نهر دجلة يصارع الموت في العراق

أجزاء منه تحولت بركاً... ومزارعون على ضفافه يضطرون للهجرة

المزارع أبو مهدي وسط حقله على ضفاف دجلة في ديالى (أ.ف.ب)
المزارع أبو مهدي وسط حقله على ضفاف دجلة في ديالى (أ.ف.ب)
TT

نهر دجلة يصارع الموت في العراق

المزارع أبو مهدي وسط حقله على ضفاف دجلة في ديالى (أ.ف.ب)
المزارع أبو مهدي وسط حقله على ضفاف دجلة في ديالى (أ.ف.ب)

روى جنة عدن وسومر وبابل عبر التاريخ، لكن نهر دجلة اليوم يصارع الموت. إذ يهدد النشاط البشري الجائر والتغير المناخي بمحو شريان حياة عمره آلاف السنوات.
في العراق، هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 42 مليوناً، يعد دجلة مصدراً للحضارة وللزراعة، الكوارث الطبيعية لا تعد ولا تحصى. بدءاً من أبريل (نيسان)، تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية، وتتوالى العواصف الرملية مغطية البشر والحيوانات والآلات بغشاء برتقالي. ثم يحل فصل الصيف، موسم الجحيم بالنسبة إلى العراقيين، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية، وتنقطع الكهرباء بسبب زيادة الضغط على الشبكة.
أصبح العراق اليوم واحداً من أكثر خمسة بلدان في العالم عرضة لعواقب تغير المناخ، حسب الأمم المتحدة، مع الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتصحر المتسارع.
وتأثر بذلك نهر دجلة مع تراجع الأمطار، وكذلك بسبب السدود المبنية في تركيا، حيث ينبع النهر.
وجاب مصور فيديو من وكالة الصحافة الفرنسية ضفاف النهر، من المنبع العراقي في الشمال إلى البحر في الجنوب، للإضاءة على هذه الكارثة التي أجبرت السكان على تغيير أسلوب حياتهم.
تبدأ الرحلة العراقية لنهر دجلة في جبال كردستان عند تقاطع العراق وسوريا وتركيا. هنا، يكسب السكان لقمة عيشهم من خلال زراعة البطاطا وتربية الأغنام. على الحدود مع سوريا، قرب الحدود مع تركيا، يقول بيبو حسن دولماسا المتحدر من قرية زراعية في منطقة فيشخابور، والبالغ 41 عاماً، «حياتنا تعتمد على دجلة. عملنا وزراعتنا يعتمدان عليه». ويضيف: «إذا انخفض منسوب المياه، ستتأثر زراعتنا ومنطقتنا بالكامل». ويوضح أن المياه «تتناقص يوماً بعد يوم. من قبل، كانت المياه تتدفق في سيول».

- اتهامات لتركيا وسدودها باحتجاز المياه
تتهم السلطات العراقية والمزارعون الأكراد في العراق، تركيا، بقطع المياه عن طريق احتجازها في السدود التي أنشأتها على المجرى قبل وصوله إلى العراق. وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك: فمستوى نهر دجلة لدى وصوله من تركيا هذا العام لا يتجاوز 35 في المائة من متوسط الكمية التي تدفقت على العراق خلال المائة عام الماضية. وكلما ازداد احتجاز المياه، قل تدفق النهر الذي يمتد على 1500 كيلومتر يجتازها نهر دجلة قبل أن يندمج مع توأمه نهر الفرات، ويلتقيا في شط العرب الذي يصب في الخليج. ويشكل هذا الملف مصدراً للتوتر.
وتطلب بغداد بانتظام من أنقرة الإفراج عن كميات أكبر من المياه. ورداً على ذلك، دعا السفير التركي لدى العراق علي رضا غوني، في يوليو (تموز)، العراقيين، إلى «استخدام المياه المتاحة بفعالية أكبر». وأضاف في تغريدة: «المياه مهدورة على نطاق واسع في العراق».
حتى أن الخبراء يتحدثون عن أساليب ري طائشة: كما في زمن السومريين، يستمر المزارعون العراقيون في إغراق حقولهم لريها ما يؤدي إلى هدر هائل في المياه.
في بعض الأماكن، يبدو النهر مثل برك ناتجة عن مياه الأمطار. فالتجمعات الصغيرة للمياه في مجرى نهر ديالى هي كل ما تبقى من رافد نهر دجلة في وسط العراق، الذي بدونه لا يمكن زراعة أي شيء في المحافظة.

