«أبو الفنون» وأبناؤه.. مشكلة أجيال أم سوء فهم للعروض الجديدة في الكويت؟

بين مؤيد لمصطلح أزمة المسرح ومعترض عليه

عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
TT

«أبو الفنون» وأبناؤه.. مشكلة أجيال أم سوء فهم للعروض الجديدة في الكويت؟

عرض مسرحي كويتي (أرشيف)
عرض مسرحي كويتي (أرشيف)

مشكلة المسرح تحديدًا أن جدليته تشبه جدلية الآباء والأبناء، فغالبًا ما يكون هناك عدم رضا على سلوك الأبناء، وغالبًا ما يلمح الآباء بأن جيلهم كان الأفضل.
ربما أن السينما الجديدة تمكنت بأعمالها من مسح كثير من الأفلام القديمة من ذاكرة الجمهور، وكذلك الرواية والقصة والشعر، ولكن على العكس من ذلك، لم تتمكن كثير من الأعمال المسرحية الجديدة من إلغاء سطوة وحضور الأعمال القديمة.
مثلاً في الكويت، ما زالت أعمال مسرحية سابقة قدمت منذ تأسيس المسرح الكويتي في أوائل الستينات، راسخة تمد لسانها لكثير من الأعمال الجديدة التي لم يُتح لها أن تحتل الخشبة بالقوة ذاتها التي احتلها أعمال مثل «علي جناح التبريزي وتابعه قفة»، و«حفلة على الخازوق» و«قاضي إشبيلية» و«صقر قريش» و«على هامان يا فرعون».. وغيرها من الأعمال التي تراها الفنانة المخضرمة سعاد عبد الله في حديثها مع «الشرق الأوسط» بأنها من الأعمال التي لم تتكرر، بينما يخالفها الرأي المخرج المسرحي الدكتور حسين المسلم، الذي قال بأن المسرح ما زال بخير، وهناك أعمال مسرحية جديدة متميزة، و«أبو الفنون ليس بأزمة»، بل هي إشاعات صدقها الجمهور. ولكن الدكتور سليمان أرتي، الأستاذ المساعد في المعهد العالي للفنون المسرحية، لديه رؤية وسطية، فهو يحلل الأمر وفق معادلة مسرح النخبة ومسرج الجمهور ويدعو للجمع بينهما، ويشيد بدور المؤسسين، ويطالب الأجيال أن تكف عن البكاء على الماضي وتبدأ عملها.. وفيما يلي تفاصيل هذه الآراء.

* خلل اجتماعي لدى المتلقي
الفنانة سعاد عبد الله عاصرت الأجيال المسرحية منذ بدايتها وشاركت بقوة في ترسيخ الوعي الثقافي المنوط بدور المسرح، لذلك فهي متمسكة بأن المسرح في أزمة، وتقرنه بالأزمات التي أصابت الأمة العربية ومنها الأزمات السياسية، وتصر على أن المسرحيات السابقة كانت أفضل، وهي التي عددت لنا الأسماء التي استشهدنا بها في مقدمة هذا الموضوع، وجاءت بها كأمثلة للتحدي على أن المسرح كان ثقافيًا بامتياز ومحفزًا للوعي الاجتماعي، وتقول: «هناك اليوم خلل اجتماعي لدى المتلقي نفسه نتيجة ظروفه الحياتية التي يعيشها وسعيه لكسب قوت يومه». وتضيف: «هذه حالة لا تخص الكويت فقط. وتساءلت الفنانة سعاد عبد الله: أين المسرح القومي في مصر وأيضا أين المسرحيات السورية التي كانت تضج بها المهرجانات، وخصوصًا في مهرجان قرطاج». وترى أن حال المسرح العربي اليوم مثل حال الربيع العربي، نسمع به ولم نره.

