطوري لقاحات «الرنا مرسال» التي استخدمت على نطاق واسع في جائحة «كوفيد - 19»، ذهبت الجائزة إلى العالم السويدي سفانتي بابو، لاكتشافاته في التطور البشري، التي قدمت رؤى أساسية لنظام المناعة لدينا، الذي يجعلنا فريدين مقارنة بأبناء عمومتنا المنقرضين «إنسان نياندرتال» و«دينيسوفان».
وتستند التوقعات دائماً إلى وصية مؤسس الجائزة العالم ألفريد نوبل، الذي أوصى بأن تمنح إلى أولئك الذين كانوا يوفرون أكبر فائدة للبشرية، خلال العام السابق، ولكن لجنة الجائزة تفضل دوماً التأكد من صمود الاختراقات العلمية أمام اختبار الزمن؛ ولذلك دائماً ما تأتي الجوائز خارج نطاق التوقعات، كما حدث العام الحالي، مع العالم السويدي سفانتي بابو، الذي سبق لولده العالم سون بيرغستروم، أن حصل على الجائزة عام 1982، ليصبحا أول أب ونجله، يحصلان عليها في فرع الطب.

وتشبع أبحاث الابن بابو، الحاصل على الجائزة، رغبة البشرية في التعرف على أصولها، والإجابة على أسئلة من عينة ما علاقتنا بمن سبقنا؟ وما الذي يجعلنا مختلفين عن أشباه البشر الآخرين الذين سبقونا.
وتقول لجنة جائزة «نوبل» في بيان صدر أمس، إن بابو استطاع من خلال بحثه الرائد، تحقيق شيء يبدو مستحيلاً، وهو إجراء تسلسل جينوم إنسان «نياندرتال»، أحد أقارب البشر المنقرضين، كما اكتشف اكتشافاً مثيراً لإنسان غير معروف سابقاً، وهو «دينيسوفان»، والأهم من ذلك، وجد بابو أيضاً، أن نقل الجينات قد حدث من أشباه البشر المنقرضة الآن إلى الإنسان العاقل بعد الهجرة من أفريقيا منذ نحو 70 ألف عام، وهذا التدفق القديم للجينات إلى البشر المعاصرين له صلة فسيولوجية اليوم، على سبيل المثال التأثير على كيفية تفاعل جهاز المناعة لدينا مع العدوى.
وقدمت الأبحاث التي قادها، دليلاً على أن الإنسان الحديث تشريحياً، «هومو سابينس»، ظهر لأول مرة في أفريقيا منذ نحو 300 ألف عام، في حين أن أقرب أقربائنا المعروفين، إنسان «نياندرتال»، تطور خارج أفريقيا وسكان أوروبا وغرب آسيا من نحو 400 ألف عام حتى 30 ألف عام مضت، وعند هذه النقطة انقرضوا.


العالم السويدي سفانتي بابو (أ.ب)

وأظهرت الأبحاث أيضاً، أنه منذ نحو 70 ألف عام، هاجرت مجموعات من الإنسان العاقل من أفريقيا إلى الشرق الأوسط، ومن هناك انتشروا إلى بقية العالم، وهكذا تعايش الإنسان العاقل «هومو سابينس» و«النياندرتال» في أجزاء كبيرة من أوراسيا لعشرات الآلاف من السنين.

تحديات تقنية
بحلول نهاية التسعينات، كان الجينوم البشري بأكمله تقريباً قد تسلسل، وكان هذا إنجازاً كبيراً؛ مما سمح بإجراء دراسات لاحقة للعلاقة الجينية بين مختلف المجموعات البشرية، ومع ذلك، فإن دراسات العلاقة بين البشر الحاليين و«النياندرتال» المنقرضين تتطلب تسلسل الحمض النووي الجيني المستعاد من العينات القديمة.
وفي بداية حياته المهنية، انبهر سفانتي بابو، بإمكانية استخدام الأساليب الجينية الحديثة لدراسة الحمض النووي لإنسان «نياندرتال»، ومع ذلك، سرعان ما أدرك التحديات التقنية الشديدة؛ لأنه مع مرور الوقت يصبح الحمض النووي معدلاً كيميائياً ويتحلل إلى أجزاء قصيرة.
وبعد آلاف السنين، لم يتبقَ سوى كميات ضئيلة من الحمض النووي، وما تبقى يكون ملوثاً بشكل كبير بالحمض النووي من البكتيريا والبشر المعاصرين، وكطالب ما بعد الدكتوراه مع آلان ويلسون، وهو رائد في مجال علم الأحياء التطوري، بدأ بابو في تطوير طرق لدراسة الحمض النووي من إنسان «نياندرتال»، وهو مسعى استمر عقوداً عدة.


