بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين تتحدث لـ {الشرق الأوسط} عن واقع النشر وآفاقه عربياً وعالمياً

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
TT

بدور القاسمي: لا بد من تعلم المهارات الحديثة وتنشيط ترجمة الكتاب العربي

الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)
الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين (تصوير: إيفانا ماجليوني)

ترأس الشيخة بدور القاسمي الاتحاد الدولي للناشرين، وهي الرئيسة التنفيذية والمؤسسة لـ«مجموعة كلمات»، التي من أهدافها «التأكيد على أهمية الكتاب، وغرس حب المعرفة والقراءة لدى الأجيال الجديدة من الأطفال واليافعين»، كما قادت من خلال هذه المؤسسة عدداً من الحملات لتوفير آلاف الكتب للأطفال اللاجئين والمتأثرين بالحروب والصراعات والصعوبات في جميع أنحاء العالم.
في إطار رؤيتها تجاه قطاع النشر، أطلقت سلسلة من المبادرات، كان أبرزها تأسيس «PublishHer» في عام 2019 كـ«مبادرة للتواصل والتفاعل لتعزيز دور المرأة في المناصب القيادية لصناعة النشر». وأطلق الاتحاد الدولي للناشرين خلال فترة رئاستها مبادرة «الصندوق الأفريقي للابتكار في النشر» بالتعاون مع «دبي العطاء» لدعم المشروعات التي تهدف لتعزيز التنمية المستدامة والتعليم والنشر في القارة الأفريقية. ومن المبادرات الأخيرة، تأسيس «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين» في مارس (آذار) 2022 بالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
هنا حوار معها عن واقع النشر العربي والدولي وآفاقه المستقبلية، والتطورات التقنية المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة، ومدى استفادة قطاعات النشر من ذلك، ومنها قطاع النشر العربي...

