جبريل الرجوب لواء الرياضة

يمزج بين الكاريزما الخاصة والعصبية ليجمع بين الحلفاء والخصوم

جبريل الرجوب لواء الرياضة
TT

جبريل الرجوب لواء الرياضة

جبريل الرجوب لواء الرياضة

طالما كان اللواء الفلسطيني جبريل الرجوب مثيرا للجدل، ولم تكن الضجة التي أثيرت حوله بشأن مسألة طرد إسرائيل من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، الشهر الماضي فصلا مفاجئا في حياته. وعلى مدار 20 عاما هي عمر السلطة الفلسطينية تقريبا، برز اسم جبريل الرجوب الذي تدرج من عقيد إلى عميد إلى لواء، كواحد من أبرز المسؤولين الأمنيين الذين تركوا بصماتهم على الأمن الفلسطيني، وخلق ذلك له تابعين كثرا وخصوما أكثر، ومحبين موالين، وأعداء متربصين. وظل ذلك قائما حتى بعدما انتقل بشكل مفاجئ من عالم الأمن الذي فيه الكثير من العنف والغموض والسرية والتحفظ الشعبي إلى عالم كرة القدم الذي فيه الكثير من المتعة والتواصل مع الشعوب المختلفة.
راهن كثيرون على أن الرجوب سيفشل إذا قاد لاعبو كرة القدم مثلما يحكم الضباط والعسكر، لكن أظهر الرجوب بشكل استثنائي أنه قادر على إخراج أفضل ما في لاعبي الكرة مثلما فعل مع رجال الأمن.
وقال تيسير نصر الله، عضو الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم: «إنه (الرجوب) إداري ناجح قادر على توظيف الطواقم بشكل جيد ودقيق وكل حسب إمكانياته». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «ميزته أنه يملك كاريزما ومثابر ويأخذ أي تكليف على محمل الجد. عندما كلف بقيادة جهاز الأمن الوقائي تفرغ لذلك بالكامل، واليوم يتفرغ بالكامل للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم». وتابع: «أنا أحد الذين كانوا يتوقعون أنه لن ينجح على رأس كرة القدم، قلت كيف سينجح؟ الفرق بين الأمن والرياضة شاسع، الأمن يكرهه الناس والرياضة يحبونها بشغف، لكنه خالف التوقعات، نجح بشكل استثنائي». وأردف قائلا: «اختبرته عن قرب وأستطيع أن أقول إنه من أحد أسرار نجاحه المتابعة والفردية.. يتابع كل التفاصيل ويبني المؤسسات لكن بشكل يعتمد على قدراته الفردية».
وظهرت هذه القدرات الفردية للرجوب أكثر من أي وقت مضى في بداية حياته العملية في السلطة الفلسطينية، عندما كلفه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ببناء جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، بينما كان عدوه اللدود محمد دحلان يبني الجهاز في قطاع غزة.
كانت خلفية الرجوب الوحيدة أنه سجن لـ17عاما في إسرائيل ومنتمٍ بشكل لا يقبل الشك لحركة فتح، الحزب الحاكم في السلطة.
بنى الرجوب جهازا أمنيا كان مقدرا له أن يعمل في الجرائم الداخلية، لكنه أصبح تحت قيادة الرجوب في ذلك الوقت الجهاز الأكثر أهمية ونشاطا في العمل الأمني والسياسي كذلك.
استقدم الرجوب قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أعطاهم رتبا ورواتب وأسلحة ومباني وسيارات ومقرات للتحقيق والاعتقال.
كانوا شبه محسودين من أقرانهم الآخرين في الأجهزة الأمنية، لكنهم نالوا نصيب الأسد من الهجمة التي كانت تشنها حركة حماس ضد السلطة.
اتهمت حماس الرجوب والأمن الوقائي بممارسة التعذيب ضد عناصرها والسماح لإسرائيل باعتقال مطلوبين لها.
