الكاثوليك للمرة الأولى أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية

مطالبات باستفتاء على مصير «الحدود»

باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
TT

الكاثوليك للمرة الأولى أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية

باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)
باقات زهور قرب صورة للملكة الراحلة إليزابيث الثانية في حي شانكيل بغرب بلفاست يوم 19 سبتمبر (أ.ب)

«يتوالدون كالأرانب ويتكاثرون كالحشرات الطفيلية» (They breed like rabbits and multiply like vermin).
هذه العبارة المسيئة ضد الكاثوليك في آيرلندا الشمالية هي واحد من أقوال كثيرة يُشتهر بها زعيم الوحدويين الآيرلنديين السابق، القس إيان بيسلي، خلال سنوات الصراع الدموي الذي شهده شمال آيرلندا بين الكاثوليك والبروتستانت في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي. بالطبع، ليّن بيسلي لاحقاً من موقفه المتشدد عقب اتفاق سلام «الجمعة العظيمة» عام 1998، وتولى منصب الوزير الأول في حكومة منتخبة في بلفاست تمثل الوحدويين البروتستانت المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة تحت العرش البريطاني، والقوميين الكاثوليك الذين يريدون الانضمام إلى دولة موحدة مع جمهورية آيرلندا.
بعد 100 عام من إنشاء البريطانيين لإقليم آيرلندا الشمالية على أساس أنه سيضم غالبية بروتستانتية في ست دوائر بشمال شرقي البلاد يتم فصلها عن جمهورية آيرلندا الكاثوليكية المستقلة في الجنوب، يبدو أن كلام القس بيسلي عن الخوف من سرعة «تكاثر» الكاثوليك بات أمراً واقعاً. فقد كشفت أرقام التعداد السكاني للعام 2021 والذي يجري كل 10 سنوات، أن الكاثوليك باتوا اليوم أكثر عدداً من البروتستانت في آيرلندا الشمالية، للمرة الأولى في تاريخ هذا الإقليم البريطاني. وتأجل إعلان نتائج التعداد يومين بسبب انشغال بريطانيا بمراسم دفن الملكة الراحلة إليزابيث الثانية.
وستشكل نتائج التعداد هاجساً للعرش البريطاني، وللعاهل الجديد الملك تشارلز الثالث في مستهل حكمه، في ظل دعوات لتنظيم استفتاء شعبي على مصير «حدود» الإقليم، وهو أمر يمكن أن يؤدي إلى إزالة الحدود بين شطري الجزيرة الآيرلندية ما دام الكاثوليك اليوم باتوا الغالبية في الشطر الشمالي أيضاً، وليس فقط في الجنوب. كما أن الملك تشارلز يواجه دعوات متزايدة يطلقها القوميون في اسكوتلندا لتنظيم استفتاء جديد على الاستقلال.
وبحسب نتائج التعداد السكاني المعلنة الخميس، يمثل الكاثوليك الآن 45.7 في المائة من سكان آيرلندا الشمالية، بينما يمثل البروتستانت 43.5 في المائة من السكان. ويظهر التعداد أيضاً أن عدد غير المسيحيين بات يمثل 1.5 في المائة من السكان، بينما نسبة الذين يقولون إنهم بلا دين تبلغ 4.3 في المائة.
ووصف النائب جون فينوكين، عن حزب «شين فين» (الكاثوليكي المؤيد لوحدة آيرلندا)، الأرقام التي كشفها التعداد السكاني بأنها «إشارة واضحة لأن تغييراً تاريخياً يحصل في هذه الجزيرة»، مضيفاً أن هذا التغيير مسار «لا يمكن إعادته إلى الوراء». وطالب بإنشاء جمعية لمواطني آيرلندا الشمالية تتولى التخطيط لتنظيم اقتراع محتمل على مصير «الحدود». وحزب «شين فين» كان يعتبر الجناح السياسي لـ«الحزب الجمهوري الآيرلندي» الذي قاد حرب عصابات على مدى عقود ضد الحكم البريطاني للجزيرة. وعقب اتفاق سلام «الجمعة العظيمة» انخرط الحزب في المنافسات الانتخابية في آيرلندا الشمالية، وبات اليوم الحزب الأكبر في البرلمان المحلي في بلفاست.
