الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

أسوأ أعراض المرض لا يزال أكثرها غموضاً

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء
TT

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

«الضباب الدماغي» لا يشبه الصداع الكحولي أو الاكتئاب. إنه اضطراب في الوظيفة التنفيذية يجعل المهام الإدراكية الأساسية صعبة بصورة مزعجة.

ضباب مدمر
في 25 مارس (آذار) 2020، كانت هانا دافيس تراسل صديقتين عندما أدركت أنها لا تستطيع فهم إحدى رسائلهما. بعد الإدراك المتأخر، كانت هذه أول علامة على إصابتها بكوفيد - 19. كما كانت أيضاً تجربتها الأولى مع الظاهرة المعروفة باسم «الضباب الدماغي» «brain fog»، واللحظة التي انكمشت فيها حياتها القديمة بفعل الظاهرة الحالية. لقد كانت تعمل ذات يوم في مجال الذكاء الصناعي، وتحلل الأنظمة المعقدة من دون أي تردد، ولكنها الآن «تجد نفسها تصطدم بجدار عقلي» عندما تواجه مهام بسيطة مثل ملء النماذج. وذاكرتها، التي كانت حية ومتقدة ذات مرة، تشعر بأنها مهترئة وعابرة. أما الأمور المعتادة سابقا -من شراء الطعام، وصنع الوجبات، والتنظيف- فيمكن أن تكون صعبة على نحو مؤلم. وعالمها الداخلي -ما تدعوه «إضافات التفكير، كالاسترسال في أحلام اليقظة، ووضع الخطط، والتخيل»- قد ولى زمانها. وقالت لي: «الضباب شامل للغاية، ويؤثر في كل ناحية من حياتي». لأكثر من 900 يوم، مع أن أعراضا طويلة أخرى من كورونا قد تضاءلت وتلاشت، فإن ضبابها الدماغي لم يغادرها أبدا.
أخبرتني إيما لادز، اختصاصية الرعاية الأولية في جامعة أكسفورد قائلة: «من بين الأعراض الكثيرة المحتملة لفيروس كورونا، يعتبر الضباب الدماغي إلى حد بعيد أحد أكثر الأعراض المسببة للإعاقة والتدمير». كما أنه من بين أكثر الأعراض التي يساء فهمها. إذ أنها لم تكن حتى مدرجة في قائمة الأعراض المحتملة للفيروس مع بداية الوباء للمرة الأولى. لكن 20 إلى 30 في المائة من المرضى يبلغون عن وجود حالات من الضباب الدماغي بعد ثلاثة أشهر من إصابتهم بالعدوى، وكذلك 65 إلى 85 في المائة من الناقلين للعدوى المصابين لفترة طويلة. ويمكن أن يصيب الناس الذين لم يصابوا بدرجة كافية تستدعي الاستعانة بجهاز التنفس الصناعي -أو تلقي أي عناية في المستشفى. ويمكن أن يؤثر على الشباب في ريعان حياتهم العقلية.
يقول المصابون لفترة طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي إنه لا يشبه أيا من الأمور التي يقارنها الناس باستهزاء -بما في ذلك العديد من العاملين في المجال الطبي. إنه أعمق من التفكير الغائم الذي يصاحب الصداع الكحولي، أو الإجهاد، أو التعب.
بالنسبة للسيدة دافيس، كان الأمر مختلفا وأسوأ من تجربتها مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وهو ليس مرضا نفسيا - جسديا psychosomatic، بل إنه يتضمن تغييرات حقيقية في بنية وكيميائية الدماغ. وهو ليس اضطرابا مزاجياً: كما قالت لي جوانا هيلموت، طبيبة الأعصاب بجامعة كاليفورنيا فرع سان فرانسيسكو: «إذا قال أي شخص إن هذا يرجع إلى الاكتئاب والقلق، فإنهم لا يمتلكون أي أساس لذلك، والبيانات تشير إلى أنه قد يكون من أساس آخر».

