وودي آلن... المخرج المثير للجدل على الشاشة الفضية وخلفها

أكد أنه «متحمس جداً» لتصوير فيلمه الجديد نافياً عزمه الاعتزال

المخرج الأميركي وودي آلن (أ.ف.ب)
المخرج الأميركي وودي آلن (أ.ف.ب)
TT

وودي آلن... المخرج المثير للجدل على الشاشة الفضية وخلفها

المخرج الأميركي وودي آلن (أ.ف.ب)
المخرج الأميركي وودي آلن (أ.ف.ب)

الرجل الذي يقول «لا أريد أن أحقق الخلود من خلال عملي، بل من خلال عدم الموت»، لا ينتمي منطقياً إلى فصيلة المعتزلين.
على مشارف الـ87 من عمره، يستعد صاحب المقولة المخرج الأميركي وودي آلن لتصوير فيلمه الـ50، يجمع الممثلين، يختار المواقع في باريس، يجهز كاميراته، ثم يأتي الخبر من صحيفة إسبانية: «وودي آلن يقرر الاعتزال».
في التفاصيل، فإن صحيفة «لا فانغوارديا» نشرت في 17 سبتمبر (أيلول) الحالي حديثاً منسوباً إلى آلن يقول فيه، إن فيلمه الذي يتهيأ لتصويره سيكون الأخير في مسيرته. ويوضح المخرج العالمي أنه قرر مبدئياً أن لا يصنع أي أفلام أخرى، وأن يصب ما تبقى لديه من طاقة على الكتابة، كتابة رواية على الأرجح...
ما كادت تمر 48 ساعة على نشر الخبر، حتى صدر نفي على لسان متحدث باسم آلن جاء فيه: «لم يقل أبداً إنه سيعتزل ولا إنه يكتب رواية. قال إنه يفكر في عدم صناعة أفلام تذهب مباشرة إلى منصات البث الرقمي، الأمر الذي لا يستسيغه لأنه يحب تجربة السينما المتكاملة». وأضاف المتحدث: «لا نية لديه في الاعتزال حالياً، وهو متحمس جداً لتصوير فيلمه الجديد».

وراء أكمة الاعتزال
رغم المسارعة إلى النفي، يشهد الأرشيف على أنها ليست المرة الأولى التي يجاهر فيها آلن برغبته في الاعتزال. ففي مقابلة أجراها معه زميله الممثل أليك بالدوين منذ أشهر، لم يستبعد الفكرة قائلاً: «الحماسة انتهت تقريباً». تحسرَ آلن على ماضٍ كان يتهافت فيه الناس بالآلاف إلى دور السينما لمشاهدة أفلامه؛ «الآن لا يستمر عرض الفيلم أكثر من أسبوعين ثم يذهب مباشرة إلى منصات البث».
من الطبيعي أن يشعر مخرج ثمانيني بالحنين إلى لهفة صندوق التذاكر ورائحة صالة السينما، وأن لا يتأقلم مع التقنيات الحديثة التي جردت التجربة من رومانسيتها، هو الذي بدأ مسيرته السينمائية كتابة وإخراجاً في الستينيات. لكن عدم ارتياح آلن للواقع السينمائي الجديد الذي فرضته التكنولوجيا هو إشكالية تُخفي تحتها إشكالياتٍ أخرى.

لطالما وُصفت معظم أفلام وودي آلن بالمثيرة للجدل. في سيناريوهاته تتعدد العلاقات العاطفية الملتبسة وغير الشرعية، فيكاد لا يخلو عملٌ من الخيانات، كل ذلك ضمن إطارٍ من الحوارات الصعبة وغوصٍ في أعماق النفس البشرية المعقدة. يقر النقاد بأن آلن يسكب الكثير من تفاصيل حياته ومما يدور في نفسه فوق ورق أفلامه. فهو، على غرار أعماله، مثيرٌ للجدَل، ليس بفعل إنجازاته السينمائية غير التقليدية فحسب، بل بسبب حياته الخاصة التي بدأت تُزعزع قلعته السينمائية عام 1992.
في تلك السنة، اتهمته شريكته الممثلة ميا فارو بأنه تحرش جنسياً بابنتها المتبناة ديلان. كانت الفتاة في الـ7 من عمرها وقتذاك، وقد أكدت التهمة بنفسها. لكن القضاء لم يجد دليلاً ضد آلن الذي نفى الموضوع بشكلٍ قاطع، فخرج من القضية من دون أي إدانة. لكن زواجه عام 1997 من ابنة فارو الثانية بالتبني سون يي، التي تصغره بنحو 35 عاماً، أثار بلبلة جديدة صبت الزيت فوق نار الفضيحة الأولى.