> تؤكدين دائماً أنك مطمئنة على مستقبل النشر، ما أسباب هذا الاطمئنان؟
- دعونا في البداية أن نعرف ونوصّف النشر، كيف نشأ؟ ولأي غاية؟ وما هي محركات نموه الذاتية والموضوعية؟ بالتحليل البسيط نستطيع القول إن الإنسان اخترع النشر ليوثق تجاربه الفردية والمجتمعية، ولكي يحفظ معارفه التي يكتسبها من علاقاته بكل مكونات الحياة، وأيضاً لكي يجد وسيلة يعبر بواسطتها عن إبداعه ومشاعره، ويخاطب من خلالها الآخرين ويتواصل معهم ويوثق علاقاته بهم. والنشر توثيق للذاكرة الإنسانية وتعميمها وأداة لتتناقلها الأجيال، فالبشرية ستعاني كثيراً من دون ذاكرة موثقة، لأنها ستكون بحاجة لمواجهة التجارب من دون خبرة وكأنها تخوضها في كل مرة للمرة الأولى.
استعان البشر قبل النشر برواية الحكاية شفهياً، ثم جاء الورق البدائي، وباختراع الطباعة أصبح الوجدان البشري أكثر تقارباً وتكاملاً، وأصبح للتعليم أدواته ووسائله التي تستند لتجربة تاريخية طويلة، وبشكل عام أصبح النشر مساهماً أساسياً في تحفيز العلم والإبداع وتطوير الأعمال والارتقاء بشكل الوجود الإنساني.
ومع تطور التقنيات، دخلنا مرحلة متقدمة من النشر، فقد أصبح الوصول للكتاب أكثر سهولة، ويمكن تحقيقه عبر الهاتف المحمول أو الجهاز اللّوحي؛ ومن ليس لديه وقت كافٍ للجلوس في المكتبة أو البيت للقراءة، بات بإمكانه الاستفادة من الكتب المسموعة، هذه السهولة أدت إلى زيادة نسبة القراء وارتفاع ساعات القراءة، ورسخت محبة المعرفة لدى الناس، فلا يوجد كتاب في العالم لا يمكن الوصول إليه من أي مكان، حتى محبو الكتب الورقية بإمكانهم الحصول عليها بسهولة من خلال طلبها من على منصات البيع الإلكترونية.
على صعيد آخر، صرنا نشهد تنامياً في أهمية المعرفة العامة والمتخصصة في جميع القطاعات ومختلف المستويات، الأعمال اليوم تعتمد على المواهب والأفكار الإبداعية أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية، وهذه الحالة أكدت أهمية القراءة لتحقيق النجاح الفردي والمؤسساتي والاجتماعي بشكل عام، فمهما كان تخصص الفرد هناك كتب تتناول هذا التخصص، وتضيف كثيراً من المهارات والأفكار للقراء، فالقراءة والمعرفة تخلق الرواد والمبدعين، ونحن في زمن الريادة، وأتذكر هنا كلام «فولتير» عندما سُئِلَ من سيقود الجنس البشري أجاب: «الذين يعرفون كيف يقرؤون».
إن التطورات المتسارعة وما تحدثه من تحولات نوعية في ثقافة العمل والحياة بشكل عام تذهب لصالح قطاع النشر، في تقرير لموقع «The Business Research Company» من المتوقع أن ينمو حجم سوق النشر العالمي من 84.54 مليار دولار في عام 2021 إلى 89.25 مليار دولار في عام 2022، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.6 في المائة. والتقرير نفسه أشار إلى أنه من المتوقع أن يصل سوق النشر إلى 105.27 مليار دولار في عام 2026 بمعدل نمو سنوي مركب نسبته 4.2 في المائة، وهذا معدل يتفوق على كثير من القطاعات.
> لكن ما هي مساحة قطاع النشر العربي؟ وما التحديات الذي تواجه الناشرين العرب؟
- في البداية لا بد من التأكيد على حقيقة أن انفتاح الأسواق وتطور تقنيات التواصل ومنافذ البيع الإلكترونية، والكتاب الصوتي والإلكتروني، وما ترافق معها من تداخل في الأعمال، وتنقل للمهارات والشركات والمؤسسات بين القارات والدول، جميعها تؤسس بشكل تدريجي لمجتمع نشر عالمي موحد، ولن يكون مجتمع النشر العربي بمنأى عنه، وسيستفيد من كل مقومات النمو التي ذكرناها سابقاً.
كما تجب الإشارة إلى أن تجربة النشر العربي ثرية ومهمة جداً، نتيجة التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت مسار النشر وما أحدثته التطورات والتحولات على الرواية والشعر والقصة، ونمتلك في الوطن العربي أسماء ثقافية كبيرة نفخر ونعتز بها، وناشرين لهم بصمات واضحة على المشهد الثقافي العربي بشكل عام، وهذا يعني أن للقطاع تراثه وجذوره التي يمكن البناء عليها لتحقيق مزيد من التطور.
لكن من أجل ضمان التطور، لا بد من تحديد التحديات وحشد الجهود لمواجهتها، فخلال السنوات الماضية شهد مجتمع النشر العربي حراكاً نشطاً ونقاشات داخلية أدت إلى مزيد من التأكيد على دور مجتمع النشر في تحفيز الحالة الثقافية والإبداعية بشكل خاص، ودعم مساعي التنمية للمجتمعات العربية بشكل عام، من خلال تعزيز مساهمة القطاعات الإبداعية، وتفيد الدراسات أنه يشكل نسبة 10 في المائة من حجم مداخيل الدول المتقدمة.
ومن خلال أنشطتي وزياراتي رئيسةً للاتحاد الدولي للناشرين، التقيت بعدد كبير من الناشرين في السعودية والمغرب وتونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، وكان المشترك في حواراتي معهم جميعاً هو الشغف بالعمل والابتكار وتطوير قطاع النشر وأدواته والاستثمار في المواهب المحلية وتشجيع المحتوى المحلي.
وفي المقابل، لمسنا قلقاً من التحديات التي تواجههم، وبشكل خاص حماية الملكية الفكرية ومخاطر القرصنة الإلكترونية، وذلك في ظل تنامي النشر الرقمي، وتزايد قدرات القراصنة على اختراق مواقع النشر الرسمية ذات المصداقية. كل تقدم علمي يمكن أن تكون له سلبيات، لكننا على ثقة بإمكانية معالجتها والحد من آثارها بالعمل وفق خطط مستدامة ومتصاعدة، ولعل أول خطوة لمواجهة هذا التحدي هي تنفيذ حملات مكافحة القرصنة تشمل جميع الأطراف في عملية النشر بما فيها الجمهور، بل يجب التركيز على توعية وتثقيف الجمهور بمخاطر القرصنة واستعمال الكتب التي يتم الاستيلاء عليها بالطرق غير القانونية، وأنا على ثقة أن وعي الجمهور سيشكل سياجاً حصيناً يحمي الناشرين والمؤلفين وحقوقهم، فهذا القطاع وجد لخدمة المصالح العليا للمجتمعات ودعم المساعي نحو التنمية والازدهار والتقدم.
وتوجد حاجة أيضاً إلى سن مزيد من القوانين والتشريعات الصارمة، ويجب أن تكون تداعيات القرصنة وخيمة على من يخالفون القوانين والمواثيق، ويتعدون على حقوق المؤلف والناشر ويتجاوزن أنظمة الحفاظ على الملكية الفكرية، فمثلما استطاعت البلدان والحكومات أن تحد كثيراً من الجنح والجرائم بالقوانين والإجراءات الصارمة، يجب التعامل بحزم مع قضايا القرصنة.
ويضاف إلى ذلك أهمية رصد عمليات القرصنة وجمع البيانات اللازمة لتحسين وتطوير آليات النشر الإلكتروني الشرعية، وهذا يستوجب التعاون الجاد بين أصحاب المصلحة كافة ليكونوا عيون المعرفة وضميرها وحراسها.
