«قلب العرب» تتبع خطى سانت جون فيلبي انطلاقاً من لندن

الأميرة آن: تعلمت كثيراً عن جغرافيا الأماكن أثناء السفر مع والدتي

صورة تاريخية لرحلة عبد الله فيلبي (الشرق الأوسط)
صورة تاريخية لرحلة عبد الله فيلبي (الشرق الأوسط)
TT

«قلب العرب» تتبع خطى سانت جون فيلبي انطلاقاً من لندن

صورة تاريخية لرحلة عبد الله فيلبي (الشرق الأوسط)
صورة تاريخية لرحلة عبد الله فيلبي (الشرق الأوسط)

في مقر الجمعية الملكية الجغرافية بلندن، أقيم حفل، أول من أمس، لإطلاق رحلة «قلب العرب» الاستكشافية التي ستقوم بتتبع خطى المستكشف الإنجليزي هاري سانت جون (عبد الله) فيلبي. حضر الحفل الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى المملكة المتحدة، والأميرة آن راعية الرحلة وعدد من الشخصيات الرفيعة، إضافة إلى فريق المستكشفين.
الرحلة الاستكشافية ستقطع 1.300 كم من العقير على الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية، إلى جدة في الغرب، وستقوم بتتبع خطى أولى رحلات فيلبي في الجزيرة العربية، التي أسفرت عن منحه وسام المؤسسين من الجمعية الجغرافية الملكية.
https://twitter.com/heartofarabia_/status/1574659878127566849?s=20&t=UIWb30qQYXReQ_4mqgCocg
سيقود رحلة «قلب الجزيرة العربية» في نسختها الثانية المستكشف البريطاني مارك إيفانز، مع فريق مكون من ريم فيلبي حفيدة هاري سانت جون (عبد الله) فيلبي، والمصورة الفوتوغرافية آنا ماري بافالاتش، وخبير الخدمات اللوجستية آلان موريسي.
خلال كلمته الافتتاحية، يذكر مارك إيفانز أن فيلبي كان مختلفاً عن الرحالة الذين سبقوه في استكشاف الجزيرة العربية، وكان ذلك حدثاً عابراً في حياتهم، فهو قضى جل حياته فيها، قطعها من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها. رحلة فيلبي قبل 105 أعوام تميزت بالمعلومات الغزيرة التي دونها في مذكراته والخرائط المفصلة والملاحظات الدقيقة عن الصحراء والحياة البرية. وهو ما يؤكد عليه إيفانز «يعتبره الكثيرون من أعظم المستكشفين الأوائل لشبه الجزيرة العربية وهو لم ينطلق عبر أرض مجهولة فحسب، بل استغرق وقتاً في تسجيل كل شيء يراه بأكبر قدر من التفاصيل».

الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز سفير السعودية في لندن مع الأميرة آن

تستعير الرحلة الاسم نفسه الذي أطلقه فيلبي على رحلته في عام 1917، وستنطلق في اليوم نفسه والشهر أيضاً.
يتحدث إيفانز عن الرحلة الأم بإعجاب وتقدير لإنجاز لم يكن سهلاً في وقته: «أطلق فيلبي رحلته يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، سائراً على الأقدام وعلى ظهر الجمال وفي ظروف قاسية وفي مناطق شهدت صراعات بين القبائل». يستطرد مسجلاً الالتزام والشغف الذي ميز فيلبي: «بعد 14 يوماً من السفر الشاق ربما سيكون آخر شيء يخطر على بالي عند وصولي لمدينة الرياض هو أن أشرع على الفور برسم خريطة للمدينة، ولكن هذا يثبت لنا أن فيلبي كانت لديه شهية نهمة للمعرفة والمعلومات. مسلحاً فقط ببوصلة ومعتمداً على خطواته وحساباته الخاصة قام فيلبي برسم الخريطة الأولى للمدينة، تلك الخريطة كانت سبباً لمنحه ميدالية الجمعية الجغرافية الملكية كما ترون من اللوحة الموضوعة في مقر الجمعية هنا، وهو أمر لا يحصل عليه إلا هؤلاء الذين قدموا مشاركات قيمة للجمعية الجغرافية».