آلن وزوجته سون يي عام 1997 (رويترز)

مضت السنوات وآلن ينجز فيلماً تلو فيلم ويحصد الجوائز بين الحين والآخر. مع الوقت، نسي الناس تلك النقطة السوداء في سجله، فصفقوا طويلاً لأفلامه، لا سيما تلك التي افتتح بها الألفية الثالثة. إذ شكلت الأعوام ما بين 2005 و2013 فرصة أمامه لتجديد شبابه وشعبيته، من خلال أفلام مثل «ماتش بوينت» (Match Point) و«فيكي كريستينا برشلونة» (Vicky Cristina Barcelona) و«منتصف الليل في باريس» (Midnight in Paris).
لكن من حيث لم يكن يتوقع، باغتته الصفعة ذاتها من جديد. فبالتزامن مع حملة «أنا أيضاً» (Me Too) المناهضة للتحرش الجنسي في كواليس هوليوود، عادت قضية وودي آلن إلى الواجهة عام 2017، حركت فارو وابنتها ديلان المياه الراكدة، فغرق هو تحت أمواج الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي. أدار عددٌ من الممثلات والممثلين ظهورهم له وقاطعوا أعماله، فيما عبر آخرون عن ندمهم لأنهم تعاملوا معه. وبالتوازي، امتنعت دار النشر التي كانت تنوي أن تُصدر سيرته الذاتية عن فعل ذلك.
كان من المنطقي أن ينعكس الأمر سلباً على أعماله على المستويين النوعي والجماهيري، وقد مر آخر فيلمين «يوم ماطر في نيويورك» (A Rainy Day in New York) و«مهرجان ريفكن» (Rifkin’s Festival) مروراً باهتاً وبارداً.

كلاسيكيات مخرج غير كلاسيكي
وودي آلن الذي انطلق في مسيرته ككاتب نكات للبرامج التلفزيونية، اعتمر مع مرور السنوات قبعات الإخراج والكتابة والتمثيل. فهو غالباً ما كان يطل في أفلامه من خلال أدوارٍ يشبه فيها نفسه.
عام 1977، وبعد 8 سنوات من المحاولات المتواضعة، استطاع أن يخترق جدار الظل مع «آني هول» (Annie Hall) الذي وضع بموجبه أسس الكوميديا الرومانسية الحديثة. يروي الفيلم قصة ممثل كوميدي مطلق يمضي وقته في تشريح علاقته مع حبيبته السابقة المغنية آني هول. الفيلم الذي نال 4 جوائز أوسكار، أدى بطولته ألن شخصياً إلى جانب الممثلة ديان كيتون، التي جمعته بها علاقة حب تحولت لاحقاً إلى صداقة متينة.
https://www.youtube.com/watch?v=OqVgCfZX-yE
بعد سنتَين، جاء فيلم «مانهاتن» (Manhattan) ليكرس موهبة آلن الفريدة. شكلت تلك الكوميديا الرومانسية تحية بالأسود والأبيض إلى مدينة نيويورك، مسقط رأس الفنان. أما القصة فتمحورت حول حياة كاتب تلفزيوني مطلق يواعد فتاة مراهقة ويغرم في الوقت ذاته بعشيقة صديقه.
https://www.youtube.com/watch?v=JEoEGW4Hb9w
عندما سُئل عن أقرب 3 من أفلامه إلى قلبه، سمى آلن «Stardust Memories، Match Point وThe Purple Rose of Cairo» أو «وردة القاهرة البنفسجية». الفيلم الصادر عام 1985 يمزج بين الحقيقة والخيال مصوراً بطلاً يخرج من الشاشة الكبيرة إلى أرض الواقع.
https://www.youtube.com/watch?v=bFmAxUfx6Oc
بالانتقال إلى الألفية الثالثة التي شهدت ولادة سينمائية ثانية لآلن، وجد المخرج ملهمته الجديدة في الممثلة سكارليت يوهانسون. أطلت عام 2005 في فيلم «ماتش بوينت» (Match Point)، ودائماً في إطار من العلاقات العاطفية المعقدة. وقد صُنف الفيلم كأحد أهم أعمال آلن.
https://www.youtube.com/watch?v=Q0WaX80XY5w&t=56s
بعد 3 سنوات، قدم آلن مع يوهانسون وزميلتها بينيلوبي كروز، فيلماً عصرياً وخفيفاً استطاع بفضله أن يستحوذ على شباك التذاكر عام 2008، تدور أحداث «Vicky Cristina Barcelona» في مدينة برشلونة الإسبانية، حيث تُغرم سائحتان أميركيتان برسامٍ مطلق لا تخلو علاقته مع زوجته السابقة من العواصف.