في هذا السياق، يهمني أن أؤكد دائماً على حقيقة أن التحديات تقود التطور. فالتحديات تحثّنا على الاكتشاف والتطور وابتكار سبل جديدة للعمل، وهذا كان واضحاً خلال الجائحة، حيث أبدع الناشرون في كثير من البلدان مبادرات وفعاليات وآليات عمل للحفاظ على مكانة النشر ووظيفته، وكان «الاتحاد الدولي للناشرين» نموذجاً لإبداع الحلول والتكيف والتطور للتغلب على تحديات الجائحة، فكما شهدنا أطلق الاتحاد كثيراً من المبادرات في تلك المرحلة، مثل تقرير «من جهود التصدي للجائحة إلى التعافي منها»، هذا التقرير الذي كان بمثابة حشد لجميع آراء الناشرين وتصوراتهم للتعاون من أجل تخطي آثار الجائحة.
وبالإضافة إلى العمل على مواجهة التحديات، هناك حاجة ماسة لتعزيز ركيزتين أساسيتين، الأولى هي تعلم المهارات الحديثة، التي تشمل استخدام الأدوات الرقمية في الإنتاج والتسويق وبناء الشراكات، أما الثانية فهي تنشيط حركة الترجمة من العربية للغات الأخرى، لإيصال الكتاب العربي إلى المجتمعات الأخرى باختلاف ثقافاتها ولغاتها.
إن الترجمة هي نوافذ الثقافة والمعرفة والوجدان المفتوحة على فضاء العالم، وهي ليست فقط لرفع مبيعات الكتب المحلية في الأسواق العالمية، لكنها تخدم أيضاً مساعي العالم نحو الاستقرار والتفهم للاختلاف والتعاون على مواجهة التحديات المشتركة، لهذا لا يمكن لنا أن نرى قطاع النشر من دون حركة ترجمة نشطة وذات حرفية عالية. الأمر الذي يتطلب من المجتمع الثقافي العربي والمؤسسات الرسمية التعاون من أجل تنظيم حركة ترجمة مستدامة، لها استراتيجيتها ورؤيتها التي تتمحور حول ترسيخ الثقافة العربية وقيمها ومبادئها في ساحة المعرفة العالمية.
ومن أجل أن تؤدي الترجمة وظيفتها بشكل مستدام، لا بد من توفير قاعدة بيانات حول الإصدارات الجديدة ومحتواها وتخصصها وكافة المعلومات المطلوبة عنها، كذلك يجب ترسيخ العلاقة بين الناشرين والمترجمين وتنظيم العلاقة بينهما بحيث يصبح التواصل والتنسيق مستداماً، كل ذلك إلى جانب بناء الشراكات الدولية والتعرف على احتياجات الجمهور من مختلف الثقافات وفهم رغباته وميوله الفكرية.
> أعلنتم مؤخراً عن تأسيس وإطلاق «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، ما هي الأفكار والدوافع التي أدت إلى ولادة هذا المنجز النوعي؟
- لقد شكلت السنتان الماضيتان نقطة تحول في مجتمع النشر، وبرزت الحاجة إلى مهارات جديدة تمنح الناشرين قوة ذاتية للاستمرار مهما اختلفت الظروف، وقد أكدت الأزمة الصحية العالمية حاجة الناشرين إلى تبني مزيد من المهارات التي لها علاقة بمنظومة النشر المتكاملة.
أسست هذه الحاجة البحث والنقاش داخل «الاتحاد الدولي للناشرين»، وبيني وبين أكثر من 150 من كبار المسؤولين والمديرين التنفيذيين في صناعة النشر في أكثر من 40 دولة يمثلون القطاعات والمجالات كافة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالنشر، وتضمن ذلك دور النشر، والموزعين، والمؤلفين، والمعلمين، ومعارض الكتب، ودعاة الثقافة والمعرفة، ونشطاء حرية التعبير.
وخلصت هذه النقاشات إلى ضرورة تأسيس أداة تعليمية مستدامة، توفر الدعم المعرفي للناشرين وتطور مهاراتهم وتساعدهم على التكيف الإيجابي مع المتغيرات التي يشهدها القطاع، والقطاعات الأخرى، سواء أكانت ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية، فقد أردنا أن يكون لدى كل ناشر في العالم فرصة تطوير مهاراته في النشر والتسويق الإلكتروني والكتب الصوتية والميسرة، إلى جانب التعرف على مستجدات القطاع والاطلاع على التجارب وفهم رغبات القراء وميولهم.
كانت النتيجة من كل ذلك هي «أكاديمية الاتحاد الدولي للناشرين»، التي أعلنّا عنها في 7 مارس 2022 برعاية «هيئة الشارقة للكتاب»، وبالتعاون مع «مركز النشر» التابع لكلية الدراسات المهنية في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، و«مركز أكسفورد العالمي للنشر»، و«المركز التدريبي للنشر» في المملكة المتحدة.
وتوفر الأكاديمية، المتاحة لنحو 15 ألف ناشر من أعضاء الاتحاد، من أكثر من 70 دولة، مجموعة من الدورات والحوارات الافتراضية المجانية لأعضاء الاتحاد.
نحن نؤكد دوماً على أهمية التعلم مدى الحياة، إذا كان قطاع النشر هو قطاع للتعليم والتثقيف والتوعية، فيجب أن يبدأ بهذه المهمة داخلياً.
> تؤكدين دائماً على أهمية تمكين المرأة في قطاع النشر، كيف ترين مكانة المرأة في القطاع؟ وكيف يمكن تعزيزها لتصبح أكثر تأثيراً؟
- أنا أؤمن بأن دعم مساعي الأمم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتحقيق طموحات الشعوب في الاستقرار والازدهار، يحتاج إلى توفير عدة اشتراطات، في مقدمتها أن تستند عملية التنمية للمعرفة العلمية، وأن تمتلك رؤية إنسانية عامة، وهذا يعني أن قطاع النشر مساهم أساسي في توفير القاعدة المعرفية والرؤية الإنسانية المشتركة للعمل والإنتاج والتقدم.
أما الاشتراط الثاني فهو مساهمة المرأة بشكل كامل وشامل في التنمية، فنحن نتحدث هنا عن نحو نصف ما تمتلكه البشرية من طاقات وإبداعات ومواهب، والمرأة طاقة إبداع أثبتت كفاءتها في المجالات كافة، ولو نظرنا للبلدان التي تعاني من تباطؤ عملية التنمية، فسنجد أن مساهمة المرأة هناك محدودة وغير كافية. إلى جانب ذلك، فإن العمل والإنتاج والشراكة في بناء الحضارات هو حق إنساني طبيعي للجميع لا يجوز الانتقاص منه أو تحديده.
على هذه الرؤية، بنيت توجهاتي واستراتيجياتي في دعم تمكين المرأة داخل مجتمع النشر، وفي العام 2019 أعلنت عن إطلاق PublisHer، التي بدأت أعمالها قمة تجمع الناشرات والمختصات في شؤون المرأة والعمل والتنمية والثقافة من مختلف دول العالم لمشاركة الآراء حول تمكين المرأة في قطاع النشر على وجه الخصوص.
ثم بعد ذلك أدركت أننا بحاجة إلى منصة مستدامة للقيام بهذه المهمة، وأن عقد قمة مرة واحدة في السنة لا يكفي، فتحولت PublisHer إلى منصة تعمل على تعزيز التضامن، والتنوع، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والمساواة في قطاع النشر، لتمكين الناشرات وإدماجهن في مجتمع النشر ومساعدتهن على تبادل الأفكار، وإبرام الشراكات، والمشاركة في المبادرات الجديدة التي تتناول سبل تعزيز التنوّع والاندماج والعدالة في صناعة النشر. قطاع النشر بوصفه مصدراً للمعرفة، ينبغي أن يكون نموذجاً للعدالة في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين، وأنا على ثقة بأن المرأة سترسخ مكانتها في هذا القطاع، كما حققت مكانتها كاتبة وأديبة وصاحبة دار نشر وغيرها من الوظائف التي تعتبر أساسية للقطاع بشكل عام.


