ألمانيا ولعبة التوازنات في الحرب الأوكرانية

ألمانيا ولعبة التوازنات في الحرب الأوكرانية

(تحليل إخباري)
الخميس - 26 صفر 1444 هـ - 22 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16004]
المستشار الألماني أولاف شولتز يذكِّر بميثاق الأمم المتحدة (أ.ف.ب)

تلعب ألمانيا منذ بداية الحرب في أوكرانيا لعبة سياسية صعبة، تسعى من خلالها إلى تقديم دعم سياسي ومالي وعسكري واسع لأوكرانيا، من دون إغضاب روسيا أو قطع العلاقات كلياً معها. ومع ذلك، وجدت نفسها أمس أمام نقاش داخلي صعب، بعد التهديدات التي أرسلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للدول الغربية التي تدعم كييف «وتصدر لها أوامر مباشرة لمواجهة روسيا»، وأنه دعا للتعبئة الجزئية لجيش الاحتياط الروسي.

وتجنبت ألمانيا منذ بداية الحرب إرسال أسلحة قتالية ثقيلة لأوكرانيا، على الرغم من انتقاد كييف المستمر لها، ومطالبتها بمعدات عسكرية ألمانية الصنع تقول إنها ستمكنها من استعادة أراضٍ استولت عليها روسيا. وتتحجج برلين لعدم إرسال الأسلحة التي تريدها أوكرانيا، بأنها ستحتاج إلى تدريبات على استخدامها، وبأنها سيتعين عليها طلبها من مصانع الأسلحة؛ كون جيشها لا يملكها، ما قد يستغرق وقتاً لتسليمها.

ويقول المستشار الألماني أولاف شولتز، إن ألمانيا عليها ألا تتصرف منفردة فيما يتعلق بتسليح أوكرانيا؛ بل عليها التنسيق مع الحلفاء، وخصوصاً الولايات المتحدة. وحرص شولتز على الإبقاء على قناة التواصل مع الكرملين، عبر اتصالات هاتفية دورية يجريها بالرئيس الروسي.

ووصف شولتز المكالمات الهاتفية التي أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ بدء الهجوم على أوكرانيا، بأنها «ودية دائماً في نبرتها». وقال شولتز في تصريحات لبرنامج «مقابلة الأسبوع» بمحطة «دويتشلاند فونك» الألمانية، إن هذه كانت الحال حتى لو كان الأمر الذي يطرحه بوضوح يدور حول «وجهات نظر مختلفة للغاية ومتباعدة للغاية». وذكر شولتز أنه إذا أوجز جميع المحادثات التي أجراها مع بوتين مؤخراً، فإنه يرى أنها كانت «تتضمن بالتأكيد تحركات»؛ لكنها لم تكن واسعة النطاق للغاية.

وفي المقابلة مع «دويتشلاند فونك»، أكد شولتز أن ألمانيا لن تتبنى سياسات منفردة عندما يتعلق الأمر بتوريد أسلحة لأوكرانيا، مضيفاً أن الحكومة الألمانية تقوم بالكثير في هذا الأمر؛ مشيراً إلى أن الأسلحة التي أتاحتها ألمانيا على وجه التحديد هي التي «أحدثت الفارق، ومكنت من تحقيق النجاحات: النجاحات الحالية التي تحرزها أوكرانيا»، مضيفاً أنه من المجدي لذلك «أن نواصل ذلك هناك».

وبعد انقطاع دام عدة أشهر، اتصل المستشار ببوتين مرة أخرى يوم الثلاثاء الماضي، واستغرقت المحادثة 90 دقيقة، حسب بيانات الحكومة الألمانية. ووفقاً للبيانات، دعا شولتز خلال المكالمة إلى إيجاد حل دبلوماسي للحرب الروسية في أوكرانيا، في أسرع وقت ممكن، على أساس وقف إطلاق النار، والانسحاب الكامل للقوات الروسية، واحترام وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها. ورد شولتز أمس على إعلان بوتين بالقول إنه قرار «لا يمكن تفسيره إلا أنه نتيجة فشل الهجوم على أوكرانيا».