ويبقى «منتصف الليل في باريس» (Midnight in Paris) أقوى أفلامه على الإطلاق بحسب آراء النقاد والمشاهدين على حدٍ سواء. العمل الذي فاز بأوسكار أفضل سيناريو عام 2011، جمع 151 مليون دولار من الإيرادات.
https://www.youtube.com/watch?v=FAfR8omt-CY
يروي الفيلم حكاية باريس في عيون وودي آلن؛ المدينة التي يهرب إليها كلما ضاقت به شوارع نيويورك وقلوب ناسها.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

استقالة رئيس «فوجيتسو» اليابانية بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء»

شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
TT

استقالة رئيس «فوجيتسو» اليابانية بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء»

شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)
شعار شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو» (أ.ف.ب)

أفادت شركة أنظمة الحوسبة اليابانية «فوجيتسو»، اليوم الأربعاء، بأن رئيس مجلس إدارتها هيدينوري فوروتا تنحّى عن منصبه بسبب «سلوك غير لائق مرتبط بالنساء».

تأتي الاستقالة بعدما علمت الشركة بالأمر، هذا الشهر، وفق ما أفاد متحدث باسمها، رفض الكشف عن تفاصيل القضية، لكنه أشار إلى أن هذا التغيير في المنصب لم يأت نتيجة أي انتهاك للقانون، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولا توجد خطط لتعيين خلف له، وفقاً للمتحدث.

تولى فوروتا منصب رئيس «فوجيتسو» في عام 2024، بعدما شغل منصبيْ نائب الرئيس التنفيذي وكبير مسؤولي التكنولوجيا بالشركة.

وتُعد «فوجيتسو»، ومقرُّها طوكيو، من بين كبرى شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في العالم.

كانت الشركة في قلب فضيحة تتعلّق بتكنولوجيا المعلومات داخل فروع مكتب البريد البريطاني، بعد أن تسببت مشاكل في برنامج المحاسبة التابع لها في اختفاء مبالغ من الحسابات من طريق الخطأ.

وقامت هيئة البريد البريطانية بملاحقة قضائية عن طريق الخطأ لنحو 1000 من مديري الفروع بين عاميْ 1999 و2015.


اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
TT

اكتشاف فيلا مفقودة منذ 18 قرناً قرب روما

ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)
ما كشفته المجارف أكبر من حجارة وزخارف (وزارة الثقافة الإيطالية)

اكتشف علماء الآثار فيلا فاخرة تعود إلى القرن الأول الميلادي، زارها 3 أباطرة، وذلك في منطقة كاستيل دي غويدو الواقعة على مشارف روما، مما يُسلّط ضوءاً جديداً على حياة النخبة الرومانية في ذلك العصر.

ووفق «الإندبندنت»، فقد عُثر على الفيلا خلال عمليات تنقيب جرت على بُعد نحو 19 كيلومتراً (12 ميلاً) غرب أسوار مدينة روما في منطقة لوريوم الأثرية، وهو الموقع الذي عُثر فيه سابقاً على عقار مرتبط بالإمبراطور أنطونينوس بيوس؛ وقد أزيح الستار عن الموقع بعد إبلاغ الشرطة المحلية بوجود أعمال حفر وتنقيب غير مشروعة في أراضٍ مملوكة للدولة في تلك المنطقة.

وعقب ذلك، باشر علماء الآثار عمليات تنقيب طارئة لتوثيق البنية المعمارية للموقع، وتثبيتها، لحمايتها من الانهيار.

وقالت عالمة الآثار أليسيا كونتينو، من وزارة الثقافة الإيطالية: «بفضل البلاغ المحلّي، والتدخُّل السريع، أمكن تحديد جزء من فيلا ضخمة تعود إلى العهد الإمبراطوري، ولم تكن معروفة من قبل، والكشف عن مجموعة رائعة من الزخارف، فضلاً عن العثور على تمثال منحوت من الرخام الأبيض النقي».

للمكان هيبة حتى بعد رحيل ساكنيه بقرون (وزارة الثقافة الإيطالية)

ومن جانبها، صرَّحت المُشرفة الخاصة لآثار روما التابعة لوزارة الثقافة الإيطالية، دانييلا بورو: «إن اكتشاف هذه الفيلا الرومانية في منطقة كاستيل دي غويدو يبرهن على الثراء الأثري الاستثنائي لمدينتنا حتى خارج نطاق مركزها التاريخي».

