الكاثوليك للمرة الأولى أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية

مطالبات باستفتاء على مصير «الحدود»

باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
TT

الكاثوليك للمرة الأولى أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية

باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)

«يتوالدون كالأرانب ويتكاثرون كالحشرات الطفيلية» (They breed like rabbits and multiply like vermin).
هذه العبارة المسيئة ضد الكاثوليك في آيرلندا الشمالية هي واحد من أقوال كثيرة يُشتهر بها زعيم الوحدويين الآيرلنديين السابق، القس إيان بيسلي، خلال سنوات الصراع الدموي الذي شهده شمال آيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي. بالطبع، ليّن بيسلي لاحقاً من موقفه المتشدد عقب اتفاق سلام «الجمعة العظيمة» عام 1998، وتولى منصب الوزير الأول في حكومة منتخبة في بلفاست تمثل الوحدويين البروتستانت المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة تحت العرش البريطاني، والقوميين الكاثوليك الذين يريدون الانضمام إلى دولة موحدة مع جمهورية آيرلندا.
بعد 100 عام من إنشاء البريطانيين لإقليم آيرلندا الشمالية على أساس أنه سيضم غالبية بروتستانتية في ست دوائر بشمال شرقي البلاد يتم فصلها عن جمهورية آيرلندا الكاثوليكية المستقلة في الجنوب، يبدو أن كلام القس بيسلي عن الخوف من سرعة «تكاثر» الكاثوليك بات أمراً واقعاً. فقد كشفت أرقام التعداد السكاني للعام 2021 والذي يجري كل 10 سنوات، أن الكاثوليك باتوا اليوم أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية، للمرة الأولى في تاريخ هذا الإقليم البريطاني. وتأجل إعلان نتائج التعداد يومين بسبب انشغال بريطانيا بمراسم دفن الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
وستشكل نتائج التعداد هاجساً للعرش البريطاني، وللعاهل الجديد الملك تشارلز الثالث في مستهل حكمه، في ظل دعوات لتنظيم استفتاء شعبي على مصير «حدود» الإقليم، وهو أمر يمكن أن يؤدي إلى إزالة الحدود بين شطري الجزيرة الآيرلندية ما دام الكاثوليك اليوم باتوا الغالبية في الشطر الشمالي أيضاً، وليس فقط في الجنوب. كما أن الملك تشارلز يواجه دعوات متزايدة يطلقها القوميون في اسكوتلندا لتنظيم استفتاء جديد على الاستقلال.
وبحسب نتائج التعداد السكاني المعلنة الخميس، يمثل الكاثوليك الآن 45.7 في المائة من سكان آيرلندا الشمالية، بينما يمثل البروتستانت 43.5 في المائة من السكان. ويظهر التعداد أيضاً أن عدد غير المسيحيين بات يمثل 1.5 في المائة من السكان، بينما نسبة الذين يقولون إنهم بلا دين تبلغ 4.3 في المائة.
ووصف النائب جون فينوكين، عن حزب «شين فين» (الكاثوليكي المؤيد لوحدة آيرلندا)، الأرقام التي كشفها التعداد السكاني بأنها «إشارة واضحة لأن تغييراً تاريخياً يحصل في هذه الجزيرة»، مضيفاً أن هذا التغيير مسار «لا يمكن إعادته إلى الوراء». وطالب بإنشاء جمعية لمواطني آيرلندا الشمالية تتولى التخطيط لتنظيم اقتراع محتمل على مصير «الحدود». وحزب «شين فين» كان يعتبر الجناح السياسي لـ«الحزب الجمهوري الآيرلندي» الذي قاد حرب عصابات على مدى عقود ضد الحكم البريطاني للجزيرة. وعقب اتفاق سلام «الجمعة العظيمة» انخرط الحزب في المنافسات الانتخابية في آيرلندا الشمالية، وبات اليوم الحزب الأكبر في البرلمان المحلي في بلفاست.