* إشاعات صدقها الجمهور
لكن على العكس من ذلك، كان للمخرج الدكتور حسين المسلم رأي آخر، فهو يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن كلمة أزمة مسرح هي جملة فضفاضة، انتشرت ظلمًا، ويرجع انتشارها لأسباب كثيرة، وبرأيي العلمي والواقعي لا توجد أزمة». وحين سألناه عن الأسباب التي أدت لانتشار هذه العبارة، أجاب: «هذه العبارة ذكرت على لسان العاجزين عن إنجاز مسرح جديد وحقيقي، أو مسرح يساير التطورات الحديثة للمسرح، من مؤلفين ومخرجين، وعندما أقول المسرح، فإنني أقصد كل العروض التي تقدم على خشبة المسرح ولا أقصد نوعًا معينًا»، ويقسم الدكتور المسلم التقييم المسرحي إلى حقبتين فيقول: «كي يكون حكمنا علميًا وعمليًا، فنحن نحتاج إلى دراسة مقارنة للعروض التي قدمت في الستينات والسبعينات ولغاية عام 1985، ثم من هذا التاريخ وحتى يومنا الحالي، عندها سوف نعرف إن كان هناك أزمة أم لا، وسنجد أن المسرح تطور، وهناك آمال جيدة قدمت، مثل أعمال المخرج سليمان البسام»، ويأتي الدكتور المسلم بمثال آخر عن نفسه، فيقول بأن لديه مسرحية عنوانها «رسالة»، ترجمت للإنجليزية وعرضت في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، وحازت على إعجاب الجمهور وأبلغته أستاذة متخصصة بالدراما هناك بأنها سوف تدرسها ضمن منهج متخصص بالمسرح لطلبتها، ويضيف: «إذن لا يجوز إطلاق العبارة بهذه العمومية».
ويوجه الدكتور المسلم بوصلة الحديث نحو النقد المسرحي، فينفي وجود نقاد مسرحيين حقيقيين اليوم للعرض المسرحي، ويقول: «لا يوجد متتبعين جادين للفعل المسرحي أو الحركة المسرحية في الكويت، وحتى خارجها، فالنقاد الحقيقيون يبنون آراءهم على أسس علمية، بينما ما يكتب اليوم هو تصيد للأخطاء بغرض الإثارة الصحافية». ويطالب الدكتور المسلم بدعم حكومي للمسرح، وأيضا بدعم شعبي من قبل أعضاء مجلس الأمة، ويقول بأن المجلس طيلة سنواته لا يوجد في محاضره ما يخص وضع المسرح في الكويت.
أما الدكتور سليمان أرتي، الأستاذ المساعد في المعهد العالي للفنون المسرحية، فقد أمسك عصا الموضوع من الوسط، فيقول: «أعتقد أن الكويت تعيش حالة مشابهة لكثير من دول العالم مثل مصر وأميركا وأوروبا، فالظروف تكاد تكون متشابهة في أن إيقاع الحياة بدأ يتغير وأصبحت المعادلات التشكيلية والموضوعية يتجاوز دورها الإطار البصري والفكري».
لذلك - يضيف الدكتور أرتي - «دعني أبدأ من أوروبا دائما يتكلمون عن دور المسرح كمؤسسة ثقافية تتعايش مع واقعها الثقافي وتتفاعل معه وتتأثر فيه، لذلك كان البحث عن معادلات تشكيلية وبصرية عندها ابتداء من بداية المسرح المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية كالمسرح العبثي والملحمي والسياسي ومسرح العلبة والتجريب».

* الجمع بين النخبوي والترفيهي
ويريد الدكتور أرتي تحقيق المعادلة بين المسرح النخبوي والتجاري أو الترفيهي، فيقول: «أعتقد بأن عملية الفصل بين الجانبين التجاري والثقافي هي عملية غير مدروسة، فإذا أردنا رواجا أكبر لمنتجنا الثقافي فيجب أن لا نقدم المسرح على أنه مسرح النخبة فقط، بل هو أداة تواصل جماهيرية بالدرجة الأولى»، ويرد ذلك إلى أن: «مشكلتنا في الوطن العربي بنيوية من النص إلى الجمهور لم نجتهد لإعطاء بديل ناجح ومؤثر ويصل إلى قلب الجماهير وإذا كان الاجتهاد بوجود مهرجانات فإن الأهم من المهرجان هو الفكر الذي يقدمه هذا المهرجان.. على كثرة الظروف التي مر بها الوطن العربي لم يستفد المسرحيون كثيرا منها».
ويؤكد الدكتور أرتي بأن هناك أزمة ليس لأننا لم نستطع التأقلم مع المسرح الحالي، بل فيما سوف نفعله بالمستقبل، لأن المعادلات البصرية تتطور، فهل نحافظ على المسرح بشكله الكلاسيكي أم ننجح بتحقيق التوليفة الذكية التي تجمع ما بين عمليات الإمتاع البصري والفكري وبين المضمون الفني الجاد.. كذلك فإن غياب رأس المال والتشجيع وغياب المسرح كمؤسسة ثقافية يكرس الأزمة، ويعتقد الدكتور أرتي بأن من الخطأ إلقاء اللوم دائما على الدولة، ويقول: «الأجدى هو تحقيق التواصل بين المسرح والمؤسسات الاقتصادية على غرار الدول المتقدمة لأن الدولة لا تصنع الفنان أو المفكر، بل المثقف هو الذي يصنع المجتمع، والدولة ليست هي البديل عن المثقف. انظر إلى الدول الأوروبية ليس للحكومات أي دور داعم للثقافة أو المسرح ماديا على الأقل ولكن هناك تواصل حقيقي موجود بين بنية المسرح كبنية ثقافية تتعايش مع واقعها السياسي والاجتماعي وبين المؤسسات الاقتصادية».
ويتساءل الدكتور أرتي: «هل مطلوب من المسرح كي لا يكون في أزمة أن يكون له دور تنوير أم يقتصر على الترفيه؟»، ويجيب: «برأيي أن يكون للمسرح الدور التنويري والجماهيري في آن واحد، فبريخت عندما عمل مسرحًا تنويرًا لم يكن مملاً فقدم الترفيه والسينما داخل المسرح وهناك اليوم تقنيات حديثة يمكن أن تعطيك بدائل حتى عن الديكور وغيره».