- الهجرة باتت الخيار الوحيد للمزارعين
بسبب الجفاف، خفضت السلطات هذا العام المساحات المزروعة في كل أنحاء البلاد إلى النصف. ونظراً إلى أن لا مياهاً كافية في ديالى، فلن يكون هناك حصاد.
ويشكو المزارع أبو مهدي (42 عاما) قائلاً: «سنضطر إلى التخلي عن الزراعة وبيع ماشيتنا، ونرى أين يمكننا أن نذهب». ويضيف: «لقد شردتنا الحرب (إيران والعراق في الثمانينات). الآن سنهاجر بسبب المياه. بدون الماء، سنصبح نازحين، ولا يمكننا مطلقاً العيش في هذه المناطق». ويتابع أبو مهدي: «استدنتُ لحفر بئر عمقها 30 متراً، لكنه كان فشلاً تاماً»، موضحاً أن المياه المالحة لا يمكن حتى استخدامها في الري أو للحيوانات.
وبحلول عام 2050، «سيؤدي ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة وانخفاض المتساقطات بنسبة 10 في المائة، إلى انخفاض بنسبة 20 في المائة في المياه العذبة المتاحة» في العراق، وفق ما حذر البنك الدولي نهاية عام 2021.
وحذرت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية في يونيو (حزيران) من أن ندرة المياه والتحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، هي من «الدوافع الرئيسية للهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية» في العراق. وبحلول نهاية مارس (آذار) 2022، نزحت أكثر من 3300 أسرة بسبب «العوامل المناخية» في عشر مقاطعات من وسط البلاد وجنوبها، وفقاً لتقرير نشرته المنظمة الدولية للهجرة في أغسطس.
هذا الصيف، كان منسوب نهر دجلة منخفضاً في بغداد، لدرجة أن شباناً كانوا يلعبون الكرة الطائرة في وسط النهر. وكانت المياه تصل بالكاد إلى مستوى خصورهم. وترد وزارة الموارد المائية ذلك إلى «الرواسب الرملية». فنظراً إلى أن هذه الرواسب لم تعد تنصرف باتجاه الجنوب بسبب نقص تدفق المياه، تراكمت في قاع دجلة واختلطت بالمياه المبتذلة، ما أدى إلى صعوبة تدفق مياه النهر. وحتى وقت قريب، كانت الحكومة ترسل آلات لشفط الرمال الراكدة في قاع النهر، لكن بسبب نقص الموارد، توقفت غالبية المضخات عن العمل. وتقول الناشطة البيئية هاجر هادي (28 عاماً) إن هناك «قلة إدراك» لحجم المشكلة من جانب الحكومة والسكان، علماً بأن «العراقيين يشعرون بالتغيرات المناخية التي تترجم بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب المياه، وتراجع هطول الأمطار والعواصف الترابية».

- مياه الخليج المالحة غزو شط العرب
المحطة الأخيرة في رأس البيشة. هناك، على حدود العراق وإيران والكويت، يتدفق شط العرب إلى الخليج. ويقول الملا عادل الراشد، وهو مزارع نخيل يبلغ 65 عاماً، «انظروا إلى أشجار النخيل هذه، إنها عطشى. تحتاج إلى الماء. هل أرويها بالكوب؟». ويضيف: «انتهى نهرا دجلة والفرات. لا توجد مياه عذبة، لم تعد هناك حياة. النهر مياه مالحة».
ومع انخفاض منسوب المياه العذبة، بدأت مياه البحر تغزو شط العرب. وتشير الأمم المتحدة والمزارعون بأصابع الاتهام إلى أثر تملح المياه على التربة وانعكاساته على الزراعة والمحاصيل.
ويشتري الملا عادل الراشد المياه العذبة من صهاريج حتى يتمكن من الشرب هو وحيواناته. ويقول إن الحيوانات البرية حتى تغامر بالذهاب إلى المنازل للحصول على مياه الشرب من السكان.
ويضيف بحزن: «حكومتي لا تزودني المياه. أريد ماءً، أريد أن أعيش، أريد أن أزرع، كما فعل أجدادي الذين زرعوا أشجار النخيل واستفادوا من التمر».
يعود نعيم حداد حافي القدمين بقاربه إلى منزله بعد يوم من الصيد في شط العرب. على أطراف البصرة في أقصى جنوب العراق، تستقبله إحدى بناته الخمس على الضفة فيما يعرض كيساً مليئاً بالسمك. ويقول الرجل الأربعيني، «نكرس حياتنا للصيد بالتوارث»، مشيراً إلى أن ذلك هو مصدر رزقه الوحيد الذي يسمح له بإعالة أسرته المكونة من ثمانية أفراد. «لا راتب حكومياً، ولا علاوات». ويتابع: «في الصيف، لدينا مياه مالحة، ومياه البحر ترتفع وتصل إلى هنا».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

