الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

أمام تداعيات الداخل وردات فعل أوروبا

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
TT

الإيطاليون يدخلون «عصر ميلوني»... وحنينه السياسي

ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)
ميلوني... بعد انتصارها (أ.ب)

منذ مطالع القرن الماضي وإيطاليا أشبه بمختبر سياسي لأوروبا، تنشأ فيها حركات وتعتمل تيارات وتجارب للمرة الأولى، ولا تلبث أن تنكفئ وتتلاشى حتى تظهر مجدداً في أماكن أخرى بحلة جديدة... وغالباً أكثر تطوراً ورسوخاً.. من الفاشية التي كانت مصدر الإلهام الأول للنازية، إلى الديمقراطية المسيحية التي انتشرت لاحقاً في عدد من الدول الأوروبية. ومن ثم، من الحركة الأورو - شيوعية التي أخرجها أنريكو برلينغوير من دائرة التبعية للاتحاد السوفياتي لتصبح الحزب الشيوعي الأقوى والأقرب للحكم في أوروبا الغربية، ولاحقاً، من اندثار الأحزاب التقليدية - وفي طليعتها اليسارية والديمقراطية المسيحية... حتى الوصول إلى الرائد الأول للشعبوية اليمينية الحديثة سيلفيو برلوسكوني والصعود السريع لحركات مناهضة النظام القائم والخروج عن الأعراف وقواعد اللعبة السياسية الكلاسيكية. وها هي اليوم تقدّم للاتحاد الأوروبي أولى تجارب وصول اليمين المتطرف إلى الحكم بعد الفوز الذي حققه الائتلاف الذي يقوده حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» بقيادة «المرأة الحديدية الجديدة» جيورجيا ميلوني التي ستصبح أول امرأة تتولّى رئاسة الحكومة في تاريخ إيطاليا، والمرآة التي تتهيّب أوروبا النظر فيها إلى مستقبلها السياسي.
بعدما تولّت مارغريت ثاتشر رئاسة الحكومة البريطانية وأنجيلا ميركل منصب المستشارة في ألمانيا، وكذلك تكرار التجربة مرات عدة في البلدان الإسكندينافية، ومع وجود أورسولا فون در لاين على رأس المفوضية الأوروبية، لم يعد وصول امرأة إلى قمة السلطة الإجرائية في أوروبا الغربية يشكّل حدثاً بارزاً في المشهد السياسي القاري. غير أن وصول جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة الإيطالية بعد الفوز الساحق الذي حققه حزبها «إخوان إيطاليا» في انتخابات الأحد الفائت، كان من أبرز التحولات السياسية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة. لقد كان نقطة تحوّل تستدعي التوقف عندها لاستشراف صورة المستقبل السياسي الذي قد يكون يعتمل في بلدان الاتحاد الأوروبي، وربما في الدول الغربية.
إذ إن الحزب الذي تتزعمه ميلوني هو وليد «ارتقاء» فلول الحركة الفاشية، التي كان قد حظرها الدستور الإيطالي بعد سقوط بنيتو موسوليني وولادة «الجمهورية الثانية»، والدليل القاطع على أن «الطوق الأخلاقي» الذي حاولت الأحزاب التقليدية في أوروبا الغربية فرضه حول اليمين المتطرف طوال عقود لم يمنع هذا اليمين من الانخراط في المسار السياسي والصعود إلى قمة هرم السلطة. ويضاف إلى ذلك، أن هذه الاستراتيجية التي تبنّتها أحزاب اليسار واليمين المعتدل لم تكن حائلاً دون الانهيار المطّرد لهذه الأحزاب واندثار معظمها.

