«العين بالعين»... العقاب المقتول واستحالة الحقيقة

«العين بالعين»... العقاب المقتول واستحالة الحقيقة

سيرين عبد النور ورامي عياش يطاردان العدالة كسراب
الأربعاء - 25 صفر 1444 هـ - 21 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16003]
رامي عياش بدور الضابط عزام في وداع سيرين عبد النور

نهاية مسلسل «العين بالعين» المأساوية، تشير إلى ما لا يمكن التغاضي عنه، خصوصاً في لبنان: سخرية القدر. فالمجرم يتفلت من العقاب والبريء يتحول إلى ضحية. هذا أقصى ما تُصدره الأقدار من قهقهات عالية. بدور صحافية شجاعة لا تتراجع، تؤدي سيرين عبد النور شخصية نورا فارس. طوال 15 حلقة عرضتها «شاهد»، وهي تحارب طواحين الهواء. مصيرها الموت برصاص لا يرحم.
يحلو لها التذكير خلال الرد على تغريدات المهنئين بحلاوة الأصداء، أن العمل الذي كتبته سلام كسيري وأخرجته رندا علم، «ليس ترفيهياً»، بل يستند إلى رسالة إنسانية صارخة. محقة، فالتحية نبيلة لضحايا الكلمة والصورة. حين خطرت لها فكرة المسلسل، تصورت مهمة بطلته والمطبات المعترضة طريقها. أن تحمل الصحافية الاستقصائية نورا فارس كاميرتها، فهي سلاحها في وجه أسلحة تهشم الأرض والشعب؛ وأداتها المناهضة للأداة القاتلة التي أردتها بلا شفقة، كما أودت بكثيرين إلى حتفهم ولم يقبض على القتلة بعد.
إذا كان رامي عياش بشخصية الضابط عزام نموذجاً للشرطي الشهم المنهمك بإعلاء الحقيقة، فإن أمثاله في الواقع يدركون أن سعيهم هذا سراب في صحراء. في عزام الكثير من الفنان المتمسك بالاجتهاد دوراً بعد دور. لم يكن غريباً عنه، فمنحه بعض صفات فروسية أهل الجبل، وتزين بفخر وهو يذكر نورا أنه استضافها في منزله رغم شبهات حولها لأن قيم القرى لا ترد الضيف. شكلا تحالفين: الأول ينطلق من هدف، والثاني يستريح عند رجفة القلب. في الحالتين، أمام الضمير والعاطفة، جمعتهما كيمياء لُمح وهجها.
على طريق تحقيق العدالة، ذئاب تُصدر عواءها وأرصفة يُرمَى عليها المقدمون قرابين على المذابح. كادت نورا أن تكون «كبش فداء» يُضحى بها لنجاة مرتكبي الجريمة، لولا تحليها بقلب يأبى الخوف وعقل يؤجل التفكير لمصلحة فورية التنفيذ. تلتقي في مصيرها الدموي مع راجي الذي يؤدي دوره باحتراف طوني عيسى. هذه سخرية القدر الدارجة في لبنان، حيث بعض البراءة تُعامل معاملة أكثرية الشر المُسيطر. موت والد نورا، فمقتل صديقها الصحافي (مجدي مشموشي بمَشاهد قليلة لافتة)، من ثم مقتلها، مأساوية تتساوى بفظاعة إزهاق أرواح كل من ماتوا لتضليل العدالة والتخلص من الشهود. نهاية راجي ويده اليمنى في تنفيذ الجريمة، تأكيد عبثي آخر على أن المحاسبة مجتزأة، تطال المقدور عليهم فقط.
يبقى «الكبار» بمنأى عن السَوق إلى السجون والقصاص العادل. جورج شلهوب ورودريغ سليمان في النزعة المتوغلة مفاعيلها داخل التركيبة اللبنانية: فساد وأوامر بالتصفية، فالتستر بقناع نعجة. أمام نفوذهما، تتراجع أشواطاً فرص اجتثاث أصل العلة، ولو تجرأت الابنة كريستين شويري على إدانة الأب شلهوب والتعاون ضده مع الشرطة لملاحقة قتلة زوجها؛ بدليل أن نورا تُصفى بدم بارد ولا يبقى من بعدها سوى الرجاء بوطن يجرؤ على المحاسبة.
من قضية اغتيال العميد غسان شفيق (يوسف حداد) المعروف بنزاهته في جهاز الجمارك، يُفتح الجرح اللبناني على مصراعيه. بمرور مدته ثوانٍ للهيب انفجار المرفأ والأسماء الغارقة بدمائها، على شاشة أمام عزام وقيادة الشرطة، تصبح الوعود ما يملكه النزهاء في بلاد الحقيقة المستحيلة. يتبادل محترقون من الداخل الأمل بالوقوع على يوم لا يدوم فيه الظلم ولا تتفشى سلطة الضمائر الميتة.
المسلسل لبناني (إنتاج «الصبّاح أخوان»)، يمنح الدراما في وطن مأزوم دافعاً للنهوض. ومعه يمكن القول إن في لبنان محاولات جدية للارتقاء بالنوع، تثمر وتزهر. يملأ أكثرية الممثلين أدوارهم، فيضيفون إلى النص ما يحلي المُشاهدة. «البطل» هي الرسالة، لا مجموع أحداث تشكل مشاهد ذروتها، أكثر مما يحمس عليها سياق كامل تتخلله أحياناً برودة؛ كمشهد رثاء نورا لوالدها، فالمواجهة بينها وبين راجي، ثم مقتلها ووداع عزام لها.
هذه سردية من يوميات اللبناني المُعتاد على لفلفة قضاياه الكبرى وإهدائها للغبار. تكرر نورا ما يريد المسلسل إيصاله إلى الأحياء تقديراً للدماء المهدورة، وعلى لسانها تصل الرسائل المؤلمة. الحركشة بوكر الأفاعي تقتل صاحبها بسمها، كما قتل أحرار الكلمة والفكر. تحولها من صحافية استقصائية تلاحق ملفات الفساد وأزلامه، إلى مصورة «باباراتزي» تتعقب رائحة الفضيحة لتأمين عيشها بعد الطرد من عملها، بمثابة لحظة صحو متأخرة، تحل حين تصبح جزءاً من التحقيق في جريمة صدف أن شهدت عليها. لكن الأوان يفوت، وحين تعتزم العودة إلى واجبها المهني وتوظيف قلبها القوي في مكانه الصح، يسبقها الرصاص إلى جسدها فيهمده جثة.
يدين المرء لمواقف تعيده إلى معدن صاف يشرد عنه جراء ظرف أو مغريات. يفتح عزام قلبه للحب، فيهرع القدر الساخر ليوصد جميع الأبواب. وتكتشف رندا (شويري) دموية أب خدعها باللعب على الحبال، فيما لم تكن لختام اللحام بدور أم راجي المحترقة على لقاء ابن يُعد في سجلات النفوس بين الموتى، فرصة ثانية. كرة الثلج تتدحرج في اتجاه نار تشتعل في العمق اللبناني، ليسيل الضحايا من كل صوب. الشجعان القتلى ندوب أوطانهم المسكينة.


اختيارات المحرر

فيديو