شبكة المنظمات الأهلية في غزة: البيوت المتنقلة لم تدخل إلى القطاع

فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتجمعون لوجبة الإفطار بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

قال رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا، اليوم (السبت)، إن أياً من البيوت المتنقلة (الكرفانات) لم تدخل إلى قطاع غزة حتى الآن رغم الاحتياجات الإنسانية الواسعة للنازحين، متهماً الجيش الإسرائيلي بمواصلة السيطرة على مساحات واسعة من القطاع، وتوسيع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» باتجاه المناطق السكنية.

وأضاف الشوا، في تصريحات صحافية حصلت عليها «وكالة الأنباء الألمانية»، أن «آلاف العائلات لا تزال تقيم في خيام مهترئة أو في العراء، في ظل غياب حلول إيوائية حقيقية، وعدم السماح بإدخال البيوت المتنقلة المنصوص عليها ضمن التفاهمات الإنسانية».

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

وأشار الشوا إلى أن القوات الإسرائيلية «تسيطر فعلياً على نحو 60 في المائة من مساحة قطاع غزة»، لافتاً إلى أن توسيع نطاق ما يُسمى «الخط الأصفر» أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للسكان، خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية من القطاع.

وقال الشوا إن «استمرار هذه الإجراءات يعقّد جهود الإغاثة، ويحدّ من قدرة المؤسسات الأهلية والدولية على الوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً»، داعياً إلى «فتح المعابر بشكل كامل ومنتظم، لإدخال مستلزمات الإيواء ومواد الإعمار والمساعدات الإنسانية».

وبشأن حركة المعابر، أوضح الشوا أن دخول المساعدات لا يزال «دون المستوى المطلوب»، مشيراً إلى أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والبيوت الجاهزة تعرقل معالجة أزمة السكن المتفاقمة منذ أشهر. ولم يصدر أي تعليق من الجانب الإسرائيلي بشأن هذه التصريحات.

ويأتي ذلك في ظل أوضاع إنسانية صعبة يشهدها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بين إسرائيل وحركة «حماس»، التي أسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية والمنازل.

آلاف العائلات الفلسطينية لا تزال تقيم في خيام مهترئة أو في العراء وسط أنقاض منازلها في قطاع غزة (أ.ف.ب)

ودخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلا أن مؤسسات محلية في غزة تقول إن القيود على الحركة والمعابر ما زالت تؤثر على وتيرة إدخال المساعدات ومواد الإعمار.

ويُستخدم مصطلح «الخط الأصفر» للإشارة إلى مناطق تنتشر فيها القوات الإسرائيلية أو تُصنف بوصفها مناطق عازلة قرب الحدود، حيث يُقيّد وصول السكان إليها؛ مما يقلص المساحة المتاحة للأنشطة السكنية والزراعية.

وتقدّر مؤسسات أممية ومحلية أن مئات آلاف الفلسطينيين ما زالوا في حاجة إلى حلول إيواء مؤقتة أو دائمة، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية إلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار عبر المعابر المؤدية إلى القطاع.


الأردنيون قلقون على «تحويشتهم»

محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
TT

الأردنيون قلقون على «تحويشتهم»

محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)
محل تجاري بسوق الحسين في العاصمة الأردنية عمّان (رويترز)

تابع الأردنيون على مدى الأيام القليلة الماضية، القرار الحكومي المرتقب بدفع تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، لمجلس النواب.

وبعد الإعلان عن الأسباب الموجبة للتعديلات، بدأت مروحة من الانتقادات اتهمت حكومة جعفر حسان بسعيها لـ«إفلاس الضمان».

ووسط ارتباك حكومي واضح، بحسب متابعين، فقد انتظر الأردنيون لحظة إرسال مشروع معدل لقانون الضمان الاجتماعي، لكن الحكومة و«بعد تردد»، قررت نشر مسودة التعديلات على نافذة «ديوان التشريع والرأي»، لاستقبال ملاحظات وتعليقات المواطنين، قبل المضي بالمسار الدستوري لمناقشة وإقرار القانون.