عِبَر كثيرة
كثيرة هي العِبَر التي ينبغي استخلاصها من هذه القفزة الإيطالية الجديدة نحو المجهول، خاصة أنها تأتي بعد أيام من الفوز الذي حقّقه النازيّون الجدد في السويد ودخولهم الحكومة الجديدة لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية في واحدة من أكثر الدول الأوروبي اعتدالاً. ولا يغيب عن البال أن هذا التطور، الذي يحصل في دولة أوروبية وازنة اقتصادياً وسياسياً وديمغرافياً، يتزامن مع مرحلة دقيقة جداً من التاريخ الأوروبي الحديث تعتمل فيها أزمات عدة عميقة ومفتوحة على احتمالات يصعب التكهن بمآلها. فقد تبيّن هذه التجربة، أن «تركيز» الحملات الانتخابية على الإدانة الأخلاقية، والتحذير من العواقب الكارثية لوصول القوى المتطرفة إلى السلطة، يضع هذه القوى في موقع «البديل الفعلي» مهما كانت برامجها السياسية خاوية من الاقتراحات والحلول العملية لمعالجة الأزمات.
نعم، عكفاً على ما سبق، فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الإيطالية سبقه منذ أسابيع قليلة فوز كتلة المحافظين في السويد، حيث نال حزب النازيين الجدد ما يزيد على 20 في المائة من الأصوات. إلى جانب ذلك، يتضّح أن حكومات «الوحدة الوطنية» أو الائتلافية، التي غالباً ما يستهدف تشكيلها تهميش أو عزل القوى المتطرفة، تساهم في نهاية المطاف في توسيع دائرة التحرك أمام هذه القوى التي لا تعود مُحتاجة إلى طرح برامج سياسية بديلة، بل تكتفي بمعارضة السلطة الحاكمة العاجزة عن معالجة المشاكل اليومية الملحة للمواطنين.
الحقيقة، أنه تميّزت الأحزاب اليمينية المتطرفة خلال السنوات الأخيرة بنجاحها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق صورة معتدلة لها، ومنزّهة عن العقم والفساد الذي كانت تقع فيه الأحزاب المشاركة في الحكم؛ الأمر الذي سمح لها باستقطاب نسبة كبيرة من التأييد الذي كانت تحظى به الأحزاب التقليدية، وبخاصة منها المحافظة. وتفيد الدراسات بأن القوى اليمينية المتطرفة تسخّر نسبة كبيرة من مواردها في حملات واسعة على وسائل التواصل، قبل الانتخابات وخلالها وبعدها، وتوكلها إلى أفضل الاختصاصيين في هذا المجال.
ومن العوامل الأخرى التي تفسّر هذا الصعود للقوى اليمينية المتطرفة، إلى جانب مهارتها في نقل الأفكار الهامشية إلى واجهة النقاش العام - والتي تجلّت بوضوح في التجربة الإيطالية - هي الروابط التي نسجتها مع القوى اليمينية المؤسّسية، التي أصبحت تشكّل خطراً وجودياً على الأحزاب والقوى المحافظة التقليدية. فالتحالف الذي بناه حزب أنطونيو تاجاني، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي والمرشح لخلافة برلوسكوني، مع «إخوان إيطاليا»، كان له أكبر الأثر في التخفيف من حدة الصورة المتطرفة لحزب ميلوني، ما يحمل على التساؤل حول ما إذا كانت التجربة الإيطالية - مرة أخرى - نافذة تطل على المشهد السياسي المقبل في أوروبا.