* أواخر الأعمال الجميلة
ويرى أرتي أيضا بأن أزمات المسرح الكويتي تكمن في النص وباعتقاده أن من آخر النصوص الجميلة التي تم تقديمها على المسرح هي مسرحية «دقت الساعة» و«مضارب بني نفط» وحامي الديار و«ضحية بيت العز» و«سيف العرب».
والأزمة أيضا هي على مستوى الإنتاج والمسارح الأهلية التي لا تتحرك بقوة، ويطالبها الدكتور أرتي بتقديم مشروع يقنعنا بجدوى المسرح ولا تكتفي بطلب الدعم من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. ويقول: «المسارح الأهلية تحولت إلى ديوانيات، والرقابة ليست عائقا لأنها لم تقدم أعمالا ترقى إلى مستوى أن ترفضها الرقابة من الناحية السياسية.. الرقابة ترفض ما يخدش الحياء».
ويشيد الدكتور أرتي بدور المؤسسين ويقول عنهم: «أدوا ما عليهم وأوصلوا المسرح الكويتي إلى مستويات كبيرة والدور على الأجيال الجديدة. التي عليها أن لا تبكي على الماضي، بل أن تنطلق من مبدأ أن المسرح صناعة، وهو ما نفتقده».
ومن أبرز رواد الحركة المسرحية في الكويت بالإضافة لزكي طليمات، المخرج صقر الرشو، ومحمد النشمي، وعبد العزيز السريع، وسليمان الشطي، وفي التمثيل إبراهيم الصلال، ومريم الغضبان، وسعد الفرج، وعبد الحسين عبد الرضا، وآخرون.



هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود
TT

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات عن حياة جيمي هندريكس غيّرت الطريقة التي فسر بها الكثيرون حياة هندريكس وموسيقاه ونهايته المأسوية المفاجئة، في 14 مايو (أيار) في لينكون بارك بولاية نيوجيرسي، عن عمر يناهز 83 عاماً.

وقالت ابنته، ناجوما هيندرسون، إن وفاته في إحدى دور الرعاية كانت ناتجة عن مضاعفات مرض الخرف.

في عام 1962، كان هيندرسون، المولود في حي هارلم، شخصية محورية في تأسيس «جمعية أومبرا»، وهي تجمع أدبي رائد للسود كان مقره في منطقة إيست فيليج في مانهاتن. وعلى غرار كالفن هيرنتون، وتوم دينت، ولورينزو توماس، وأسكيا توري، وستيف كانون، وغيرهم من المنتسبين لهذه المجموعة، فقد سعى إلى صياغة حساسية جمالية جديدة ذات طابع أسود خالص، ومتحررة من المقاييس الفنية الغربية البيضاء.

تذكر هيندرسون تلك الحقبة في مقابلة أُجريت معه عام 2009 مع موقع «أفريكالتشرز»، وهو موقع إخباري وثقافي فرنسي، قائلاً: «لقد كنا مستبعدين من الخطاب الثقافي. وهذا الاستبعاد هو ما كان يحاربه ريتشارد رايت، ورالف إليسون، ولانغستون هيوز، وغويندولين بروكس، وروبرت هايدن، وجيمس بالدوين».

وغدت جمعية «أومبرا» حجر أساس لحركة الفنون السوداء الأوسع نطاقاً، التي برزت في منتصف ستينات القرن الماضي بقيادة كتاب ثوريين من أمثال ليروي جونز (الذي عُرف لاحقاً باسم أميري باراكا)، ولورانس نيل، والسيد توري، وضمت أيضاً شخصيات من مجالات الفنون البصرية، والمسرح، والرقص، والموسيقى.