في المقابل، سارع الوحدويون المؤيدون للبقاء في إطار المملكة المتحدة، وهم عادة البروتستانت المؤيدون للعرش البريطاني، إلى التحذير من استنتاج خلاصات «مبسطة وكسولة» اعتماداً على مجرد تعداد يظهر عدد أتباع الأديان في آيرلندا الشمالية، مشددين على أن الآراء السياسية لا يمكن حسمها بمجرد الاعتماد على عدد الذين يدينون بالولاء لهذه الطائفة أو تلك.
وأشارت صحيفة «آيريش تايمز» إلى أن التعداد السكاني أظهر تغييراً «دراماتيكياً»، مرتبطاً بمرحلة ما بعد «بريكست» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، إذ بات عدد حملة جواز السفر الآيرلندي (جمهورية آيرلندا) يمثلون ثلث سكان آيرلندا الشمالية. وتسمح جمهورية آيرلندا لسكان الشطر الشمالي بالحصول على جنسيتها، علماً أنها ما زالت عضواً في الاتحاد الأوروبي. وإحدى الإشكاليات الحالية بين الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي مرتبطة بمصير الحدود في آيرلندا الشمالية، إذ نص اتفاق «بريكست» على أن يبقى الشطر الشمالي من الجزيرة خاضعاً لقيود الاتحاد الأوروبي لضمان بقاء الحدود مفتوحة مع الشطر الجنوبي. وتريد بريطانيا الآن تعديل الاتفاق لتسهيل التجارة مع آيرلندا الشمالية ومنع قيام «حدود» في البحر بين بريطانيا وآيرلندا الشمالية. وفي الإطار ذاته، قال كولوم إيسوود، زعيم «الحزب الديمقراطي الاجتماعي والعمالي» الذي كان يمثل على مدى سنوات الكاثوليك «المعتدلين» في آيرلندا الشمالية (بعكس متشددي «الجيش الجمهوري الآيرلندي» الذين يحملون السلاح) إن التعداد السكاني «لحظة فاصلة في تاريخ آيرلندا الشمالية»، مضيفاً أن النتائج تظهر أن شمال آيرلندا «تغير تماماً بعد 100 سنة من التقسيم». ودعا إلى «لحظة تفكير جدية وحقيقية» في مستوى التغيير الذي أظهره التعداد السكاني. وتأسس هذا الحزب عام 1970 كحركة سياسية غير طائفية تهدف إلى «مصالحة» سكان جزيرة آيرلندا مع بعضهم البعض في إطار «آيرلندا جديدة موحدة، عادلة ومزدهرة»، أي أنه من الأحزاب المنادية بوحدة آيرلندا.
في المقابل، حذر عضو مجلس النواب فيليب بريت عن «الحزب الوحدوي الديمقراطي» الذي كان يقوده القس الراحل بيسلي، من الوصول إلى خلاصات مبنية على «تحليل كسول» لنتائج التعداد السكاني للقول إن هناك ضرورة الآن لتنظيم استفتاء على وحدة آيرلندا، مضيفاً أن الذين يطالبون الآن بالاستفتاء عليهم أن يراجعوا نتائج الانتخابات التي جرت في آيرلندا الشمالية على مدى العقدين الماضيين، في إشارة إلى أن الأحزاب البروتستانتية كانت دائماً قادرة على قيادة الحكومة بناء على توزيع الأحزاب في البرلمان المحلي المنتخب في بلفاست (باستثناء الانتخابات الأخيرة التي أعطت «شين فين» الفوز بمنصب الوزير الأول).
في كل حال، تعيد الدعوات إلى تنظيم استفتاء على مصير الحدود بين آيرلندا الشمالية والجنوبية إلى الأذهان من جديد تصريحات القس الراحل بيسلي عندما كان يحذر من «الامتداد الإرهابي» لـ«الجيش الجمهوري» داخل جنوب آيرلندا. ففي واحد من خطاباته الشهيرة في بلفاست في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1985، وقف بيسلي قائلاً: «من أين يعمل الإرهابيون؟ من جمهورية آيرلندا، هذا هو المكان الذين يأتون منه. وإلى أين يعود الإرهابيون للحصول على الملاذ الآمن؟ إلى جمهورية آيرلندا. ورغم ذلك تخبرنا السيدة ثاتشر (مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك) أن جمهورية (آيرلندا) يجب أن يكون لها كلمة في إقليمنا!».
توفي بيسلي عام 2014. غيّر كثيراً من آرائه قبل رحيله عن هذه الدنيا، لكن كثيراً مما حذّر منه، أيام تشدده الديني ضد الكاثوليك، يبدو في طريقه لأن يصبح حقيقة واقعة.


