«حوارات القرن»... سيرة رواد الأدب العربي ومهارة الإعلام الثقافي

الإعلامي السعودي محمد رضا نصر الله يُصدر حواراته مع 150 شخصية عربية وعالمية

محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
TT

«حوارات القرن»... سيرة رواد الأدب العربي ومهارة الإعلام الثقافي

محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم
محمد رضا نصر الله مع توفيق الحكيم

في كتابه الضخم «حوارات القرن»، المكوّن من 3 أجزاء، بعدد 816 صفحة لكل جزء، يضع الإعلامي السعودي محمد رضا نصر الله، سجلاً ثقافياً زاخراً بالمعاني والأفكار والمواقف والآراء لـ150 شخصيَة عربية، معظمها من جيل الرواد في الأدب والنقد والفلسفة.
الكتاب في أجزائه الثلاثة، الصادر عن «المركز الأكاديمي للأبحاث»، يتعدى الحوارات الإعلامية التقليدية، ليقدم سجالاً فكرياً عميقاً، مع شخصيات مؤثرة في الثقافة والفكر والسياسة، كثير من القضايا التي أثيرت في تلك الحقبة ما زالت حية حتى اليوم.
وقيمة تلك الحوارات على الصعيد المعرفي أنها ما زالت نابضة بالمعنى والدلالة وكاشفة عن خفايا سيرة عدد من الرواد، وعلى الصعيد الإعلامي فإن تلك الحوارات قدمّت تجربة فريدة في العمل الإعلامي عبر الحفر عميقاً في سيرة الشخصيات التي تناولتها الحوارات، وشمولية القراءة العميقة لتجربتها، والبحث المضني عن أفكارها ومواقفها، في وقت كان الصحافي يمارس التنقيب والبحث بنفسه دون الاعتماد على وسائل الاتصال كما هي عليه اليوم.
وعلى الصعيد المهني، خاض الإعلامي محمد رضا نصر الله، القادم من الرياض في السعودية، وهي في ذلك الوقت لم تكن معروفة بوسائلها الإعلامية، ولم تكن صحافتها مداراً لسجالات التيارات الفكرية في العالم العربي. لكن محمد رضا نصر الله تمكن بثقافته الواسعة، وعزيمته الصلبة، وطريقته السلسة من إقناع رواد أمثال نجيب محفوظ وطه حسين بإجراء حوارات مطولة معه، سواء لصحيفة «الرياض» أو للتلفزيون السعودي. وفيما بعد بزغت قناة «إم بي سي» وكان لها وهج جاذبا سهّل مهمة نصر الله، وأعطاه دفعة إضافية لتقديم حوارات ذات صبغة ثقافية بعمق ورصانة.
فكرة الكتاب، جاءت بعد اإلحاح الإعلامي الراحل الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، الذي شغل منصب مدير عام التلفزيون في السعودية، وكان إعلامياً ومذيعاً قدّم برنامج «شريط الذكريات» وهو برنامج أسبوعي يوثّق لتاريخ السعودية (1976)، وقبله برنامج «مؤتمر صحافي» حيث أجرى حوارات مع عدد من الوزراء والمسؤولين (1972)، وكان شديد الإلحاح على نصر الله في تفريغ ما سجله من مقابلات وإخراجها في كتاب... وسبق أن قام الشبيلي بتفريغ حواراته وإصدارها كذلك.


