نحو دروب آمنة للتسامح

البصيرة الإنسانية تحتم القول بالهوية المركبة

نحو دروب آمنة للتسامح
TT

نحو دروب آمنة للتسامح

نحو دروب آمنة للتسامح

العنف هو سلوك موجه نحو هدف معين بقصد الإيذاء، أو بنية الإيذاء. وقد يكون ماديا أو معنويا. وقد تكون أسبابه نابعة من الطبيعة الإنسانية، على أساس أن العدوان أمر متجذر وأصيل في الإنسان. لكن هناك من يرى أن العنف قد يكون محركه ثقافيا، فنسمع بالقتل باسم الدين أو العرق أو اللون أو اللغة. إضافة إلى ذلك، هناك من يرى سببا آخر للعنف، يتجلى في اعتقاد البعض بأنهم يملكون الحقيقة، مما يعطيهم شعورا بالاستعلاء على الكل، واعتبار الآخر على ضلال، ومن ثم وجب تقويمه وردعه ولو بالتصفية الجسدية. الأمر الذي ينطبق على الناطقين باسم السماء ممن يعطون لأنفسهم فقط، جواز الحديث باسم الله. أما الآخرون فهم قاصرون عن الاتصال بالسماء، يحتاجون التوجيه والتقويم والإرشاد إلى السبيل. بل المراقبة والعقاب لكل من زاغ عن الجادة، المعتقد أنها الصواب.
سنحاول في هذه المقالة الوقوف عند ظاهرة التطرف الديني التي غالبا ما تفضي إلى العنف بكل أنواعه، مركزين على جوانب الحل لهذه الظاهرة التي تنخر بعض المجتمعات، مستلهمين بعض المرجعيات الكبرى باعتبارها أفقا للتفكير، مثل جون لوك وكانط وجاكلين روس.

يعتقد بعض الناس أنهم مفوضون من الله مباشرة، وأنهم هم المؤهلون لإرشاد الناس إلى السماء. فيهبون أنفسهم سمة القداسة إلى درجة يصبح الخارج عنهم في غي وضلال. وقد يقتلونه بدم بارد باسم طهرانية مزعومة. وقد يزداد الأمر سوءا عندما يتملك هؤلاء الناس السلطة، فتصبح لهم مخالب للبطش بكل من يخالف توجههم أو مذهبهم. ولنا في تاريخ أوروبا وبالضبط إنجلترا القرن السادس عشر والسابع عشر، درس كبير يمكن الاستفادة منه، حيث ظهرت صراعات وتطاحنات ما بين الكاثوليك والبروتستانت بشكل تناوبي، تغذيها إمكانات السلطة لدى كل طرف، إلى درجة الاضطهاد والفتنة التي نجمت عنها تلك الحرب الأهلية المشهورة سنة 1642. الأمر الذي أدى ببعض الفلاسفة إلى التفكير في حلول لهذه الحروب باسم الدين، ومن بينهم الفيلسوف جون لوك، الذي سيكتب «رسالة في التسامح»، ويقصد التسامح الديني. وكانت البذرة الأساس لحرية المعتقد التي ستصبح ركنا ركينا في المنظومة الحقوقية للزمن الحديث، حيث سيؤكد فيها على فكرة أن: لكل واحد أن يختار ويسمح للآخر، وفي هدوء، أن يختار طريقه إلى السماء، من دون حقد أو ضغينة. كما سيدافع لوك عن استقلالية الفرد الدينية إلى أبعد مدى. فليس للحاكم المدني أي سلطة على أفراد شعبه فيما يتصل بالدين، لأن أمور الدين تخص الفرد والله فقط. يقول لوك: «كلها بين الله وبيني أنا». ويصرح أيضا بأنه: «ليس من المعقول أن يكل الناس إلى الحاكم المدني سلطة أن يختار لهم الطريق إلى النجاة، إنها مسألة خطيرة لا يمكن التسليم بها». فالحاكم مسؤول على المحافظة