وقال إشمائيل ريد، الشاعر والكاتب المسرحي المثير للجدل الشهير في مقابلة معه: «لقد كنا الثوريين. إن الكُتّاب السود لم يعودوا يرون ضرورة لاتباع التقاليد السردية لكُتّاب مثل إرنست هيمينغوي أو هنري جيمس. لقد كسرنا ذلك النمط، وتوجهنا نحو الفولكلور ونبض الشارع».

وجسدت «التنسيقات التجريبية» لهيندرسون - كما وصفت منصة «كيركس ريفيو» أعماله - الأمل والغضب اللذين اتسم بهما عصر الحقوق المدنية، مستمدة من التقاليد الشفهية للسود وإيقاعات موسيقى الروك آند رول، والموتاون، والجاز.

وكما كتب في القصيدة الرئيسية التي حملت عنوان مجموعته الشعرية الصادرة عام 1970 «عمدة هارلم»:

سكان أصليون صامتون يصرخون

عبر بنادق وسيوف وفؤوس الغرب

آلات ساكسفون تينور طويلة

بوق أسود يصدح

صفحات من السيوف

وُلد هيندرسون في 19 سبتمبر (أيلول) عام 1942، وهو الابن الأكبر بين ولدين لـ«رايموند هيندرسون»، الذي كان يشغل رتبة رقيب أول في خفر السواحل، و«ميرتل (براون) هيندرسون».

وفي مرحلة المراهقة، غادر منزله وانتقل إلى وسط المدينة وتحديداً إلى حي إيست فيليج ليتفرغ للشعر. وتذكر هيندرسون ذلك لاحقاً قائلاً: «كان هذا في أوائل ستينات القرن الماضي. وكان التغيير يحدث أمام أعيننا، لكنني لست متيقناً من أنني لاحظته حينئذ».

وآنذاك، بدأ في الاختلاط بالوسط الإبداعي الأسود في نيويورك، بما في ذلك فنانو الجاز مثل عازف الساكسفون «أرتشي شيب»، وعازف البيانو «سيسيل تايلور»، وقائد الفرقة السريالية «صن را»، الذي تعاون معه في وقت لاحق.

وفي أوائل سبعينات القرن الماضي، عُيّن للتدريس في جامعة كاليفورنيا بفرع بيركلي، وهي الأولى من بين عدة مناصب أكاديمية شغلها على مر السنين. وكانت ترافقه زوجته «باربرا كريستيان»، التي أصبحت لاحقاً أستاذة للدراسات الأميركية الأفريقية في جامعة بيركلي، ومرجعاً بارزاً في النسوية الأدبية الأميركية المعاصرة.

وانتهى زواجه من كريستيان بالطلاق عام 2000، وذلك بعد انفصال دام 20 عاماً.

بعد فترة وجيزة من وصوله إلى كاليفورنيا، شرع السيد هيندرسون في رحلة استغرقت 5 سنوات لإنجاز كتاب عن هندريكس، الذي توفي في لندن في 18 سبتمبر عام 1970 عن عمر ناهز 27 عاماً.

لم يكن هيندرسون صحافياً موسيقياً على الإطلاق، ولكنه كتب عن حفل أحياه هندريكس عام 1968 لصالح مجلة الروك «كراودادي». وتذكر هيندرسون ذات مرة في مقابلة مرئية قائلاً: «لقد تعرفت على هندريكس قليلاً في أثناء التسكع بالنوادي في مانهاتن، وأخبرته أنني سأكتب شيئاً عنه».

وقد ساعدت صداقته مع هندريكس في فتح الأبواب أمامه، مما دفع كثيرين ممن كانوا مقربين من أسطورة الغيتار إلى التحدث بوضوح وانفتاح، بمن فيهم والده، آل هندريكس. كما تمكن هيندرسون من الوصول إلى يوميات هندريكس الشخصية، ومراسلاته الخاصة، وتسجيلاته المنزلية.

نُشر كتاب «جيمي هندريكس: طفل الفودو في العصر الدلوي» عام 1978 (ثم نُقّحَ الكتاب لاحقاً وتغير عنوانه إلى «اعذرني حال تقبيل السماء: جيمي هندريكس: طفل الفودو»).

وكان هذا الكتاب أول سيرة كبرى عن هندريكس، ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس: «هو بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات». ووصفه السيد ريد ذات مرة بأنه «مزيج بين الإثارة والرثاء لبعض الشخصيات المأسوية التي أحيت عقداً مثيراً من الحياة».

