بايدن يندد بـ«تهور» بوتين ويؤكد عدم سعيه إلى «حرب باردة»

رئيسي يطالب بضمانات للعودة إلى الاتفاق النووي وبـ«محاكمة ترمب»

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمته أمام الجمعية العامة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمته أمام الجمعية العامة أمس (أ.ف.ب)
TT

بايدن يندد بـ«تهور» بوتين ويؤكد عدم سعيه إلى «حرب باردة»

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمته أمام الجمعية العامة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمته أمام الجمعية العامة أمس (أ.ف.ب)

اتهم الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال كلمته أمام الدورة السنوية الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس (الأربعاء)، روسيا بأنها «انتهكت بلا خجل» وبصورة «بالغة الخطورة» المبادئ الأساسية للمنظمة الدولية بغزوها أوكرانيا، مطالباً دول العالم بدعم المقاومة الأوكرانية التي يقودها الرئيس فولوديمير زيلينسكي في مواجهة ما وصفه بـ«تهور» الزعيم الروسي فلاديمير بوتين و«تهديده باستخدام أسلحة نووية»، ومؤكداً في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى «حرب باردة» جديدة.
غير أن الرئيس بايدن، الذي كسر تقليداً عريقاً في أكبر محفل دولي للدبلوماسية متعددة الأطراف، بتأخير كلمته من اليوم الأول (الثلاثاء) لخطابات الزعماء إلى الأربعاء بسبب مشاركته في جنازة الملكة إليزابيث الثانية في بريطانيا، أعطى حيزاً واسعاً من خطابه لحرب أوكرانيا، مركزاً أيضاً على قضايا ومسائل حيوية تتضمن التهديدات الرئيسية التي يواجهها العالم اليوم، مثل السعي إلى مواجهة الخطر المتعلق بالتغير المناخي، بالإضافة إلى السعي لحل بعض أصعب النزاعات في الشرق الأوسط، مثل إيجاد حل للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، والعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، التي أكد مجدداً أن بلاده «لن تسمح لها إطلاقاً» بالحصول على سلاح نووي. لكن الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي أكد مجدداً أن بلاده لا تسعى إطلاقاً إلى الحصول على سلاح نووي.
- «تجاهل متهور» للمواثيق
وفي إدانته القوية للهجوم الروسي المتواصل منذ 7 أشهر في أوكرانيا، قال بايدن إن التقارير عن الانتهاكات الروسية ضد المدنيين في أوكرانيا «يجب أن تجعل دماءكم تتجمد» في العروق، مضيفاً أن «التهديدات النووية» الجديدة للرئيس بوتين ضد أوروبا أظهرت «تجاهلاً متهوراً» لمسؤوليات روسيا بصفتها من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وانتقد جدولة روسيا «استفتاءات صورية» في الأراضي التي استولت عليها بالقوة في أوكرانيا. وقال بايدن: «مرة أخرى، اليوم (الأربعاء) فقط، وجه الرئيس بوتين تهديدات نووية علنية ضد أوروبا، في تجاهل متهور لمسؤوليات نظام منع الانتشار»، علماً بأنه «لا يمكن كسب حرب نووية، ويجب عدم خوضها أبداً». وأكد أنه لم يهدد أحد روسيا، رغم مزاعمها بخلاف ذلك، وأن روسيا وحدها هي التي سعت إلى النزاع. واستخدم إطار الأمم المتحدة للتأكيد على وجهة نظره بأن موسكو انتهكت قيم المنظمة. وقال: «غزا عضو دائم في مجلس الأمن جاره، وحاول محو دولة ذات سيادة من الخريطة. روسيا انتهكت دون خجل المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة».
ورأى أن «هذه الحرب تدور حول خنق حق أوكرانيا في الوجود بصفتها دولة، بكل بساطة، وحق أوكرانيا في الوجود بصفتها شعباً. أينما كنت، وحيثما كنت تعيش، ومهما كنت تعتقد، يجب أن يجعل ذلك دمك يسيل بارداً». ودعا كل الدول، سواء أكانت ديمقراطية أم استبدادية، إلى التحدث علناً ضد «الحرب الوحشية التي لا داعي لها» ودعم جهود أوكرانيا للدفاع عن نفسها. وقال: «سنقف متضامنين ضد العدوان الروسي هذه الفترة».
جاء الخطاب في الوقت الذي أعلنت فيه المناطق التي تسيطر عليها روسيا في شرق وجنوب أوكرانيا عن خطط لإجراء استفتاءات يدعمها الكرملين في الأيام المقبلة على أن تصبح جزءاً من روسيا. كما أعلن بوتين أمس عن تعبئة جزئية لاستدعاء 300 ألف جندي احتياطي، واتهم الغرب بالضلوع في «ابتزاز نووي».