الأميرة آن مع الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز سفير السعودية في لندن أثناء تفقدها بعض المعروضات

رحلة فيلبي إذن هي المثال والدافع وأيضاً الدليل الذي سيعتمد عليه الفريق الحالي: «باستخدام كم هائل من تدويناته التي سجل بها دقائق سيره، سننطلق في اليوم نفسه (15 نوفمبر) من المكان نفسه الذي انطلق منه منذ أكثر من مائة عام. سنستخدم العربات ذات الدفع الرباعي وأيضاً الجمال». ويشير إلى أن الفريق سيحاول العثور على الأماكن نفسها التي صورها فيلبي وسيكون عليهم تسجيل ملاحظات حولها.
يستمر إيفانز شارحاً للحضور مسار الرحلة: «ستتوقف المجموعة في الرياض (مثلما فعل فيلبي) ثم بعدها ننطلق في المرحلة الثانية لنمر عبر المناطق البركانية وطرق الحجاج، لنصل في بداية العام المقبل لمدينة جدة على البحر الأحمر».
يجمل إيفانز حديثه بلمحات من حياة الصحراء التي يعرفها جيداً: «في ليالٍ تنخفض فيها درجات الحرارة لما تحت الصفر، سنجتمع حول نيران المعسكر بحثاً عن الدفء».

الأمير خالد بن بندر بن سلطان بن عبد العزيز سفير السعودية في لندن مع ريم وفيصل فيلبي
 

يقول إنه سُئل كثيراً عما يمكن أن يكون مصدر قلق بالنسبة له خلال الرحلة، معلقاً ببساطة: «أعترف بأن ما يقلقني هو حالة الجمال. الإبل مثلها مثل العديد من البشر تعيش حياة ناعمة جداً ومريحة هذه الأيام، فهي ليست مضطرة للتجول في الصحراء بحثاً عن فضلات ضئيلة وعشب أو القليل من الماء».
يقدم إيفانز فريق الرحلة؛ آن ماري التي تلتقط الحكايات في صورها، وريم فيلبي حفيدة عبد الله فيلبي، التي تحمل جينات جدها: «عندما تواصلت معها كانت تتسلق الجبال في بيرو بأميركا الجنوبية». ويضيف أن البعثة ستحمل معها علماً خاصاً وشهيراً: «سنحمل معنا العلم الشهير الذي حمله (أبولو 11) إلى القمر منذ سنوات عديدة. ليس من السهل الحصول على هذا العلم فهو علم نادي المستكشفين في نيويورك، ولإقناع القائمين على النادي باستعارته يجب أن تكون قادراً على إثبات أنك كنت تقوم برحلة استكشافية، وليست مغامرة، وأنك تفعل شيئاً ما يسهم في المعرفة والفهم».
من الجانب العلمي، ستسهم البعثة في الأبحاث التي تجريها جامعة كاوست في جدة عن توزيع الخفافيش وأنواعها عبر آلة خاصة تجمع الترددات المختلفة لها. يشرح أن القرى التي مر بها فيلبي في رحلته لم يتبقَّ منها سوى بعض البيوت الطينية المهجورة واستوطنتها الخفافيش.

ريم فيلبي

في كلمتها للحضور، علقت الأميرة آن وهي راعية الجمعية الملكية الجغرافية: «ما تعلمته اليوم ليس فقط عن فيلبي نفسه ولكن أيضاً عن عمتي العظيمة الأميرة أليس (التي قامت برحلة للجزيرة العربية في 1938)، كنت أعرف أنها كانت تميل للمغامرات إلى حد ما، لأن فكرتها عن العطلة كانت أن تأخذ قارباً إلى جزر الهند الغربية، وتعود بعد شهرين. تعلمت الكثير عن اهتماماتها الأولية وفهمها للأماكن».
وأشارت الأميرة آن إلى أنها تعلمت الكثير عن جغرافيا البلدان المختلفة، عبر السفر مع والدتها الراحلة. وأضافت أن رحلة قلب الجزيرة العربية تؤكد أهمية المراقبة والحضور البدني في زمن يعتمد فيه الجميع على رؤية الأماكن على شاشة الهاتف، «يتعلق الأمر بالملاحظة الحقيقية واستيعاب الأشياء. كيف عاش الناس في البيئة التي لاحظها المستكشف؟ ما المختلف في ذلك؟ من المهم أن نفهم بالمصطلحات الحديثة ما الذي تغير وكان موجوداً من قبل». وعلقت قائلة إن العديد من المتابعين للرحلة الاستكشافية سيحسدون كل مَن يشارك فيها.