الأبعاد الأوروبية المستقبلية
وإذا كان وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في إيطاليا «مرآة» يستشرف الأوروبيون من خلالها ما قد ينتظرهم في السنوات المقبلة، فهو أيضاً يطرح علامات استفهام حول مستقبل المواجهة الأوروبية مع روسيا وموقع الاتحاد في المعادلة الدولية التي ستسفر عنها الحرب الدائرة في أوكرانيا. إذ من المعروف أن معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا تقيم منذ سنوات علاقات وثيقة مع موسكو، وهي أعربت مراراً عن معارضتها للعقوبات المفروضة على روسيا بذريعة أنها تضرّ بالمصالح الأوروبية أكثر من المصالح الروسية؛ ولذا عارضت إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا.
وهنا، مع أن جيورجيا ميلوني حرصت منذ بداية الحرب في أوكرانيا على تأكيد موقف حزبها الداعم للمحور الأطلسي وللعقوبات على موسكو، فإن حليفيها اليمينيين البارزين سيلفيو برلوسكوني وماتّيو سالفيني لا يفوّتان فرصة للتمايز والابتعاد عن الموقف الأوروبي الموحّد من موسكو، لا، بل إلى محاولة تبرير الغزو الروسي لأوكرانيا... كما فعل برلوسكوني عشيّة الانتخابات الأخيرة.
للعلم، كان زعيم حزب «إخوان إيطاليا» قد أدلى بتصريحات قال فيها، إن العملية العسكرية الخاصة التي أطلقتها روسيا في أوكرانيا كانت تستهدف الوصول إلى كييف في غضون أسبوع واحد، وتعويض حكومة زيلينسكي بأخرى من «أشخاص صالحين»، والعودة بعد أسبوع إلى قواعدها. وأردف «لكن الضغوط التي تعرّض لها فلاديمير بوتين من وزرائه وحزبه، دفعته إلى الإقدام على هذه الخطوة... وما حصل هو أن القوات الروسية واجهت مقاومة غير متوقعة تعززت بفضل إمدادات بكل أنواع الأسلحة من الغرب».
من جهة ثانية، كان برلوسكوني، الذي التزم الصمت التام طوال شهرين قبل شجبه الغزو الروسي لأوكرانيا، قد صرّح منذ أسابيع بأن «على الدول الغربية أن تحاول إقناع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي بالإصغاء إلى مطالب بوتين». ويُذكر، أن برلوسكوني، زعيم حزب «فورتسا إيطاليا»، تربطه صداقة شخصية وطيدة بالرئيس الروسي الذي استضافه مرات عديدة في رحلات ترفيهية... اعتاد برلوسكوني على التباهي بسرد تفاصيلها في مجالسه الخاصة. وكان أيضاً أول زعيم أوروبي رافق بوتين في زيارة إلى شبه جزيرة القرم بعدما ضمتها موسكو عام 2014.
جدير بالذكر، أنه، منذ بداية الحرب في أوكرانيا دأب الاتحاد الأوروبي على تكرار التحذيرات الموجهة إلى حكومات الدول الأعضاء من محاولات موسكو التأثير على مواقفها وسياساتها الداخلية عن طريق المعلومات المزيفة والأنباء المضللة واستخدام حلفائها في هذه الدول. وكان من الطبيعي أن توجّه هذه التحذيرات بشكل خاص إلى إيطاليا، ولو من غير تسميتها، لسببين رئيسيين:
الأول، لأن موسكو نسجت منذ سنوات علاقات تجارية واقتصادية وثيقة مع روما، ومدّت جسوراً وطيدة مع بعض القوى السياسية الصاعدة مثل حزب الرابطة اليميني المتطرف. وفي الوقت نفسه، أخذت تترسّخ العلاقات الشخصية بين بوتين وبرلوسكوني الذي رغم أفول نجمه السياسي ما زال يتمتع بقدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام بفضل إمبراطوريته الإعلامية الضخمة.
والآخر، لأن إيطاليا دولة وازنة في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تعاني من وضع اقتصادي حرج يجعلها تتردد كثيراً قبل الإقدام على خطوات من شـأنها أن تساهم في مفاقمة هذا الوضع.
بناءً عليه؛ لم يكن مستغرباً أن الانتخابات الإيطالية استأثرت باهتمام واسع في الأوساط الأوروبية والأميركية، نظراً للتداعيات المحتملة لنتائجها على «وحدة الصف الأطلسية» من المواجهة مع موسكو. ويجدر التذكير في هذا الصدد بأن أصابع الاتهام الأوروبية وجّهت إلى موسكو مطلع هذا الصيف عندما قرّر برلوسكوني وحليفه اليميني المتطرف سالفيني سخب الثقة من حكومة ماريو دراغي. وكان دراغي قد تحوّل، بفضل علاقاته الوثيقة بالإدارة الأميركية، إلى «رأس حربة» في الدعم الأوروبي لأوكرانيا. يضاف إلى ذلك، أن سالفيني، الذي يطالب منذ فترة بإنهاء العقوبات المفروضة على موسكو وبناء تحالف اقتصادي وسياسي بين أوروبا وروسيا، سبق له أن دخل البرلمان الأوروبي مرة وهو يرتدي قميصاً يحمل صورة لفلاديمير بوتين.
وحقاً، لم تنفع التطمينات المتكررة على لسان ميلوني وتأييدها للعقوبات والمساعدات العسكرية لأوكرانيا، في تهدئة خواطر الحلفاء الغربيين. والسبب أنها مضطرة إلى التحالف مع سالفيني وبرلوسكوني لتشكيل الحكومة الجديدة. وهذا، بينما يرتبط حزبها بتحالف وثيق مع رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف فيكتور أوربان الذي يقود حملة إنهاء العقوبات على روسيا داخل الاتحاد الأوروبي. وكانت ميلوني قد سعت أخيراً، عبر حلفائها في الحزب الجمهوري الأميركي، إلى «طمأنة» واشنطن حول موقفها من الحرب في أوكرانيا في حال وصولها إلى الحكومة. غير أن إدارة الرئيس بايدن ردّت بأنها ستبقي على حذرها في انتظار المواقف التي ستعلنها الحكومة الإيطالية الجديدة.

