بين الازدراء والمصالح المشتركة... علاقة متقلّبة جمعت بوتين وغورباتشوف

فلاديمير بوتين يستمع إلى ميخائيل غورباتشوف خلال مؤتمر صحافي عقب محادثات ثنائية مع المستشار الألماني غيرهارد شرودر في 21 ديسمبر 2004 في ألمانيا (رويترز)
فلاديمير بوتين يستمع إلى ميخائيل غورباتشوف خلال مؤتمر صحافي عقب محادثات ثنائية مع المستشار الألماني غيرهارد شرودر في 21 ديسمبر 2004 في ألمانيا (رويترز)
TT

بين الازدراء والمصالح المشتركة... علاقة متقلّبة جمعت بوتين وغورباتشوف

فلاديمير بوتين يستمع إلى ميخائيل غورباتشوف خلال مؤتمر صحافي عقب محادثات ثنائية مع المستشار الألماني غيرهارد شرودر في 21 ديسمبر 2004 في ألمانيا (رويترز)
فلاديمير بوتين يستمع إلى ميخائيل غورباتشوف خلال مؤتمر صحافي عقب محادثات ثنائية مع المستشار الألماني غيرهارد شرودر في 21 ديسمبر 2004 في ألمانيا (رويترز)

ميخائيل غورباتشوف، صانع تفكيك الاتحاد السوفياتي من دون نيته فعل ذلك، توفّي في الوقت الذي يبدو فيه أنّ خليفته فلاديمير بوتين يريد إعادة تشكيل الإمبراطورية الروسية. غورباتشوف وبوتين رجلان طبع العلاقة بينهما توافق على مصالح مشتركة من ناحية، وتناقضات في الرؤية السياسية ومواقف سلبيّة أحدهما من الآخر من ناحية أخرى، كما نقرأ في موجز عن تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسيّة عن طبيعة العلاقة التي جمعت بين هذين الرجلين.
يوضح جان روبير رافيو، أستاذ الدراسات الروسية وما بعد حقبة الاتحاد السوفياتي في جامعة نانتير الفرنسيّة، أنّ العلاقات التي جمعت الرجلين كانت ضعيفة جداً، ويقول «أعتقد أنّ بوتين احتقر غورباتشوف كرئيس للدولة لأنّه اعتبره ضعيفاً، وعزا إليه نقص الذكاء السياسي».
ويرى رافيو، أنّ تأخّر الكرملين برسالة التعزية يدّل على أمرين، أوّلهما أنّ عدم شعبية غورباتشوف لا تزال مهمة عند الشعب الروسي، والآخر أنّ «بوتين شهد نهاية الاتحاد السوفياتي كفترة مضطربة للغاية على المستوى الشخصي، وبالتالي جسّد غورباتشوف له شكلاً من أشكال عدم الاستقرار».
* استراتيجيات مختلفة
يعتبر التقرير، أنّ العلاقات كانت دائماً غير سويّة بين ميخائيل غورباتشوف وزعماء الكرملين الجدد، سواء كان بوريس يلتسين، عدو غورباتشوف اللدود، أو فلاديمير بوتين؛ إذ كان آخر زعيم لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والرئيس الحالي للكرملين متناقضين في كثير من النواحي.
فعلى المستوى الشخصي، «كان غورباتشوف عفوياً نسبياً في اتصالاته السياسية، بينما مع بوتين، كلّ شيء محسوب»، بحسب رافيو الذي يضيف أّنّ الرجلين تبنّيا استراتيجيات مختلفة جذرياً، «وضع غورباتشوف السياسة الخارجية في خدمة السياسة الداخلية، في حين أنّ السياسة الداخلية في عهد بوتين تخضع تماماً للسياسة الخارجية والاستعادة (للدور الروسي) على المستوى الدولي».
* غورباتشوف يثني على بوتين... وينتقده
لفت التقرير إلى أنّه خلال مقابلة غورباتشوف الأخيرة مع «لوفيغارو» عام 2019، اعتبر الزعيم السوفياتي السابق أنّ «المواطنين الروس، وهو جزء منهم، يقدّرون كثيراً ما فعله الرئيس بوتين للتغلّب على الفوضى السياسية والفشل الاقتصادي في سنوات التسعينات»، لكنّه أيضاً انتقد كثيراً زعيم الكرملين في السنوات الأخيرة.
وفي عام 2009، في مقابلة لغورباتشوف مع وكالة «أسوشييتد برس»، قارن حزب فلاديمير بوتين، روسيا الموحّدة، بـ«نسخة أسوأ من الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي».
