بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين تتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن واقع النشر وآفاقه عربياً وعالمياً

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
TT

بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)

ترأس الشيخة بدور القاسمي الاتحاد الدولي للناشرين، وهي الرئيسة التنفيذية والمؤسسة لـ«مجموعة كلمات»، التي من أهدافها «التأكيد على أهمية الكتاب، وغرس حب المعرفة والقراءة لدى الأجيال الجديدة من الأطفال واليافعين»، كما قادت من خلال هذه المؤسسة عدداً من الحملات لتوفير آلاف الكتب للأطفال اللاجئين والمتأثرين بالحروب والصراعات والصعوبات في جميع أنحاء العالم.
في إطار رؤيتها تجاه قطاع النشر، أطلقت سلسلة من المبادرات، كان أبرزها تأسيس «PublishHer» في عام 2019 كـ«مبادرة للتواصل والتفاعل لتعزيز دور المرأة في المناصب القيادية لصناعة النشر». وأطلق الاتحاد الدولي للناشرين خلال فترة رئاستها مبادرة «الصندوق الأفريقي للابتكار في النشر» بالتعاون مع «دبي العطاء» لدعم المشروعات التي تهدف لتعزيز التنمية المستدامة والتعليم والنشر في القارة الأفريقية. ومن المبادرات الأخيرة، تأسيس «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين» في مارس (آذار) 2022 بالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
هنا حوار معها عن واقع النشر العربي والدولي وآفاقه المستقبلية، والتطورات التقنية المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة، ومدى استفادة قطاعات النشر من ذلك، ومنها قطاع النشر العربي...

> تؤكدين دائماً أنك مطمئنة على مستقبل النشر، ما أسباب هذا الاطمئنان؟
- دعونا في البداية أن نعرف ونوصّف النشر، كيف نشأ؟ ولأي غاية؟ وما هي محركات نموه الذاتية والموضوعية؟ بالتحليل البسيط نستطيع القول إن الإنسان اخترع النشر ليوثق تجاربه الفردية والمجتمعية، ولكي يحفظ معارفه التي يكتسبها من علاقاته بكل مكونات الحياة، وأيضاً لكي يجد وسيلة يعبر بواسطتها عن إبداعه ومشاعره، ويخاطب من خلالها الآخرين ويتواصل معهم ويوثق علاقاته بهم. والنشر توثيق للذاكرة الإنسانية وتعميمها وأداة لتتناقلها الأجيال، فالبشرية ستعاني كثيراً من دون ذاكرة موثقة، لأنها ستكون بحاجة لمواجهة التجارب من دون خبرة وكأنها تخوضها في كل مرة للمرة الأولى.
استعان البشر قبل النشر برواية الحكاية شفهياً، ثم جاء الورق البدائي، وباختراع الطباعة أصبح الوجدان البشري أكثر تقارباً وتكاملاً، وأصبح للتعليم أدواته ووسائله التي تستند لتجربة تاريخية طويلة، وبشكل عام أصبح النشر مساهماً أساسياً في تحفيز العلم والإبداع وتطوير الأعمال والارتقاء بشكل الوجود الإنساني.
ومع تطور التقنيات، دخلنا مرحلة متقدمة من النشر، فقد أصبح الوصول للكتاب أكثر سهولة، ويمكن تحقيقه عبر الهاتف المحمول أو الجهاز اللّوحي؛ ومن ليس لديه وقت كافٍ للجلوس في المكتبة أو البيت للقراءة، بات بإمكانه الاستفادة من الكتب المسموعة، هذه السهولة أدت إلى زيادة نسبة القراء وارتفاع ساعات القراءة، ورسخت محبة المعرفة لدى الناس، فلا يوجد كتاب في العالم لا يمكن الوصول إليه من أي مكان، حتى محبو الكتب الورقية بإمكانهم الحصول عليها بسهولة من خلال طلبها من على منصات البيع الإلكترونية.
على صعيد آخر، صرنا نشهد تنامياً في أهمية المعرفة العامة والمتخصصة في جميع القطاعات ومختلف المستويات، الأعمال اليوم تعتمد على المواهب والأفكار الإبداعية أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية، وهذه الحالة أكدت أهمية القراءة لتحقيق النجاح الفردي والمؤسساتي والاجتماعي بشكل عام، فمهما كان تخصص الفرد هناك كتب تتناول هذا التخصص، وتضيف كثيراً من المهارات والأفكار للقراء، فالقراءة والمعرفة تخلق الرواد والمبدعين، ونحن في زمن الريادة، وأتذكر هنا كلام «فولتير» عندما سُئِلَ من سيقود الجنس البشري أجاب: «الذين يعرفون كيف يقرؤون».