وفي 2002 عندما كانت إسرائيل تجتاح الضفة، وقع الرجوب تحت ضغط كبير بعد اقتحام إسرائيل لمقر الأمن الوقائي في (بيتونيا) واعتقال عناصر من حماس. هاجمته حماس بشدة وكذلك مقربون من الرئيس الراحل ياسر عرفات لإصراره على إبقاء معتقلين داخل مقر الوقائي، لكن رد الرجوب لم يتأخر أبدا، اتهم محمد دحلان بالتآمر عليه، ووصف مستشار عرفات آنذاك محمد رشيد الذي أصبح الآن مطلوبا للسلطة بأنه «طفل أنابيب» لا وليس له حق التعقيب على قضايا لا يفهم فيها، وأردف أنه مستعد للمحاسبة.
اللافت آنذاك أن الوطن كله كان مجتاحا من قبل إسرائيل وليس فقط المقرات الأمنية، وحتى مقاطعة الرئيس الفلسطيني الراحل، لكن السهام وجهت أكثر نحو الرجوب.
وقال ضابط عمل معه في الوقائي وفضل عدم الكشف عن اسمه «الرجوب كان مرشحا لخلافة عرفات آنذاك».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «له شخصية قوية ونفوذ في الداخل والخارج ويحظى باحترام الأميركيين ولذلك أيضا كان هدفا».
ويبدو أن هذه الصفات التي ساعدته في تبوؤ أهم المناصب جلبت له أعداء طاردوه حتى أقيل من منصبه.
ففي نفس العام (2002)، قرر عرفات إقالته من منصبه بعد حادثة «بيتونيا»، لكنه فوجئ بأن عناصر الجهاز الذين يفترض أنهم عسكريون، تمردوا على قرار الرئيس. رفضوا إقالة الرجوب وتظاهروا وهددوا بأنهم لن يتعاونوا مع سلفه مهما كان.
وخرج أحدهم إلى الصحافيين في رام الله، قائلا: «لقد ناضلنا ضد الاحتلال طيلة كل هذه السنوات وسجنا معا في إسرائيل وبنينا الأمن الوقائي معا (..) الرجوب هو واحد منا ولن ندعه يذهب».
وبعد أسابيع حاول عرفات أن يعالج المسألة بطريقته الخاصة بتقديم منصب مختلف للرجوب. وانصاع الرجوب الذي كان يرى في عرفات والدا ورمزا حتى وان اختلف معه، لكنه رفض «المراضاة» واعتذر عن توليه منصب محافظ جنين الذي عرضه عليه عرفات.
وأفل نجم الرجوب بعد إقالته من قيادة الأمن الوقائي، لكن بعد أقل من عام عاد عرفات واستحدث خصيصا له منصب مستشار الشؤون الأمنية، ومنحة ترقية من رتبة عقيد إلى عميد. بدا ذلك ضربة من عرفات لمسؤولين فلسطينيين كانوا على عداء مع الرجوب. وفي يناير (كانون الثاني) 2005 استقال الرجوب من منصبه عقب فوز الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. وشرح الرجوب حينها: «قدمت استقالتي عن قناعة تامة، والسبب هو لإتاحة الفرصة أمام الرئيس الجديد أن يختار رجاله الذين سيعملون معه للمرحلة المقبلة». ودعا العميد الرجوب الجميع في الحكم الفلسطيني إلى الاستقالة لبناء حكم ديمقراطي جديد بناء على قناعات ثابتة في ترسيخ الديمقراطية.
وفي بيان صادر عن مكتبه، قدم الرجوب عددا من التوصيات قال انه يضعها بين يدي الرئيس الجديد عباس لاتخاذ القرار فيها. وتضمنت التوصيات السبع التسريع في إنجاز توحيد الأجهزة الأمنية في ثلاثة محاور رئيسية: وزارة الداخلية والأمن الوطني والمخابرات.
وطالب الرجوب بإجراء «تغييرات جذرية وفورية في البنية التنظيمية والقيادية لهذه الأجهزة، وإخضاع تعيين قادة هذه الأجهزة لإطار القيادة السياسية ومصادقة مجلس الوزراء وإخضاع أداء هذه الأجهزة لرقابة المجلس التشريعي».
ترشح الرجوب لعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني في 2006، لكن حماس اكتسحت عضوية هذا المجلس في هزيمة مدوية لحركة فتح التي يعد الرجوب أحد أبرز قادتها.
ولم يتوان الرجوب عن تحميل المسؤولية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ولفتح. كان الرجوب يحمل فلسفة مختلفة عن كثير من مسؤولي فتح الغاضبين، ومفادها «فلتحكم حماس وتقرر ما إذا كانت تريد حربا أو سلاما».