وأمام التعديلات المقترحة، بدأت فعاليات شعبية تطالب مجلس النواب بـ«رد القانون» ورفض المساس بـ«ضعاف المشتركين» لصالح القطاع الخاص، ورجال الأعمال، وتضخيم الأرباح على حساب رفع سنوات سن التقاعد الوجوبي والمُبكر من العاملين بأجور تلامس مستوى الحد الأدنى للأجور.

رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان (أ.ف.ب)

التعديلات التي وقف أمامها محسوبون على الخط الرسمي، حذروا من أن تكون سبباً «في عودة الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع»، نظراً لمس القانون بشرائح اجتماعية واسعة. والخوف لدى مراكز القرار، هو من عودة الاحتجاجات لكن بسقوف مرتفعة أمام ظروف اقتصادية اجتماعية مركبة، وارتفاع نسب وأرقام الفقر والبطالة في البلاد.

التاريخ يعيد نفسه

في شهر رمضان من عام 2018، أرسلت حكومة هاني الملقي بمشروع قانون معدل لقانون ضريبة الدخل، وقد كان وقتها رئيس الحكومة الحالي جعفر حسان نائباً لرئيس الوزراء ورئيساً للفريق الاقتصادي في الحكومة. وتسبب ذلك القانون بتداعيات أسقطت الحكومة شعبياً.

وبما يشبه سيناريو تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، سارت تعديلات قانون ضريبة الدخل في ذلك الوقت. وبدأ الحراك الشعبي صاخباً؛ لأن الحكومة وقتها لم تُعط الرأي العام الاهتمام المطلوب في شرح موقفها من التعديلات. وكانت النتيجة أن قوى شعبية وحراكات زحفت نحو منطقة الدوار الرابع (مقر الحكومة) تطالب بإسقاطها. وهو ما حصل.

كما الآن، لم تدافع الحكومة ولم تظهر مُدافعة عن موقفها. وتوارى الرجل الثاني حينها جعفر حسان ولم يدافع عن الحكومة ومشروعها الاقتصادي. في وقت لم يستطع فيه أحد تفسير موقف حسان إن كان مع أو ضد النسخة الحكومية من تعديلات قانون جدلي يمس جيوب الأردنيين.

صورة للوزراء الجدد في حكومة جعفر حسان يتوسطهم العاهل الأردني وولي العهد (بترا)

وانتهت أزمة الاحتجاجات الشعبية التي حاصرت الحكومة، باستقالة حكومة هاني الملقي، وتكليف عمر الرزاز بتشكيل الحكومة التي تلتها، وخرج حسان مؤقتاً من موقعه الحكومي ليعود بعد عامين مديراً لمكتب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حتى تم تكليفه بتشكيل الحكومة الحالية في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024.

ووسط اتهامات نخبوية لحسان، باستكماله لسياسيات ليبرالية استقوت على القرار الرسمي، خرجت تحذيرات من أن الحكومات تسعى لتفجير احتجاجات شعبية، تضعف مركز الثقة بالسلطة التنفيذية، والعودة لمربع المطالبات الشعبية من الملك، للتدخل ووضع حد للسياسات الاقتصادية المجحفة التي انتهجتها الحكومات، الأمر الذي اعتبرته نخب رسمية، «دليلاً على فشل الحكومات في تحمل مسؤولياتها». بحسب ما استمعت إليه «الشرق الأوسط» من شخصيات محسوبة على القصر.

تعديلات انتصرت للقوي على حساب الضعيف

سلة من الأسئلة والمواقف طرحتها منصات التواصل الاجتماعي على الحكومة، وجميع تلك الطروحات تعود لجذر السؤال الأصلي؛ لصالح مَن التعدي على حقوق قدامى المشتركين الذين وجدوا أنفسهم أمام حقيقة العمل لسنوات أطول، بمقابل نقصان في قيمة الراتب التقاعدي عند استحقاقه؟

منظر عام لأفق مدينة عمّان (رويترز)

من المخاوف والمواقف التي تسري في تعبئة الأجواء ضد التعديلات، أن التعديلات المقترحة رفعت سن التقاعد الوجوبي إلى (65) عاماً بدلاً من (60)، ورفع سن التقاعد المُبكر لسن الـ(60) عاماً بدلاً من (55). الأمر الذي قطع الطريق على كثيرين استحقوا التقاعد المبكر وهم في سن الـ(50) عاماً، واليوم صار مطلوباً منهم الاستمرار في العمل حتى سن الـ(60).