إن التطورات المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة بشكل عام تذهب لصالح قطاع النشر، في تقرير لموقع «The Business Research Company» من المتوقع أن ينمو حجم سوق النشر العالمي من 84.54 مليار دولار في عام 2021 إلى 89.25 مليار دولار في عام 2022، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.6 في المائة. والتقرير نفسه أشار إلى أنه من المتوقع أن يصل سوق النشر إلى 105.27 مليار دولار في عام 2026 بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 4.2 في المائة، وهذا معدل يتفوق على كثير من القطاعات.
> لكن ما هي مساحة قطاع النشر العربي؟ وما التحديات الذي تواجه الناشرين العرب؟
- في البداية لا بد من التأكيد على حقيقة أن انفتاح الأسواق وتطور تقنيات التواصل ومنافذ البيع الإلكترونية، والكتاب الصوتي والإلكتروني، وما ترافق معها من تداخل في الأعمال، وتنقل للمهارات والشركات والمؤسسات بين القارات والدول، جميعها تؤسس بشكل تدريجي لمجتمع نشر عالمي موحد، ولن يكون مجتمع النشر العربي بمنأى عنه، وسيستفيد من كل مقومات النمو التي ذكرناها سابقاً.
كما تجب الإشارة إلى أن تجربة النشر العربي ثرية ومهمة جداً، نتيجة التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت مسار النشر وما أحدثته التطورات والتحولات على الرواية والشعر والقصة، ونمتلك في الوطن العربي أسماء ثقافية كبيرة نفخر ونعتز بها، وناشرين لهم بصمات واضحة على المشهد الثقافي العربي بشكل عام، وهذا يعني أن للقطاع تراثه وجذوره التي يمكن البناء عليها لتحقيق مزيد من التطور.
لكن من أجل ضمان التطور، لا بد من تحديد التحديات وحشد الجهود لمواجهتها، فخلال السنوات الماضية شهد مجتمع النشر العربي حراكاً نشطاً ونقاشات داخلية أدت إلى مزيد من التأكيد على دور مجتمع النشر في تحفيز الحالة الثقافية والإبداعية بشكل خاص، ودعم مساعي التنمية للمجتمعات العربية بشكل عام، من خلال تعزيز مساهمة القطاعات الإبداعية، وتفيد الدراسات أنه يشكل نسبة 10 في المائة من حجم مداخيل الدول المتقدمة.
ومن خلال أنشطتي وزياراتي رئيسةً للاتحاد الدولي للناشرين، التقيت بعدد كبير من الناشرين في السعودية والمغرب وتونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، وكان المشترك في حواراتي معهم جميعاً هو الشغف بالعمل والابتكار وتطوير قطاع النشر وأدواته والاستثمار في المواهب المحلية وتشجيع المحتوى المحلي.
وفي المقابل، لمسنا قلقاً من التحديات التي تواجههم، وبشكل خاص حماية الملكية الفكرية ومخاطر القرصنة الإلكترونية، وذلك في ظل تنامي النشر الرقمي، وتزايد قدرات القراصنة على اختراق مواقع النشر الرسمية ذات المصداقية. كل تقدم علمي يمكن أن تكون له سلبيات، لكننا على ثقة بإمكانية معالجتها والحد من آثارها بالعمل وفق خطط مستدامة ومتصاعدة، ولعل أول خطوة لمواجهة هذا التحدي هي تنفيذ حملات مكافحة القرصنة تشمل جميع الأطراف في عملية النشر بما فيها الجمهور، بل يجب التركيز على توعية وتثقيف الجمهور بمخاطر القرصنة واستعمال الكتب التي يتم الاستيلاء عليها بالطرق غير القانونية، وأنا على ثقة أن وعي الجمهور سيشكل سياجاً حصيناً يحمي الناشرين والمؤلفين وحقوقهم، فهذا القطاع وجد لخدمة المصالح العليا للمجتمعات ودعم المساعي نحو التنمية والازدهار والتقدم.