مقالات ذات صلة

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس
TT

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ستيفانوس جيرولانوس
ستيفانوس جيرولانوس

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة. يهرع القرّاء في أنحاء المعمورة إلى اقتناء مؤلفات كتّاب أمثال ستيفن بينكر ويوفال نوح هراري، باحثين في دهاليز عصور الصيد والجمع السحيقة عن إجابات لأسئلة الحاضر المقلقة. لكن المؤرخ البارز ستيفانوس جيرولانوس، أستاذ التاريخ بجامعة نيويورك ومدير معهد ريمارك، يقتحم هذا المشهد بكتابه المثير للجدل: «اختراع ما قبل التاريخ: الإمبراطورية، والعنف، وهوسنا بأصول البشر»*، مجادلاً بأن ما نسميه «ما قبل التاريخ» ليس مجرد حقبة زمنية غابرة نكتشفها بالمعاول، بقدر ما هو اختراع فكري وُلد في قلب عصر التنوير الأوروبي، وظل يُستخدم منذ ذلك الحين أداةً آيديولوجية لتمرير سياسات الاستعمار، وتبرير العنصرية، بل حتى الإبادة الجماعية. وخلاصة قوله إن كل ما نظنه عن الإنسان الأول يعكس مخاوفنا وطموحاتنا الآنيّة أكثر مما ينبئ عن حقيقة الماضي البعيد، فكأنما حوَّلنا العلم إلى مرآة نرجسية نحدق فيها فلا نرى إلا ما نريد.