وتميز الكتاب بين السير الذاتية لموسيقيي الروك بأسلوبه السردي الذي ينتمي إلى المدرسة «الصحافية الجديدة»، والذي تضمن مقاطع شعرية منمقة - مما أثار استياء بعض النقاد - وحوارات داخلية مُعاد صياغتها وأساليب أخرى تذكرنا بالأدب الروائي والقصصي.

ووفقاً لكاتب موسيقى الروك غريل ماركوس، فإن سيرة هندريكس الذاتية التي ألفها هيندرسون ونُشرت لأول مرة في عام 1978، كانت «بالتأكيد المحاولة الأكثر جدية حتى الآن لفهم حياة أحد رموز الستينات».

بيد أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة تَمثَّل في الاستنتاجات التي توصل إليها الكتاب بشأن وفاة هندريكس. إذ دحض الكتاب بشدة الرواية المقبولة على نطاق واسع، التي طرحتها في البداية صديقته «مونيكا دانيمان»، وتكررت لاحقاً في سير ذاتية أخرى، مثل كتاب تشارلز كروس الشهير «غرفة مليئة بالمرايا» الصادر عام 2005، ومفادها أن هندريكس تناول كمية كبيرة من الحبوب المنومة القوية في فندق واختنق بقيئه.

كتب هيندرسون: «نتيجة لذلك، ظن الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن هندريكس فارق الحياة بالطريقة التقليدية لنجوم الروك: جرعة زائدة من المخدرات وسط الشهرة، والنساء الشقر، والترف، والجنس».

واستناداً إلى وثائق قانونية كُشف عنها لاحقاً، إلى جانب مقابلات مع طواقم المستشفيات والإسعاف وآخرين ممن وجدوا خلال تلك الأيام الأخيرة، خلص السيد هيندرسون إلى أن هندريكس «لم يمت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، وإنما مات غرقاً».

وافتُرضت النسخة المحدثة من الكتاب أن هندريكس قد اختنق بكمية «هائلة» من النبيذ الأحمر، إلى الحد الذي جعلها تتلبد في ملابسه وشعره وتتدفق من أنفه وفمه حتى بعد وفاته، وذلك رغم انخفاض نسبة الكحول في دمه نسبياً.

وكتب هيندرسون أن قوى غامضة مختلفة كانت لديها دوافع لإيذاء هندريكس، بما في ذلك الجريمة المنظمة والوكالات الفيدرالية التي تسعى إلى إلحاق الضرر بحركة الثقافة المضادة ذات التوجه اليساري المتطرف.

وبالنسبة للمعجبين، سيما البيض منهم، فقد كان هندريكس يعد لفترة طويلة شخصية بارزة في العصر السيكيديلي، متجاوزاً حدود العِرق بفضل شخصيته التي تمثل النموذج البدائي للهيبيز، ودوره الرائد في مهرجان «وودستوك».

غير أن هيندرسون يرى أن هذا التصور مجانب للصواب. فبالنسبة له، كان هندريكس فناناً أسود خالصاً تجذرت موسيقاه بعمق في موسيقى «البلوز» وصُقلت في «شبكة تشيتلين» الجنوبية، وهي شبكة من المسارح وأماكن العرض التي كانت تلبي احتياجات الفنانين السود في المدن التي تطبق سياسة الفصل العنصري.

وبعيداً عن كونه غير مبالٍ بالتمييز على أساس اللون، كما صوّره كثير من كتّاب الروك البيض، فقد أقبل هندريكس على تبني حركة «قوة السود» تماماً، كما أقبل على ثقافة «قوة الزهور» - إلى الحد الذي جعل دعمه المتنامي لحركة «الفهود السود» يضعه في مرمى نيران مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وكتب هيندرسون: «كان جيمي هندريكس نموذجاً كلاسيكياً للشاب الأنيق والبارع المنتمي لأحياء السود الفقيرة، وتجسدت عبقريته في الغيتار الكهربائي. إذ حقق أسلوباً بارعاً لا يُضاهَى وصار موسيقياً للموسيقيين، وعازفاً للعازفين، وكاهناً للعصر الجديد في الموسيقى الاحتفالية الأفرو - أميركية».

