الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

أسوأ أعراض المرض لا يزال أكثرها غموضاً

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء
TT

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

الضباب الدماغي لـ«كوفيد الطويل الأمد» يحير العلماء

«الضباب الدماغي» لا يشبه الصداع الكحولي أو الاكتئاب. إنه اضطراب في الوظيفة التنفيذية يجعل المهام الإدراكية الأساسية صعبة بصورة مزعجة.

ضباب مدمر
في 25 مارس (آذار) 2020، كانت هانا دافيس تراسل صديقتين عندما أدركت أنها لا تستطيع فهم إحدى رسائلهما. بعد الإدراك المتأخر، كانت هذه أول علامة على إصابتها بكوفيد - 19. كما كانت أيضاً تجربتها الأولى مع الظاهرة المعروفة باسم «الضباب الدماغي» «brain fog»، واللحظة التي انكمشت فيها حياتها القديمة بفعل الظاهرة الحالية. لقد كانت تعمل ذات يوم في مجال الذكاء الصناعي، وتحلل الأنظمة المعقدة من دون أي تردد، ولكنها الآن «تجد نفسها تصطدم بجدار عقلي» عندما تواجه مهام بسيطة مثل ملء النماذج. وذاكرتها، التي كانت حية ومتقدة ذات مرة، تشعر بأنها مهترئة وعابرة. أما الأمور المعتادة سابقا -من شراء الطعام، وصنع الوجبات، والتنظيف- فيمكن أن تكون صعبة على نحو مؤلم. وعالمها الداخلي -ما تدعوه «إضافات التفكير، كالاسترسال في أحلام اليقظة، ووضع الخطط، والتخيل»- قد ولى زمانها. وقالت لي: «الضباب شامل للغاية، ويؤثر في كل ناحية من حياتي». لأكثر من 900 يوم، مع أن أعراضا طويلة أخرى من كورونا قد تضاءلت وتلاشت، فإن ضبابها الدماغي لم يغادرها أبدا.
أخبرتني إيما لادز، اختصاصية الرعاية الأولية في جامعة أكسفورد قائلة: «من بين الأعراض الكثيرة المحتملة لفيروس كورونا، يعتبر الضباب الدماغي إلى حد بعيد أحد أكثر الأعراض المسببة للإعاقة والتدمير». كما أنه من بين أكثر الأعراض التي يساء فهمها. إذ أنها لم تكن حتى مدرجة في قائمة الأعراض المحتملة للفيروس مع بداية الوباء للمرة الأولى. لكن 20 إلى 30 في المائة من المرضى يبلغون عن وجود حالات من الضباب الدماغي بعد ثلاثة أشهر من إصابتهم بالعدوى، وكذلك 65 إلى 85 في المائة من الناقلين للعدوى المصابين لفترة طويلة. ويمكن أن يصيب الناس الذين لم يصابوا بدرجة كافية تستدعي الاستعانة بجهاز التنفس الصناعي -أو تلقي أي عناية في المستشفى. ويمكن أن يؤثر على الشباب في ريعان حياتهم العقلية.
يقول المصابون لفترة طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي إنه لا يشبه أيا من الأمور التي يقارنها الناس باستهزاء -بما في ذلك العديد من العاملين في المجال الطبي. إنه أعمق من التفكير الغائم الذي يصاحب الصداع الكحولي، أو الإجهاد، أو التعب.
بالنسبة للسيدة دافيس، كان الأمر مختلفا وأسوأ من تجربتها مع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وهو ليس مرضا نفسيا - جسديا psychosomatic، بل إنه يتضمن تغييرات حقيقية في بنية وكيميائية الدماغ. وهو ليس اضطرابا مزاجياً: كما قالت لي جوانا هيلموت، طبيبة الأعصاب بجامعة كاليفورنيا فرع سان فرانسيسكو: «إذا قال أي شخص إن هذا يرجع إلى الاكتئاب والقلق، فإنهم لا يمتلكون أي أساس لذلك، والبيانات تشير إلى أنه قد يكون من أساس آخر».