على الخيرات المدنية وهي: الحياة والحرية والمساواة وحق الملكية فقط، ولا شأن له بعالم الروح. بل يرى لوك أن المرء إذا ما أخطأ في العبادة، فإنه لا يضر بأحد آخر غيره. إذن لوك يرى أن نجاة الروح من اختصاص الفرد نفسه. فهو من هذه الناحية، حر طليق، وهو أعلم بالدرب الآمن لنجاته. إضافة إلى ذلك، يوصي لوك الحاكم المدني بألا يمنع الناس من ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية. فالمخالف لنا في الدين يجب علينا عدم قهره باستخدام القوة ضده كي يغير دينه، بل علينا في مقابل ذلك، أن نقنعه بأن «يصير صديقا للدولة». وبهذا نجد أن أفكار لوك كانت دعامة أساسية نحو اللائكية، بجعله نجاة الروح خلاصا فرديا، وضمان الخيرات الدنيوية خلاصا جماعيا.
كانط: الدين التاريخي سبب في التطرف الديني
إن كانط لا يعول أبدا على الدين النظامي التاريخي. فهو مرتبط عنده بالضرورة بالصراع. لأن كل من لا يعترف به سوف يسمى كافرا، وتنزل عليه الكراهية. أما الذي يبتعد عنه قليلا، فهو ضال وينبغي تحاشيه. أما ومن يعترف به ويختلف عنه، فيما هو جوهري، فيسمى هرطقيا.
ويعول كانط على خلاف ذلك على الدين المحض، فهو الوحيد الأجدر في لم شمل البشرية وإبعادها عن العنف والتضارب. لهدا يدعو كانط إلى ضبط اللغة جيدا في مسألة الدين، والتي يجب فصلها عن المعتقد. فمن الأنسب أن نقول إن هذا الإنسان على معتقد المسيحية أو اليهودية أو الإسلام. فهذه حسب كانط، ليست دينا بل معتقدات، لأن الدين الحق واحد. وهو لا يرتكز على الوحي القادم من التاريخ، بل هو متعال يقوم على أساس العقل.
إن كانط لا يستنكف عن التذكير بالبون الشاسع ما بين الدين التاريخي العرضي والدين الأخلاقي المتعالي. فهو ومن دون ملل، يرسم الحدود الواضحة بين الشعائر التي هي مجرد «قشور» دينية مرهونة بظروف الزمان والمكان، ودين الأخلاق العقلي الشمولية، التي يمكن تبليغها وتعميمها لكل البشر، ما دام العقل هو أعدل قسمة بين الناس. كما أننا نجد أن كانط يوجه نعوتا جد سلبية للدين التاريخي، أو الدين النظامي. فمثلا يسميه بدين السخرة والارتزاق والذل، وليس إيمان الأحرار. فالإيمان الشعائري هو إيمان الكفارة التي تنوب عن، أي هو إيمان تسديد الدين بحيث يعتقد صاحبها أن السبيل إلى إرضاء الرب هو الاكتفاء بالعبادات. لكن حقيقة الأمر، هي أن هذه العبادات لا تمتلك أي قيمة خلقية لأنها أفعال قائمة على الخوف أو الرجاء، والتي يمكن لإنسان شرير أن يقوم بها. أما إيمان العقل، فهو إيمان خارج إطار تقنيات التعبد، بحيث يصبح للمرء إمكانية أن يكون مرضيا عنه من قبل الرب، بأن يسير في الحياة مستقبلا بسيرة حسنة. بمعنى آخر، يريد كانط أن يقول: إذا ما تساءلنا حول ما السبيل كي يرضى الله عنك؟ فالجواب هو أن تعمل بجهد وكد وفق سيرة حسنة، وأن تنصاع لقوانين العقل العملي باعتبارها أوامر إلهية مقدسة، وبعدها تنتظر الأمل الرباني.

