سنوات السينما: الأرض (1970) (2 من 2)

سنوات السينما: الأرض (1970) (2 من 2)

الجمعة - 29 محرم 1444 هـ - 26 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15977]
محمود المليجي في مشهد من «الأرض»

الأرض (1970) (2 من 2)
في إحدى الكتابات النقدية عن الفيلم، عرض المؤلّف وضعاً متناقضاً بالقصد. ذكر أن الفيلم ليس عن الهزيمة التي وقعت سنة 1967 ولا عن القضية الفلسطينية، لكن - بعد أسطر خمسة يكتب بأن الفيلم عن الهزيمة وعن فلسطين وعن الصراع الطبقي وعن الحب وعن خيانة المثقفين.
هناك مراجع تؤكد أن المخرج يوسف شاهين ذكر أن «الأرض» مرتبط بالقضية الفلسطينية، كما بالهزيمة التي تعرّضت لها مصر (ودول عربية أخرى) سنة 1967 لكن هذا لا يتبدّى إلا باستنتاج فردي مفتوح على احتمالات. لا علاقة فعلية (ولو متوارية أو موحية) بالهزيمة، ولا بالقضية الفلسطينية. ربما المعنى المقصود في حديث شاهين عن فيلمه، كما في كتابة البعض عنه أيضاً، هو أن الأرض، أي أرض، هي عزيزة على كيان كل من يملكها. وهذا أجدى تفسيراً، لكن شاهين كان دائماً ما يربط بين أفلامه (من «الأرض» وصاعداً) وبين ما حدث سياسياً في مصر أو في العالم العربي. أحب أن يظهر كمؤرخ أو كصاحب نبوءات، لكن في معظم الحالات («العصفور»، «الاختيار» من بين أخرى) الحدث كان قد وقع وبالتالي لا قيمة كبيرة بتوقعه أو تنبؤه.
بين الرغبة في تقديم فيلم سياسي عن مأساة الفلاحين تحت ظلم الإقطاع، وبين تصوير انقساماتهم بين أنفسهم، يتعثّر الفيلم في اعتماد أي حالة هي الأولى والأهم. أي منهما علينا أن نصطف معها أو نعاينها في اعتبار أول... هل الفيلم عن الظلم الإقطاعي في عهد الإنجليز، أو عن جشع بعض القرويين وظلم العمدة والمستفيدين منه؟ كان الأولى اختيار خط عريض أول ثم ثانٍ يلازمه عوض الدوران في حلقة مختلطة تشتت الرسالة المتوخاة من الفيلم.
إذا كانت الرسالة المرغوب إيصالها للمشاهدين هو وصف الحال في الثلاثينات فإن النظرة الملقاة على الفلاحين تبدو محايدة، ولو أنها تتحرك - جيداً - من خلال توزيع المخرج للمفارقات الواردة والدخول والخروج بين حالات وسلوكيات العدد الكافي من الشخصيات، وذلك تبعاً لسياق سردي ثري بالمشاهد الجيدة.
إذ يبدأ الفيلم فصوله بوصول ابن أحد مالكي الأراضي الكبار إلى القرية بصحبة ابنه الصغير يفاجئنا المخرج برغبته في سرد حكاية خلفية تقع بين الولد (الذي لا يزيد عمره عن 13 سنة) وبين الشابة وصفية (نجوى إبراهيم) التي لها اهتمام غير مفهوم المنطلقات، عندما تلتصق بالصبي الصغير ليلاً ثم تهوى فوقه بغاية تقبيل وجهه. بعد ذلك (ونحن لا نرى ما حدث فعلياً) تحذّره من أن يخبر أحداً.
ليس أن الحادثة قد لا تقع لكن تبريرها هنا يأتي بها هنا على أساس احتمال، بصرف النظر عما إذا كانت الحكاية وردت في رواية عبد الرحمن الشرقاوي أو لم ترد. درامياً، المشهد مهم للتعبير عن الكبت العاطفي والجنسي للقرويات، لكن إذا ما كان ذلك صحيحاً ما سبب امتناع وصفية عن صديق أبيها عبد الهادي (عزت العلايلي)؟ فكرة المشهد بين الصبي والفتاة بحد ذاتها صائبة للإيحاء بعاطفة مكبوتة، لكن الفارق في السن بين الاثنين أكبر من أن يُتيح للمشهد أن يبدو طبيعياً أو ناتجاً عن تحرّشات سابقة بينهما.
«الأرض» هو فيلم من أفضل أعمال المخرج العريق. لكنه ليس أفضلها كما الاعتقاد السائد.
يأتي في ركاب محاولة المخرج تقديم فيلم كبير عن قضية كفاح ضد الطبقية خسر الفلاحون فيها كل ما سعوا لتحقيقه. المشهد الأخير لمحمود المليجي الذي يحفر في الأرض، بينما يجره حصان رجل الأمن فاعل وينجح كثيراً كرمز. لكن الفيلم يبدو أشبه بطلقات مصوّبة في اتجاهات كثيرة يجمعها المخرج في أسلوبه الفني المتميّز، على ذلك، تبقى الثغرات المنطقية والدرامية عالقة تبعاً لمشاهدة متحررة من التجاوب مع وجهات النظر السائدة لآخرين.


اختيارات المحرر

فيديو