وتوجد حاجة أيضاً إلى سن مزيد من القوانين والتشريعات الصارمة، ويجب أن تكون تداعيات القرصنة وخيمة على من يخالفون القوانين والمواثيق، ويتعدون على حقوق المؤلف والناشر ويتجاوزن أنظمة الحفاظ على الملكية الفكرية، فمثلما استطاعت البلدان والحكومات أن تحد كثيراً من الجنح والجرائم بالقوانين والإجراءات الصارمة، يجب التعامل بحزم مع قضايا القرصنة.
ويضاف إلى ذلك أهمية رصد عمليات القرصنة وجمع البيانات اللازمة لتحسين وتطوير آليات النشر الإلكتروني الشرعية، وهذا يستوجب التعاون الجاد بين أصحاب المصلحة كافة ليكونوا عيون المعرفة وضميرها وحراسها.
في هذا السياق، يهمني أن أؤكد دائماً على حقيقة أن التحديات تقود التطور. فالتحديات تحثّنا على الاكتشاف والتطور وابتكار سبل جديدة للعمل، وهذا كان واضحاً خلال الجائحة، حيث أبدع الناشرون في كثير من البلدان مبادرات وفعاليات وآليات عمل للحفاظ على مكانة النشر ووظيفته، وكان «الاتحاد الدولي للناشرين» نموذجاً لإبداع الحلول والتكيف والتطور للتغلب على تحديات الجائحة، فكما شهدنا أطلق الاتحاد كثيراً من المبادرات في تلك المرحلة، مثل تقرير «من جهود التصدي للجائحة إلى التعافي منها»، هذا التقرير الذي كان بمثابة حشد لجميع آراء الناشرين وتصوراتهم للتعاون من أجل تخطي آثار الجائحة.
وبالإضافة إلى العمل على مواجهة التحديات، هناك حاجة ماسة لتعزيز ركيزتين أساسيتين، الأولى هي تعلم المهارات الحديثة، التي تشمل استخدام الأدوات الرقمية في الإنتاج والتسويق وبناء الشراكات، أما الثانية فهي تنشيط حركة الترجمة من العربية للغات الأخرى، لإيصال الكتاب العربي إلى المجتمعات الأخرى باختلاف ثقافاتها ولغاتها.
إن الترجمة هي نوافذ الثقافة والمعرفة والوجدان المفتوحة على فضاء العالم، وهي ليست فقط لرفع مبيعات الكتب المحلية في الأسواق العالمية، لكنها تخدم أيضاً مساعي العالم نحو الاستقرار والتفهم للاختلاف والتعاون على مواجهة التحديات المشتركة، لهذا لا يمكن لنا أن نرى قطاع النشر من دون حركة ترجمة نشطة وذات حرفية عالية. الأمر الذي يتطلب من المجتمع الثقافي العربي والمؤسسات الرسمية التعاون من أجل تنظيم حركة ترجمة مستدامة، لها استراتيجيتها ورؤيتها التي تتمحور حول ترسيخ الثقافة العربية وقيمها ومبادئها في ساحة المعرفة العالمية.
ومن أجل أن تؤدي الترجمة وظيفتها بشكل مستدام، لا بد من توفير قاعدة بيانات حول الإصدارات الجديدة ومحتواها وتخصصها وكافة المعلومات المطلوبة عنها، كذلك يجب ترسيخ العلاقة بين الناشرين والمترجمين وتنظيم العلاقة بينهما بحيث يصبح التواصل والتنسيق مستداماً، كل ذلك إلى جانب بناء الشراكات الدولية والتعرف على احتياجات الجمهور من مختلف الثقافات وفهم رغباته وميوله الفكرية.
> أعلنتم مؤخراً عن تأسيس وإطلاق «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، ما هي الأفكار والدوافع التي أدت إلى ولادة هذا المنجز النوعي؟
- لقد شكلت السنتان الماضيتان نقطة تحول في مجتمع النشر، وبرزت الحاجة إلى مهارات جديدة تمنح الناشرين قوة ذاتية للاستمرار مهما اختلفت الظروف، وقد أكدت الأزمة الصحية العالمية حاجة الناشرين إلى تبني مزيد من المهارات التي لها علاقة بمنظومة النشر المتكاملة.