* روس: الهوية المركبة والاعتراف بالمختلف
ينطلق المتطرف عموما وفي المجال الديني خصوصا، من اعتقاد مفاده أن مسألة الهوية الإنسانية تتسم، أو يجب أن تتسم، بالصفاء والطهر، وأن الآخر المختلف يدنسها. لذلك وجب اجتثاثه من الذات وطرده. فهو غريب ودخيل ومشوش لنقاء الهوية.
وقبل الخوض في موضوع الهوية الشائك والملغوم، نحتاج بداية، إلى تحديد من هو الغير الغريب؟ إنه غالبا نعت نطلقه على الأجنبي، والمتطفل، والمستعمر المهدد لاستقرار الجماعة وانسجامها، ولكن أيضا يطلق على المختلف عنا: دينا ولونا وعرقا ولغة وحزبا ونقابة. وإذا ما سألنا عما هو رد الفعل الطبيعي تجاه الغريب؟ فسيكون الجواب: الحذر والنفور والكراهية والحقد والنبذ والإقصاء والحرب. وهو مشهد يمكن تلمسه حتى في مملكة الحيوان، التي بالأكيد لنا ما يربطنا بها. ويكفي لذلك ضرب المثال التالي: أليس الديك المهيمن على الدجاجات يحارب أي ديك ذكر وافد عليه حد التقاتل. بل أليس الأسد عندما يهاجم عرين أسد آخر يأكل أشباله لأنهم لا يمتون بصلة إلى صلبه. لكن نحن الكائنات الإنسانية، وٳن كانت لنا حيوانية في شق، فنحن نخجل من ذلك، ونتوق إلى عالم ثقافي يرفع مستوى الإنسان إلى ما يستحقه. فنسعى إلى خلق الحق سياسيا. ونتوق إلى مملكة تسودها العدالة. كما أننا نريد بلوغ النبل الأخلاقي كأقصى تمظهر للإنسان. وإذا كان الأمر كذلك، فإن العدوان تجاه الغريب، الذي هو الجذر الأصيل في الإنسان، يجابه ويقاوم من طرف الإنسان نفسه. بعبارة أخرى، إذا كان الإنسان بالطبيعة يتجه نحو النفور من الغريب، فهو بالثقافة يتجه نحو التقرب منه. وهو ما يفسر لنا مساعي الأديان والحكماء نحو خلق عالم سلمي من التآخي ما بين بني آدم مهما كانت اختلافاتهم، التي غالبا لا يسمع صوتها لسوء الحظ.
سأقف في هذه المسألة عند موقف طريف لفيلسوفة بلغارية اسمها جوليا كريستيفا. وهي من مواليد 1941. وصاحبة كتاب عنوانه «غرباء في دواخلنا»، كتبته لتبرز أن من نسميه الغير الغريب الأجنبي، هو في حقيقة أمره يستوطن الذات. فالآخر ينطلق غريبا في بدايته عن ذواتنا، ليصبح بعد ذلك جزءا لا يتجزأ منها. فمثلا إذا سالت عن من هو المغربي؟ فيستحيل عليك أن تقول إنه عربي فقط، أو إنه أمازيغي فقط. فالهوية النقية الصافية الخالصة لا محل لها من الوجود. فالمغربي في عمقه، هو مزيج من عناصر عدة. إنه: أمازيغي، وعربي، وإسلامي، وأندلسي، وأفريقي. بل حتى غربي، على أساس أن في المغرب برلمانا ودستورا وحكومة ومنظمات حقوقية بالمقاييس الغربية. إذن، نعم نحن نتحرك بهوية واحدة، ولكنها هوية مخصبة وهجين من عناصر تشكلت مع التاريخ، وهو الأمر الذي جعل جوليا كريستيفا تقول: «الغريب يسكننا على نحو غريب».
إذا ما سلمنا بفكرة جوليا كريستيفا، نصل إلى النتيجة التالية: عوضا عن بغض الغريب الأجنبي وكرهه، وجب التسامح معه والقبول به. لأننا أصلا، نحمل الأجانب في دواخلنا. وإذا لم نفعل ذلك، فلنستعد لتمزق الذات الجماعية. وهذا ما يفسر لنا الحروب الطائفية داخل الذات نفسها. لأن الجماعة في هذه الحالة، لم تستوعب كون الأجنبي قابعا في نفس هذه الذات.
إذن، عندما يكبر الإنسان ويصل إلى سن الرشد، قد يسلك في حياته كما لو أنه يتملك هوية صافية ينعتها بالأنقى والأصفى، وبكل ما يمت إلى الطهرانية بصلة. فنجده يدافع باستماتة، عن هذه الهوية، ويعتبر كل ما عداها من الهويات ناقصا أو مهددا له، إلى درجة العنف حد التصفية الجسدية. لكن لو تأمل المرء ذاته، لاكتشف أن ما يسميه الغير المختلف، هو في حقيقته، يعتمل في جوفه، ولو لا شعوريا. فكل إنسان في حقيقته، لا يحمل طبقة واحدة يدعي أنها هي هويته، بل يحمل طبقات أخرى متراصة، منها البارز ومنها المخفي الذي يكاد يظهر، وكلها هويات قادمة من عمق التاريخ الذي جاء به الآخر، بأي سبيل يسمح بالتلاقح، أو التثاقف بين الذات والغير، سواء كان بالغزو أو عن طريق التجارة أو الترجمة.
ولتعضيد فكرة جوليا كريستيفا، سأستحضر الكاتب الشهير أمين معلوف، في مؤلفه «الهويات القاتلة» المكتوب بالفرنسية والمترجم إلى العربية، من طرف نبيل محسن، الذي يقول في مقدمته: إنه يجيب دائما عندما يسأل: هل يشعر، وهو الكاتب اللبناني الذي غادر لبنان منذ 1976. بالاستقرار في فرنسا؟ إنه لبناني أم فرنسي؟ بكونه «هذا وذاك»! ويؤكد على أن هذا الجواب ليس فيه حرص على التوازن والمساواة، وإنما لو أجاب عكس ذلك، فسيكون كاذبا. فأمين معلوف لديه دائما إحساس أنه على تخوم بلدين، وبلغتين أو ثلاث. وتجتاح ذاته تقاليد متعددة. وهذا كله هو هويته. ويضيف متسائلا: هل سأكون أكثر أصالة إن اقتطعت جزءا من ذاتي؟ فهو إذن لبناني وفرنسي معا. فالهوية وكما يردد دائما في كتابه الشيق، هي نعم هوية واحدة لكن بعناصر متعددة. والتنكر لهذه العناصر هو تمزيق للذات وفتح الباب للعنف على مصراعيه.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».