وأضافت أنّ هذا الاكتشاف يعكس أيضاً مدى فاعلية جهود الحماية القائمة على التعاون، وسرعة التدخُّل.

وقد أسفرت أعمال التنقيب في الموقع عن الكشف عن جدران في حالة ممتازة من الحفظ يصل ارتفاعها إلى 1.5 متر، بالإضافة إلى لوحات من الفسيفساء، وزخارف من الجصّ الملوَّن.

وحدَّد الباحثون بهو الفيلا الذي يتميّز بوجود حوض مركزي غائر، وزخارف راقية تُحاكي أشكالاً هندسية، ونباتية.

وضمَّت إحدى الغرف المُكتَشفة 9 لوحات هندسية باللونَيْن الأبيض والأسود، في حين احتوت غرفة أخرى على أشكال ثمانية الأضلاع باللون الأسود على خلفية بيضاء، وجاءت الغرفة الثالثة مزينة بزخارف على شكل مستطيلات سوداء.

وأفاد الباحثون بأنه عُثر أيضاً على غرف مرصوفة بالفسيفساء، وبنى معمارية مرتبطة بأنشطة ومتعلّقات عدة خاصة بالفيلا.

كما عُثر في الموقع على تمثال مجزأ يُجسّد شخصية ملتحية تحمل حيواناً أليفاً صغيراً، يُرجَّح أنه عجل، أو خنزير صغير.

وقال الباحثون: «إن جودة المكتشفات والزخارف التصويرية والفسيفساء تشهد على المكانة الاجتماعية الرفيعة لأصحاب هذه الفيلا».

ورغم أن الهوية الحقيقية لمالك الفيلا لا تزال غير واضحة، فإنّ الأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى أنها كانت مملوكة لأفراد من الطبقة الأرستقراطية الرومانية، ويُرجَّح أنهم من المقربين إلى العائلة الإمبراطورية.

وتشير الشواهد إلى أنّ الفيلا بُنيت على الأرجح في أوائل القرن الأول الميلادي، ثم هُجرت في القرن الثالث الميلادي.

وكانت منطقة لوريوم نفسها مقصداً يتردَّد عليه الأباطرة الرومان؛ بدءاً من هادريان، ولاحقاً أنطونينوس بيوس الذي شيَّد مقره هناك، فضلاً عن الإمبراطور ماركوس أوريليوس.

وتشير السجلات التاريخية إلى أن عائلتَي الإمبراطور أنطونينوس بيوس من جهتَي الأب والأم، والذي امتدّت مرحلة حكمه من عام 138 إلى 161، عاشتا في منطقة لوريوم.

ويرى العلماء أن هذه الفيلا، بمجمل مكتشفاتها، تفتح آفاقاً جديدة لفهم أعمق للإمبراطورية الرومانية خلال القرن الأول الميلادي.


«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
TT

«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)
أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)

يجمع معرض «خزفة من أجل طفل» المستمرّ في «غاليري شريف تابت» بالأشرفية البيروتية حتى 20 يونيو (حزيران) الحالي، بين عالمَيْن قد يبدوان متباعدين: السيراميك والعمل الاجتماعي، وإذا بالتجوّل بين الأعمال المعروضة يكشف عن خيط عميق يصل بينهما يتعلَّق بفكرة التحوّل قبل أن يتعلَّق بفكرة المساعدة.

كلّ قطعة وصلت إلى شكلها بطريقها الخاصة (الشرق الأوسط)

في المجتمعات المُثقَلة بالأزمات، يعتاد الناس النظر إلى الأطفال المتأثّرين بالعنف أو الفقر أو التفكُّك الأُسري من زاوية النقص. يتحوَّل الطفل ملفّاً اجتماعياً أو حالةً تحتاج متابعة. تختفي فرديّته خلف التعريفات السائدة، وتصبح الصعوبات التي واجهها جزءاً من هويته في عيون الآخرين. ذلك يُضاعف أهمية جهود «دار الطفل اللبناني (AFEL)» منذ 50 عاماً. فالجمعية ترى في هؤلاء الأطفال إمكاناتهم المقبلة أكثر مما ترى جراحهم السابقة.