لجنة نوبل أثناء إعلان فوز العالم السويدي سفانتي بابو (أ.ب)

وفي عام 1990، عُيّن بابو في جامعة ميونيخ، حيث واصل عمله أستاذاً، وعُيّن حديثاً في مجال الحمض النووي القديم، وقرر تحليل الحمض النووي المأخوذ من «ميتوكوندريا» إنسان «نياندرتال»، وهي عضيات في الخلايا التي تحتوي على الحمض النووي الخاص بها.
وجينوم «الميتوكوندريا» صغير ولا يحتوي إلا على جزء بسيط من المعلومات الجينية في الخلية، ولكنه موجود بآلاف النسخ؛ مما يزيد من فرصة النجاح، وبفضل أساليبه المبتكرة، تمكن بابو من ترتيب منطقة من الحمض النووي لـ«الميتوكوندريا» من قطعة عظم عمرها 40 ألف عام، وهكذا، لأول مرة، تمكنا من الوصول إلى تسلسل من قريب منقرض، وأظهرت المقارنات مع البشر المعاصرين والشمبانزي أن إنسان «نياندرتال» كان متميزاً وراثياً.
ونظراً لأن تحليلات جينوم «الميتوكوندريا» الصغير أعطت معلومات محدودة فقط، فقد اتخذ بابو الآن التحدي الهائل المتمثل في تحديد تسلسل الجينوم النووي لإنسان «نياندرتال».
وفي ذلك الوقت، عُرضت عليه فرصة إنشاء معهد «ماكس بلانك» في لايبزيغ بألمانيا، وفي المعهد الجديد، حسّن وفريقه بشكل مطرد طرق عزل الحمض النووي وتحليله من بقايا العظام القديمة.

المهمة المستحيلة
ووفق بيان لجنة جائزة «نوبل»، فقد استغل فريق البحث التطورات التقنية الجديدة، التي جعلت تسلسل الحمض النووي عالي الكفاءة، وأشرك بابو أيضاً العديد من المتعاونين المهمين من ذوي الخبرة في علم الوراثة السكانية وتحليل التسلسل المتقدم، وكانت جهوده ناجحة؛ إذ أنجز ما يبدو مستحيلاً ونشر أول تسلسل جينوم لإنسان «نياندرتال» في عام 2010، وأظهرت التحليلات المقارنة أن أحدث سلف مشترك لإنسان «نياندرتال» والإنسان العاقل عاش منذ نحو 800 ألف عام.
وأصبح بإمكان بابو وزملائه الآن التحقيق في العلاقة بين إنسان «نياندرتال» وبشر العصر الحديث، من أجزاء مختلفة من العالم، وأظهرت التحليلات المقارنة أن تسلسلات الحمض النووي من «نياندرتال» كانت أكثر تشابهاً مع تسلسلات من البشر المعاصرين الذين نشأوا من أوروبا أو آسيا أكثر من البشر المعاصرين القادمين من أفريقيا.
وهذا يعني أن «النياندرتال» والإنسان العاقل تزاوجوا خلال آلاف السنين من التعايش، في البشر المعاصرين من أصل أوروبي أو آسيوي.
وفي عام 2008، اكتُشف جزء من عظم إصبع عمره 40 ألف عام في كهف دينيسوفا في الجزء الجنوبي من سيبيريا، واحتوى العظم على حمض نووي محفوظ جيداً بشكل استثنائي، والذي رتّب فريق بابو تسلسله.
وتسببت النتائج في إثارة ضجة كبيرة؛ إذ كان تسلسل الحمض النووي فريداً عند مقارنته بجميع التسلسلات المعروفة من إنسان «نياندرتال» والإنسان الحالي، واكتشف بابو أحد أشباه البشر غير المعروف سابقاً، الذي أطلق عليه اسم «دينيسوفان».
وأظهرت المقارنات مع متواليات من البشر المعاصرين من أجزاء مختلفة من العالم، أن تدفق الجينات قد حدث أيضاً بين «دينيسوفان» والإنسان العاقل، وشوهدت هذه العلاقة لأول مرة في السكان في ميلانيزيا وأجزاء أخرى من جنوب شرقي آسيا، حيث يحمل الأفراد ما يصل إلى 6 في المائة من الحمض النووي لإنسان «دينيسوفان».
وبفضل اكتشافات بابو، أصبحنا نفهم الآن أن التسلسلات الجينية القديمة من أقاربنا المنقرضين، تؤثر على فسيولوجيا البشر في الوقت الحاضر، وأحد الأمثلة على ذلك هو نسخة «دينيسوفان» من الجين (EPAS1)، التي تمنح ميزة للبقاء على ارتفاعات عالية وهي شائعة بين التبتيين في الوقت الحاضر، ومن الأمثلة الأخرى جينات الإنسان البدائي التي تؤثر على استجابتنا المناعية لأنواع مختلفة من العدوى.