*خدمة «نيويورك تايمز»

كتب ديفيد هيندرسون أول سيرة كبيرة عن أسطورة الغيتار هندريكس


سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة
TT

سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة، في جدل هذه الذات مع امتداداتها في الزمان، والمكان، فيبدو الديوان كله حالة متصلة، وليس مجرد قصائد متشابهة جمعها الشاعر بين دفتي كتاب، إذ إن كل قصيدة بمثابة فصل يضيف جانباً من جوانب هذه السيرة المفعمة بالأحلام، والرؤى الأسطورية، والسريالية، والأسئلة الوجودية المشرعة على الموت، والحب، والغياب، والحروب، وغيرها، إذ تقع الذات الشاعرة في تقاطع هذه المتناقضات، لتدرك في الأخير ضآلتها وسط عالم مضطرب خارجياً، وصراعات نفسية داخلية في لا وعي هذه الذات، وتفجرها من داخلها.

صدر الديوان عن «دار العين» بالقاهرة، ويتكون من ثلاث عشرة قصيدة، تتراوح ما بين كتابة السطر الأفقي في القصيدتين الأولى والأخيرة، والسطر الرأسي في بقية القصائد تقريباً. كما أن طريقة عنونتها تشير إلى ترابط النصوص في وحدة عضوية واحدة. القصيدة الأولى «تباشير الحياة» مختلفة عن هذه العنونة، حيث تتوسل بطاقة هائلة من الحس السردي، والحكائي، كي تؤرخ للذات، وأصولها، لذلك فهي أقرب إلى مقدمة أو تمهيد عن التاريخ البعيد لهذه الذات، وانتسابها العائلي، وهو ما تؤكده دلالات العنوان بتلك التباشير التي كانت بذرة للحياة التي تحققت بعد ذلك، وأرست مواضعات العالم في هذا المكان.

أما بقية القصائد فعناوينها كلها بدأت بمفردة «صندوق»، ثم تنوع المضاف إليه في كل عنوان، مثل «صندوق النار»، و«صندوق النوم»، و«صندوق التراخي» و«صندوق القنص» و«صندوق الشغف»... وهكذا تتوالى الصناديق التي تفتحها الذات الشاعرة، كاشفة عن رؤيتها لسيرتها، ومسيرتها. فعلى مدار الصناديق/ القصائد، تحاول استكشاف نفسها، وأحلامها، وذكرياتها، وتضع كل شيء تحت مجهر شعري، ويحاول الإمساك بأبعاد المشهد، وبتفاصيل التاريخ الشخصي، والاجتماعي، ومتكئة على تشكيل جمالي مفعم بالسريالية، والغرائبية، إنها عبر إبحارها في هذه الصناديق تفتح أبواباً ضخمة ترى منها، ويرى المتلقي معها، كيفية تشكل هذه الذات، وتغوص في طبقات اللاوعي الشخصي، والجمعي، ومحاولة استخلاص ملامح رؤية متماسكة لتحولات وتقلبات هذه الذات.

تعتمد الذات الشاعرة في كثير من القصائد على صيغة المخاطب، ما بين مخاطب فردي، كالحبيبة، أو الصديق، أو شيخ محدد «يا شيخنا/ أفصح عن مقاصدكَ/ حتى لا يغادرَ السامعونَ المقهى». وأحياناً مخاطبة سامعين مفترضين: «الحكايةُ يا سامعين/ ترقد عند السِّحر المسمى بالأحلام...»، متخذاً سمت الراوي الشعبي الذي يقص حكايته وسيرته -على الربابة- لمجموعة من جمهور المستمعين المتحلقين حوله. وفي أحيان ثالثة يخاطب جماعة كاملة غير محددة، كما في قصيدة «صندوق الفراشات»، إذ يقول: «أنا أيضاً مثلكم، أمتلكُ صناديق تشبهني، وأشبهها، لكنَّ صندوقي الأخير مجرد صندوق فراشات، بسيطٌ ولا يدعو للتباهي»، فهو هنا يتماهى مع الجماعة التي يخاطبها بوصفه جزءاً منها، ولا ينبو عن قوانينها، ومواضعاتها، فيما يتعلق بامتلاكه -مثل جماعته- صناديقه السرية التي لا يعرف أحد مكنونها، لكن موضع اختلافه عن هذه الجماعة هو محتوى هذه الصناديق المملوءة بالفراشات، بما يتناغم مع كونه ذاتاً حالمة، ويتعمق هذا الاختلاف بين الذات والجماعة في القصيدة نفسها، حين يصف نفسه قائلاً:

«أنا طائر ولستُ طائرة

أنا فراشة ولستُ قذيفةً

أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب...».