غلاف الكتاب

تبدأ رحلة الكتاب الاستقصائية من منتصف القرن الثامن عشر، على حافة تلك اللحظة الحرجة التي بدأ فيها العقل الأوروبي فك ارتباطه بالسردية الدينية للخلق الأول. فقبل ذلك الزمن، كان الكتاب المقدس يوفر تسلسلاً زمنياً قصيراً وواضحاً للوجود البشري. ومع تمدد الرقعة الاستعمارية، وجد الأوروبيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام شعوب في الأميركتين وأفريقيا لم يرد لهم ذكر في النص المقدس، فانبثقت أسئلة وجودية شائكة: من أين أتى هؤلاء؟ عندئذ وُلدت فكرة «حالة الطبيعة». ويشرح جيرولانوس كيف أن فلاسفة مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو إنما صاغوا تصورات خيالية عن الإنسان الأول بهدف تدعيم نظرياتهم السياسية فحسب. ففي تصور هوبز، كان الإنسان الأول غارقاً في صراع دائم، «حرب الكل ضد الكل»، مما شرعن الحاجة إلى سلطة استبدادية تحمي البشر من غرائزهم. أما روسو فقد ابتدع أسطورة «الهمجي النبيل» الذي أفسدته الحضارة، وقيدت فطرتَه الملكيةُ الخاصة.

ولم تلبث هذه التصورات أن تجاوزت كونها جدالات نظرية في صالونات باريس ولندن، لتتحول إلى ما يشبه بياناً استعمارياً. فقد صُنفت الشعوب الأصلية على أنهم «بشر يعيشون في حالة الطبيعة»، بمعنى أنهم يجسدون طفولة الجنس البشري التي تسبق التاريخ المدون. وقد منح هذا التصنيف الرجل الأبيض صفة الإنسان «البالغ» العقلاني، وجعل من السطو على أراضي الغير «مهمة حضارية» راقية تهدف إلى تهذيب هؤلاء «الأطفال» أو إزاحتهم إذا هم أبوا الانصياع لقوانين التقدم.

ومع بزوغ القرن التاسع عشر، انتقل الهوس بما قبل التاريخ من حقل الفلسفة إلى مجالات الجيولوجيا وعلم الأحياء. وقد أدى اكتشاف الطبقات الأرضية والحفريات، ثم طرح نظرية التطور الداروينية، إلى تكريس مفهوم «الزمن العميق». وهكذا، تمدد عمر البشرية من آلاف السنين الضيقة وفق الرواية التوراتية إلى ملايين السنين المترامية. غير أن هذا الكشف العلمي الهائل سرعان ما سقط في شرك التراتبية العرقية. ويصف جيرولانوس كيف تضافرت جهود الأنثروبولوجيا مع علوم الحفريات لتكريس فكرة أن البشرية تمر بمراحل حتمية للتطور: من «الهمجية» في العصر الحجري، إلى «البربرية» في العصر البرونزي، ووصولاً إلى «الحضارة» في العصر الحديدي وما تلاه، ويرى أن هذا التقسيم الثلاثي الشهير تجاوز مجرد توصيف الأدوات ليصبح حكماً قيمياً على الأمم، حيث صُوِّر السكان الأصليون في المستعمرات بوصفهم حفريات حية، أو بقايا بشرية تجمدت في الزمن.

لقد استُخدم شعار «البقاء للأصلح» لتبرير العنف الإمبراطوري. فإذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي، فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له. ويقتبس جيرولانوس عبارات صادمة من قادة عسكريين ومنظّرين رأوا في إبادة شعوب بأكملها مجرد عملية بيولوجية محضة، لا تختلف عن انقراض أنواع حيوانية لصالح أنواع أكثر كفاءة وقدرة على التكيف.

ولعل من أمتع فصول الكتاب ذلك الذي يتناول إنسان «النياندرتال»، حيث يتتبع جيرولانوس تغيرات صورته عبر العقود لتلبية أجندات سياسية راهنة. في البدء، صور إنسان نياندرتال كوحش غبي ومنحني الظهر لتأكيد تفوق الإنسان العاقل (الهوموسابين). أما اليوم، فنشهد إعادة رسم لملامحه بمواصفات أوروبية، شقراء وزرقاء العينين، حتى لقد باتت بعض جماعات اليمين المتطرف في الغرب تتخذه رمزاً لـ«العرق الأبيض الأصلي» المهدَّد في بقائه بفعل الهجرة. كما يسلط الكتاب الضوء على مفهوم «قشرة الحضارة الرقيقة»، تلك الفكرة التي شاعت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي تزعم أن الإنسان الحديث لا يزال يضمر في أعماقه ذلك «الهمجي» الذي تحكمه الغريزة والعنف. وقد استثمرت الدول هذه الفكرة لتبرير وحشيتها في الحروب؛ فما دام أن «الإنسان عدواني بطبعه» منذ عصور ما قبل التاريخ، فإن ممارسة العنف ما هي إلا عودة حتمية إلى «الحقيقة» البشرية المدفونة، فيغدو مفهوم ما قبل التاريخ شماعة نعلق عليها كوارثنا السياسية المصنوعة بأيدينا.