اضطراب الوظيفة التنفيذية
رغم اسمه الغامض، فإن الضباب الدماغي ليس مصطلحا شاملا لكل مشكلة عقلية ممكنة. تقول هيلموت إنه في جوهره دائما يعد اضطراب «الوظيفة التنفيذية» -أي مجموعة القدرات العقلية التي تشمل تركيز الانتباه، وحفظ المعلومات، والحيلولة دون الإلهاء. وهذه المهارات أساسية للغاية لدرجة أنه مع انهيارها، ينهار الكثير من البنيان الإدراكي للفرد. فأي شيء يتضمن التركيز، وتعدد المهام، والتخطيط -أي كل شيء مهم تقريبا- يصير شاقا على نحو غير معقول. «إنها ترفع العمليات اللاواعية لدى الأصحاء إلى مستوى صنع القرار الواعي»، كما قالت لي فيونا روبرتسون، الكاتبة من أبردين في أسكوتلندا.
تعاني الذاكرة أيضاً، وإنما بطريقة مختلفة عن الحالات التنكسية مثل الزهايمر. الذكريات موجودة هناك، ولكن مع سوء أداء الوظيفة التنفيذية، لا يختار الدماغ الأشياء المهمة لتخزين أو استرجاع تلك المعلومات بكفاءة.
معظم الناس الذين لديهم ضباب دماغي غير متأثرين بشدة، ويتحسنون تدريجياً مع الوقت. لكن حتى مع تعافي الناس بالقدر الكافي للعمل، فإنهم يأخذون في التعايش مع عقول أقل ذكاء من ذي قبل. قال فاسكيز: «كنا قد اعتدنا قيادة سيارة رياضية، والآن صرنا لا نتعامل إلا مع سيارة عتيقة الطراز». في بعض المهن، السيارة العتيقة لن تعين أحدا. وقالت لي مونيكا فيردوزكو - غوتيريز، اختصاصية إعادة التأهيل لدى (يو تي هيلث سان أنتونيو): «لدي جراحون لا يمكنهم العودة إلى الجراحة لأنهم يحتاجون إلى وظيفتهم التنفيذية».
توقعت روبرتسون أن يتسبب الوباء بموجة من الضعف الإدراكي في مارس (آذار) 2020 بدأ ضبابها الدماغي قبل عقدين من الزمن، على الأرجح بسبب مرض فيروسي مختلف، لكنها عانت من نفس الإعاقة الوظيفية التي عاناها المصابون لفترات طويلة، والتي تفاقمت عندما أصيبت بكوفيد العام الماضي.
هذه المجموعة من المشاكل تحديدا تصيب أيضاً الكثير من الناس الذين يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية، والصرع بعد النوبات، ومرضى السرطان الذين يعانون مما يسمى بالدماغ الكيميائي، وكذلك الأشخاص الذين لديهم عدة أمراض مزمنة معقدة مثل الألم العضلي الليفي المتفشي أو «فيبرومالغيا». إنه جزء من المعايير التشخيصية لمتلازمة التعب المزمن، وتسمى أيضاً التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، وهي الحالة التي تعاني منها السيدة دافيس، والعديد من الأشخاص المصابين لفترات طويلة. كان الضباب الدماغي موجودا قبل تفشي فيروس كورونا بكثير، مما أثر على العديد من الأشخاص الذين وصمت حالتهم أو صرفت أو أهملت. قالت لي روبرتسون: طوال تلك السنوات، تعامل الناس مع الأمر وكأنه غير مستحق للبحث. وقيل للكثيرين منا: إنها مجرد حالة اكتئاب بسيطة».