مقالات ذات صلة

بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

العالم بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

بايدن يزور «بلدة أجداده» في ختام جولته الآيرلندية

بعد أيام من إعلانه عزمه الترشح لولاية ثانية، اختار الرئيس الأميركي جو بايدن تسليط الضوء على جذوره الآيرلندية في زيارة استمرت أربعة أيام إلى آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. واختتم بايدن، أمس، رحلته التي وصفها الآيرلنديون بـ«التاريخية» بزيارة موقع كاثوليكي في نوك، قبل التوجه إلى البلدة التي يتحدر منها أجداده. وتحمل هاتان الزيارتان معاني عائلية ودينية كثيرة بالنسبة لبايدن.

الولايات المتحدة​ بايدن في بلفاست آملاً المساهمة في حفظ سلام المقاطعة البريطانية

بايدن في بلفاست آملاً المساهمة في حفظ سلام المقاطعة البريطانية

وصل الرئيس الاميركي جو بايدن إلى بلفاست، الثلاثاء، آملا المساهمة في حفظ السلام في الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق وضع حدا لثلاثة عقود من الصراع الدامي في آيرلندا الشمالية. وقبيل صعوده إلى الطائرة الرئاسية قال بايدن (80 عاما) إن الأولوية بالنسبة إليه «حفظ السلام» ووضع حد لمأزق سياسي ناجم عم معارضة أحزاب موالية للمملكة المتحدة القواعد التجارية لمرحلة ما بعد «بريكست». واستقبل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك الرئيس الأميركي على مدرج المطار في عاصمآإيرلندا الشمالية بلفاست. ويتم احياء الذكرى في أجواء عودة التوتر السياسي ومخاوف أمنية.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
العالم بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي في آيرلندا الشمالية إلى «شديد»

بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي في آيرلندا الشمالية إلى «شديد»

رفع جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) مستوى التهديد بآيرلندا الشمالية، من «كبير» إلى «شديد»، ما يعني احتمالية وقوع هجوم. يأتي ذلك قبيل زيارة متوقعة للرئيس الأميركي جو بايدن إلى آيرلندا الشمالية للاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق السلام. وقال كريستوفر هيتون - هاريس وزير شؤون آيرلندا الشمالية، في بيان، وفقاً لما نشرته وكالة «رويترز»: «في الأشهر الأخيرة، شاهدنا ارتفاعاً في الأنشطة المتعلقة بالإرهاب في آيرلندا الشمالية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ريتشارد ويليامز يقف خارج استوديوهات تيتانيك (أ.ف.ب)

بلفاست تفضل إنتاج الأفلام على بناء السفن

باتت أحواض بناء السفن التي اشتهرت بها بلفاست في الماضي تضع مساحاتها الواسعة في تصرف مخرجي الأفلام الواسعة الشعبية. وتضم هذه الأحواض استوديوهات: «تيتانيك» التي تُعَّد من بين الأكبر في أوروبا، واستوديوهات «هاربور»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وكانت قد ساهمت سلسلة من المشاريع الكبرى في الآونة الأخيرة في تمكين المقاطعة البريطانية من ترسيخ سمعتها العالمية في مجالي السينما والتلفزيون.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
يوميات الشرق شعار تطبيق «واتساب» (أ.ب)

أيرلندا تغرِّم «واتساب» 6 ملايين دولار لانتهاكه قوانين الخصوصية

فرضت المفوضية الآيرلندية لحماية البيانات، اليوم الخميس، غرامة 5.5 مليون يورو (5.95 مليون دولار) على تطبيق «واتساب» التابع لشركة «ميتا بلاتفورمز»، بسبب انتهاك آخر لقوانين الخصوصية في الاتحاد الأوروبي. وقالت المفوضية، وهي هيئة رائدة معنية بالخصوصية في الاتحاد الأوروبي، إنه ينبغي على واتساب إعادة تقييم كيفية استخدامه للبيانات الشخصية لتحسين الخدمة. ويأتي القرار في أعقاب أمر مماثل أصدرته المفوضية هذا الشهر لمنصتي «فيسبوك» و«إنستغرام» التابعتين لـ«ميتا» أيضاً نص على أن الشركة الأم يجب أن تعيد تقييم الأساس القانوني الذي تستند إليه في استهداف الإعلانات من خلال استخدام البيانات الشخصية. وغرمت المفوضية