لا يكتفي جيرولانوس بالغوص في الماضي، بل يوجه سهام نقده اللاذع إلى المشهد الثقافي المعاصر، مهاجماً بحدة ظاهرة «التاريخ الكبير» التي يمثلها يوفال نوح هراري في كتابه «الإنسان العاقل: تاريخ مختصر للجنس البشري». يرى جيرولانوس أن هؤلاء الكتاب يمارسون نوعاً من «الحكواتية العلمية»؛ إذ ينتقون حقائق منتزعة من سياقاتها في علم الوراثة والآثار لبناء روايات شمولية تبدو مقنعة ظاهرياً، غير أنها تفتقر إلى العمق التاريخي المنهجي وتعيد إنتاج الخطيئة الفكرية ذاتها: إيهامنا بأن الطبيعة البشرية ثابتة ومحددة سلفاً منذ مئات آلاف السنين. وهذا الضرب من التفكير، وفقاً لجيرولانوس، يقتل الفعل السياسي في مهده، ويوظف «علوم الأصول» بوصفه أداة لشرعنة الأوضاع القائمة، وإجهاض أي رغبة في التغيير. فإذا كانت الرأسمالية أو العنف أو اللامساواة مسطورة في حمضنا النووي منذ العصر الحجري، فما جدوى أي محاولة لتغيير المجتمع الآن؟

إذا كان مسار التطور خطاً صاعداً حثيثاً نحو الكمال الأوروبي فإن اندثار «الأعراق الدنيا» تحت سنابك التكنولوجيا الغربية ليس سوى قانون طبيعي لا مرد له

يتوقف الكتاب أمام مفارقة تكنولوجية مذهلة. مع صعود الطيران الحربي، ذاع تهديد عسكري أميركي شهير على لسان الجنرال كورتيس ليماي، وتردد في صراعات لاحقة وصولاً إلى دونالد ترمب: «سنعيدهم إلى العصر الحجري ». ويتساءل جيرولانوس بمرارة: كيف لأحدث التكنولوجيات (الطائرات والقنابل) أن تُستخدم لإلغاء زمن الآخرين وإعادتهم إلى نقطة الصفر الوجودي؟ إن هذا التفكير يفترض ضمناً أن ثمة شعوباً تقبع بالفعل في «ما قبل التاريخ» أو على مشارفه، وأن العنف التكنولوجي هو اللغة الوحيدة الممكنة للتعامل معهم.

يختتم جيرولانوس كتابه بدعوة جذرية إلى التوقف عن التماس أنفسنا في مرايا الماضي السحيق، واعتناق نوع من التواضع الراديكالي إزاء غموض البدايات. إن شظايا العظام ورسوم الكهوف الصامتة لا تملك لغة بذاتها، ونحن من نمنحها ألسنة لتنطق بما نريد سماعه، ونصنع الماضي على مقاس حاضرنا لنبرر سطوتنا وهيمنتنا. إن «اختراع ما قبل التاريخ» مراجعة أخلاقية شاملة للمسار الفكري الغربي، ومرافعة نارية ضد سوء استخدام العلم، وحثٌّ صريح على أن نبني قيمنا ونصوغ مستقبلنا انطلاقاً من تطلعاتنا الإنسانية، لا من خرافاتٍ مختلَقة عمّا كان يفعله أسلافنا قبل مئات آلاف السنين. إنه ضروري لكل من يريد فهم كيف تُصنع الأفكار، وكيف تُستخدم الأسلحة النظريّة لتشكيل العالم الذي نعيش فيه.


المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل
TT

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن، وكتّاباً رجالاً سجلوا تجاربهن مع مثقفات أحبوهن أو عايشوهن.

وفي كل الأحوال، المرأة المثقفة كانت من بين البطلات اللواتي كن خياراً محبباً، في الروايات العربية خاصة عند الكاتبات، لكن الظاهرة نادراً ما درست. الكاتبة اليمنية هدى العطّاس اختارت 11 رواية، 4 منها كتبها رجال، والباقي لكاتبات نساء لدراستها النقدية في سوسيولوجيا الأدب وتحليل الخطاب، ما يفسح فرصة لتلمس الفرق بين كتابة الجنسين عن تجارب لها ما يجمعها.

«المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد» كتاب صادر، في بيروت عن «دار رياض الريّس»، وهو يتناول روايات من مصر، لبنان، سوريا، تونس، الجزائر، عمان، السعودية. ويغطي حقبة زمنية مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية، تمتد من خمسينات القرن الماضي حتى عام 2015.

