باريس والجزائر عازمتان على الوصول إلى «علاقات استراتيجية شاملة»

ماكرون ينفي أن يكون الغاز هو «المحرك الرئيسي» لزيارته

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
TT

باريس والجزائر عازمتان على الوصول إلى «علاقات استراتيجية شاملة»

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال استقباله الرئيس الفرنسي في قصر المرادية مساء أول من أمس (رويترز)

(تحليل سياسي)
إذا كان الجزائريون، رسميين ومجتمعاً مدنياً، يأملون من زيارة الرئيس الفرنسي أن يحصلوا أخيراً من فرنسا، الدولة المستعمرة لبلادهم طيلة 132 عاماً، على اعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الاستعمار بحقهم، أو التعبير عن الندم، أو على الأقل اعتراف يذهب في هذا الاتجاه، فإن أملهم خاب مرة أخرى، لأن إيمانويل ماكرون لن يخطو هذه الخطوة، نظراً لتبعاتها السياسية في الداخل الفرنسي، ولأن الاستجابة للرغبة الجزائرية ستكون باهظة الثمن سياسياً. ثم هناك اليمين المتطرف، الذي ما فتئ ينتقد ماكرون في كل مناسبة من هذا النوع، ويرى أنه يحطّ من قدر وقيمة فرنسا.
لذا، فإن ماكرون في زيارة العمل والصداقة للجزائر، التي تنتهي اليوم في مدينة وهران، وجد المَخرج المناسب، وقال أمس خلال مؤتمر صحافي بالعاصمة الجزائرية إن ما يريده هو «الحقيقة»، ولذا فقد اتفق مع الرئيس الجزائري على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين، الذين ستفتح لهم صفحات الأرشيف الفرنسي والجزائري لجلاء هذه الحقيقة. وستكون مهمة اللجنة وفق ماكرون «النظر في كامل تلك الفترة التاريخية... منذ بداية الاستعمار إلى حرب التحرير، من دون محظورات».
ولمزيد من التوضيح، ولتفكيك مسبق لأي تأويل، أضاف ماكرون أن ما تقرر «ليس تعبيراً عن ندم أبداً». وبذلك سعى ماكرون لإخراج هذا الملف من ساحة الجدل، الذي يسمم العلاقات الثنائية منذ عقود، وذلك بعد أن تبين له أن اللجنة الفرنسية التي شكّلها في 2020 وعهد بها إلى المؤرخ بنجامين ستورا، الخبير بشؤون الاستعمار الفرنسي والمقبول جزائرياً، لم تفِ بالغرض، رغم المقترحات الكثيرة التي عرضها، والتي تم تنفيذ الكثير منها.
ثمة موضوع آخر كان يأمل الجزائريون أن يحمل ماكرون جديداً حوله، إلا أن أملهم خاب مجدداً. فليس سراً أن الجزائريين يولون ملف التأشيرات أهمية خاصة. والحال أن ماكرون أمر العام الماضي بتخفيض عددها إلى النصف، رداً على ما رأته باريس مماطلة جزائرية في الموافقة على استرداد مواطنيها الموجودين على التراب الفرنسي بطريقة غير شرعية. وفي مؤتمره الصحافي، لم يعلن ماكرون عن تغير جذري في سياسة التأشيرات المتّبعة التي ربط بينها وبين محاربة الهجرات غير الشرعية. ووفق العرض الفرنسي، فإن ماكرون وتبون قررا «العمل معاً وفي مناخ من الثقة الجماعية». وقال الرئيس الفرنسي: «سنكون صارمين للغاية لكي نكافح معاً الهجرة غير الشرعية والشبكات الإجرامية، وسنكون أكثر فاعلية بكثير في استباق الهجرة غير الشرعية، وحتى نتمكن من مرافقة المهاجرين غير الشرعيين بشكل أكثر فاعلية». وبكلام آخر، فإن ماكرون حصل على وعد من نظيره الجزائري بالتعاون في استرداد مواطنيه، وفي المقابل وعد من جهته بـ«اعتماد مقاربة أكثر مرونة بكثير للهجرة الانتقائية، أي أُسر مزدوجي الجنسية، وكذلك الفنانين والرياضيين، ورجال الأعمال والسياسيين الذين يغذّون العلاقات الثنائية».
وكثيرة هي الملفات التي كانت موضع بحث الجانبين. لكن اللافت أن كليهما أبان عن رغبة مشتركة جامحة في قلب صفحة الماضي والنظر إلى المستقبل. وبرز ذلك أولاً من خلال الاستقبال الحار لماكرون، الذي انتظره الرئيس تبون عند سلم الطائرة وعانقه طويلاً. ثم برز ذلك في كلمتيهما إلى الصحافة مساء اليوم الأول من الزيارة في قصر المرادية الرئاسي، حيث أكد تبون أنه يريد «علاقة استراتيجية شاملة مع فرنسا» تكون مبنية على «مبادئ الاحترام والثقة». ووصف المحادثات بأنها كانت «صريحة وتنم عن خصوصية العلاقة بين بلدينا وعمقها وتشعبها». كما جاء كلام ماكرون في السياق نفسه خلال حديثه عن «النظرة إلى المستقبل»، والتغلب على القضايا، التي حالت وتحول دون تعزيز التعاون والعمل المشترك.