مقالات ذات صلة

مصر تؤكد انخفاض خطر وصول «إيبولا» إلى أراضيها

شمال افريقيا مصر تؤكد أن مخاطر «الإيبولا» على المواطنين منخفضة (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

مصر تؤكد انخفاض خطر وصول «إيبولا» إلى أراضيها

أكدت السلطات الصحية في مصر أن مخاطر «الإيبولا» على المواطنين منخفضة، وأن البلاد لا تزال حتى الآن خالية تماماً من المرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الشوفان يحسِّن استجابة الجسم للإنسولين (بيكسلز)

تأثير تناول الشوفان على مرضى السكري

كشفت دراسات وتقارير طبية عالمية عن دور الشوفان المهم في تحسين استجابة الجسم للإنسولين وتقليل ارتفاع السكر بعد الوجبات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك فوائد المشي اليومي لصحة القلب

فوائد المشي اليومي لصحة القلب

المشي وسيلة بسيطة للغاية للحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية أو تحسينها. إنه مجاني، ولا يتطلب أي مهارات أو معدات خاصة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا سيدة ترتدي كمامة في كنيسة بونيا لمنع انتشار العدوى يوم 24 مايو (أ.ف.ب) p-circle

«إيبولا» يحصد 204 قتلى في الكونغو وسط تحذيرات من تمدُّده إقليمياً

حذَّرت السلطات الصحية الأفريقية من مخاطر تفشي المتحوِّر «بونديبوغيو» في 10 دول أخرى من القارة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك امرأة تشرب كوباً من الماء (بيكسلز)

5 أخطاء يومية في ترطيب الجسم قد تسبب لك الجفاف

يُعدّ الحفاظ على ترطيب الجسم إحدى الركائز الأساسية لصحة الإنسان، إذ يلعب الماء دوراً محورياً في دعم الوظائف الحيوية، بدءاً من تنظيم درجة الحرارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«حقيبة تشخيص ذكية» و«جهاز ذاتي لصرف الدواء» لدعم الرعاية الصحية في الحج

فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو» (الشرق الأوسط)
فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو» (الشرق الأوسط)
TT

«حقيبة تشخيص ذكية» و«جهاز ذاتي لصرف الدواء» لدعم الرعاية الصحية في الحج

فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو» (الشرق الأوسط)
فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو» (الشرق الأوسط)

من المستشفيات المتخصصة والميدانية إلى مئات المراكز الصحية والنقاط الإسعافية المنتشرة على خطوط سير الحجاج بالمشاعر المقدسة، يجسد التكامل بين التقنيات الحديثة والخدمات الصحية الميدانية التزام المملكة بتقديم نموذج متقدم في إدارة الحشود الصحية، بما يعكس عنايتها بضيوف الرحمن، ويؤكد جاهزيتها لتوفير موسم حج آمن وصحي.