اضطراب الوظيفة التنفيذية
رغم اسمه الغامض، فإن الضباب الدماغي ليس مصطلحا شاملا لكل مشكلة عقلية ممكنة. تقول هيلموت إنه في جوهره دائما يعد اضطراب «الوظيفة التنفيذية» -أي مجموعة القدرات العقلية التي تشمل تركيز الانتباه، وحفظ المعلومات، والحيلولة دون الإلهاء. وهذه المهارات أساسية للغاية لدرجة أنه مع انهيارها، ينهار الكثير من البنيان الإدراكي للفرد. فأي شيء يتضمن التركيز، وتعدد المهام، والتخطيط -أي كل شيء مهم تقريبا- يصير شاقا على نحو غير معقول. «إنها ترفع العمليات اللاواعية لدى الأصحاء إلى مستوى صنع القرار الواعي»، كما قالت لي فيونا روبرتسون، الكاتبة من أبردين في أسكوتلندا.
تعاني الذاكرة أيضاً، وإنما بطريقة مختلفة عن الحالات التنكسية مثل الزهايمر. الذكريات موجودة هناك، ولكن مع سوء أداء الوظيفة التنفيذية، لا يختار الدماغ الأشياء المهمة لتخزين أو استرجاع تلك المعلومات بكفاءة.
معظم الناس الذين لديهم ضباب دماغي غير متأثرين بشدة، ويتحسنون تدريجياً مع الوقت. لكن حتى مع تعافي الناس بالقدر الكافي للعمل، فإنهم يأخذون في التعايش مع عقول أقل ذكاء من ذي قبل. قال فاسكيز: «كنا قد اعتدنا قيادة سيارة رياضية، والآن صرنا لا نتعامل إلا مع سيارة عتيقة الطراز». في بعض المهن، السيارة العتيقة لن تعين أحدا. وقالت لي مونيكا فيردوزكو - غوتيريز، اختصاصية إعادة التأهيل لدى (يو تي هيلث سان أنتونيو): «لدي جراحون لا يمكنهم العودة إلى الجراحة لأنهم يحتاجون إلى وظيفتهم التنفيذية».
توقعت روبرتسون أن يتسبب الوباء بموجة من الضعف الإدراكي في مارس (آذار) 2020 بدأ ضبابها الدماغي قبل عقدين من الزمن، على الأرجح بسبب مرض فيروسي مختلف، لكنها عانت من نفس الإعاقة الوظيفية التي عاناها المصابون لفترات طويلة، والتي تفاقمت عندما أصيبت بكوفيد العام الماضي.
هذه المجموعة من المشاكل تحديدا تصيب أيضاً الكثير من الناس الذين يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية، والصرع بعد النوبات، ومرضى السرطان الذين يعانون مما يسمى بالدماغ الكيميائي، وكذلك الأشخاص الذين لديهم عدة أمراض مزمنة معقدة مثل الألم العضلي الليفي المتفشي أو «فيبرومالغيا». إنه جزء من المعايير التشخيصية لمتلازمة التعب المزمن، وتسمى أيضاً التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، وهي الحالة التي تعاني منها السيدة دافيس، والعديد من الأشخاص المصابين لفترات طويلة. كان الضباب الدماغي موجودا قبل تفشي فيروس كورونا بكثير، مما أثر على العديد من الأشخاص الذين وصمت حالتهم أو صرفت أو أهملت. قالت لي روبرتسون: طوال تلك السنوات، تعامل الناس مع الأمر وكأنه غير مستحق للبحث. وقيل للكثيرين منا: إنها مجرد حالة اكتئاب بسيطة».