ففي السطرين الأولين ثنائيتان ضديتان، يمثل الطرف الأول منهما الذات بشكل واضح (طائر، فراشة) بكل ما يتعلق بهما من دلالات الرقة، والرهافة، في حين أن الطرف الثاني من الثنائيتين (طائرة، قذيفة) يمثل الجماعة الإنسانية التي تنتمي لها هذه الذات، لكنهما يتقاطعان بنيوياً، فالمسافة بين الذات وجماعتها هي نفسها المسافة بين دال الفراشة ودال القذيفة، بين الجمال، والقسوة، الرهافة، والغلظة، وحين تندغم الذات وجماعتها -في السطر الثالث- فإن الذات تحافظ أيضاً على تركيبتها الرهيفة، وتكون هي الخيال المرتعش، والمخفي، والمسكوت عنه، لتلك الجماعة التي تدخل معمعة الحروب بقسوة، وبشجاعة مدعاة.

هذه الذات الرهيفة هي صنيعة الغياب، والموت، وصنيعة الفقد الذي جعلها تبدو عجينة طيعة، وتخشى التورط في قسوة العالم، وخاصة مع فقد الأب، والحبيبة، وتوالي الموت الذي اقتنص كل من حولها، وحاصرها على مدار مسيرتها الحياتية، فباتت بلا غطاء، ولا حماية، مثقلة بالندوب الروحية، والجسدية، ففي قصيدة «صندوق الغياب» يقول مفككاً تركيبته النفسية:

«أخلعُ ردائي وأقول

هذا غيابُ أبي الذي جعلني

أعمى

وهذا غيابُ حبيبتي

ينقشُ جلدي بالبثور...».

إن هذه الذات، بعد فتح صناديقها المخفية، وخلع الرداء الذي تتستر خلفه أمام الآخرين، بعد التعري التام أمام الذات، ومصارحتها، أصبحت قادرة على التصالح مع أعطابها، أو بالأحرى مع خصائصها، وصفاتها التي لا تملك لها رداً، ولا تعديلاً، والتعاطي معها بوصفها نتاجاً لمعطيات واضحة، يمكنها أن تشير إليها بوضوح، باستخدام اسم الإشارة «هذا»، كأحداث قريبة، ولصيقة بها، وفاعلة في تكوينها، فغياب الأب أفقدها خاصة البصر، وغياب الحبيبة شوّه جلدها بالبثور، ويظل النص مفتوحاً، ليضيف إليه وعي القارئ غيابات أخرى، وتشوهات إضافية.

وتتنامى رهافة هذه الذات بتناغمها مع الطبيعة، ومفرداتها، حتى لو بدت قاسية، أو جامدة ظاهرياً، فهي قادرة على استبصار الهشاشة في كل ما حولها، حتى لو كان جبلاً شامخاً، كما في قصيدة «صندوق الرمل»، حيث نرى هذه الذات المدربة على الهشاشة، وقادرة على النفاذ إلى أعماق جبل، وتعريته من صلادته، وجموده الظاهري، وإحساسه بالتيه، والارتعاش، والضآلة، وترويضه، وبنزع رداء القسوة عن حجارته، ورماله، ليتبدى جوهره الهش، يقول:

«نظرتُ فجأةً

فلمحتُ جبلاً

كأنهُ لصٌّ يرتعشُ

وسطَ السوق...

ربَتُّ عليهِ

فنام جواري كالجثة...».

في خضم هذا الحوار الجدلي بين الذات والعالم تتوصل الذات إلى ما يشبه الحكمة الفلسفية التي تعتنقها، بعد أن عاينت جراحها، وندوبها، وتأكدت من عدم قدرتها، بوصفها ذاتاً فردانية هشة، وممزقة، على إيقاف قسوة العالم، أو التصدي لما به من عوار، والاكتفاء بالابتعاد عن الأفكار الكبرى، والأحلام الإنسانية العريضة، ليكون الانغماس في تفاصيل العالم، ومتعه المحسوسة هو الملاذ لإنقاذ ما تبقى من هذه الذات، وأن تتذوق طعم الحياة ببساطة، ودون أن ترنو لما هو أبعد من حدودها المتناهية، والقريبة، فأقصى ما يمكن أن تفعله ذات ممزقة، ومهمشة كهذه هو أن تستعيد حواسها، وتسترجع قدرتها على الإحساس بالطعم، واللون، والرائحة، وتعود إنساناً ممتلكاً جسده، وبصيرته، وقدرته على التذوق، ولو كان محدوداً بحدود فيزيقية ضيقة، يقول في قصيدة «صندوق الحيّة»:

«الأفكارُ مؤلمةٌ

والأحلامُ حيرة ومتاهة

لهذا فالأجدى في هذه الحياة

أن نسعى فقط

لما نلمسهُ ونُحِسُّهُ...