في مقابلة أخرى، نشرتها عام 2016 إحدى وسائل الإعلام الروسية، أعرب غورباتشوف عن أسفه لحقيقة أنّ بوتين يحكم البلاد من خلال «صداقاته الشخصية»، حتى أنّه اتّهمه بخيانة شعبه من خلال تنظيم تزوير انتخابي ومصادرة الأصول العامة، والتظاهر بالإصلاح بينما يترك البلاد تغرق في مزيد من الفساد.
عام 2011، نقلت مجلّة «إكسبرس» عن غورباتشوف أسفه حول الترتيبات الانتخابية لفلاديمير بوتين؛ إذ اعتبر الانتخابات التشريعية في ديسمبر (كانون الأول) من ذاك العام إخفاقاً، «على السلطة أن تدرك أنه كان هناك العديد من عمليات التزوير، وأنّ النتائج المعلنة لا تعكس إرادة الناخبين، المزيد والمزيد من الروس مقتنعون بأنّ هذه النتائج ليست صادقة».
كما أعرب الزعيم السابق عن أسفه لفترة رئاسة دميتري ميدفيديف بين عامي 2008 و2012، والتي وصفها بأنّها «أسوأ شكل من أشكال الديمقراطية».
* نقاط مشتركة
وفق التقرير، اشترك بوتين وغورباتشوف منذ سنوات في رفض «الإمبريالية» الأميركية، ففي ديسمبر 2021، لم يكن لدى الزعيم السابق كلمات قاسية كافية لوصف الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنّ نهاية الاتحاد السوفياتي «أسكرتهم (الأميركيين)، غطرسة، ورضا عن النفس، وأعلنوا أنفسهم منتصرين في الحرب الباردة في الوقت الذي أنقذنا فيه العالم معا من المواجهة».
كما انتقد غورباتشوف لوكالة الأنباء الروسية ريا نوفوستي «انتصار» واشنطن، وانتقد كذلك، مثل بوتين، رغبة المعسكر الغربي في «بناء إمبراطورية جديدة» من خلال توسيع حلف شمال الأطلسي، في آخر حديث علني له.
وفي 2014، كان أيضاً من أشدّ المؤيّدين للرئيس الروسي أثناء غزو شبه جزيرة القرم، مستنكراً التدخل الأميركي، بحسب التقرير.
وقال غورباتشوف خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين في ألمانيا «سأدافع بحزم عن روسيا وعن رئيسها فلاديمير بوتين».
وصرّح لوكالة الأنباء الروسية (إنترفاكس) «أنا مقتنع تماماً بأنّ بوتين اليوم يدافع عن مصالح روسيا أفضل من أي شخص آخر».
وفي 2016، أعلن غورباتشوف لصحيفة «صنداي تايمز»، صراحة عن تأييده لضم روسيا شبه جزيرة القرم، «أنا دائماً أؤيد الإرادة الحرة للشعب، وإرادة غالبية سكان القرم لمّ شملهم مع روسيا»؛ مما دفع أوكرانيا لحظر دخوله إلى أراضيها لمدة خمس سنوات.
* الموقف من حرب أوكرانيا
وأوضح التقرير، أنّ غورباتشوف الذي كانت والدته أوكرانيّة، لم يعبّر علناً عن موقفه من «العملية العسكرية الخاصة» التي أطلقها بوتين في أوكرانيا في فبراير (شباط) الفائت، بسبب المرض الّذي أنهكه.
لكن وفقاً لمترجمه السابق بافيل بالاتشينكو، الذي قابلته محطة «فوكس نيوز» قبل ثلاثة أيام من اندلاع الحرب في أوكرانيا، فإنّ ميخائيل غورباتشوف «حذّر دائماً من أنّ أموراً خطيرة للغاية قد تحدث بين روسيا وأوكرانيا»، مضيفاً «لكنه فعل دائماً ما في وسعه للتقريب بين هاتين الدولتين بدلاً من رؤية الفجوة تستمرّ في الاتساع، والتي نراها الآن تتسع. بالنسبة له، من الناحية العاطفية، هذا أمر مأساوي».
أوائل أغسطس (آب)، قال المنتج التلفزيوني المجري يانوس زوكلير، وهو صديق مقرب جداً من غورباتشوف، لصحيفة «بليك» Blick اليومية السويسرية، إنّ الزعيم السابق «يدين بشدة الحرب منذ البداية»، مضيفاً «بالنسبة له، هذه حرب بين إخوة، كان والده روسياً ووالدته أوكرانية»، وأشار إلى أنّه إذا كان الأمر متروكا لغورباتشوف «فإن الحرب ستتوقّف على الفور».
وأشار التقرير إلى أنّ زوكلير المقرّب من بوتين أخبر الصحيفة اليومية (بليك) أيضاً، أنّ غورباتشوف كان سيحاول مرات عدّة الاتصال بالرئيس بوتين عبر الهاتف، «لكن بوتين لم يتصل به أبداً، حتى أنّه لم يرفع سماعة الهاتف، كانا يلتقيان مرّة في السنة، وإلّا لما كان هناك اتصال بينهما».