... ومع الجواهري

أجرى محمد رضا نصر الله أكثر من 1000 ساعة من الحوارات المتلفزة، من خلال برامجه: «الساعة تدق كلمة» و«هكذا تحدثوا» و«وجهاً لوجه» و«حدث وحوار» و«شؤون الساعة» و«مع المشاهير» و«هذا هو» و«ما بين أيديهم» و«ستون دقيقة سياسة» و«خارج الأقواس».
ومن أبرز الشخصيات الذين حاورهم نصر الله في هذا الكتاب: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وحمد الجاسر، ومحمد مهدي الجواهري، وعائشة إبراهيم (بنت الشاطئ)، والطاهر وطار، ومحمد حسن عواد، وأدونيس، وعبد السلام المسدي، وعلي جواد الطاهر، وعبد الله البردوني، وفدوى طوقان، ومحمد الفيتوري، وغازي القصيبي، وسعدي يوسف، وسعيد عقل، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله العروي، وطيب تيزيني، وزكي نجيب محمود، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، ود. سعد البازعي، ومحمد عابد الجابري، وفهمي جدعان، ومحمد أركون، ود. عبد الله الغذامي، وهشام جعيط، وغيرهم.
المثير في هذه اللقاءات هي القصة التي تقف خلف كل لقاء، الصحافي السعودي الشاب بذل جهداً مضنياً في إقناع ضيوفه لخوض حوارات طويلة ومسجلة معه. يكشف نصر الله أن بعضهم كان يتمنع مسكوناً بنظرية المركز والأطراف، وآخرون لم يترددوا في طلب «بديل نقدي» ثمناً لإجراء تلك المقابلات... من بينهم توفيق الحكيم. لكن أغلب الضيوف وقعوا في «هوى» الصحافي الثقافي الذي أثبت حضوره وقدرته على الحوار وثقافته الموسوعية وسعة اطّلاعه وشخصيته الهجومية... حيث نسج شبكة علاقات شخصية مع الضيوف امتدت اللقاءات خلالها لأسابيع كما هو الحال توفيق الحكيم... كما نجح نصر الله في إقناع الفيلسوف عبد الرحمن بدوي بإجراء أول حوار صحافي معه... وربما كان الحوار النادر الوحيد الذي أُجري معه حتى رحيله. وقد نجح في إقناع فدوى طوقان بالحوار معه، وهي المعروف عنها التمنع عن مثل تلك الحوارات. وخلال لقائه الأول مع شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري تمكن من تمديد الوقت الممنوح له من عشر دقائق إلى خمسين دقيقة، تلته لقاءات مطولة أخرى، تكللت باستضافة الجواهري في مهرجان الجنادرية في الرياض.
كذلك فإن أغلب الحوارات كانت تتناول مشاريع ثقافية وفكرية من قبيل الآراء التي احتوتها مؤلفات الرواد ومواقفهم المتعددة، وفيما بعد ساجل رواد المشروعات الفكرية مقدِّماً قراءات تفكيكية ونقدية وأدبية، أمثال: محمد عابد الجابري، وفهمي جدعان، ومحمد أركون، وعبد الله الغذامي، وسهيل زكّار، ورضوان السّيّد، وعلي حرب، ومن غير العرب: بول فندلي وصموئيل هنتنغتون (صاحب نظرية «صراع الحضارات») وفيتالي نعومكين وغيرهم.
مع توفيق الحكيم
عن بعض لقاءاته قال نصر الله: «سافرت إلى القاهرة صيف سنة 1974م وأنا على عتبة الدراسة الجامعية، لمقابلة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور و... أمل دنقل».
بدايةً كان أمل دنقل، حيث التقاه في مقهى «ريش» الشهير، المتفرع من ميدان طلعت حرب، يقول: «اتفقت وأمل دنقل على إجراء حديث صحافي لجريدة (الرياض)... غير أنه اشترط أن أتكفل بعد الانتهاء من هذه المهمة العسيرة! بعشائه بطبق كباب! وأن يبيت في شقتي بشارع عماد الدين... وبين هذه الليلة وتلك، كان أمل يستجيب لطلباتي في إلقاء قصائده، عندما يكون مزاجه صفواً سلسبيلاً». أما اللقاء مع توفيق الحكيم فكان في شهر أغسطس (آب) عام 1974م، حين التقاه بعد مشوار بحث طويل في كازينو ومطعم بترو اليوناني في محطة سيدي بشر. يقول: «عند آخر درجات السلم وجدت أكثر من نادل، فلم أسأل أحداً منهم عنه... أخذت اتجاه اليمين، وفي الركن المقابل من آخر المقهى والمطعم وجدته هناك، وبنظرة خاطفة اتضحت لي هيئته وهو يخطو نحو الثمانين، إنه كما في الصور، البيريه الذي اعتمره على رأسه منذ كان في باريس، وعصاه المعكوفة منذ أصبح نائباً في طنطا، ومع اقترابي منه رأيت توفيق الحكيم». يضيف: «نسيت الرجل وهالته. سألته: هل أنت توفيق الحكيم؟، وهل هذه بيريه الحكيم؟ وهل هذه عصا الحكيم؟.
لم يتمالك عباس الأسواني الأديب والصحافي -تلميذ العقاد ووالد الروائي علاء الأسواني- نفسه وقد وجدني أتخايل بدشداشتي السعودية الحريرية الناعمة -كما عبّر بعد هذا بأسبوع في مقاله الطويل بمجلة (صباح الخير)- قائلاً: أيها السعودي... هوّن عليك... ألهذا الحد أنت معجب بتوفيق الحكيم؟ أجبته: إنني معجب بـ(فن) توفيق الحكيم».