إعاقة إدراكية
زعم العديد من الأطباء الإكلينيكيين الذين تحدثت معهم أن مصطلح «الضباب الدماغي» يجعل الحالة تبدو وكأنها إزعاج مؤقت، ويحرم المرضى من الشرعية التي قد تمنحها اللغة الطبية مثل الإعاقة الإدراكية. لكن أبارنا ناير، مؤرخة الإعاقة بجامعة أوكلاهوما، أشارت إلى أن مجتمعات الإعاقة استخدمت هذا المصطلح لعقود، وهناك العديد من الأسباب الأخرى وراء استبعاد الضباب الدماغي خارج المصطلحات. (وفرة المقاطع اللفظية لم تمنع الإقلال من أهمية «فيبرومالغيا» ومتلازمة التعب المزمن).
على سبيل المثال، لاحظت هيلموت أنه في مجال علم الأعصاب الإدراكي «كل البنى التحتية والتعليم تقريبا» يتركز على الأمراض التنكسية مثل الزهايمر، حيث البروتينات المارقة تصيب الأدمغة المسنة. وقليلون هم الباحثون الذين يعرفون أن الفيروسات يمكنها التسبب في الاضطرابات الإدراكية لدى الأشخاص الأصغر سنا، ومن ثم قليلون هم الذين يدرسون تأثيراتها. وأضافت تقول: «نتيجة لذلك، لا يتعلم بشأنها أحد في كلية الطب. ولأنه لا يوجد الكثير من التواضع في الطب، ينتهي الأمر بالناس إلى لوم المرضى بدلا من البحث عن إجابات».
كما أن الأشخاص الذين يعانون من الضباب الدماغي بارعون في إخفائه، كما قال لي ديفيد بوترينو، المشرف على عيادة إعادة تأهيل المصابين بفيروس كورونا لفترة طويلة في مستشفى ماونت سيناي: «سوف ينفذون المطلوب منهم عند اختبارهم، وسوف تقول نتائجك أنهم كانوا طبيعيين. وسوف تتأكد من أنك قد تسببت في تحطيمهم لمدة أسبوع عندما تعاود التحقق من نفس النتائج بعد يومين».
قال بوترينو: «ليس لدينا أيضاً الأدوات المناسبة لقياس الضباب الدماغي». ويستعمل الأطباء غالبا «تقييم مونتريال الإدراكي» Montreal Cognitive Assessment، الذي صمم للكشف عن المشاكل العقلية الشديدة لدى كبار السن المصابين بالخرف، وهو إجراء غير صالح لأي شخص دون سن الخامسة والخمسين، كما قالت لي هيلموت. حتى الشخص الذي لديه ضباب دماغي شديد يمكنه أن يتجاوزه. وهناك اختبارات أكثر تعقيدا وتطورا، لكنها لا تزال تقارن الناس بمتوسط عدد السكان وليس بالخط الأساسي السابق لديهم. تقول هيلموت: «الشخص الذي يؤدي وظيفة عالية مع تراجع في قدراته، والذي يقع ضمن النطاق الطبيعي، يقال له بأنه ليست لديه مشكلة».
في وقت سابق من هذا العام، تناول فريق من الباحثين البريطانيين الطبيعة الخفية للضباب الدماغي في صور واضحة بالأبيض والأسود للتصوير بالرنين المغناطيسي. وحللت جونايل داود من جامعة أكسفورد، وزملاؤها، البيانات المستقاة من دراسة البنك الحيوي في المملكة المتحدة، والتي كانت تفحص أدمغة مئات المتطوعين بصفة منتظمة لسنوات قبل الوباء. عندما أصيب بعض هؤلاء المتطوعين بكوفيد، تمكن الفريق من مقارنة فحوصاتهم اللاحقة بتلك السابقة. ووجدوا أنه حتى حالات العدوى الخفيفة يمكنها تقليص الدماغ قليلا، وتقلل سمك المادة الرمادية الغنية بالعصبونات (الخلايا العصبية). وفي أسوأ حالاتها، كانت هذه التغيرات مماثلة لعشر سنوات من الشيخوخة. وكانت واضحة بصفة خاصةً في مناطق من الدماغ مثل التلفيف المجاور للحصين، الذي يعد مهما لترميز واسترجاع الذكريات، وكذلك القشرة الجبهية الحجاجية، المهمة في الوظيفة التنفيذية. كانت لا تزال واضحة لدى الناس الذين لم ينقلوا إلى المستشفى. وكانت تصاحبهم مشاكل إدراكية.
ورغم أن (سارس - كوف - 2)، الفيروس المسبب لكوفيد، يمكنه الدخول وإصابة الجهاز العصبي المركزي، إلا أنه لا يفعل ذلك بكفاءة، أو بثبات، أو بصفة متكررة، كما أخبرتني الدكتورة ميشيل مونجي، اختصاصية الأورام العصبية بجامعة ستانفورد. بدلا من ذلك، تعتقد أن الفيروس في معظم الحالات يؤذي الدماغ من دون إصابته مباشرة. وقد أظهرت رفقة زملائها مؤخراً أنه عندما تعاني الفئران نوبات خفيفة من فيروس كورونا، يمكن للمواد الكيميائية الالتهابية الانتقال من الرئتين إلى الدماغ، حيث تعطل «ميكروغليا: الخلايا الدبقية الصغيرة». في العادة، تعمل «ميكروغليا» كمثل البستاني، إذ تدعم الخلايا العصبية عن طريق تشذيب الوصلات غير الضرورية، وتنظيف الحطام غير المرغوب فيه. وعندما تشتد جهودها، تصبح شديدة المقاومة ومدمرة. وفي وجودها، ينتج الحصين - المنطقة المهمة للغاية بالذاكرة - عدداً أقل من العصبونات الجديدة، في حين أن الكثير من العصبونات الموجودة تفقد طبقاتها العازلة، لذلك تسير الإشارات الكهربائية الآن على طول هذه الخلايا ببطء أكثر. هذه هي نفس التغييرات التي تراها الدكتورة مونجي في مرضى السرطان الذين يعانون من «الضباب الكيميائي». وبرغم أنها وفريقها أجروا تجارب كوفيد - 19 على الفئران، إلا أنهم وجدوا مستويات عالية لنفس المواد الكيميائية الالتهابية لدى المصابين لفترات طويلة ممن يعانون من الضباب الدماغي.