الرجل يحمي المثقفة

من خلال النصوص المختارة، تعرض الكاتبة لنماذج مثقفات تناولتهن الروايات، انطلاقاً من اعتبار الأعمال الروائية منتجاً اجتماعياً - ثقافياً، وليس مجرد عمل فني. أمينة في «أنا حرّة» عند إحسان عبد القدوس تسعى لكسر قيود واقعها الاجتماعي، وهي التي غبنت منذ تخلى أهلها عنها في سنيها الأولى، ينتهي بها الأمر رغم طموحها لأن تتوارى خلف الرجل الذي أحبته. أما «طواحين بيروت» لتوفيق يوسف عواد فتصوّر الفتاة المنحدرة من قرية في جنوب لبنان في ستينات القرن الماضي، مهجوسة بالمدينة (بيروت) التي هي بالنسبة لها صنو الانعتاق. لكن تحقق الحلم يتحول إلى اضطراب ومحن وضياع. أما زينب عبد الجبار في «تماس» للتونسية عروسية الناتولي فتمرّ بمخاضات طويلة، ولا تجد خلاصها، سوى في الكتابة كبدل عن ضائع. علوية صبح في «اسمه الغرام» تقدم أكثر من نموذج نسائي، فهناك الشاعرة، والأكاديمية، ومدرسة الرياضة. ورغم أن نهلا الأديبة والشاعرة تقفز فوق التابوهات، وتثأر للمقولات الجاهزة والتقاليد المكبلة، فإن علوية صبح لا تكافئ شجاعة بطلاتها، بل تعاقبهن، كما هي حال آخرين من الروائيين والروائيات.

سمات مشتركة للبطلات

بطلات الروايات يعشن مواجهات قاسية لإثبات وجودهن أو تحقيق طموحاتهن. مجابهات مع البيئة والموروثات، والخطاب الذكوري، حتى حين يعشن في دائرة الرجال المثقفين أنفسهم.

تشرح الكاتبة العطاس أن اختيارها وقع على نماذج روائية تتميز بحمولتها الاجتماعية في زمن محدد، كي تكون المقارنات منصفة. هي روايات نشرت على مدى 65 عاماً، كتبت في جغرافيات مختلفة، وعاشت بطلاتها في بيئات متباينة، من طبقات اجتماعية متفاوتة. أما الأحداث فغالباً ما تدور في المدينة. هؤلاء المثقفات، جامعيات، بينهن السنية والشيعية والمسيحية والدرزية، ميولهن السياسية إما يسارية، أو في الغالب بلا انتماء سياسي أو آيديولوجي. أربع فقط من النساء في الروايات المختارة انخرطن في العمل السياسي، وانتمين إلى أحزاب، أما الأخريات فلا يحفلن بالسياسة وشؤونها، وتبقى امرأة واحدة مجهولة الانتماء السياسي.العمل صنو الاستقلاليةلكن بعض الكاتبات، مثل رضوى عاشور في «فرج»، وإيمان حميدان في «خمسون غراماً من الجنة»، اعتبرن الرواية منصة لكشف الغطاء عن ممارسات السجون والمعتقلات وأجهزة المخابرات، وفضح زيف المنظومة السياسية بآيديولوجياتها وأحزابها، من يمينية أم يسارية.

مقابل ضعف الانخراط السياسي، فإن المثقفات في الروايات أظهرن حرصاً على مواصلة تعليمهن وتحصيل درجة جامعية. تقول المؤلفة: «في غمرة التحولات، وما أشاعته من تطلعات، صار التعليم الجسر الذي عبرت عليه فئات من النساء، لتغيير مصائرهن بالخروج من المجتمع التقليدي، واكتساب علم وثقافة عصريين وسلوك حديث».

نساء منشغلات بهاجس الاستقلال المادي، معظمهن، يردن الوصول إلى امتلاك خياراتهن، وحريتهن بالتخلص من الهيمنة الذكورية داخل العائلة، والمجتمع المحيط بهن.

الروائيون يعنفون بطلاتهم

تلاحظ المؤلفة أن الحضور النسائي يطغى على أعمال الروائيين الذكور، وحضور المرأة إما يكون قدسياً أو مشيطناً من خلال السرد، والنصوص نادراً ما تقدم شخصيات متوازنة، تتبنى وعياً نسوياً أو إدراكاً عميقاً لحقوقها. روايات تعكس أحكاماً، ووجهات نظر البيئة الاجتماعية والواقع الذي يتشكل فيه النص. أحياناً يحمّل الروائي الشخصية هواجسه، وعقده الذكورية، ورؤيته، ويعتبر الرواية منبراً للتعبير عما يدور في خاطره. حتى إنه من الصعب الفصل بين انحيازات الرجل الذكورية عن انحيازاته في الرواية التي يكتبها. مثلاً، عند الروائيين الرجال، تتعرض البطلات لمحاولات اغتصاب، أو تحرش جسدي، بينما هنّ يناضلن، ويكافحن، للفكاك من الواقع الذي ينتهك إنسانيتهن. تقول الباحثة العطاس: «لأن الجسد الأنثوي يحتل موقعاً قدسياً في الثقافة المجتمعية العربية، فإن انتهاكه يعتبر الرمز الأعلى لتحطيم الأنوثة المتمردة، وإعادتها إلى حظيرة مصيرها التقليدي. فأي من بطلات الروائيين لم تنفك من هذا المصير».