                                                                                      سالفيني
نحو إعادة تشكّل المشهد السياسي الإيطالي... في أعقاب «زلزال» الانتخابات الأخيرة
> على الصعيد الإيطالي الداخلي، أعادت الانتخابات الأخيرة خلط الأوراق مرة أخرى في المشهد السياسي، وفتحت الباب مجدداً أمام إعادة تشكيل التحالفات وظهور قوى سياسية جديدة أو اندثار بعضها. فالحزب الديمقراطي (يسار الوسط)، الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إنريكو ليتّا، والمفترض أن يكون حزب المعارضة الرئيس ضد حكومة ميلوني، يجد نفسه أمام أزمة وجودية جديدة بعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات.
وفعلاً، دفعت الهزيمة الأمين العام إلى الدعوة لعقد مؤتمر استثنائي بهدف تجديد قيادته، والإعلان عن أنه لن يترشّح للمنصب مرة أخرى. ويذكر، أن هذا الحزب قام من ركام الحزب الشيوعي الإيطالي - الذي كان أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية قبل أن يندثر من المشهد السياسي – إلا أنه ما زال يعيد تشكيل ذاته تحت تسميات وشعارات مختلفة، ويبدّل تحالفاته مع قوى الوسط واليسار. ولقد شارك هذا الحزب في كل الحكومات التي تعاقبت على إيطاليا منذ سقوط حكومة برلوسكوني الرابعة والأخيرة في العام 2011. ومن ناحية أخرى، يعاني الحزب منذ سنوات من صراعات داخلية عميقة بين قياداته، أدت إلى انشقاق بعضهم نحو الوسط ونحو أقصى اليسار، في حين استقطبت «حركة النجوم الخمس» الشعبوية الناشئة نسبة كبيرة من شعبيته مكنتها من الفوز في الانتخابات الماضية عام 2018 حين حصلت على 33 في المائة من الأصوات.
غير أن «حركة النجوم الخمس» تعرّضت هي أيضاً للانقسام أخيراً عند سقوط حكومة ماريو دراغي، وانشقّ عنها زعيمها السابق ووزير الخارجية لويجي دي مايو... الذي خسر مقعده البرلماني في الانتخابات الأخيرة. ولكن رغم التوقعات التي كانت تشير إلى انهيار «الحركة»، فإنها تمكّنت من الصمود في وجه «إعصار ميلوني»، وحلّت في المرتبة الثالثة بعد «إخوان إيطاليا» والحزب الديمقراطي. وهذا واقع يفتح الباب أمام تشكّل التحالف الذي كان من المفترض أن يحصل مع الديمقراطيين، والذي كان السبيل الوحيد لانتزاع الانتصار من التحالف اليميني في الانتخابات.

