فريق تحقيق أممي إلى إيزيوم الأوكرانية بعد العثور على «مقابر جماعية»

كييف تعلن اكتشاف جثث مقيدة الأيدي و«غرف تعذيب» في مناطق استعيدت من الجيش الروسي

ستكون المقبرة الجماعية الواقعة في إيزيوم، وهي معقل روسي سابق على خط المواجهة، الأكبر التي يتم العثور عليها في أوروبا منذ المقابر الجماعية التي خلفتها حروب البلقان في تسعينات القرن العشرين (أ.ف.ب)
ستكون المقبرة الجماعية الواقعة في إيزيوم، وهي معقل روسي سابق على خط المواجهة، الأكبر التي يتم العثور عليها في أوروبا منذ المقابر الجماعية التي خلفتها حروب البلقان في تسعينات القرن العشرين (أ.ف.ب)
TT

فريق تحقيق أممي إلى إيزيوم الأوكرانية بعد العثور على «مقابر جماعية»

ستكون المقبرة الجماعية الواقعة في إيزيوم، وهي معقل روسي سابق على خط المواجهة، الأكبر التي يتم العثور عليها في أوروبا منذ المقابر الجماعية التي خلفتها حروب البلقان في تسعينات القرن العشرين (أ.ف.ب)
ستكون المقبرة الجماعية الواقعة في إيزيوم، وهي معقل روسي سابق على خط المواجهة، الأكبر التي يتم العثور عليها في أوروبا منذ المقابر الجماعية التي خلفتها حروب البلقان في تسعينات القرن العشرين (أ.ف.ب)