«الشرق الأوسط» (دبلن)

روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (السبت)، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لزيارة البيت الأبيض «في المستقبل القريب»، وفق ما أعلن سفير الولايات المتحدة في نيودلهي سيرجيو غور، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال غور في منشور على منصة «إكس» بعدما التقى روبيو مع مودي في نيودلهي خلال زيارته الأولى للهند: «وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو دعوة نيابةً عن الرئيس دونالد ترمب لرئيس الوزراء مودي لزيارة البيت الأبيض في المستقبل القريب!».

وفيما يتعلق بإيران، قال روبيو لرئيس الوزراء الهندي: «أميركا لن تسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية».

ووصل وزير الخارجية الأميركي إلى الهند، حيث سيسعى إلى تعزيز العلاقات مع هذا الشريك القديم للولايات المتحدة بعد أسبوع من زيارة الرئيس دونالد ترمب إلى الصين.

وبدأ روبيو، وهو كاثوليكي متدين، زيارته الأولى للهند التي تمتد أربعة أيام، في مدينة كلكتا (شرق)، حيث وضع إكليلاً من الزهور حول عنقه، إلى مقر جمعية «مرسلات المحبة» التابعة للأم تيريزا، وصلى عند قبر الراهبة.

وقبل مغادرته، الثلاثاء، سيشارك الوزير الأميركي في اجتماع لوزراء خارجية تحالف «كواد» الأمني الرباعي الذي يضم إلى الولايات المتحدة كلاً من الهند وأستراليا واليابان ويهدف من بين أمور أخرى إلى مواجهة النفوذ الصيني في المحيط الهندي.

وترى بكين أن هذه المجموعة تحاول تطويقها، وانتقدت في الماضي مشاركة الهند فيها.

لكنَّ ترمب غيّر النهج القائم، بعدما أشاد أخيراً بالحفاوة التي حظي بها خلال زيارته الرسمية للصين الأسبوع الماضي، فيما سبق أن فرض رسوماً جمركية عقابية على الهند.

ووصف روبيو الهند في بداية جولته التي شملت السويد حيث التقى نظراءه في حلف شمال الأطلسي، بأنها «حليف عظيم وشريك عظيم»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستسعى إلى إيجاد سبل لزيادة صادراتها النفطية إليها.

ويعتمد الاقتصاد الهندي على واردات الطاقة، وتأثر منذ أواخر فبراير (شباط) على غرار دول عديدة بالهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران التي ردّت بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي عملياً، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتربط الهند علاقات تاريخية بإيران، لكنها تعمل أيضاً على تطوير علاقاتها مع إسرائيل التي زارها مودي قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.


روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
TT

روبيو يحذر من أن أميركا ستواصل تقليص انتشارها في أوروبا

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مشاركته في اجتماع وزراء خارجية حلف «الناتو» (أ.ب)

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الجمعة، حلفاء بلاده الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى التعامل مع خفض عديد القوات الأميركية في قارتهم، في حين يستعد الحلف لعقد قمة في أنقرة في يوليو (تموز) المقبل، بحضور الرئيس دونالد ترمب.

وقال روبيو للصحافيين، عقب اجتماع لوزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي في هلسينغبورغ، جنوب السويد، إنه سيكون هناك بالفعل «عدد أقل من القوات الأميركية في نهاية المطاف». وأضاف: «الأمر ليس مفاجئاً مع أنني أتفهم تماماً أنه قد يثير بعض القلق» لدى الحلفاء الأوروبيين.

كما أفاد أنه سيتم الإعلان «اليوم أو في الأيام المقبلة» عن تعديل يتعلق بما يسميه البعض في الحلف «قوات الاحتياط»، وهي مجموعة يمكن حشدها في غضون 180 يوماً عند الضرورة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفاجأ ترمب مرّة جديدة حلفاءه الأوروبيين بإعلانه، الخميس، أنه سيرسل 5000 جندي إضافي إلى بولندا، في تراجع واضح عن قرار واشنطن السابق بإلغاء عملية الانتشار المخطط لها.