في منتصف 2007، سيطرت حماس على قطاع غزة، لكن واحدا فقط من قيادات فتح كان مستعدا للقاء قيادات حماس في الخارج في محاولة لإنهاء الانقسام. لقد كان الرجل الذي طالما عدته حماس عدوا لدودا لها، إنه الرجوب الذي التقى عددا منهم في بيروت في خطوة أغضبت مسؤولي فتح.
ظل الرجوب يدعو إلى حوار حماس، لكن من دون أن تسمع هي أو يسمع أحد من قيادة السلطة آنذاك. وبعد أعوام وقعت الحركتان أكثر من مصالحة لم تترجم ولا واحدة منها على الأرض.
وفي 2009، نجح الرجوب في انتخابات مركزية حركة فتح التي شهدت الكثير من التحالفات، مظهرا مرة ثانية أنه ما زال نافذا ويملك أتباعا ومحبين.
كان لا يمكن تخيل لجنة مركزية يجتمع فيها الرجوب ودحلان. وفعلا لم تمر الاجتماعات بسلام. أظهر الرجوب شخصية قوية ومعارضة كعادته، فهاجم بعض قيادات فتح وانتقد التنظيم بشكل كبير.
اشتعلت الحرب الباردة بين الرجوب ودحلان، وكان على عباس أن يمسك العصا من وسطها. وفي نهاية الأمر تولى الرجوب منصب رئيس اتحاد الكرة وطرد دحلان من الحركة، ساعيا لحل الاشتباك بينهما ومؤيديهما.
في 2008، ترأس الرجوب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بعدما انسحب المرشحون المنافسون له. وقال لـ«الشرق الأوسط» بعد انتخابه إنه في مهمة وطنية و«إن الأمن والرياضة يتقاسمان الأخلاق والقيم».
أصبح الرجوب الرئيس الثاني للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم منذ قدوم السلطة الوطنية، خلفًا للرئيس السابق، اللواء أحمد العفيفي، والذي تولى منصب رئيس الاتحاد خلال الدورات الثلاث السابقة منذ عام 1996 وحتى عام 2008.
لكن الرجوب كان مختلفا تماما. ففي عهده انتظمت البطولات والمسابقات الفلسطينية وانطلق دوري المحترفين الفلسطيني، كما بدأ دوري النساء، وتطورت البنية التحتية، والمرافق الرياضية، وأعيد بناء الجمعيات والنوادي.
بنى الرجوب علاقة متميزة مع جوزيف بلاتر رئيس «الفيفا» النافذ الذي يحب الرجوب أن يسميه «صديق فلسطين». وحصل الرجوب على امتياز الملعب البيتي لأول مرة في فلسطين. في عام 2012 انتخب الرجوب مرة ثانية لرئاسة الاتحاد.
وقال المدرب والناقد الرياضي وعضو لجنة الحكام المركزية أحمد حسان: «إنه صاحب كاريزما.. شخصيته قوية، وهذا ما كان ينقصنا في الجسم الرياضي».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «نجح في اجتياز الامتحان الصعب في قيادة سفينة الرياضة الفلسطينية بامتياز استطاع أن يحقق قفزة نوعية في النهوض بمستوى لعبة كرة القدم ولأول مرة يصل منتخبنا الوطني لكأس أمم آسيا إضافة إلى إنجاز آخر هو الملعب البيتي». وتابع: «لأول مرة يحقق منتخبنا في لعبة كرة السلة إنجازا رياضيا في بطولة غرب آسيا ورغم حجم التحدي الكبير الذي تتعرض له الرياضة الفلسطينية في المحافل الدولية نتيجة تعنت وصلف الجانب الإسرائيلي في هذا المجال فإننا نؤكد رضانا على ما تم تحقيقه من إنجازات في قطاع الرياضة الفلسطينية على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي وتطلعاتنا إلى تحقيق المزيد في هذا الصدد.. وذلك بفضل حنكة الرجوب».
لكن لا يراه الجميع هكذا. فمثلما ترك له أعداء في الأمن ترك له في الرياضة كذلك.