وصدر كلام مشابه عن الوزراء المنتمين لأحزاب أخرى داخل الحكومة الألمانية، وقال وزير الاقتصاد روبرت هابيك، المنتمي لحزب «الخضر»، إن قرار بوتين «خطوة أسوأ وخاطئة»، مضيفاً أن الحكومة تبحث سبل الرد على قرار بوتين. وبعث هابيك برسالة طمأنة إلى أوكرانيا؛ مؤكداً أن ألمانيا مستمرة في دعمها الكامل لكييف.

كذلك، قال وزير المالية كريستيان ليندنر، المنتمي للحزب «الليبرالي»، إن «الخطوة دليل ضعف»، مضيفاً أن «أوكرانيا غير خائفة، ولا يتعين علينا أيضاً أن نخاف». ومع ذلك حذر ليندنر من أن «الحرب ستطول، وعلى ألمانيا أن تحضر نفسها لذلك سياسياً واقتصادياً».

وحذر الدبلوماسي الألماني السابق كريستوفر هويسغن الذي يرأس مؤتمر ميونيخ للأمن منذ مطلع العام، بأنه لا يجب على ألمانيا أن تصدر أسلحة ثقيلة «منفردة» إلى أوكرانيا، وبأنها عليها التنسيق مع دول أخرى في ذلك؛ خصوصاً أن إرسال أسلحة ثقيلة ألمانية الصنع سيتطلب تدريب القوات الأوكرانية على استخدامها.

ونقلت القناة الألمانية الأولى عن الخبير العسكري ماركوس كايم، من معهد الدراسات العلمية والسياسية، قوله إن بوتين «يحاول التأثير على النقاش الدائر في أوروبا والولايات المتحدة» حول استمرار دعم أوكرانيا، وإنه «يريد أن يؤكد أن الحرب لن تنتهي قريباً». وأضاف: «بوتين يراهن على تعب الغرب، وعلى ارتفاع الأصوات التي تحذر من أن استمرار دعم أوكرانيا سيؤدي إلى تصعيد خطير».

وعلى الرغم من أن حزب المعارضة الرئيسي، «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، يدعو لاستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، فإن حزب اليمين المتطرف المعارض الذي يحظى بمقاعد أقل بقليل داخل البرلمان الفيدرالي، يحذر من ذلك. وقال أمين عام الحزب تينو شروبيلا، أمس، بعد تصريحات بوتين: «إن هناك تهديداً بحرب عالمية ثالثة».

وتسبب حزب «البديل لألمانيا» في جدل خلال اليومين الماضيين، بسبب خطط ثلاثة من أعضائه لزيارة أراضٍ في شرق أوكرانيا تحت سيطرة روسيا، بحجة الاطلاع على الأوضاع الإنسانية. ولكن الزيارة عرَّضت الحزب لانتقادات كبيرة، واتهامات بأن روسيا ترعاها وخططت لها. وبينما يُتهم الحزب اليميني المتطرف بالقرب من روسيا، يواجه حزب اليسار المتطرف «دي لينكا» جدلاً داخلياً كبيراً قد يؤدي إلى انقسامه، بعد ظهور معسكر رافض للعقوبات على روسيا، وآخر مؤيد لها.

وتخطت ألمانيا في بداية الحرب نقاشاً حول مساعدة أوكرانيا عسكرياً، بعد أسابيع طويلة من النقاش الداخلي. وفي بداية الحرب، سخِرت أوكرانيا من ألمانيا التي أعلنت عن تقديم 500 خوذة عسكرية لكييف، في وقت كانت الولايات المتحدة وبريطانيا فيه قد بدأتا ترسلان لها أسلحة تخولها الدفاع عن نفسها.

وعلى الرغم من أن ألمانيا وافقت أخيراً على إرسال أسلحة إلى كييف، فهي حذرة في نوع الأسلحة التي ترسلها إليها، خوفاً من تخطي «الخطوط الحمراء» مع روسيا التي تفصلها عنها بولندا فقط، ما يجعلها من أقرب الدول الغربية إليها جغرافياً.


أميركا الأمم المتحدة المانيا حرب أوكرانيا

اختيارات المحرر

فيديو