* يمكن متابعة تقدم الفريق بما في ذلك التحديثات الصوتية اليومية على موقع البعثة
https://heartofarabiaexpedition.com


مقالات ذات صلة

28 مليون رحلة جوية من الشرق الأوسط مهددة هذا العام بسبب حرب إيران

شؤون إقليمية مواطنون يونانيون عائدون إلى بلادهم قادمون من الشرق الأوسط... أثينا 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

28 مليون رحلة جوية من الشرق الأوسط مهددة هذا العام بسبب حرب إيران

خلصت مذكرة بحثية إلى أن ما يقرب من 28 مليون رحلة جوية مغادرة من الشرق الأوسط معرضة للخطر هذا العام نتيجة حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
سفر وسياحة لونا بارك مدينة ملاهي الصغار (إنستاغرام)

مدن الملاهي... عنوان بهجة الأعياد للصغار

ليست مدن الملاهي في لبنان مجرّد مساحات للألعاب الكهربائية والدوّارات الملوّنة، بل هي جزء من ذاكرة جماعية ارتبطت بالأعياد والمناسبات

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة منتجع سو في المالديف (الشرق الأوسط)

وجهات جميلة للاحتفال بعيد الفطر

مع اقتراب عيد الفطر المبارك، تبدأ ملامح الفرح والاحتفال بالظهور في كل مكان، ويبحث كثيرون عن وجهات سياحية تجمع بين الأجواء الاحتفالية والراحة والاسترخاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة «كاثاي باسيفيك» للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

رفعت بعض شركات الطيران أسعارها، فيما تعمل شركات أخرى على تخفيض النفقات، وترشيد الإنفاق، مع مطالب بإلغاء الضريبة البيئية على وقود الطائرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

اكتشف القاهرة في رمضان

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية.

محمد عجم (القاهرة)

أسعار الديزل في ألمانيا ترتفع لمستوى قياسي

شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
TT

أسعار الديزل في ألمانيا ترتفع لمستوى قياسي

شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)
شاشة لعرض أسعار البنزين والديزل في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)

ارتفع سعر الديزل في ألمانيا بأكثر من 12 سنتاً في غضون يومين، بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لبيانات من نادي السيارات الألماني العام.

وحسب بيانات نادي السيارات، بلغ متوسط السعر اليومي على مستوى البلاد للتر الديزل يوم الجمعة 2.291 يورو.

وهذا السعر أقل عن المستوى القياسي الذي تم تسجيله قبل أربع سنوات بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا بثلاثة سنتات فقط.

وتواصل ارتفاع سعر وقود «إي 10» الممتاز، حيث ارتفع بمقدار 4.2 سنت مقارنة بيوم الأربعاء الماضي، ليصل إلى 2.086 يورو.

وكان سعر لتر الديزل يوم الجمعة أعلى بـ54.5 سنت مقابل سعره قبل يوم من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كما كان لتر البنزين أعلى بـ30.8 سنت.


20 دولة تؤكّد استعدادها للمساهمة في جهود تأمين مضيق هرمز

زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
TT

20 دولة تؤكّد استعدادها للمساهمة في جهود تأمين مضيق هرمز

زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)
زورق تابع لقوات خفر السواحل العُمانية يراقب المنطقة في ظل تراجع الملاحة في مضيق هرمز يوم 12 مارس الحالي (رويترز)

أبدت 20 دولة رغبتها، السبت، في المساهمة في الجهود الرامية لتأمين مضيق هرمز، مُندّدة في الوقت ذاته بإغلاق إيران للممر الاستراتيجي.

وقالت كل من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان وكندا وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا والدنمارك ولاتفيا وسلوفينيا وإستونيا والنرويج والسويد وفنلندا وتشيكيا ورومانيا والبحرين وليتوانيا، في البيان المشترك: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق»، مضيفةً: «نرحّب بالتزام الدول المشاركة في التخطيط التحضيري».

وتابعت: «ندين بأشد العبارات الهجمات الإيرانية الأخيرة على سفن تجارية غير مسلّحة في الخليج، والهجمات على البنية التحتية المدنية بما فيها منشآت النفط والغاز، والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل القوات الإيرانية».

ومنذ بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تشنّ طهران ضربات على مواقع في دول الخليج وعلى سفن شحن أثناء عبورها في المضيق.

وأفادت شركة «كيبلر» للتحليل، بأنّه بين الأول والتاسع عشر من مارس (آذار)، عبرت 116 ناقلة بضائع فقط المضيق، في انخفاض بنسبة 95 في المائة عن المعدل الذي تمّ تسجيله قبل الحرب. وأدّى التعطيل الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمُرّ عبره عادة 20 في المائة من النفط والغاز العالميَّين، والهجمات على منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط، إلى ارتفاع كبير في الأسعار.

وقالت الدول الموقّعة على البيان: «ندعو إلى وقف فوري وشامل للهجمات على البنية التحتية المدنية، بما فيها منشآت النفط والغاز».


قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.