وعبر منظومة صحية متكاملة ومجانية لا تقتصر فقط على تقديم الرعاية الطبية، بل تعزيز الابتكار لكل ما من شأنه تقديم أفضل الخدمات للحجاج، يبرز استخدام التقنيات الحديثة والأنظمة الذكية، ومنها ما تقدمه الشركة الوطنية للشراء الموحد للأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية «نوبكو»، لدعم الرعاية الصحية للحجاج، وتوفير كل ما من شأنه راحة الضيوف عبر حلول مبتكرة ونوعية.

ويشهد موسم حج هذا العام ظهوراً أول للحقيبة الإسعافية الذكية وأجهزة صرف الدواء الذاتية، إلى جانب قياس المؤشرات الحيوية الافتراضي ضمن التوجه نحو تعزيز التقنية كجزء أساسي في المنظومة الصحية، بحسب ما ذكره فهد البطحي الرئيس التنفيذي لقطاع سلاسل الإمداد والتشغيل بشركة «نوبكو»، الذي أكد حرصهم في كل موسم حج على تقديم حلول مبتكرة تسهم في رفع كفاءة الخدمات اللوجستية والطبية.

حقيبة التشخيص الذكية تمكّن الممارس الصحي من متابعة المؤشرات الحيوية للحاج والتواصل الفوري مع الطبيب المختص داخل المنشآت الصحية (تصوير: بشير صالح)

حلول تقنية مبتكرة

كشف البطحي في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» عن تطبيق تجربة مبتكرة في موسم حج هذا العام، تتمثل في استخدام «حقيبة إسعافية ذكية» تمكّن الممارس الصحي الموجود ميدانياً من متابعة المؤشرات الحيوية للحاج بشكل مباشر، والتواصل الفوري مع الطبيب المختص داخل المنشآت الصحية للحصول على التوجيه الطبي اللازم بشأن آلية التعامل مع الحالة وتقديم الإسعافات المناسبة.

وأضاف أن الشركة طبّقت كذلك نظام صرف الدواء ذاتياً عبر أجهزة ذكية شبيهة بـ«آلة البيع الذاتي»، تحتوي على عدد من الأدوية العامة، وتعمل بالربط مع منصة «وصفتي»، بحيث يستطيع المستفيد إدخال بياناته وتسلم الدواء بشكل مباشر وسريع.

وبيّن أن تجربة الحقيبة الإسعافية الذكية تُعد مشروعاً تجريبياً جديداً سيتم تطبيقه هذا العام في مشعر منى؛ نظراً لطبيعة بقاء الحجاج فيه لفترة أطول خلال الموسم، تمهيداً لتقييم التجربة وإمكانية التوسع فيها مستقبلاً.

وفي الوقت الذي تسعى فيه «نوبكو» لتقديم حلول مبتكرة تسهم في رفع كفاءة الخدمات اللوجستية والطبية، أشار البطحي إلى أن التوجه نحو التقنية أصبح جزءاً أساسياً من خطط الشركة التشغيلية، لافتاً إلى ما شهده العام الماضي من استخدام الطائرات من دون طيار (الدرون)، و«السكوتر»، إلى جانب المستودعات المتنقلة لدعم سرعة الاستجابة وتسهيل عمليات الإمداد.

كما أشار إلى التوسع في نطاق تطبيق خدمة «موصول»، وهي خدمة أطلقتها «نوبكو» قبل عام، وتهدف إلى إدارة سلاسل الإمداد حتى آخر نقطة صرف داخل المرافق الصحية، بما يتيح للممارس الصحي التركيز الكامل على تقديم الرعاية للمريض دون الانشغال بالجوانب اللوجستية؛ إذ يمكنه طلب المستلزم أو الدواء المطلوب ليصل إليه مباشرة وبأعلى مستويات الجودة والكفاءة.

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل خلال وقوفه على تقنية «الدرون» في نقل الأدوية أثناء تفقده المنظومة الصحية لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)

وأفاد البطحي بأن منظومة الدعم اللوجستي تعتمد على توزيع المخزون وفق خطة تشغيلية متكاملة تشمل 6 مواقع رئيسية بطاقات تشغيلية متفاوتة، لافتاً إلى أن مستودع مشعر عرفة تبلغ سعته التخزينية نحو 650 طبلية، ونحو 8 آلاف طبلية في حدّة، في حين تصل في جدة إلى نحو 45 ألف طبلية، موضحاً أن هذه المواقع تعمل بشكل متتابع ومترابط لتوفير الدعم المستمر وخدمة المواقع الطبية خلال موسم الحج بكفاءة عالية.