وجاء تراجع ترمب بعدما أعلنت واشنطن في وقت سابق من هذا الشهر بشكل مفاجئ أنها ستسحب 5000 جندي من ألمانيا في خضم خلاف بين الرئيس الأميركي والمستشار فريدريش ميرتس.

وأكد روبيو أن قرارات بلاده بشأن انتشار قواتها «ليست عقابية»، بل تعود إلى حاجة واشنطن المستمرة إلى «إعادة النظر» في عمليات الانتشار لتلبية احتياجاتها العالمية.

وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ماركو روبيو ودوداً وهادئاً جداً. أعتقد أن بعض الرسائل التي ينقلها تصدم الحلفاء الأوروبيين أحياناً، لكنّها موجّهة بالأحرى إلى سياسته الداخلية».

وضع «مُربك»

واعتبرت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد التي استضافت بلادها الاجتماع الأول لـ«الناتو» منذ انضمامها إلى الحلف في عام 2024، أن الوضع الحالي «مربِك». وأضافت: «ليس من السهل دائماً التعامل معه».

وتدرك دول «الناتو» الأوروبية أن انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا حتمي، إلا أنها تأمل أن يحدث من دون مفاجآت.

وكان ترمب هاجم أوروبا بسبب موقف دولها من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، لافتاً إلى أنه قد يفكر في الانسحاب من «الناتو».

وأعرب روبيو مجدداً عن «خيبة أمل» ترمب حيال حلفائه نتيجة موقفهم من الحرب الإيرانية، داعياً إلى «معالجة» هذا الأمر. وقال إن هذا الوضع «لن يُحلّ أو يُعالج اليوم».

«خطة بديلة»

وأشار روبيو إلى ضرورة وجود «خطة بديلة» في حال أصرّت إيران على رفضها فتح مضيق هرمز أو على فرض رسوم عبور على السفن.

وقال: «لا أعلم إن كانت ستكون بالضرورة مهمة يتولاها حلف الناتو، لكن يجب أن تساهم فيها دول من الحلف بالتأكيد».

وفي محاولة لتهدئة انتقادات ترمب، أرسل بعض الحلفاء الأوروبيين سفناً إلى المنطقة بهدف معلن، هو المساعدة في تأمين مضيق هرمز عند انتهاء الحرب.

وقال الأمين العام للحلف مارك روته: «سمع الأوروبيون الرسالة»، لكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قال إنه لا يتوقع أن يرسل «الناتو» مهمة خاصة إلى المنطقة.

ويريد ترمب أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولية أمنهم بشكل متزايد.

وسعياً لطمأنة البيت الأبيض بشأن التزامها بتعزيز دفاعهم عن القارة، يستعد الأوروبيون للإعلان عن إبرام سلسلة عقود بهدف التسلح، عدد منها مع الولايات المتحدة، بحسب ما أفاد دبلوماسيون في بروكسل.

لكن لن يُكشف عن أي من هذه العقود قبل قمة «الناتو» التي ستعقد في أنقرة في يوليو (تموز). ويأمل الأوروبيون أن تُرضي هذه العقود ترمب.


ترمب يتعهد بإرسال 5 آلاف جندي إلى بولندا في خطوة تفاجئ الحلفاء

جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بإرسال 5 آلاف جندي إلى بولندا في خطوة تفاجئ الحلفاء

جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)
جنود بولنديون وجنود أميركيون في تدريب عسكري مشترك في نوفا ديبا... بولندا 8 أبريل 2022 (رويترز)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) عندما تعهد بإرسال خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا، وذلك قبل ساعات فقط من اجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع وزراء من دول الحلف في السويد، الجمعة، وسط انقسامات حادة بشأن الحرب على إيران.

وأرجع ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشال»، هذا القرار إلى علاقته بالرئيس البولندي القومي المحافظ كارول نافروتسكي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب في المنشور: «استناداً إلى نجاح انتخاب الرئيس البولندي الحالي، كارول نافروتسكي، الذي تشرفت بدعمه، وإلى علاقتنا به، يسعدني أن أعلن أن الولايات المتحدة سترسل خمسة آلاف جندي إضافي إلى بولندا».