                                                                                  برلوسكوني
وتشاء مفارقات المشهد السياسي الإيطالي، أن اللغز الأكبر يدور حول مصير تحالف الأحزاب اليمينية الذي حقق هذا الانتصار التاريخي في انتخابات الأحد الماضي. فالرابطة تشهد غلياناً في قواعدها المطالبة بتنحية سالفيني بعد تراجع شعبيتها والخسائر التي منيت بها في معظم معاقلها الشمالية على يد حلفائها في «إخوان إيطاليا»، في حين يتنامى التيار الذي يدعو للعودة إلى الجذور الإقليمية، حيث إن هذا الحزب كان قد تأسس كحركة انفصالية لأقاليم الشمال قبل أن يتسلّم سالفيني زمامه ويقرر توسيع امتداده على الصعيد الوطني، مستغلاً المشاعر المناهضة للهجرة التي سادت إيطاليا.
في هذه الأثناء، كان من المفاجآت التي حملتها الانتخابات الأخيرة أيضاً صمود حزب برلوسكوني الذي تنزف شعبيته منذ سنوات، والذي كان قد انشقّ عنه أخيراً عدد من قياداته البارزة بسبب مشاركته في مؤامرة إسقاط حكومة دراغي. وليس واضحاً بعد الموقع الذي سيحتله هذا الحزب في الحكومة الجديدة والخط الذي سينهجه برلوسكوني، الذي دأب على تسخير حزبه لتحقيق مآربه والدفاع عن مصالحه الشخصية.
وهكذا، يبقى حزب «إخوان إيطاليا» وزعيمته جيورجيا ميلوني المنكبّة على تهدئة خواطر الشركاء الأوروبيين، وعلى تشكيل الحكومة الجديدة التي من المفترض إلا يواجه عقبات كبيرة في ظل الغالبية البرلمانية التي حصل عليها الائتلاف اليميني. إلا أن السياسة الإيطالية سخيّة دائماً بالمكائد والمؤامرات التي جعلت من منصب رئيس الحكومة الأسرع زوالاً في أعصى البلدان الأوروبية على الحكم وأغناها بالمفاجآت.
وقبل أن ينقضي أسبوع واحد على الانتخابات التي بايعت ميلوني وحدها «ملكة غير متوجّة» على إيطاليا، ظهرت أمامها أولى العقبات من حليفها ماتّيو سالفيني، الذي أعلن أنه في حال عدم حصوله على حقيبة وزارة الداخلية ومنصب نائب الرئيس، لن يشارك في الحكومة، بل سيكتفي بتأييدها من الخارج، فاتحاً بذلك موسماً جديداً في «البازار السياسي» الإيطالي العريق.
ويبقى أيضاً، أن لغزاً كبيراً ما زال يحيط بمسار حزب «إخوان إيطاليا». إذ حرصت زعيمته ميلوني في الفترة الأخيرة على النأي عن تصريحاتها النارية والتأكيد على أنها ستحكم «بمسـؤولية ولكل الإيطاليين»، لكنها في المقابل، ذكّرت بأن الفوز الذي حققه هو نقطة البداية وليس نقطة الوصول. وتابعت أنها لن تخذل الذين انتخبوها «أولئك الذين بعد النصر، سيتمكنون من رفع رؤوسهم والجهر بما كانوا دائماً يفكرون ويـؤمنون به»، كما قالت في المهرجان الذي اختتمت به حملتها الانتخابية.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.