وأشار إلى ما توليه حكومة السعودية من اهتمام كبير بخدمة ضيوف الرحمن، من خلال منظومة متكاملة تضم مختلف الجهات الحكومية والصحية، لافتاً إلى أن شركة «نوبكو» تؤدي دوراً رئيسياً ضمن هذه المنظومة في ضمان استمرارية سلاسل الإمداد وتوفير الأدوية والمستلزمات والتجهيزات الطبية خلال موسم الحج.

وأوضح أن استعدادات الشركة لموسم الحج تبدأ مبكراً؛ إذ تعمل منذ نحو 8 أشهر عبر لجان متخصصة لوضع الأدلة المعتمدة للأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، مشيراً إلى أن التركيز لا ينصب على حجم الكميات فقط، بل على تنوع البنود الطبية، ولافتاً إلى توفير نحو 2000 بند من الأدوية والمستلزمات الطبية بحسب الدليل المعتمد من وزارة الصحة، بالإضافة إلى بنود تخصصية مخصصة للأمراض المزمنة والحالات الحرجة، لتكون متاحة عند الحاجة خلال الموسم.

التشخيص الذكي

تهدف «حقيبة التشخيص الذكي» إلى تعزيز التشخيص المبكر وفرز الحالات الطبية ميدانياً، بما يسهم في تحديد الحالات التي تستدعي النقل إلى المستشفى، والحالات التي يمكن التعامل معها عبر الطب الافتراضي، إضافة إلى الحالات التي تحتاج إلى فحص ومتابعة فقط دون تدخل علاجي مباشر.

تبدأ عملية التقييم من خلال الحقيبة التي تكون برفقة الممارس الصحي، بتسجيل بيانات المريض الأساسية، مثل رقم الهوية والعمر والجنس والطول والوزن، يلي ذلك تسجيل الشكوى المرضية، ثم الانتقال إلى مرحلة قياس العلامات الحيوية عبر منظومة متكاملة من الأجهزة الطبية المرتبطة بالنظام الإلكتروني بشكل مباشر.

وتضم الحقيبة عدداً من الأجهزة الطبية المتقدمة التي تمكّن من إجراء عدة فحوصات ميدانية تشمل تخطيط القلب الكهربائي، وقياس مستوى السكر في الدم، وضغط الدم، ودرجة الحرارة، ونسبة الأكسجين في الدم، ومعدل التنفس؛ إذ تُسجل جميع القراءات آلياً، وتُرفع مباشرة إلى النظام الإلكتروني.

وعقب اكتمال البيانات يتم التواصل الفوري عبر الجهاز مع الطبيب المختص في «المستشفى الصحي الافتراضي»، ليطّلع على المؤشرات الحيوية وتشخيص الحالة، ومن ثم يحدد المسار المناسب للمريض، سواء بتحويله إلى المستشفى، أو إصدار وصفة علاجية إلكترونية عبر منصة «وصفتي»، مما يسهم في تقليل الضغط على المستشفيات، وتسريع الاستجابة للحالات، ودعم الكشف المبكر للحالات الطارئة، مع إمكانية طلب الإسعاف بشكل مباشر وفوري عند الحاجة.

يتيح جهاز الصرف الدوائي الذاتي للمستفيدين الحصول على أدويتهم دون الحاجة إلى مراجعة الصيدليات التقليدية (تصوير: بشير صالح)

جهاز صرف الدواء الذاتي

يتيح جهاز الصرف الدوائي الذاتي للمستفيدين الحصول على أدويتهم بسهولة وسرعة دون الحاجة إلى مراجعة الصيدليات التقليدية؛ إذ يبدأ عمل الجهاز بعد حصول المريض على الوصفة الطبية الإلكترونية عبر منصة «وصفتي»، ويقوم المريض بالتوجه للجهاز ومسح الرمز الخاص بالوصفة إلكترونياً، أو إدخال بيانات الوصفة ورقم الهوية لتظهر له الأدوية المعتمدة في النظام.