في المقابل، سارع الوحدويون المؤيدون للبقاء في إطار المملكة المتحدة، وهم عادة البروتستانت المؤيدون للعرش البريطاني، إلى التحذير من استنتاج خلاصات «مبسطة وكسولة» اعتماداً على مجرد تعداد يظهر عدد أتباع الأديان في آيرلندا الشمالية، مشددين على أن الآراء السياسية لا يمكن حسمها بمجرد الاعتماد على عدد الذين يدينون بالولاء لهذه الطائفة أو تلك.
وأشارت صحيفة «آيريش تايمز» إلى أن التعداد السكاني أظهر تغييراً «دراماتيكياً»، مرتبطاً بمرحلة ما بعد «بريكست» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، إذ بات عدد حملة جواز السفر الآيرلندي (جمهورية آيرلندا) يمثلون ثلث سكان آيرلندا الشمالية. وتسمح جمهورية آيرلندا لسكان الشطر الشمالي بالحصول على جنسيتها، علماً أنها ما زالت عضواً في الاتحاد الأوروبي. وإحدى الإشكاليات الحالية بين الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي مرتبطة بمصير الحدود في آيرلندا الشمالية، إذ نص اتفاق «بريكست» على أن يبقى الشطر الشمالي من الجزيرة خاضعاً لقيود الاتحاد الأوروبي لضمان بقاء الحدود مفتوحة مع الشطر الجنوبي. وتريد بريطانيا الآن تعديل الاتفاق لتسهيل التجارة مع آيرلندا الشمالية ومنع قيام «حدود» في البحر بين بريطانيا وآيرلندا الشمالية. وفي الإطار ذاته، قال كولوم إيسوود، زعيم «الحزب الديمقراطي الاجتماعي والعمالي» الذي كان يمثل على مدى سنوات الكاثوليك «المعتدلين» في آيرلندا الشمالية (بعكس متشددي «الجيش الجمهوري الآيرلندي» الذين يحملون السلاح) إن التعداد السكاني «لحظة فاصلة في تاريخ آيرلندا الشمالية»، مضيفاً أن النتائج تظهر أن شمال آيرلندا «تغير تماماً بعد 100 سنة من التقسيم». ودعا إلى «لحظة تفكير جدية وحقيقية» في مستوى التغيير الذي أظهره التعداد السكاني. وتأسس هذا الحزب عام 1970 كحركة سياسية غير طائفية تهدف إلى «مصالحة» سكان جزيرة آيرلندا مع بعضهم البعض في إطار «آيرلندا جديدة موحدة، عادلة ومزدهرة»، أي أنه من الأحزاب المنادية بوحدة آيرلندا.
في المقابل، حذر عضو مجلس النواب فيليب بريت عن «الحزب الوحدوي الديمقراطي» الذي كان يقوده القس الراحل بيسلي، من الوصول إلى خلاصات مبنية على «تحليل كسول» لنتائج التعداد السكاني للقول إن هناك ضرورة الآن لتنظيم استفتاء على وحدة آيرلندا، مضيفاً أن الذين يطالبون الآن بالاستفتاء عليهم أن يراجعوا نتائج الانتخابات التي جرت في آيرلندا الشمالية على مدى العقدين الماضيين، في إشارة إلى أن الأحزاب البروتستانتية كانت دائماً قادرة على قيادة الحكومة بناء على توزيع الأحزاب في البرلمان المحلي المنتخب في بلفاست (باستثناء الانتخابات الأخيرة التي أعطت «شين فين» الفوز بمنصب الوزير الأول).
في كل حال، تعيد الدعوات إلى تنظيم استفتاء على مصير الحدود بين آيرلندا الشمالية والجنوبية إلى الأذهان من جديد تصريحات القس الراحل بيسلي عندما كان يحذر من «الامتداد الإرهابي» لـ«الجيش الجمهوري» داخل جنوب آيرلندا. ففي واحد من خطاباته الشهيرة في بلفاست في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1985، وقف بيسلي قائلاً: «من أين يعمل الإرهابيون؟ من جمهورية آيرلندا، هذا هو المكان الذين يأتون منه. وإلى أين يعود الإرهابيون للحصول على الملاذ الآمن؟ إلى جمهورية آيرلندا. ورغم ذلك تخبرنا السيدة ثاتشر (مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك) أن جمهورية (آيرلندا) يجب أن يكون لها كلمة في إقليمنا!».
توفي بيسلي عام 2014. غيّر كثيراً من آرائه قبل رحيله عن هذه الدنيا، لكن كثيراً مما حذّر منه، أيام تشدده الديني ضد الكاثوليك، يبدو في طريقه لأن يصبح حقيقة واقعة.