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إنها تعتزم إرسال فريق من المحققين إلى مدينة إيزيوم في أوكرانيا، في أعقاب العثور على مئات المقابر بعد انسحاب القوات الروسية من المنطقة. وقالت متحدثة باسم المفوضية الأممية في جنيف، إن «الاكتشاف صادم، ويجب التحقيق في ملابسات وفاة جميع الأشخاص الذين تم العثور على جثثهم». وقالت وزارة الدفاع الأوكرانية، إنه تم العثور على 440 قبراً بدون شواهد في منطقة واحدة. وكانت القوات الروسية قد استولت على إيزيوم في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، قبل أن تنسحب من المدينة جراء الهجمات المضادة التي شنها الجيش الأوكراني. ووصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، المقابر التي تم اكتشافها في منطقة غابات بالمدينة بأنها «مقبرة جماعية». وقال في خطاب مصور، «روسيا تترك الموت وراءها في كل مكان، ولا بد من تحميلها المسؤولية».
وستكون المقبرة الجماعية الواقعة في إيزيوم، وهي معقل روسي سابق على خط المواجهة، الأكبر التي يتم العثور عليها في أوروبا منذ المقابر الجماعية التي خلفتها حروب البلقان في تسعينات القرن العشرين.
وقال حاكم إقليمي، أمس الجمعة، إنه جرى العثور على جثث مقيدة اليدين في موقع دفن جماعي في إيزيوم. وأضاف الحاكم أوليغ سينيجوبوف: «نحن في موقع الدفن الجماعي لأشخاص مدنيين دفنوا هنا، والآن حسب معلوماتنا، فإنهم جميعاً يحملون علامات على مقتلهم بطريقة عنيفة». وتابع قائلاً: «هناك جثث مقيدة اليدين من الخلف. كل واقعة سيتم التحقق منها وتقييمها بشكل قانوني ملائم». وشاهد مراسلو «الصحافة الفرنسية»، الجمعة، مئات القبور داخل غابة محاذية لإيزيوم التي تم استعادتها نهاية الأسبوع الفائت من القوات الروسية في منطقة خاركيف بشمال شرقي البلاد. وأفادت السلطات المحلية بأنه تم العثور على ما مجموعه 443 قبراً في هذا الموقع، خصوصاً على مقبرة جماعية كانت تضم جثث 17 جندياً أوكرانياً. وقال قائد الشرطة الأوكرانية، بناءً على تقدير أولي، إن معظم المدفونين في مقبرة جماعية اكتُشفت هم من المدنيين.
ولم تصدر روسيا تعليقاً علنياً على الأمر. وفرت قواتها من إيزيوم خلال هجوم أوكراني مضاد قوي أدى إلى استعادة معظم منطقة خاركيف خلال الأسبوع الأخير. ورداً على سؤال في مؤتمر صحافي عما إذا كانت المقبرة الجماعية تضم في الأساس مدنيين أم جنوداً، قال قائد الشرطة إيجور كليمينكو، «حسب التقدير الأولي... مدنيون. ورغم أن لدينا معلومات عن وجود جنود أيضاً هناك، فإننا لم نستخرج أياً منهم حتى الآن». وأضاف أن عملية استخراج الجثث مستمرة. ومضى قائلاً إنه تم بالإضافة إلى ذلك العثور على جثث نحو 50 مدنياً حتى الآن في منطقة خاركيف خلال الأيام السبعة الماضية.
وأوضح كليمينكو المسؤول الحكومي المكلف البحث عن المفقودين، أن هذه القبور حفرت خلال المعارك عند سيطرة القوات الروسية على المدينة في مارس الماضي. ويمكن أن تحوي بعض القبور جثثاً عدة. وأفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، بأن جثة واحدة على الأقل مقيدة اليدين تم دفنها قرب مدينة إيزيوم، في موقع عثر فيه على مئات القبور. وتعذر تحديد ما إذا كانت الجثة تعود إلى مدني أو عسكري، حسب المراسل. وعلى الفور، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أنها تريد أن ترسل «قريباً جداً» بعثة إلى إيزيوم «لتحديد ظروف مقتل هؤلاء الأشخاص».
وأعلن كليمينكو الجمعة عن اكتشاف عشر «غرف تعذيب» في بلدات من منطقة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، استعيدت في الفترة الأخيرة من الجيش الروسي. ونقلت عنه وكالة «إنترفاكس» (أوكرانيا للأنباء) قوله، «إلى الآن يمكنني الحديث عن عشر غرف تعذيب (اكتشفت) في بلدات في منطقة خاركيف» من بينها اثنتان في بلدة بالاكليا. ورأى صحافيون من وكالة الصحافة الفرنسية مئات القبور في غابة قرب مدينة إيزيوم بعدما أعلنت كييف اكتشاف مقابر جماعية فيها. وفي منطقة خاركيف، جُرح 12 شخصاً الجمعة في عمليات قصف روسية «مكثفة» على بلدات استعادها الأوكرانيون مؤخراً من الروس، كما أُصيب أربعة آخرون في مدينة خاركيف نفسها، حسب السلطات المحلية.
وبعد أسبوع من المكاسب السريعة في الشمال الشرقي، سعى المسؤولون الأوكرانيون إلى تخفيف سقف التوقعات بأنهم قد يواصلون التقدم بهذه الوتيرة. وأوضحوا أن القوات الروسية التي فرت من منطقة خاركيف تتموضع حالياً، وتخطط للدفاع عن الأراضي في منطقتي لوغانسك ودونيتسك المجاورتين. وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، «من المشجع جداً بالطبع أن نرى أن القوات المسلحة الأوكرانية قادرة على استعادة الأراضي، وكذلك شن ضربات خلف الخطوط الروسية». وأضاف: «وفي الوقت نفسه، إننا بحاجة لفهم أن هذه ليست البداية لنهاية الحرب. علينا أن نكون مستعدين لفترة طويلة». ولم يعلق بوتين علانية بعد على الانتكاسة التي مُنيت بها قواته في ميدان المعركة هذا الشهر. ويقول مسؤولون أوكرانيون، إنه جرت استعادة 9000 كيلومتر مربع. وتشن أوكرانيا أيضاً هجوماً واسعاً لاستعادة الأراضي في الجنوب، حيث تسعى لمحاصرة الآلاف من القوات الروسية الذين انقطعت عنهم الإمدادات على الضفة الغربية لنهر دنيبرو، واستعادة خيرسون، المدينة الكبيرة الوحيدة التي تحافظ روسيا على سيطرتها عليها منذ بداية الحرب.
وعلى الجبهة الجنوبية، حيث تواجه القوات الأوكرانية مقاومة أكبر من تلك التي تواجهها في خاركيف، «لا يزال الوضع صعباً»، لكن القوات الأوكرانية تواصل قصف الجسور التي تستخدمها القوات الروسية، حسب الرئاسة.
وفي الشرق، ذكرت وكالات أنباء روسية أن المدعي العام للإدارة الانفصالية الموالية لروسيا في لوغانسك ونائبه لقيا حتفهما جراء انفجار في مكتبيهما. كما أبلغت روسيا عن ضربات عبر الحدود في منطقة بيلجورود.
ونشرت وكالة الإعلام الروسية الحكومية مقطع فيديو يظهر تصاعد الدخان من مبنى الإدارة الذي تحتله روسيا في خيرسون، بعد ما يبدو أنها هجمات صاروخية أوكرانية. وقال كيريل ستريموسوف، نائب رئيس المنطقة المعين من جانب روسيا، للتلفزيون الروسي الحكومي، إن أحد أجنحة المبنى قد دُمر عملياً، وإن هناك قتلى وجرحى، إلا أنه من المبكر تحديد عددهم. ولم يعلق المسؤولون الأوكرانيون على الفور.