في السيراميك كما في الحياة لا يشبه مسارٌ مساراً آخر (الشرق الأوسط)

يحضر هذا المعنى داخل المعرض من دون أن يُقال مباشرة... فالقِطع الخزفية المعروضة لا تروي حكايات عن الطفولة، ولا تستعير صوَر الأطفال أو معاناتهم. 20 فناناً مُشارِكاً تركوا المادة تتحدَّث بلغتها الخاصة. أشكال متنوّعة وأحجام مختلفة وأسطُح تحتفظ بآثار التشكيل، وتكوينات تتراوح بين الاستخدامي والتجريدي. لا شيء يوحي بالسعي إلى نموذج مُوحَّد أو نتيجة مُتشابِهة. الأعمال مجتمعةً تحتفي بفكرة الاختلاف أيضاً.

ما تصنعه اليد يبقى أطول مما نظنّ (الشرق الأوسط)

هذه الفكرة تُلازم التجربة الإنسانية التي تعمل الجمعية على ترسيخها. فالأطفال الذين تُواكبهم يحملون تجارب مُتباينة. بعضهم جاء من بيوت مضطربة، وبعضهم عرف العنف في مرحلة مبكرة من حياته، فيما خاض آخرون علاقة شاقَّة مع المدرسة بسبب صعوبات تعلُّم لم تجد مَن يفهمها أو يتعامل معها على نحو مُلائم، فتحوَّلت سنوات الدراسة تجربةَ إقصاءٍ بدلَ أن تكون تجربة معرفة. وهذه التجارب تلتقي عند عبء مشترك يتمثَّل في النظرة التي تختزل أصحابها في تعثُّرهم المُبكر.

آثار الأصابع لا تختفي دائماً... وهذا ما يمنح الأشياء تفردها (الشرق الأوسط)

ذلك يمنح «مدرسة الدعم التعليمي» التابعة للجمعية في منطقة برج حمود أهمية استثنائية. فهي تستقبل أطفالاً يعانون فرط الحركة، وعسر القراءة، واضطرابات اللغة والنمو النفسي الحركي، ضمن حالات كثيراً ما تقود في البيئات التعليمية إلى العَزْل أو الإحباط أو فقدان الثقة بالنفس. وبينما يُحسِّن العمل هناك الأداء الدراسي، فإنه يُرمِّم علاقة الطفل بقدراته ويُحرّره من الصورة السلبية التي راكمتها سنوات من سوء الفَهْم أو المقارنة أو الفشل المتكرّر.

ومن المثير أنّ فنّ السيراميك يحمل في جوهره تصوّراً قريباً من هذه الرؤية. فالفنان يتعامل مع المادة من داخل إمكاناتها الكامنة، وليس وفق شكل مُسبَق يفرضه عليها. العملية قائمة على التفاعل مع خصائص كلّ قطعة، وسُمكها وتوازنها واستجابتها. لذلك لا تُنتَج قِطع متشابهة حتى حين تنطلق من المادة نفسها. تحتفظ كلّ منها بشخصيتها المُتفرِّدة ومسارها الخاص.

50 عاماً من حماية الطفولة واستعادة ما كاد يُفقد (الشرق الأوسط)

تحمل العلاقة بين المعرض والجمعية أبعاداً تتخطَّى الغاية التضامنية المُعلَنة، فلا تُعرَض الأعمال لتؤدّي دور الوسيط لجَمْع التبرّعات فقط. هي تمنح الزائر مساحة للتأمُّل في ضرورة الفرصة الثانية التي غالباً ما تغيب عن النقاشات الاجتماعية. فالمجتمعات تميل إلى تصنيف الأفراد وفق انطباعات أولى، بينما يحتاج النمو الإنساني وقتاً أطول من الأحكام. والطفولة؛ أعمق من أيّ مرحلة أخرى، تتأثَّر بنوعية هذه النظرة التي تُرمَى عليها.

ما يبدو ساكناً يحتفظ بالحياة في داخله (الشرق الأوسط)

ففي العادة، لا يلتفت المجتمع إلا إلى النتائج... إلى الطفل الذي طُرِد من المدرسة أو انجرف إلى العنف أو خسر معركته مع التهميش. أما القصص التي لم تصل إلى هذه النهايات، فقلَّما تجد مَن يرويها. بنظرة مُنصِفة إلى الطفولة، راكمت «دار الطفل اللبناني» تجارب آلاف المسارات الإنسانية التي عَبَرَت برامجها خلال العقود الـ5 الماضية ثم شقَّت الطُرق نحو حياة مختلفة. أطفالٌ أصبحوا أهالي، وبعضهم دخلوا مجالات مهنية متنوّعة، وبعضهم اختاروا قطاع التربية أو الخدمة الاجتماعية. وإنما جميعهم أكّدوا أنّ السيرة الإنسانية لا تُكتَب في فصلها الأول فقط، فالمصير أوسع من البدايات.