إعاقة إدراكية
زعم العديد من الأطباء الإكلينيكيين الذين تحدثت معهم أن مصطلح «الضباب الدماغي» يجعل الحالة تبدو وكأنها إزعاج مؤقت، ويحرم المرضى من الشرعية التي قد تمنحها اللغة الطبية مثل الإعاقة الإدراكية. لكن أبارنا ناير، مؤرخة الإعاقة بجامعة أوكلاهوما، أشارت إلى أن مجتمعات الإعاقة استخدمت هذا المصطلح لعقود، وهناك العديد من الأسباب الأخرى وراء استبعاد الضباب الدماغي خارج المصطلحات. (وفرة المقاطع اللفظية لم تمنع الإقلال من أهمية «فيبرومالغيا» ومتلازمة التعب المزمن).
على سبيل المثال، لاحظت هيلموت أنه في مجال علم الأعصاب الإدراكي «كل البنى التحتية والتعليم تقريبا» يتركز على الأمراض التنكسية مثل الزهايمر، حيث البروتينات المارقة تصيب الأدمغة المسنة. وقليلون هم الباحثون الذين يعرفون أن الفيروسات يمكنها التسبب في الاضطرابات الإدراكية لدى الأشخاص الأصغر سنا، ومن ثم قليلون هم الذين يدرسون تأثيراتها. وأضافت تقول: «نتيجة لذلك، لا يتعلم بشأنها أحد في كلية الطب. ولأنه لا يوجد الكثير من التواضع في الطب، ينتهي الأمر بالناس إلى لوم المرضى بدلا من البحث عن إجابات».
كما أن الأشخاص الذين يعانون من الضباب الدماغي بارعون في إخفائه، كما قال لي ديفيد بوترينو، المشرف على عيادة إعادة تأهيل المصابين بفيروس كورونا لفترة طويلة في مستشفى ماونت سيناي: «سوف ينفذون المطلوب منهم عند اختبارهم، وسوف تقول نتائجك أنهم كانوا طبيعيين. وسوف تتأكد من أنك قد تسببت في تحطيمهم لمدة أسبوع عندما تعاود التحقق من نفس النتائج بعد يومين».
قال بوترينو: «ليس لدينا أيضاً الأدوات المناسبة لقياس الضباب الدماغي». ويستعمل الأطباء غالبا «تقييم مونتريال الإدراكي» Montreal Cognitive Assessment، الذي صمم للكشف عن المشاكل العقلية الشديدة لدى كبار السن المصابين بالخرف، وهو إجراء غير صالح لأي شخص دون سن الخامسة والخمسين، كما قالت لي هيلموت. حتى الشخص الذي لديه ضباب دماغي شديد يمكنه أن يتجاوزه. وهناك اختبارات أكثر تعقيدا وتطورا، لكنها لا تزال تقارن الناس بمتوسط عدد السكان وليس بالخط الأساسي السابق لديهم. تقول هيلموت: «الشخص الذي يؤدي وظيفة عالية مع تراجع في قدراته، والذي يقع ضمن النطاق الطبيعي، يقال له بأنه ليست لديه مشكلة».
في وقت سابق من هذا العام، تناول فريق من الباحثين البريطانيين الطبيعة الخفية للضباب الدماغي في صور واضحة بالأبيض والأسود للتصوير بالرنين المغناطيسي. وحللت جونايل داود من جامعة أكسفورد، وزملاؤها، البيانات المستقاة من دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، والتي كانت تفحص أدمغة مئات المتطوعين بصفة منتظمة لسنوات قبل الوباء. عندما أصيب بعض هؤلاء المتطوعين بكوفيد، تمكن الفريق من مقارنة فحوصاتهم اللاحقة بتلك السابقة. ووجدوا أنه حتى حالات العدوى الخفيفة يمكنها تقليص الدماغ قليلا، وتقلل سمك المادة الرمادية الغنية بالعصبونات (الخلايا العصبية). وفي أسوأ حالاتها، كانت هذه التغيرات مماثلة لعشر سنوات من الشيخوخة. وكانت واضحة بصفة خاصةً في مناطق من الدماغ مثل التلفيف المجاور للحصين، الذي يعد مهما لترميز واسترجاع الذكريات، وكذلك القشرة الجبهية الحجاجية، المهمة في الوظيفة التنفيذية. كانت لا تزال واضحة لدى الناس الذين لم ينقلوا إلى المستشفى. وكانت تصاحبهم مشاكل إدراكية.
ورغم أن (سارس - كوف - 2)، الفيروس المسبب لكوفيد، يمكنه الدخول وإصابة الجهاز العصبي المركزي، إلا أنه لا يفعل ذلك بكفاءة، أو بثبات، أو بصفة متكررة، كما أخبرتني الدكتورة ميشيل مونجي، اختصاصية الأورام العصبية بجامعة ستانفورد. بدلا من ذلك، تعتقد أن الفيروس في معظم الحالات يؤذي الدماغ من دون إصابته مباشرة. وقد أظهرت رفقة زملائها مؤخراً أنه عندما تعاني الفئران نوبات خفيفة من فيروس كورونا، يمكن للمواد الكيميائية الالتهابية الانتقال من الرئتين إلى الدماغ، حيث تعطل «ميكروغليا: الخلايا الدبقية الصغيرة». في العادة، تعمل «ميكروغليا» كمثل البستاني، إذ تدعم الخلايا العصبية عن طريق تشذيب الوصلات غير الضرورية، وتنظيف الحطام غير المرغوب فيه. وعندما تشتد جهودها، تصبح شديدة المقاومة ومدمرة. وفي وجودها، ينتج الحصين - المنطقة المهمة للغاية بالذاكرة - عدداً أقل من العصبونات الجديدة، في حين أن الكثير من العصبونات الموجودة تفقد طبقاتها العازلة، لذلك تسير الإشارات الكهربائية الآن على طول هذه الخلايا ببطء أكثر. هذه هي نفس التغييرات التي تراها الدكتورة مونجي في مرضى السرطان الذين يعانون من «الضباب الكيميائي». وبرغم أنها وفريقها أجروا تجارب كوفيد - 19 على الفئران، إلا أنهم وجدوا مستويات عالية لنفس المواد الكيميائية الالتهابية لدى المصابين لفترات طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي.