اشتبك الرجوب مع مسؤولين رياضيين في الضفة كانوا يتمتعون بمحسوبيات ومع آخرين في غزة أرادوا تسييس الرياضة، لكنه في النهاية فرض رؤيته على الجميع أغضب صحافيين رياضيين وهاجمهم ولاعبين أيضا ومدربين.
لكن اشتباكاته الأسوأ كانت خارج فلسطين إذ اشتبك مرارا مع من تعتبره السلطة الفلسطينية خطا أحمر - أي الأردن.
وفي يناير الماضي رصدت الكاميرات الرجوب وهو يتمنى الفوز ببطاقة التأهل للمنتخب العراقي على منتخبه الفلسطيني في تصفيات آسيا، كي يتقدم العراق على الأردن بفارق النقاط، الأمر الذي اعتبره نواب ورياضيون وساسة أردنيون إساءة بالغة للمنتخب الأردني لكرة القدم.
«للصبر حدود.. يا رجوب»، هكذا رد عضو البرلمان الأردني ونائب رئيس اتحاد كرة القدم صلاح المحارمة، على المقطع الذي أثار غضب الأردنيين المشتعل أصلا على الرجوب بعد اتهامه بأنه لن يدعم الأمير علي في انتخابات رئاسة الفيفا الشهر الماضي.
رد الرجوب بطريقة غير مفهومة على الغضب الأردني، وقال إنه كان يمازح لاعبا عراقيا. لكن في حقيقة الأمر كان الرجوب يعبر عن غضبه من مدرب المنتخب الأردني الذي تجاهل أن فلسطين لاعب مهم في المجموعة التي تضم إلى جانبها والأردن والعراق، واليابان كذلك.
هاجم الرجوب مدرب المنتخب الأردني بقوة لأنه أسقط فلسطين من حساباته. كانت عصبية وطنية بالنسبة للكثيرين وغير مبررة بالنسبة لآخرين. وتعد هذه العصبية أحد عيوب الرجوب من وجهة نظر محبيه. وطالما سببت هذه العصبية للرجل خلافات مع مسؤولين سياسيين وصحافيين ورياضيين. وخلال مسيرته كمسؤول أمني أو مسؤول رياضي، طرد الرجوب من طرد من الاجتماعات، وشتم وهاجم وهدد وتوعد.
وقال نصر الله: «أحيانا يخلط المزح بالجد. إنه سريع الغضب، ويتحول إلى مستهتر بالآخرين، وهذا جلب له خصوما».
واستغل خصوم الرجوب بشكل جيد الشهر الماضي معركته مع إسرائيل في الفيفا، وشنوا ضده حربا ضروسا بعد سحبه طلب تجميد عضوية إسرائيل. ولأيام طويلة سيطر قرار سحب الرجوب مشروع التصويت على تعليق عضوية إسرائيل في الفيفا، على الشارع الفلسطيني واحتل مساحة واسعة من النقاشات الجادة والحادة، وأثار جدلا كبيرا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وانتقل إلى المستوى السياسي كذلك، بين معارضين للخطوة ومؤيدين لها.
وهاجمت فصائل فلسطينية ومسؤولون وناشطون ومؤسسات ومهتمون، إلى حد كبير، رئيس الاتحاد الفلسطيني، واتهموه بالخروج عن الإجماع الوطني، وبخذلان الفلسطينيين، وأطلق نشطاء فلسطينيون، هم جزء من منظمة أفاز العالمية، التي تأسست في عام 2001، حملة يطالبون فيها الاتحاد الفلسطيني بمحاسبة رئيسه الرجوب على سحب طلب تعليق عضوية إسرائيل في فيفا.
وقال ممثل أفاز في الأراضي الفلسطينية فادي قرعان: «بدأنا حملة جديدة في الأراضي الفلسطينية لجمع تواقيع نطالب فيها بإقالة الرجوب من منصبه». كما هاجمت حماس والجبهة الشعبية سحب الطلب.
وقال فوزي برهوم الناطق باسم حماس، إن الرجوب «خيب آمال الفلسطينيين وآمال أصدقاء فلسطين وكل المحبين الداعمين لشعبنا وعدالة قضيته»، مضيفا: «فليرحل وليحاكم على أفعاله».