مقالات ذات صلة

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

موسكو: رغبة وزير الدفاع البريطاني في اختطاف بوتين «أوهام منحرفة»

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الأحد إن تصريحات وزير الدفاع البريطاني عن رغبته في اختطاف الرئيس فلاديمير بوتين تعد «أوهاماً منحرفة»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب يمد يده لمصافحة نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنكوردج (ألاسكا) 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لماذا التزم بوتين الصمت عندما أطاح ترمب برئيس فنزويلا؟

سلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الضوء على موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه العملية العسكرية التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا عمال الإنقاذ في فولغوغراد خلال قصف أوكراني في مايو الماضي (رويترز) play-circle

مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة حول أوكرانيا الاثنين بعد ضربات صاروخية روسية

يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً، الاثنين، بناءً على طلب أوكرانيا بعد غارات جوية روسية واسعة النطاق، واستخدام موسكو صاروخ «أوريشنيك» الباليستي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقباله نظيره التركي رجب طيب إردوغان في البيت الأبيض 25 سبتمبر 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا ترى فرصة لحل قضايا عالقة مع أميركا وتشعر بقلق من ارتدادات سياساتها

تعتقد تركيا بوجود فرصة لحل ملفات عالقة مع الولايات المتحدة، فيما يسود قلق من سياساتها دفع إلى المطالبة بامتلاك برنامج نووي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (أ.ب)

ميدفيديف: روسيا ترفض أي قوات أوروبية أو تابعة لـ «الناتو» في أوكرانيا

أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف مجدداً اليوم (السبت) أن روسيا لن تقبل نشر أي قوات أوروبية، أو تابعة لحلف شمال الأطلسي في الأراضي الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
TT

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

ذكر بيان صدر ​عن وزارة الخارجية الصينية أن الوزير وانغ يي عبّر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبد الله علي، اليوم (الأحد)، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

وأجرى وانغ المكالمة خلال جولة يقوم بها في دول أفريقية، وقال في بيان إن الصين ⁠تعارض «تواطؤ (إقليم) أرض ‌الصومال مع سلطات تايوان في السعي إلى الاستقلال» في إشارة إلى المنطقة الانفصالية في الصومال.

وكان من المقرر أن تشمل ​جولة أفريقية سنوية يقوم بها وزير الخارجية ⁠الصيني في العام الجديد الصومال، لكن تم إرجاء الزيارة بسبب ما وصفته السفارة الصينية بأنه «تغيير في جدول الجولة» التي شملت إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأرجأ وانغ يي زيارته إلى الصومال وتوجه مباشرة إلى تنزانيا. وكانت زيارة مقديشو ستكون الأولى لوزير خارجية صيني إلى الصومال منذ انهيار الدولة عام 1991.

وقد خُطط لها في لحظة حاسمة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صومالي لاند)، الجمهورية المعلنة من جانب واحد والتي لم تعترف بها أي دولة منذ انفصالها عن الصومال عام 1991.


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.