- تعهدات مالية للغذاء
كما سلط الرئيس بايدن، في خطابه، الضوء على عواقب الحرب في أوكرانيا على الإمدادات الغذائية في العالم، وأعلن عن تمويل أميركي إضافي بقيمة 2.9 مليار دولار لمكافحة انعدام الأمن الغذائي العالمي، بناءً على مبلغ 6.9 مليار دولار من تمويل الأمن الغذائي الأميركي الذي تم الالتزام به بالفعل هذا العام. وأشاد بالجهود التي توسطت فيها الأمم المتحدة لإنشاء ممر للحبوب الأوكرانية ليتم تصديرها عن طريق البحر، ودعا إلى استمرار الاتفاق بخصوص ممر الحبوب رغم الصراع المستمر.
ورغم وجود وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك لحضور اجتماع الأمم المتحدة، فإن نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة غينادي كوزمين كان جالساً في مقعد بلاده بالقاعة خلال إلقاء كلمة بايدن.
- التنافس على النفوذ
وتطرق الرئيس بايدن إلى التوتر مع الصين، فقال: «اسمحوا لي أن أكون صريحاً بشأن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. وبينما ندير الاتجاهات الجيوسياسية المتغيرة، ستعمل الولايات المتحدة بصفتها قائداً معقولاً»، مضيفاً: «لا نسعى للنزاع. لا نسعى لحرب باردة. لا نطلب من أي دولة أن تختار بين الولايات المتحدة أو أي شريك آخر». ولكنه دعا الصين إلى التعاون الثنائي مع الولايات المتحدة بشأن محادثات المناخ بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان.
وقال إن «الولايات المتحدة ستعمل مع كل دولة؛ بما في ذلك منافسونا، لحل المشكلات العالمية مثل تغير المناخ. ودبلوماسية المناخ ليست خدمة للولايات المتحدة أو أي دولة أخرى».
وعارض بايدن الشكاوى الروسية من أن العقوبات الغربية تضر بصادراتها، مؤكداً أن العقوبات تسمح صراحة لروسيا بتصدير المواد الغذائية والأسمدة، وأن «حرب روسيا هي التي تفاقم انعدام الأمن الغذائي». وحض الدول على عدم تخزين الحبوب بينما يعاني كثير من الناس؛ «في كل بلد في العالم، بغض النظر عما يفرقنا، إذا كان الآباء لا يستطيعون إطعام أطفالهم، فلا شيء؛ لا شيء آخر مهماً». وأعلن الرئيس الأميركي أيضاً أنه يدعم «زيادة عدد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين» في مجلس الأمن ليتاح تمثيل دول من أفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
وجدد الرئيس الأميركي خلال خطابه تأكيد التزام إدارته بحل الدولتين، قائلاً: «سنواصل الدعوة إلى سلام دائم عن طريق التفاوض بين دولة إسرائيل اليهودية والديمقراطية والشعب الفلسطيني». وشدد على أن «الولايات المتحدة ملتزمة بأمن إسرائيل. يظل حل الدولتين المتفاوض عليه في نظرنا أفضل طريقة لضمان أمن إسرائيل وازدهارها... وإعطاء الفلسطينيين دولة تضمن الاحترام الكامل لحقوق المواطنين بشكل متساو مع تمتع كلا الشعبين بالحرية والكرامة».
- رئيسي يدافع... ويتهم
وقبل كلمة الرئيس الأميركي، خاطب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الجمعية العامة مدافعاً عن البرنامج النووي لبلاده، وألقى باللائمة على واشنطن لعدم التوصل إلى اتفاق حول عودة الطرفين إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة». وإذ حذّر من عواقب أي خطوات عسكرية من الغرب ضد بلاده، شدد على أن الطموحات النووية الإيرانية «لها طبيعة سلمية تماماً». وانتقد مجدداً انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي خلال حكم الرئيس السابق دونالد ترمب، قائلاً إن طهران «تريد محاكمة» ترمب بسبب اغتيال قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» الإيراني، قاسم سليماني، الذي قتل في ضربة بطائرة مُسيرة أميركية عام 2020 في العراق. ورفع رئيسي صورة لسليماني. وقال أيضاً إن «إيران وفت بكل التزاماتها.. ولكن النتيجة كانت أن أميركا خالفت وعدها وفرضت عقوبات». وطالب بـ«ضمانات» بأن الولايات المتحدة لن تنسحب مرة أخرى من الاتفاق النووي.