وأصدرت الجبهة الشعبية المنضوية تحت منظمة التحرير، بيانا حملت فيه السلطة الفلسطينية مسؤولية سحب طلب تعليق عضوية «إسرائيل» في الاتحاد الدولي لكرة القدم، واصفةً ما جرى بأنه ضرب للجهود الرامية لفضح الاحتلال وجرائمه وعزله من المؤسسات الدولية.
وفي إطار ردود الفعل، عبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن أسفه البالغ من خطوة السلطة الفلسطينية، وانتقدت الهيئة الفلسطينية للرياضة في العاصمة البريطانية لندن، الخطوة الفلسطينية وعدّت ذلك خذلانا للفلسطينيين.
وقال متحدث باسم حملة (مقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل)، إن «اللجنة الوطنية للحملة تشعر بالإحباط نتيجة عدم تحمل الاتحاد الفلسطيني لالتزاماته والمبادئ المنصوص عليها».
وفوق كل ذلك، نجح قراصنة باختراق موقع الاتحاد الفلسطيني ونعتوا الرجوب بأبشع الأوصاف.
وجاءت الحرب الفلسطينية ضد الرجوب في وقت كان يعاني فيه من حرب أخرى أردنية بعد اتهامات له بدعم جوزيف بلاتر على حساب الأمير علي بن الحسين.
وحمل الأردنيون بشدة على الرجوب واتهموه بالعمل ضد الأمير ونشروا له صورا وهي يحتفل بالسيف مع بلاتر.
انتظر الرجوب أياما قبل أن يرد وأعلن أنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن سحب قرار تعليق عضوية إسرائيل في الفيفا، مبديا استعداده لأي مسائلة فلسطينية حقيقية، ولكن على قاعدة رياضية وليست سياسية، ومؤكدا في الوقت نفسه أنه صوّت علانية للأمير علي بن الحسين وليس لجوزيف بلاتر في رئاسة الفيفا.
وقال الرجوب في مؤتمر صحافي عقده أمس، في أكاديمية جوزيف بلاتر في البيرة في الضفة الغربية: «أنا أتحمل المسؤولية عن الموضوع من ألفه إلى يائه».
وفي رده على سؤال عن عدم صدور أي تصريحات من المستوى السياسي القيادي الفلسطينية، قال الرجوب: «أنا من البداية قلت إن الموضوع رياضي وليس له علاقة بالسياسة». وأضاف: «في العالم الثالث من الصعب القول إنه لا دخل للرئيس في الموضوع، لكن أنا أقول إنه ليس للرئيس علاقة في الموضوع، ولا علاقة للمستوى السياسي في الموضوع»، مشيرا إلى أن القضية رياضية بحته وفقا لقوانين الفيفا. وتابع: «أي سياسي يهاجمنا فليقل لنا ماذا عمل هو».
وعد الرجوب ما حققه في اجتماع الفيفا «تاريخيا»، و«محطة تاريخية ومهمة في تاريخ الرياضة الفلسطينية». وكان الفلسطينيون حصلوا على قرار بتشكيل لجنة تحقيق في تصرفات إسرائيل «العنصرية» ضد الرياضة الفلسطينية.
وغمز الرجوب في قناة جهات فلسطينية داخلية لها أجندة خاصة حاولت تشويهه، قائلا: «هناك حملات مشبوهة يقف خلفها أشخاص لا يريدون التطور والنهوض في الرياضة الفلسطينية، وأنا لا أنطلق من منطلقات شخصية».
وسئل الرجوب عن الهجوم عليه في الأردن، ورد قائلا: «منحت صوتي للأمير علي وقلت لبلاتر حين سألني لمن ستصوت: أنا عربي، ورفعت ورقتي أمام مديرة حملة الأمير علي الأميرة هيا بنت الحسين».
في هذا الوقت كان الرئيس الفلسطيني عباس يزور الأمير علي في بيته، مؤكدا له «ستبقى العلاقة كما كانت وتستمر إلى الأبد حتى تحرير البلد برعاية الملك والأردن». طويت القصة مثل غيرها من القصص التي كان بطلها الرجل الذي يؤمن بقدرته على النجاح بشكل لا يتقبل معه أي تشكيك.
واختصر نصر الله المسألة: «إنه شخص لا يعيش من دون مؤيدين ولا يعيش من دون خصوم»، مضيفا: «أتفق معه وأختلف معه. لكن أبدا لا أشك في وطنيته. إنها عالية للغاية».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.