للصوت والطعمِ

والرائحة...».


«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا
TT

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء لتكشف الأحداث تدريجياً عن شبكة صادمة من المصالح الاقتصادية والقرارات البيروقراطية التي تحكم مؤسسات رعاية المسنين حيث تُختزل حياة الإنسان لتصبح مجرد رقم.

بأسلوب ساخر ولاذع، لا يكتفي النص، الذي ترجمته نهى مصطفى، بتقديم لغز بوليسي بل يطرح نقداً اجتماعياً حاداً يعري الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الحديث مع فئة أصحب الشيخوخة ممن هم الأكثر هشاشة ليبرهن على أن الوعي والرغبة في العدالة والقدرة على المقاومة سمات لا تزول بتقدم العمر.

تجري أحداث الرواية في دار رعاية خاصة وفاخرة للمسنين تعرف باسم «سان صت جروف» وتُسوّق بوصفها مكاناً مثالياً لقضاء سنوات الشيخوخة الأخيرة في رفاهية وطمأنينة وتعيش فيه الصديقتان سيري وإرما اللتان ينقلب فجأة عالمهما المريح بسبب واقعة موت مشبوهة.

هنا تعقد الصديقتان العزم على معرفة ما حدث بالضبط ولماذا، فتبدآن تحقيقاتهما الخاصة وتشكلان جمعية «سيدات اللافندر للتحقيقات» لتكتشفا أنه خلف واجهة «سانست جروف» الهادئة تختبئ الكثير من الأسرار الخطيرة التي لا تخطر ببال.

وُلدت مينا ليندجرين عام 1963 وهي صحافية وكاتبة، حققت روايتها «جريمة في دار المسنين»، التي نُشرت تحت عنوان «الموت في سان صت جروف» نجاحاً باهراً في فنلندا خصوصاً بعد أن تبعها الجزء الثاني منها «الهروب من صان ست جروف» والجزء الثالث «النهاية في سان صت جروف». استوحت المؤلفة فكرة هذه السلسلة بعد بحثها في موضوع معاملة كبار السن في فنلندا لصالح إحدى المجلات.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كل صباح تستيقظ سيري كيتونين لتدرك أنها لا تزال على قيد الحياة، تنهض من سريرها ببطء ثم تغتسل وترتدي ملابسها وبعدها تتناول إفطاراً خفيفاً. يستغرق ذلك بعض الوقت لكنها لا تكترث، فالوقت كله ملكها، تقرأ الصحيفة بتركيز وتصغي للبرامج الإذاعية الصباحية فهذا يمنحها شعوراً بأنها ما زالت تنتمي إلى هذا العالم. غالباً ما تذهب في جولة قصيرة بالترام في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً لكنها لم تشعر اليوم برغبة في الخروج.

كانت الإضاءة الساطعة للغرف المشتركة في دار التقاعد (صن ست جروف) تعطي المكان أجواء أشبه بغرف الانتظار في عيادة طبيب الأسنان. استلقى عدد من النزلاء على الأرائك في انتظار موعد تناول طعام الغداء.

فجأة شعرت سيري بالحزن ستفتقد تيرو كثيراً لدرجة أن معدتها بدأت تؤلمها، كيف يموت مثل هذا الشاب المعافى في حين لا يموت من يبلغ من العمر أربعة وتسعين عاماً؟ كانت سيري قد قرأت في الجريدة أنه بمجرد أن تبلغ التسعين من العمر تتوقف عملية الشيخوخة، هذا فظيع لأنه يعني أن الأشخاص المسنين مثلها قد تأخروا حتى على موعد وفاتهم.

في البداية كان الجميع يموتون، الأصدقاء والأزواج ثم لم يعد أحد يموت. كان اثنان من أبناء سيري قد ماتا بالفعل، ابنها الأكبر بسبب الإفراط في شرب الكحول والأصغر بسب الإفراط في تناول الطعام. كان الصغير طفل العائلة المدلل، فتى وسيماً ورياضياً، لكنه أخذ يأكل بكثرة ولا يفعل شيئاً سوى العمل. يقود السيارة إلى كل مكان يذهب إليه، يأكل البيتزا ورقائق البطاطس ويدخن السجائر. هذا ما يطلق عليه انعدام الحافز، وهو عبارة عن اضطراب نفسي يؤثر على الشخص عندما يصل إلى مستوى معيشي مرتفع لدرجة أنه يموت بسببه في الخامسة والستين، بحد أقصى».