ويوفر الجهاز تجربة سلسة وسريعة، ويُسهم في تقليل الحاجة إلى زيارة الصيدليات داخل المشاعر المقدسة، وتخفيف الضغط على المرافق الصحية، إلى جانب تقليص أوقات الانتظار، ورفع كفاءة تقديم الخدمة الصحية لضيوف الرحمن.

قياس المؤشرات الحيوية يعمل بشكل ذاتي بالكامل في قياس عدد من المؤشرات الحيوية بشكل مباشر ودقيق دون الحاجة إلى تدخل يدوي (تصوير: بشير صالح)

حلول تقنية

يُعد جهاز قياس المؤشرات الحيوية الافتراضي أحد الحلول التقنية الحديثة المرتبطة بـ«المستشفى الصحي الافتراضي»، ويهدف إلى تقديم خدمات التشخيص الأولي، ورفع كفاءة الرعاية الصحية المقدمة لضيوف الرحمن.

والجهاز يعمل بشكل ذاتي بالكامل؛ إذ يقف المستفيد أمامه ليبدأ النظام، المعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والكاميرات والحساسات الذكية، في قياس عدد من المؤشرات الحيوية بشكل مباشر ودقيق دون الحاجة إلى تدخل يدوي؛ إذ يقوم بجمع وتحليل البيانات الصحية وإرسالها إلى «المستشفى الصحي الافتراضي»، مع إتاحة التواصل المباشر مع الطبيب المختص لتقييم الحالة وتشخيصها واتخاذ القرار الطبي المناسب.

ويستطيع الجهاز قياس أكثر من 6 مؤشرات حيوية، تشمل الطول والوزن وضغط الدم ونسبة الأكسجين في الدم... إلى جانب مؤشرات صحية أخرى، بما يسهم في تسريع إجراءات الفحص الأولي، وتقديم الخدمة الصحية بكفاءة وسهولة عالية.


الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية
TT

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يُقلق منصات إعلامية

مع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات، يتصاعد القلق داخل منصات إعلامية ومواقع إلكترونية، إزاء ما قد يسببه ذلك من تراجع في حجم الزيارات، وما يستتبعه من تداعيات على عائدات الإعلانات.

ووفقاً لتقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أخيراً، فإن «نسبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للبحث عن المعلومات تفوق نسبة من يستخدمونه لإنتاج المحتوى».

وأردف التقرير أن «استخدام الذكاء الاصطناعي في استقاء المعلومات بات بديلاً لمحركات البحث التقليدية، وأن هناك ازدياداً في نسبة الذين يكتفون بمطالعة ملخصات الذكاء الاصطناعي، أو ما يقدمه من معلومات، دون النقر على المواقع التي نشرت تلك المعلومات».

تقرير «معهد رويترز» كشف أيضاً عن أن «ثلث المستخدمين فقط ينقرون باستمرار على روابط المصادر المرفقة بإجابات البحث المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، في حين أن 28 في المائة منهم نادراً ما يفعلون ذلك، أو لا يفعلونه على الإطلاق».

رائف الغوري، المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إنه «على الرغم مما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من سرعة وكفاءة في الحصول على المعلومات، فهي تمثل تحدياً جديداً أمام الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية... وإن هذه التحديثات ستؤدي إلى تقليل النقر على الروابط والدخول المباشر إلى المواقع الإلكترونية».

ومن ثم أشار الغوري إلى ما فعله محرِّك البحث «غوغل» بتطويره مساعداً ذكياً قادراً على تنفيذ مهام محددة، وتقديم المعلومات بشكل تفاعلي ومستمر. وذكر أن هذا «يحتِّم على الناشرين وأصحاب المواقع الإلكترونية ابتكار طرائق أخرى للإعلان عن محتوياتهم من خدمات ومنتجات».