أسست هذه الحاجة البحث والنقاش داخل «الاتحاد الدولي للناشرين»، وبيني وبين أكثر من 150 من كبار المسؤولين والمديرين التنفيذيين في صناعة النشر في أكثر من 40 دولة يمثلون القطاعات والمجالات كافة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنشر، وتضمن ذلك دور النشر، والموزعين، والمؤلفين، والمعلمين، ومعارض الكتب، ودعاة الثقافة والمعرفة، ونشطاء حرية التعبير.
وخلصت هذه النقاشات إلى ضرورة تأسيس أداة تعليمية مستدامة، توفر الدعم المعرفي للناشرين وتطور مهاراتهم وتساعدهم على التكيف الإيجابي مع المتغيرات التي يشهدها القطاع، والقطاعات الأخرى، سواء أكانت ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، فقد أردنا أن يكون لدى كل ناشر في العالم فرصة تطوير مهاراته في النشر والتسويق الإلكتروني والكتب الصوتية والميسرة، إلى جانب التعرف على مستجدات القطاع والاطلاع على التجارب وفهم رغبات القراء وميولهم.
كانت النتيجة من كل ذلك هي «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، التي أعلنّا عنها في 7 مارس 2022 برعاية «هيئة الشارقة للكتاب»، وبالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
وتوفر الأكاديمية، المتاحة لنحو 15 ألف ناشر من أعضاء الاتحاد، من أكثر من 70 دولة، مجموعة من الدورات والحوارات الافتراضية المجانية لأعضاء الاتحاد.
نحن نؤكد دوماً على أهمية التعلم مدى الحياة، إذا كان قطاع النشر هو قطاع للتعليم والتثقيف والتوعية، فيجب أن يبدأ بهذه المهمة داخلياً.
> تؤكدين دائماً على أهمية تمكين المرأة في قطاع النشر، كيف ترين مكانة المرأة في القطاع؟ وكيف يمكن تعزيزها لتصبح أكثر تأثيراً؟
- أنا أؤمن بأن دعم مساعي الأمم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحقيق طموحات الشعوب في الاستقرار والازدهار، يحتاج إلى توفير عدة اشتراطات، في مقدمتها أن تستند عملية التنمية للمعرفة العلمية، وأن تمتلك رؤية إنسانية عامة، وهذا يعني أن قطاع النشر مساهم أساسي في توفير القاعدة المعرفية والرؤية الإنسانية المشتركة للعمل والإنتاج والتقدم.
أما الاشتراط الثاني فهو مساهمة المرأة بشكل كامل وشامل في التنمية، فنحن نتحدث هنا عن نحو نصف ما تمتلكه البشرية من طاقات وإبداعات ومواهب، والمرأة طاقة إبداع أثبتت كفاءتها في المجالات كافة، ولو نظرنا للبلدان التي تعاني من تباطؤ عملية التنمية، فسنجد أن مساهمة المرأة هناك محدودة وغير كافية. إلى جانب ذلك، فإن العمل والإنتاج والشراكة في بناء الحضارات هو حق إنساني طبيعي للجميع لا يجوز الانتقاص منه أو تحديده.
على هذه الرؤية، بنيت توجهاتي واستراتيجياتي في دعم تمكين المرأة داخل مجتمع النشر، وفي العام 2019 أعلنت عن إطلاق PublisHer، التي بدأت أعمالها قمة تجمع الناشرات والمختصات في شؤون المرأة والعمل والتنمية والثقافة من مختلف دول العالم لمشاركة الآراء حول تمكين المرأة في قطاع النشر على وجه الخصوص.
ثم بعد ذلك أدركت أننا بحاجة إلى منصة مستدامة للقيام بهذه المهمة، وأن عقد قمة مرة واحدة في السنة لا يكفي، فتحولت PublisHer إلى منصة تعمل على تعزيز التضامن، والتنوع، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والمساواة في قطاع النشر، لتمكين الناشرات وإدماجهن في مجتمع النشر ومساعدتهن على تبادل الأفكار، وإبرام الشراكات، والمشاركة في المبادرات الجديدة التي تتناول سبل تعزيز التنوّع والاندماج والعدالة في صناعة النشر. قطاع النشر بوصفه مصدراً للمعرفة، ينبغي أن يكون نموذجاً للعدالة في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين، وأنا على ثقة بأن المرأة سترسخ مكانتها في هذا القطاع، كما حققت مكانتها كاتبة وأديبة وصاحبة دار نشر وغيرها من الوظائف التي تعتبر أساسية للقطاع بشكل عام.


مقالات ذات صلة

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.