تفسيرات الضباب
تظن الدكتورة مونجي أن الالتهاب العصبي هو «الطريقة الأكثر شيوعا» التي يؤدي بها كوفيد إلى الضباب الدماغي، لكن هناك على الأرجح العديد من مثل هذه الطرق. قد يتسبب فيروس كورونا بمشاكل في المناعة الذاتية حيث يهاجم الجهاز المناعي الجهاز العصبي بطريق الخطأ، أو يعيد تنشيط فيروسات ساكنة مثل فيروس إبشتاين - بار، الذي تم ربطه بحالات تشمل متلازمة التعب المزمن أو التهاب الدماغ والنخاع المؤلم للعضلات، والتصلب المتعدد. كما أنه من خلال إتلاف الأوعية الدموية وملئها بالجلطات الصغيرة، يخنق كوفيد إمدادات الدم في المخ، مما يحرم هذه الأعضاء الأكثر طلبا للأكسجين والطاقة. وقال لي بوترينو إن نقص الأكسجين ليس قويا بما يكفي لقتل الخلايا العصبية أو إدخال الناس إلى العناية المركزة، لكن «الدماغ لا يحصل على كامل احتياجاته لمواصلة العمل بكامل طاقته». (يتسبب النقص الحاد في الأكسجين، الذي يجبر بعض المصابين بكوفيد على تلقي رعاية حرجة، في مشاكل إدراكية مختلفة عن تلك التي يعاني منها معظم المصابين بكوفيد - 19).
ولكن أي من هذه التفسيرات ليس ثابتا على الدوام، لكنها يمكن أن تعكس معنى جماعياً لسمات الضباب الدماغي. قال بوترينو إن نقص الأكسجين من شأنه التأثير أولا على المهام الإدراكية المعقدة المعتمدة على الطاقة، وهو ما يفسر لماذا تعد الوظيفة التنفيذية واللغة «أول من يتأثر». وبدون الطبقات العازلة، تعمل العصبونات ببطء أكبر، وهو ما يفسر شعور العديد من المصابين لفترات طويلة بأن سرعة المعالجة قد تباطأت، كما تقول الدكتورة مونجي: «إنك تفقد الشيء الذي يسهل الاتصال العصبي السريع بين مناطق الدماغ». ويمكن لهذه المشاكل أن تتفاقم أو تخفف منها عوامل كالنوم والراحة، مما يفسر لماذا يمر الأشخاص المصابون بالضباب الدماغي بأيام جيدة وأخرى سيئة. وبرغم أن فيروسات الجهاز التنفسي الأخرى يمكنها التسبب في دمار التهابي في الدماغ، إلا أن فيروس (سارس - كوف - 2) يسبب ذلك بصورة أقوى من الإنفلونزا، على سبيل المثال، مما يفسر السبب في أن أشخاصاً مثل السيدة روبرتسون قد عانوا من الضباب الدماغي قبل فترة طويلة من الوباء الحالي، ولماذا تظهر الأعراض بشكل خاص بين المصابين لفترات طويلة بفيروس كوفيد.
قد يستغرق تحقيق التقدم في الطب الحيوي سنوات عديدة، لكن المرضى المصابين لفترات طويلة يحتاجون إلى المساعدة في علاج الضباب الدماغي الآن. وفي غياب العلاجات، فإن أغلب أساليب العلاج تتمحور حول مساعدة الناس في التعامل مع أعراضهم.
النوم السليم، والأكل الصحي، والتغييرات الأخرى في نمط الحياة يمكن أن تجعل الحالة أكثر تحملا. كما أن تقنيات التنفس والاسترخاء تساعد الأشخاص خلال فترات النوبات السيئة، وعلاج النطق يمكنه مساعدة الذين يعانون من مشاكل في العثور على الكلمات. ويمكن لبعض الأدوية التي لا تتطلب الوصفات الطبية، مثل مضادات الهستامين، التخفيف من أعراض الالتهاب، في حين أن المنبهات (المحفزات) يمكنها زيادة التركيز المتأخر.

• «ذي أتلانتيك»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.