مقالات ذات صلة

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

العالم إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

إسقاط مسيّرة قرب قاعدة جوية روسية في القرم

أعلنت السلطات المعينة من روسيا في القرم إسقاط طائرة مسيرة قرب قاعدة جوية في شبه الجزيرة التي ضمتها روسيا، في حادثة جديدة من الحوادث المماثلة في الأيام القليلة الماضية. وقال حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوجاييف على منصة «تلغرام»: «هجوم آخر على سيفاستوبول. قرابة الساعة 7,00 مساء (16,00 ت غ) دمرت دفاعاتنا الجوية طائرة من دون طيار في منطقة قاعدة بيلبيك».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

الاتحاد الأوروبي يحذّر موسكو من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين

حذّر مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل روسيا، اليوم الخميس، من استغلال الهجوم المفترض على الكرملين الذي اتهمت موسكو كييف بشنّه، لتكثيف هجماتها في أوكرانيا. وقال بوريل خلال اجتماع لوزراء من دول الاتحاد مكلفين شؤون التنمي«ندعو روسيا الى عدم استخدام هذا الهجوم المفترض ذريعة لمواصلة التصعيد» في الحرب التي بدأتها مطلع العام 2022. وأشار الى أن «هذا الأمر يثير قلقنا... لأنه يمكن استخدامه لتبرير تعبئة مزيد من الجنود و(شنّ) مزيد من الهجمات ضد أوكرانيا». وأضاف «رأيت صورا واستمعت الى الرئيس (الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مصفاة «إلسكاي» جنوب روسيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، صباح اليوم (الخميس)، نقلاً عن خدمات الطوارئ المحلية، أن حريقاً شب في جزء من مصفاة نفط في جنوب روسيا بعد هجوم بطائرة مسيرة. وقالت «تاس»، إن الحادث وقع في مصفاة «إلسكاي» قرب ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود. وأعلنت موسكو، الأربعاء، عن إحباط هجوم تفجيري استهدف الكرملين بطائرات مسيرة، وتوعدت برد حازم ومباشر متجاهلة إعلان القيادة الأوكرانية عدم صلتها بالهجوم. وحمل بيان أصدره الكرملين، اتهامات مباشرة للقيادة الأوكرانية بالوقوف وراء الهجوم، وأفاد بأن «النظام الأوكراني حاول استهداف الكرملين بطائرتين مسيرتين».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

روسيا تتعرض لهجمات وأعمال «تخريبية» قبل احتفالات 9 مايو

تثير الهجمات وأعمال «التخريب» التي تكثّفت في روسيا في الأيام الأخيرة، مخاوف من إفساد الاحتفالات العسكرية في 9 مايو (أيار) التي تعتبر ضرورية للكرملين في خضم حربه في أوكرانيا. في الأيام الأخيرة، ذكّرت سلسلة من الحوادث روسيا بأنها معرّضة لضربات العدو، حتى على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة الأوكرانية، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. تسببت «عبوات ناسفة»، الاثنين والثلاثاء، في إخراج قطارَي شحن عن مساريهما في منطقة محاذية لأوكرانيا، وهي حوادث لم يكن يبلغ عن وقوعها في روسيا قبل بدء الهجوم على كييف في 24 فبراير (شباط) 2022. وعلى مسافة بعيدة من الحدود مع أوكرانيا، تضرر خط لإمداد الكهرباء قرب بلدة في جنو

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.


مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...