مقالات ذات صلة

بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

العالم بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

بعد أيام من إعلانه عزمه الترشح لولاية ثانية، اختار الرئيس الأميركي جو بايدن تسليط الضوء على جذوره الآيرلندية في زيارة استمرت أربعة أيام إلى آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. واختتم بايدن، أمس، رحلته التي وصفها الآيرلنديون بـ«التاريخية» بزيارة موقع كاثوليكي في نوك، قبل التوجه إلى البلدة التي يتحدر منها أجداده. وتحمل هاتان الزيارتان معاني عائلية ودينية كثيرة بالنسبة لبايدن.

الولايات المتحدة​ بايدن في بلفاست آملاً المساهمة في حفظ سلام المقاطعة البريطانية

بايدن في بلفاست آملاً المساهمة في حفظ سلام المقاطعة البريطانية

وصل الرئيس الاميركي جو بايدن إلى بلفاست، الثلاثاء، آملا المساهمة في حفظ السلام في الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق وضع حدا لثلاثة عقود من الصراع الدامي في آيرلندا الشمالية. وقبيل صعوده إلى الطائرة الرئاسية قال بايدن (80 عاما) إن الأولوية بالنسبة إليه «حفظ السلام» ووضع حد لمأزق سياسي ناجم عم معارضة أحزاب موالية للمملكة المتحدة القواعد التجارية لمرحلة ما بعد «بريكست». واستقبل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك الرئيس الأميركي على مدرج المطار في عاصمآإيرلندا الشمالية بلفاست. ويتم احياء الذكرى في أجواء عودة التوتر السياسي ومخاوف أمنية.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
العالم بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي في آيرلندا الشمالية إلى «شديد»

بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي في آيرلندا الشمالية إلى «شديد»

رفع جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) مستوى التهديد بآيرلندا الشمالية، من «كبير» إلى «شديد»، ما يعني احتمالية وقوع هجوم. يأتي ذلك قبيل زيارة متوقعة للرئيس الأميركي جو بايدن إلى آيرلندا الشمالية للاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق السلام. وقال كريستوفر هيتون - هاريس وزير شؤون آيرلندا الشمالية، في بيان، وفقاً لما نشرته وكالة «رويترز»: «في الأشهر الأخيرة، شاهدنا ارتفاعاً في الأنشطة المتعلقة بالإرهاب في آيرلندا الشمالية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ريتشارد ويليامز يقف خارج استوديوهات تيتانيك (أ.ف.ب)

بلفاست تفضل إنتاج الأفلام على بناء السفن

باتت أحواض بناء السفن التي اشتهرت بها بلفاست في الماضي تضع مساحاتها الواسعة في تصرف مخرجي الأفلام الواسعة الشعبية. وتضم هذه الأحواض استوديوهات: «تيتانيك» التي تُعَّد من بين الأكبر في أوروبا، واستوديوهات «هاربور»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وكانت قد ساهمت سلسلة من المشاريع الكبرى في الآونة الأخيرة في تمكين المقاطعة البريطانية من ترسيخ سمعتها العالمية في مجالي السينما والتلفزيون.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
يوميات الشرق شعار تطبيق «واتساب» (أ.ب)

أيرلندا تغرِّم «واتساب» 6 ملايين دولار لانتهاكه قوانين الخصوصية

فرضت المفوضية الآيرلندية لحماية البيانات، اليوم الخميس، غرامة 5.5 مليون يورو (5.95 مليون دولار) على تطبيق «واتساب» التابع لشركة «ميتا بلاتفورمز»، بسبب انتهاك آخر لقوانين الخصوصية في الاتحاد الأوروبي. وقالت المفوضية، وهي هيئة رائدة معنية بالخصوصية في الاتحاد الأوروبي، إنه ينبغي على واتساب إعادة تقييم كيفية استخدامه للبيانات الشخصية لتحسين الخدمة. ويأتي القرار في أعقاب أمر مماثل أصدرته المفوضية هذا الشهر لمنصتي «فيسبوك» و«إنستغرام» التابعتين لـ«ميتا» أيضاً نص على أن الشركة الأم يجب أن تعيد تقييم الأساس القانوني الذي تستند إليه في استهداف الإعلانات من خلال استخدام البيانات الشخصية. وغرمت المفوضية

«الشرق الأوسط» (دبلن)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».