ومن المخاوف التي عبر عنها نواب وخبراء اقتصاديون، مسألة تخفيض قيمة اشتراكات الضمان الاجتماعي للمعينين الجدد من الشباب في مؤسسات القطاع الخاص، وخسارة هذه الفئة لسنوات اشتراكاتها الأولى بقيمة تقل عن الرواتب التي تتقاضاها ما يحرم الضمان من إيرادات تساعدها على استمرارية الأداء بكفاءة.

المخاوف كذلك شملت الأردنيين العاملين في الخارج والمشتركين اختيارياً، فمع رفع سن التقاعد الوجوبي والمُبكر، فإن الأعباء ستزيد على هؤلاء الذين استقرت حساباتهم على بعد سنوات قريبة من التقاعد والاستقرار في بلدهم. وكذلك الحال مع العمالة الوافدة الخاضعة لاشتراكات الضمان الاجتماعي الذين أصبحوا مطالبين بالبقاء حتى سن الـ(60) لتقاضي راتب تقاعدي أو تسلم تأمينات الدفعة الواحدة.

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)

وفي مواجهة المبررات الحكومية لتعديلات قانون مؤسسة الضمان الاجتماعي الذي يُعرف بـ«تحويشة الأردنيين»، وهي التعديلات التي تستهدف إبعاد نقطة التعادل بين إيرادات ونفقات صندوق الضمان لمدد أطول، فإن تساؤلات طرحها خبراء حول الأسباب الحقيقية وراء شبح إفلاس الضمان، ومنها التوسع في الاقتراض الحكومي من صناديق الضمان الاجتماعي الاستثمارية، حيث بلغت الديون الحكومية لصالح الضمان نحو 12 مليار دينار أردني، من أصل موجودات الصندوق التي تصل إلى 18 مليار دينار.

وبحسب الخبراء، فإن استثمارات الضمان بفوائد الاقتراض الحكومي واعتبارها أرباحاً سهلة، من شأنها إضاعة فرص تحقيق أرباح من مشاريع استثمارية استراتيجية. لكن السيطرة الحكومية على مؤسسة الضمان الاجتماعي من خلال فرض وزير العمل على المؤسسة بحكم موقعه رئيساً لمجلس الإدارة، أضعف إدارة الضمان، وحدّ من صلاحيات الإدارات الفنية العليا، وأثرّ على قرار الصناديق الاستثمارية التي تُعد صناديق سيادية يملكها الأردنيون؛ سواء خلال سنوات العمل أو التقاعد.


الرئيس السوري مطمئن لآلية تنفيذ الاتفاق مع «قسد»

الوفد الحكومي السوري في مطار القامشلي السبت (مديرية إعلام الحسكة)
الوفد الحكومي السوري في مطار القامشلي السبت (مديرية إعلام الحسكة)
TT

الرئيس السوري مطمئن لآلية تنفيذ الاتفاق مع «قسد»

الوفد الحكومي السوري في مطار القامشلي السبت (مديرية إعلام الحسكة)
الوفد الحكومي السوري في مطار القامشلي السبت (مديرية إعلام الحسكة)

نقلت مصادر في دمشق لـ«الشرق الأوسط»، السبت، أن الرئيس السوري أحمد الشرع «مطمئن للآلية، والإيقاع اللذين يسير عليهما الاتفاق مع (قسد)». وقالت المصادر التي التقت الشرع قبل أيام «إن لديه لكل مشكلة ألف حل فيما يخصّ توحيد سوريا أرضاً وشعباً»، في حين يحاول تيار «متشدد داخل (قسد) الدفع بالأمور دوماً نحو الانهيار».

وتبدو دمشق ماضية في قراراتها، لمعالجة مشكلة «قسد» وشرعت بتنفيذ ما أسمته «اندماجاً» ما بين مؤسسات الدولة وهياكل التنظيم الكردي الإدارية، والعسكرية، وفق ما قاله الكاتب السياسي إبراهيم الجبين لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى «أنه في الوقت ذاته، يدير الرئيس الشرع ما يحيط بالتفاصيل في محافظة الحسكة، عبر التفاهمات مع التحالف الدولي، والجيش الأميركي الذي يخلي قواعده، ويسلّمها لوزارة الدفاع السورية».

الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح مظلوم عبدي قائد «قوات سوريا الديمقراطية» في دمشق 10 مارس 2025 (سانا)

وقال الجبين الذي حضر لقاء الرئيس السوري مع نخبة من الأدباء والمثقفين العرب الذين شاركوا في «معرض دمشق الدولي للكتاب»: إن الرئيس الشرع بدا مطمئناً للآلية، والإيقاع اللذين يسير عليهما الاتفاق مع «قسد». وقال إن «لديه لكل مشكلة ألف حل فيما يخص توحيد سوريا أرضاً وشعباً». وأشار الجبين إلى وجود «تيار متشدد داخل (قسد) يحاول الدفع بالأمور دوماً نحو الانهيار... وفي هذا السياق تندرج تصريحات إلهام أحمد وغيرها التي تريد من ورائها استفزاز دمشق، من جهة، وإخماد احتجاجات مؤيدي حزب (العمال الكردستاني) على تراجع (قسد) عن وعودها، وتهديداتها بالقتال، والصمود، من جهة ثانية».

وفي المقابل، رأى الجبين «أن هناك تياراً قوياً في (قسد) بدأ يميل نحو التسوية، والواقعية، بعد أن خلع ثياب الميليشيا واستبدل بها الهيئة الحكومية، وهذا ما نراه في أداء محافظ الحسكة، وحتى في توجهات القيادات الكردية التي كانت تتبع لـ(قسد)، والتي تريد صبّ جهودها على ما قدّمه المرسوم 13 الذي منح للأكراد السوريين الكثير من الحقوق التي طالبوا بها لعشرات السنين. ومن بينها منح الجنسية للمحرومين منها، واعتماد اللغة الكردية في المناهج التربوية في بعض المناطق التي تشهد وجوداً سكانياً كردياً ملحوظاً. وكل ذلك يسير بالتوازي مع مواكبة أميركية لكل خطوة تتخذها دمشق في هذا الملف».

اجتماع أمني تقني في مطار القامشلي (مديرية إعلام الحسكة)

وكانت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد صرحت يوم الجمعة الماضي لقناة «روناهي» الكردية بأنه «لم يتم تنفيذ العديد من بنود اتفاقية 29 يناير (كانون الثاني) حتى الآن»، محذرة من «خطر اندلاع حرب جديدة في سوريا»... كما اتهمت الحكومة السورية بأنها «لا تريد للكرد أن يكون لهم حضور فعال في مؤسسات الدولة»، ورأت أن «خطاب الكراهية الذي تستخدمه بعض فئات المجتمع يعرقل تنفيذ الاتفاقية».

الباحث السياسي الكردي مهدي داود اعتبر تصريحات أحمد بأنها «تثير التوتر»، وقال «إن (PYD) الذراع العسكرية لحزب (الاتحاد الديمقراطي)، تستفيد من التوتر، وتشعر بأنها أقوى، والعكس صحيح، عندما تكون الأمور هادئة، والحياة المدنية تسير بشكل طبيعي».

وفيما يتعلق بآلية الدمج، رأى الباحث مهدي داود أنه «من المبكر جداً تقييمها»، لافتاً إلى أنه السبت «حطت طائرة في مطار القامشلي، ولو كان هناك توتر، أو من يعارض الاتفاق لكان سيعوق هبوط الطائرة».

جولة وفد حكومي رفيع في مطار القامشلي (مديرية إعلام الحسكة)

وتسلمت رسمياً «الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي» في سوريا إدارة وتشغيل مطار قامشلي في إطار استكمال تنفيذ بنود اتفاق 29 يناير، وقام وفد حكومي من مديري الإدارات في الهيئة بجولة ميدانية شاملة في أروقة المطار، ومرافقه الحيوية، للاطلاع على الجهوزية الفنية، والواقع التشغيلي، ومنظومات الملاحة الجوية. وتم بحث وضع خطة متكاملة لإعادة التشغيل الكامل للرحلات الجوية، بهدف تعزيز الربط الجوي، وتنشيط الحركة الاقتصادية والخدمية في المنطقة.

المفرج عنهم من سجن علايا (صحيفة الفرات المحلية)

وتزامن ذلك مع الإفراج عن 51 معتقلاً من سجن علايا الذي لا تزال قوات «قسد» تديره، وقالت صحيفة «الفرات» الرسمية المحلية إن معظم المفرج عنهم من أبناء محافظة دير الزور، وتم ذلك بمبادرة مباشرة من محافظ الحسكة نور الدين أحمد، وبدعم من شيوخ ووجهاء العشائر الكردية، والعربية، وتزامناً مع العفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع. وقال محافظ الحسكة إن هذه الخطوة «تمثل جزءاً من مساعٍ أكبر لتعزيز روح التعاون بين مختلف مكونات المجتمع السوري، ودعم السلم الأهلي، والاستقرار المجتمعي».