وبعيداً عن أدبيات الاستقبال والبروتوكولات، فإن النتيجة الأولى الرئيسية لعودة التلاقي الفرنسي - الجزائري هو اتفاق الطرفين على تشكيل مجموعة من اللجان الحكومية المشتركة في «القطاعات الاستراتيجية والاقتصادية». علماً بأن باريس تشهد تراجعاً مقلقاً لحضورها في الاقتصاد الجزائري لصالح منافسين من الصين وتركيا وإيطاليا وغيرها. كما يريد الطرفان الالتفات بشكل خاص إلى إطلاق الشراكات المتجددة والمبدعة، وعدم الاكتفاء بالأشكال والصيغ السابقة لجهة التعاون «الفوقي». ومن هنا تكمن الأهمية التي أولاها ماكرون للقاء رجال الأعمال من الشباب ومن الرياضيين والمثقفين والفنانين بحيث يكون التلاقح متنوعاً وشاملاً.
وفي المجال الأمني، يعي الجانب الفرنسي أنه بحاجة للجزائر في منطقة «الساحل» التي تشكو من النزاعات والإرهاب. كما أن خروج قوة «برخان» الفرنسية من مالي يشكّل فشلاً بيّناً لباريس بعد وجود عسكري تواصل لمدة تسع سنوات. يضاف إلى ذلك أن فرنسا تعاني من المنافسة في بلدان كانت ضمن دائرة نفوذها التقليدي. ومن هنا، فإن توافق الطرفين على «العمل المشترك» من أجل الاستقرار في مالي ومنطقة الساحل وليبيا والصحراء يبدو بالغ الأهمية. كما أصبح اليوم واضحاً أن باريس تعوّل على الجزائر التي أبقت على خطوط التواصل مع المجلس العسكري في مالي، خصم فرنسا، وهي مهتمة بالوضع الليبي، وتتمتع بعلاقات جيدة مع سلطات النيجر، وبنسيج من العلاقات مع الكثير من العواصم الأفريقية. ولا شيء يمنع أن يتعاون الطرفان سياسياً وأمنياً، ولكن أيضاً اقتصادياً، والاستثمار معاً في الكثير من البلدان الأفريقية.
وقبل الزيارة، رأت وسائل إعلام أن مبررها الأول البحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي، إلا أن ماكرون عمد أمس إلى دحض هذا الادعاء، معتبراً الأخبار المتداولة «تافهة»، وأكد أن فرنسا «لا تستهلك كميات كبيرة من الغاز... وعلاقتنا مع الجزائر ليست مبنية على الغاز فقط». أما بالنسبة للاتفاق الذي حصل بين الجزائر وإيطاليا لحصول روما على مزيد من الغاز الجزائري، فقد عدّه ماكرون «أمراً طبيعياً»، بالنظر إلى أن إيطاليا «قد تكون بحاجة أكثر للغاز، ومصلحة فرنسا من مصلحة دول الاتحاد الأوروبي».
وما يجعل ماكرون مرتاحاً في ملف الغاز هو أن بلاده تعتمد على المحطات النووية لإنتاج الكهرباء، ولا تعاني من تبعية ذات معنى إزاء الغاز الروسي، كما هو حال ألمانيا أو إيطاليا أو دول أوروبية كبرى أخرى. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن ماكرون حث أول من أمس في معرض دعوته الجزائر إلى التعاون لوضع حد للحرب في أوكرانيا، على العمل «للتصدي معاً» لتبعات الحرب الروسية على أوكرانيا، ذاكراً منها الإنسانية والغذائية، ولكن أيضاً على صعيد الطاقة، وهو ما فُهم منه أن ملف الغاز تم بحثه بين الطرفين، وأنه دعوة للجزائر لأن تلعب دوراً في الحلول مكان الغاز الروسي. والحال أن الجزائر وموسكو تقيمان علاقات تعاون ودية، وقد بقيت السلطات الجزائرية بعيدة عن إدانة الحرب المشار إليها. فيما يرى اختصاصيو قطاع الطاقة أن الجزائر، التي تعد من بين الدول العشر الأولى في تصدير الغاز في العالم، لا تستطيع الحلول محل روسيا، وأن زيادة إنتاجها تفترض حصول استثمارات ضخمة في هذا القطاع. لكن الواضح أن استفحال أزمة المحروقات وانعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين الأوروبيين، جعل الجزائر قِبلة للقادة الباحثين عن حلول لتوفير الغاز لصناعاتهم وللاستخدامات المنزلية، تجنباً لحركات احتجاجية على غرار ما عرفته فرنسا مع «السترات الصفراء».
واليوم يُنهي ماكرون زيارته للجزائر من مدينة وهران، حيث أُعد له برنامج ثقافي - فني - رياضي ولقاءات مع شخصيات متنوعة الاهتمامات، وسيعود إلى الجزائر العاصمة للتوقيع على بيان تعاون مشترك بين البلدين.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)
سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبِعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان، ولا سيما بالنسبة لصحة الضحايا النفسية.