يضيف: «أخذني الحكيم بيده الحانية وأجلسني إلى قربه، حيّاني بحرارة وبادرني: لعلّك لست من الغاضبين على كتابي (عودة الوعي) حال من وصلني تبرمهم في المملكة ودول الخليج؟ قلت له أتيتك لأسألك عن (حمار الحكيم) وبما أن الحمار الذي تورطت بشرائه بثلاثين قرشاً، وأسكنته غرفتك الفندقية قد مات، فإن العصا ما زالت باقية، فهل لي بحديث عنها؟ واستدركت من فوري متسائلاً: أين نجيب محفوظ؟ فقال: أصلك جيت متأخر. بكرة تعال بدري في العاشرة صباحاً، وسوف ترى نجيب محفوظ وحسين فوزي ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي وإحسان عبد القدوس.
قلت له: وهل إذا جئت غداً سوف تقدم لي فنجان قهوة على حسابك؟ أجابني كاسراً صورة البخيل الزجاجية عنه: وحافطّرك! وفي صبيحة اليوم التالي استقبلني بحفاوة، وكان محفوفاً بأبرز كتّاب مصر وأدبائها، مع بقايا من أعضاء حزب الوفد المطربشين، أجلسني إلى جنبه الأيسر، منادياً ثروت أباظة القاصّ المصري من أصل تركي، بأن يطلب لي إفطاراً، مؤكداً أن أباظة مَن سوف يدفع فاتورته بوصفه سكرتيراً لاتحاد الأدباء المصريين! وهكذا ظللت مواظباً على حضور ندوة توفيق الحكيم يومياً لمدة شهرين، منذ العاشرة صباحاً حتى الثالثة عصراً، مسجلاً حواراتي الصحافية مع أعضائها، لنشرها في جريدة (الرياض)... وكان الحوار في الندوة سجالاً بين الحكيم وعناصر من اليسار الناصري حول كتابه الصاعق (عودة الوعي) ليردّ عليه الكاتب الناصري محمد عودة بكتابه (الوعي المفقود)».
نزار قباني
يقول نصر الله: «تعود معرفتي الشخصية بنزار قباني إلى أواخر شهر فبراير (شباط) سنة 1975، إذ كنت من المترددين الأوائل على مكتبة الحاج محمد مدبولي بالقاهرة (...) وذات مساء وأنا بين رفوفها أقلّب جديد الإصدارات المصرية واللبنانية، دخل علينا رجل منهك القسمات بادي الضعف في بنيته الجسمية، فما كان من الحاج مدبولي إلا أن يترك زبائنه، محتفياً به بالغ الحفاوة... وبعدها قدمني إليه: أديب شاب من السعودية. سلمتُ عليه معرفاً باسمي، وكانت دهشتي كبيرة حين ضغط على يدي محيياً، شاكراً مقالتي التي نشرتُها في جريدة (الرياض) عن أحد دواوينه الصادرة وقتذاك... كان ذلك الرجل هو نزار قباني».
شناشيل ابنة الچلبي
لا يكتفي نصر الله بالحوارات، ولكنه ضليع في البحث عن الأسرار وطرح القضايا. حدث أن وجد بين أرفف مكتبته وهو يتناول ديوان «إقبال وشناشيل ابنة الچلبي» إهداءً، من غيلان بدر شاكر السيّاب، موقعاً بعواطف غامرة بتاريخ 23 سبتمبر (أيلول) 1979... قاده إلى التنقيب عن سيرة بدر شاكر السياب.
يقول: «كنت ليلتها في دار السيّاب في البصرة، بعد زيارة إلى (منزل الأقنان) في قريته جيكور مسقط رأسه، وقد التقيت فلاحين من أهله وجيرانه، وصهره فؤاد عبد الجليل، وبنتيه غيداء وآلاء من زوجته إقبال. قبلها كنت قد اكتشفت من خلال قراءتي في كتاب (تاريخ الأقطار العربية الحديث) للمستعرب الروسي الضخم (لوتسكي) أن أسرة السيّاب كانت ذات ماضٍ إقطاعي، إن لم تكن بالمصطلح الماركسي، فكأنها على أي حال، أسرة امتلكت الأراضي الزراعية.
تساءلتُ: هل لهذا يستعيد السيّاب لا وعيه التاريخي هذا في ديوانه (منزل الأقنان)؟ فقد وجدتُ بيت أسرة السيّاب في جيكور فسيح الباحة كبير المساحة، بدا متهاوياً بأطلال مجدٍ غابر، وأصبح الشعراء العرب من زوار مهرجانات بغداد يقفون عليه، كما كان شعراء الجاهلية يقفون على أطلالهم، ويتأملون في (شباك وفيقة) إحدى ملهمات الشاعر، ويا لهنّ من ملهمات».
يضيف: «لم تتردد الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، حين التقيتها في أبوظبي سنة 1996 في الحديث معي عن افْتِتَان السيّاب بجمالها الفاتن، وهما على مقاعد الدرس الجامعي في معهد دار المعلمين العالية ببغداد منتصف الأربعينات الميلادية من القرن المنصرم».
غازي القصيبي
الكتاب يحفل بلقاءات متعددة مع الأديب والوزير السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وبمقدار ما ربطت بين القصيبي والإعلامي نصر الله من صلات شخصية، فإن أي إطلالة للشاعر والأديب الراحل كانت تغذّي الفضاء العام بالكاريزما التي كان يتمتع بها القصيبي إنْ على مستوى العمل الحكومي كوزير أو كأديب وشاعر ما برح يمزج بين الصفتين في كل إطلالاته الإعلامية... لم يعتد نصر الله إجراء حوارات كثيرة مع السياسيين والمسؤولين، كان مفتوناً أكثر بالجانب الثقافي والأدبي، وحتى حواراته القليلة مع بعض المسؤولين العرب سرعان ما تتخذ في جانب منها منحى ثقافياً، لكنه مع القصيبي كان يحلّق في حوارية تمزج بين المسؤول الإداري والأديب الشاعر.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.