وبالتالي، اقترح خطوات لمساعدة الناشرين على التكيف مع الواقع الجديد، منها: «الارتقاء بجودة العمل الصحافي، وتفادي الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي فقط، والرجوع إلى المصادر الأصلية والتحقق منها، وإنتاج محتوى أعمق قائم على التحقيق والإحصاءات واستطلاعات الرأي، واعتماد منهج هجين يجمع بين أدوات البحث التقليدية والذكاء الاصطناعي»؛ هذا إلى جانب «تطوير مهارات الصحافيين وزيادة وعيهم بطرق استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقليص الاعتماد على الزيارات المباشرة، مقابل ابتكار طرائق للوصول للجمهور من خارج محركات البحث، وأخيراً تطوير أساليب جديدة لترويج المحتوى، باستخدام قنوات بديلة، مثل التطبيقات والمنصات المباشرة والشراكات».

وخلص الغوري إلى أن «النجاح لن يكون في منافسة الذكاء الاصطناعي؛ بل في التكيُّف معه وتقديم محتوى أصيل موثوق لا يمكن تعويضه بسهولة».

جدير بالذكر أن «غوغل» كان قد أطلق عام 2024 خدمة ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما تسبب في تراجع حجم الزيارات للمواقع الإلكترونية، حسب دراسات عدة.

وفي هذا الإطار، تطرَّق محمد الصاوي، المتخصص في الرصد والتحليل الإعلامي، إلى «تحوُّلات متسارعة في المشهد الإعلامي العالمي في أنماط استهلاك المعلومات». وتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن اعتماد المستخدمين يزداد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمصدر مباشر للإجابات، مقابل تراجع ملحوظ في الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومحركات البحث التقليدية.

وأرجع الصاوي ذلك إلى «قدرة هذه الأدوات على تقديم إجابات مختصرة وفورية تقلل من الحاجة إلى تصفُّح عدة مصادر، في حين تشير الدراسات إلى أن ظهور الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى انخفاض واضح في معدلات النقر على الروابط الإخبارية».

وتابع: «هذه الممارسة تعكس انتقالاً من البحث التقليدي إلى التقييم المقارن للمعرفة؛ حيث تُستخدم الأدوات؛ ليس فقط لاستخلاص المعلومات؛ بل لتحليل النبرة والمشاعر وتحديد مؤشرات السمعة الإعلامية، مع إدراك متنامٍ لضرورة التحقق بسبب احتمالات الأخطاء أو الهلوسة التي قد تنتج عن هذه الأنظمة».

واستطرد ليوضح أن هذا التغير «يفرض تحديات جوهرية على الناشرين وصناعة الأخبار، أبرزها تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لـ(الترافيك) والإيرادات الإعلانية. يضاف إلى ذلك إشكال آخر مرتبط بالإسناد وحقوق النشر؛ حيث تعتمد أنظمة ذكاء اصطناعي كثيرة على محتوى الناشرين، دون ضمان واضح لإعادة توجيه الزيارات أو إبراز المصدر بشكل كافٍ».

هذا قبل أن يلفت إلى أن «ضعف الإسناد في بعض الحالات قد يؤدي إلى تشويه المعلومات أو الإضرار بسمعة الوسائل الإعلامية... وعليه، في مواجهة هذه المتغيرات، يبرز اتجاه متنامٍ نحو إعادة تعريف استراتيجيات النشر والرصد الإعلامي، من خلال التركيز على إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة، وتعزيز الحضور داخل إجابات الذكاء الاصطناعي، عبر ما يُعرف بتحسين الظهور في محركات الإجابة، إلى جانب بناء قنوات مباشرة مع الجمهور تقلل الاعتماد على المنصات الوسيطة».

في سياق متصل، رأى الصاوي «ضرورة أن يعيد الناشرون صياغة استراتيجياتهم التحريرية بما يتوافق مع بيئة محركات الإجابة، عبر التركيز على إنتاج محتوى سهل الاقتباس، يتضمن حقائق واضحة، وسياقات مكتملة تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على استرجاعه بشكل صحيح». ثم شدَّد على أن «الاستثمار في المحتوى الحصري والتحليلي العميق يُعدُّ عاملاً حاسماً، نظراً لأن النماذج الذكية تعتمد في الأساس على هذا النوع من المواد لإنتاج إجاباتها، وهو ما يمنح الناشرين فرصة للحفاظ على حضورهم كمصادر موثوقة داخل هذه الأنظمة، بدلاً من الاكتفاء بدور المورِّد غير المرئي للمعرفة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.