ويشهد السودان، منذ أبريل (نيسان) 2023، حرباً ضارية بين الجيش وقوات «الدعم السريع»، أوقعت عشرات الآلاف من القتلى وتسببت بنزوح نحو 11 مليون شخص، وسط تصاعد حادّ في أعمال العنف الجنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكشفت منظمة «أطباء بلا حدود»، في تقرير الشهر الماضي، أنه في الفترة بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طلب ما لا يقل عن 3396 من الناجين من العنف الجنسي، جميعهم تقريباً من النساء والفتيات، الرعاية الصحية في المرافق التي تُدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، مندّدة بهذه الجرائم التي أصبحت «علامة مميّزة» للنزاع في السودان.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن الأرقام المتوافرة لا تمثل، بالتأكيد، سوى «قمة جبل الجليد».

وقالت أفني أمين، مسؤولة وحدة العنف القائم على النوع الاجتماعي بمنظمة الصحة العالمية، إن «الوصول إلى خدمات الدعم بعد التعرض للاغتصاب أمر صعب للغاية»، متحدثة، خلال فعالية نُظّمت، الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بجنيف حول الوضع الإنساني والصحي المُلحّ في السودان.

وأشارت أفني، بشكل خاص، إلى انعدام الأمان وصعوبة الوصول إلى المرافق الصحية العاملة، بالإضافة إلى «الوصمة الشديدة» التي تلاحق الضحايا، ونقص الطواقم الصحية المدرَّبة لرعايتهم.

وقالت: «مقابل كل امرأة تتكلم، هناك، على الأرجح، ثماني أو تسع نساء أخريات تعرضن للاغتصاب وسيعانين في صمت».

السودان سجَّل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم (رويترز)

«لا أمان إطلاقاً»

وصفت نعمت أحمدي، من «مجموعة عمل نساء دارفور»، الظروف المروِّعة التي يعيشها الضحايا في بحثهم عن الرعاية بعد تعرضهم لجرائم اغتصاب جماعي عنيفة تتسبب، في غالب الأحيان، بمضاعفات طبية خطيرة.

وأعربت عن أسفها قائلة إنه حتى في أوقات السلم، لم يكن هناك في دارفور سوى عدد ضئيل من الأطباء يمكنهم التعامل مع مثل هذه الحالات، و«اليوم باتوا غير موجودين تماماً».

كما شددت على أن الذين يضطرون للانتقال إلى مراكز الرعاية لا يحظون بـ«أي أمان على الإطلاق»، مؤكدة أن الضحايا يترددون في طلب العلاج بالمستشفيات المتبقية؛ لأنها غالباً ما تكون تحت سيطرة الأطراف المتحاربة.

ووصفت نعمت أحمدي كيف اقتحم مقاتلون من قوات «الدعم السريع» مستشفى في دارفور وأقدموا على اغتصاب وقتل إحدى العاملات بمجال الصحة فيه.

وأشارت إلى أن هذا الوضع تفاقم مع انسحاب المنظمات الإنسانية الدولية في ظل الأوضاع الأمنية والاقتطاعات الحادة في التمويل الإنساني.

وأوضحت أن هذا الأمر يُرغم الهيئات الصغيرة التي تُديرها النساء، مثل منظمتها، على الكفاح من أجل إيجاد موارد، بينما «يموت الناس».

الانتحار خوفاً من الاغتصاب

وأكدت شوكو أراكاكي، مديرة قسم الاستجابة الإنسانية في صندوق الأمم المتحدة للسكان، أنه من «الأساسيّ للغاية» أن يتلقى ضحايا العنف الجنسي الرعاية السريرية في غضون 72 ساعة.

وأضافت: «لكننا لا نملك خدمات ولا أدوية» في السودان، لافتة كذلك إلى ضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي في ظل ازدياد أعداد الضحايا الذين يعانون مشاكل حادة في الصحة العقلية.

وأقرّت أراكاكي بأن «معدلات الانتحار مرتفعة». ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، قالت أحمدي أيضاً إنها على علم بإقدام عدد كبير من النساء على الانتحار في ولاية الجزيرة جنوب شرقي العاصمة الخرطوم؛ خوفاً من التعرض للاغتصاب.

وقالت أفني أمين إنه «يجب دمج دعم الصحة العقلية»، مشيرة إلى «العواقب الطويلة الأمد»، سواء بالنسبة للضحايا أم للذين يشهدون هذه الفظاعات.

وأضافت: «نحن نعلم من نزاعات أخرى أن التبِعات لا تقتصر على المدى الطويل، بل تنتقل من جيل إلى جيل» منوهة: «علينا أن نستعدّ لذلك».


حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».