رئيسي رافعاً صورة قاسم سليماني أمام الجمعية العامة (أ.ب)

كما انتقد ما سماها «المعايير المزدوجة» بشأن حقوق الإنسان بعد وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني (22 عاماً)، في حجز للشرطة، التي اعتقلتها «شرطة الأخلاق» في طهران بسبب ارتدائها «ملابس غير لائقة»، وما أعقب ذلك من احتجاجات عكست الغضب العارم إزاء وضع الحريات الشخصية في الجمهورية الإسلامية والاقتصاد الذي يترنح تحت وطأة العقوبات. وقال إن بلاده «ترفض بعض المعايير المزدوجة من جانب بعض الحكومات في ما يتعلق بحقوق الإنسان... وما دامت لدينا هذه المعايير المزدوجة مع تركيز الاهتمام فقط على جانب واحد وليس على الجميع بشكل متساو، فلن يكون لدينا عدالة وإنصاف عن حق». واستطرد أن «حقوق الإنسان حق للجميع، ولكن من المؤسف أن كثيراً من الحكومات تدوس عليها»، في إشارة إلى اكتشاف مقابر للسكان الأصليين في كندا ومعاناة الفلسطينيين وصور لأطفال مهاجرين محتجزين في أقفاص بالولايات المتحدة.
وشدد الرئيس الإيراني على أن «النظام العالمي الأحادي» القائم على الهيمنة والقوة الاقتصادية و«استخدام المنظمات الدولية أداة للقمع» يُرفض من قبل الدول والشعوب في جميع أنحاء العالم. وقال: «هناك نظام جديد يتشكل ليحل محله، ومن دون شك سيتم إنشاؤه من لبنان إلى الأراض الفلسطينية المحتلة. وفي جميع أنحاء منطقتنا نرى السياسات المهزومة لمثل هذا النظام القديم».
- «التدخل» في ليبيا
إلى ذلك، قال رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، إن بلاده «تتلمس طريقها نحو بناء المؤسسات وإرساء مبادئ الديمقراطية». وأضاف في كلمته أمام الجمعية العامة: «نحن ملتزمون بواجباتنا ضمن الجهود الدولية لتجفيف منابع الإرهاب».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي يلقي كلمته أمس (أ.ف.ب)

وتابع أن «التدخل الخارجي في بلادنا يدفع بها نحو المواجهات». وزاد: «ننظر بإيجابية لدور الأمم المتحدة في بلادي ونتطلع لدور فاعل من خلال القيادة الجديدة للبعثة الأممية»، في إشارة إلى تعيين الأمين العام للأمم المتحدة للسنغالي عبد الله باتيلي ممثلاً خاصاً له في ليبيا ورئيساً لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

أوروبا عمال الإنقاذ في فولغوغراد خلال قصف أوكراني في مايو الماضي (رويترز) play-circle

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، بناءً على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق، واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» الباليستي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب إردوغان في البيت الأبيض 25 سبتمبر 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا ترى فرصة لحل قضايا عالقة مع أميركا وتشعر بقلق من ارتدادات سياساتها

تعتقد تركيا بوجود فرصة لحل ملفات عالقة مع الولايات المتحدة، فيما يسود قلق من سياساتها دفع إلى المطالبة بامتلاك برنامج نووي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا صالح مستقبِلاً خوري في مدينة القبة شرق ليبيا (المركز الإعلامي لصالح)

الأمم المتحدة تناشد الليبيين الاتفاق «بحسن نية» على وقف «التشظّي المؤسسي»

اتفق عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي وستيفاني خوري نائبة البعثة الأممية على ضرورة التوصل إلى حل سياسي للانسداد الراهن للحيلولة دون تدهور الأوضاع المعيشية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في البيت الأبيض (رويترز)

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

عدّت الأمم المتحدة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية بما فيها معاهدة باريس لتغير المناخ «خطأً فادحاً».

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر تشدد على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات للسودانيين

شددت مصر على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات الإنسانية إلى السودانيين دون عوائق

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.