من جهته، شكر وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعلانه الجمعة إرسال خمسة آلاف جندي إلى بولندا.

وقال سيكورسكي للصحافيين قبل محادثات في السويد مع نظرائه في دول حلف الناتو: «أود أن أشكر الرئيس ترمب على إعلانه... الوجود الأميركي في بولندا سيبقى تقريباً في المستوى نفسه الذي كان عليه».

ويُعد هذا التطوّر تحولاً مفاجئاً بعدما ظل ترمب على مدى أسابيع ينتقد بشدة الدول الأعضاء في الحلف لعدم بذلها المزيد من الجهد لمساعدة الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية. وقال إنه يفكر في الانسحاب من الحلف، وتساءل عما إذا كانت واشنطن ملزمة بالوفاء بمعاهدة الدفاع المشترك. وقبل سفره للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية دول الحلف في بلدة هلسينغبورغ السويدية، قال روبيو إن ترمب «مستاء جداً» من الدول الأعضاء بالحلف التي لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعد على أراضيها من أجل الحرب، مشيراً إلى إسبانيا تحديداً.

وأضاف روبيو لصحافيين في ميامي: «هناك دول مثل إسبانيا ترفض السماح لنا باستخدام هذه القواعد - حسناً، لماذا أنتم في حلف الناتو إذن؟ هذا سؤال منطقي جداً».

وتابع: «للإنصاف، كانت دول أخرى في حلف الناتو متعاونة للغاية. لكننا بحاجة إلى مناقشة ذلك».

وشدد مسؤولو حلف الناتو على أن الولايات المتحدة لم تطلب من الحلف، الذي يضم 32 دولة، المشاركة في حرب إيران، لكن كثيراً من الدول الأعضاء أوفت بالتزاماتها بالسماح للقوات الأميركية باستخدام مجالها الجوي والقواعد على أراضيها.

وتفاقمت المخاوف الأوروبية أيضاً بشأن موقف ترمب تجاه حلف الناتو هذا العام بسبب سعي ترمب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك، الدولة العضو في الحلف.

الأوروبيون يبدون استعداداً للمساعدة بشأن «هرمز»

من المتوقع أن يسعى الوزراء الأوروبيون خلال اجتماع هلسينغبورغ إلى تهدئة الولايات المتحدة من خلال التأكيد على استعداد دولهم للمساعدة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف بذلك، وتحمل المزيد من المسؤولية عن الأمن الأوروبي.

وظل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال قبل الحرب، في حكم المغلق تقريباً منذ اندلاع الحرب، مما تسبب في أكبر تعطل على الإطلاق لإمدادات الطاقة العالمية. وتزايدت مخاوف الأوروبيين بشأن التزام الرئيس الأميركي تجاه الحلف بسبب قرار سحب خمسة آلاف جندي من أوروبا، والذي أصدره قبل تعهده أمس الخميس بإرسال قوات إضافية إلى بولندا.

ولم يتضح بعد من أين ستأتي القوات الإضافية لبولندا. وشعر حلفاء واشنطن أيضاً بالارتباك والقلق إزاء الطريقة التي جرى بها الإعلان عن قرار سحب خمسة آلاف جندي من أوروبا. فقد قال مسؤولون أميركيون في البداية إن القوات ستسحب من ألمانيا، لكنهم ذكروا لاحقاً أنهم سيؤجلون نشر لواء عسكري في بولندا. وأعلنت الولايات المتحدة أن عملية النشر المزمعة لصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى في ألمانيا لن تحدث. وقالت ثلاثة مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» إن واشنطن تعتزم، بالإضافة إلى ذلك، إبلاغ دول حلف شمال الأطلسي بأنها ستقلص القدرات العسكرية التي تتيحها الولايات المتحدة للحلف في أوقات الأزمات.

وسعى القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي، الجنرال أليكسوس غرينكويتش من سلاح الجو الأميركي، هذا الأسبوع إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين بشأن أحدث القرارات، قائلاً إن عمليات السحب ستستمر على مدى سنوات لإعطاء دول الحلف الوقت لتطوير قدرات لتعويضها.