تفسيرات الضباب
تظن الدكتورة مونجي أن الالتهاب العصبي هو «الطريقة الأكثر شيوعا» التي يؤدي بها كوفيد إلى الضباب الدماغي، لكن هناك على الأرجح العديد من مثل هذه الطرق. قد يتسبب فيروس كورونا بمشاكل في المناعة الذاتية حيث يهاجم الجهاز المناعي الجهاز العصبي بطريق الخطأ، أو يعيد تنشيط فيروسات ساكنة مثل فيروس إبشتاين - بار، الذي تم ربطه بحالات تشمل متلازمة التعب المزمن أو التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، والتصلب المتعدد. كما أنه من خلال إتلاف الأوعية الدموية وملئها بالجلطات الصغيرة، يخنق كوفيد إمدادات الدم في المخ، مما يحرم هذه الأعضاء الأكثر طلبا للأكسجين والطاقة. وقال لي بوترينو إن نقص الأكسجين ليس قويا بما يكفي لقتل الخلايا العصبية أو إدخال الناس إلى العناية المركزة، لكن «الدماغ لا يحصل على كامل احتياجاته لمواصلة العمل بكامل طاقته». (يتسبب النقص الحاد في الأكسجين، الذي يجبر بعض المصابين بكوفيد على تلقي رعاية حرجة، في مشاكل إدراكية مختلفة عن تلك التي يعاني منها معظم المصابين بكوفيد - 19).
ولكن أي من هذه التفسيرات ليس ثابتا على الدوام، لكنها يمكن أن تعكس معنى جماعياً لسمات الضباب الدماغي. قال بوترينو إن نقص الأكسجين من شأنه التأثير أولا على المهام الإدراكية المعقدة المعتمدة على الطاقة، وهو ما يفسر لماذا تعد الوظيفة التنفيذية واللغة «أول من يتأثر». وبدون الطبقات العازلة، تعمل العصبونات ببطء أكبر، وهو ما يفسر شعور العديد من المصابين لفترات طويلة بأن سرعة المعالجة قد تباطأت، كما تقول الدكتورة مونجي: «إنك تفقد الشيء الذي يسهل الاتصال العصبي السريع بين مناطق الدماغ». ويمكن لهذه المشاكل أن تتفاقم أو تخفف منها عوامل كالنوم والراحة، مما يفسر لماذا يمر الأشخاص المصابون بالضباب الدماغي بأيام جيدة وأخرى سيئة. وبرغم أن فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى يمكنها التسبب في دمار التهابي في الدماغ، إلا أن فيروس (سارس - كوف - 2) يسبب ذلك بصورة أقوى من الإنفلونزا، على سبيل المثال، مما يفسر السبب في أن أشخاصاً مثل السيدة روبرتسون قد عانوا من الضباب الدماغي قبل فترة طويلة من الوباء الحالي، ولماذا تظهر الأعراض بشكل خاص بين المصابين لفترات طويلة بفيروس كوفيد.
قد يستغرق تحقيق التقدم في الطب الحيوي سنوات عديدة، لكن المرضى المصابين لفترات طويلة يحتاجون إلى المساعدة في علاج الضباب الدماغي الآن. وفي غياب العلاجات، فإن أغلب أساليب العلاج تتمحور حول مساعدة الناس في التعامل مع أعراضهم.
النوم السليم، والأكل الصحي، والتغييرات الأخرى في نمط الحياة يمكن أن تجعل الحالة أكثر تحملا. كما أن تقنيات التنفس والاسترخاء تساعد الأشخاص خلال فترات النوبات السيئة، وعلاج النطق يمكنه مساعدة الذين يعانون من مشاكل في العثور على الكلمات. ويمكن لبعض الأدوية التي لا تتطلب الوصفات الطبية، مثل مضادات الهستامين، التخفيف من أعراض الالتهاب، في حين أن المنبهات (المحفزات) يمكنها زيادة التركيز المتأخر.

• «ذي أتلانتيك»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»