واجهت هذا المصير بطلة صنع الله إبراهيم، في روايته «وردة» من أقرب رفاقها الحزبيين المؤدلجين، في بيئة ماركسية يفترض أنها تدّعي تبني المساواة الإنسانية والعدالة. موقف مشابه تتعرض له أمينة بطلة إحسان عبد القدوس في «أنا حرّة» التي استطاعت أن تهرب ممن حاول اغتصابها بعد أن عضته وشجّت رأسه بإناء زجاجي. وفي لبنان، توفيق يوسف عواد يعرض بطلته تيمية في «طواحين بيروت» للتحرش والاغتصاب. واللافت أن البطلات يتعرضن لهذه التجاوزات في بيئات مختلفة وأعمار متفاوتة. فبطلة عواد مثلاً تعرضت للاغتصاب، وهي طفلة في الريف في قريتها النائية من الوصي عليها.

وتعلق الباحثة: «كأنما صفة المثقف هي منجز ذكوري صرف في خطاب الروائي الرجل. وعليه، حينما تقتحم المرأة مساحات يظن أن الرجل قد مهدها وأنجزها، فإنها بالضرورة لن تقتحمها إلا مكسورة ناقصة».

وراء كل امرأة مثقفة رجل

في هذه الروايات الرجل هو الذي يأخذ بيد المرأة كي تتمكن من العبور، يرشدها برؤيته وخبرته لأنه سابق عليها. هكذا يفعل عبّاس بطل إحسان عبد القدوس في «أنا حرة»، إذ يقنع أمينة بأن غاية طموحها أن تكون حرّة، وعلى يديه تتلقى أول دروسها. والرجل هو أيضاً المنقذ للذاكرة الأنثوية. فهو الراعي الذي يوجه مصائر النساء. هذا ما نراه عند إبراهيم نصر الله وواسيني الأعرج. فقد جعل صنع الله بطله رشدي أميناً على ذاكرة وردة، وهي المعادل الموضوعي لمبادئه النضالية. أما الأعرج في روايته «سيدة المقام» فجعل من مريم معادلاً موضوعياً للجزائر، المدينة التي داسها المتطرفون على حين غرّة، ولغّموا شوارعها وطرقاتها بالقتل والإرهاب. فالراوي عند الأعرج مثقف، روائي وموسيقي، أخذ بيد مريم وشجعها على رقص الباليه، وأصبح أستاذها.

الروائيات ينهلن من عذاباتهن في الكتابة

الروائيات لهن الغلبة في عدد الروايات المدروسة في الكتاب، بسبب قلة الحضور الواضح للمرأة المثقفة في نصوص الروائيين الرجال.

فعند الروائيات، نجد النساء البطلات يبحثن عن ذواتهن المنعكسة في المرآة الاجتماعية، كأنهن ينتزعنها من ذلك الهشيم المتناثر. بحسب الباحثة، فإن «الروائية ربما تتقصد سلفاً أن تضع خريطة لمسيرتها في حقل تعبيري، هو الرواية، حيث تعلم مسبقاً الشراك والألغام المطمورة في داخلها. وهي معنية بتفجيرها غير هيابة بمخاطرها، ترفع الحجب لتعري المسكوت عنه، وتقتحم المحرمات الاجتماعية».

تعتبر الكاتبة أن الروائيات يصورن بطلات «تعشن تشظياً في الهوية وتمزقاً بين الخيارات الاجتماعية». إنهن نساء يعانين من اغتراب داخل المؤسسة الزوجية لأنها تجعلهن أسيرات التقاليد والعادات والقيم الجاهزة. لذلك، نجدهن ناقمات على هزال هذه المؤسسة وهشاشتها وتشوهها وزيفها. المرأة في المنطقة العربية هاجس للعار الاجتماعي، وهو ما يؤرق ذويها. لهذا، فإن ليلى في الرواية السعودية «امرأتان»، كما نازك السورية في «امرأة من طابقين»، وباني الجزائرية في «سيدة المقام»، يواجهن المصائر ذاتها. ليلى تساق إلى زواج من ابن عمها، بما يشبه ما ستعيشه نازك وباني.

نساء بمصائر متشابهة

عند الروائيات، النساء المثقفات يعشن اغتراباً، هذا نجده في رواية رضوى عاشور، وعند بيطار، كما لدى الروائية السعودية هناء حجازي، على تباين الظروف الاجتماعية في البيئات الثلاث. فليلى ومرام بطلتا رواية «امرأتان» تعيشان اغتراباً عميقاً، وتقاومان صنوفاً من الانتهاكات والعنف الممارس عليهما، وينتهي بهما الأمر إلى وضع حدّ لحياتهما.

علاقة حميمة تربط الروائيات بنساء رواياتهن. وغالباً ما تتداخل تجارب الروائيات بملامح البطلات، ويشتركن أيضاً في الكشف عن المسكوت عنه، والبوح. ومن بين المشتركات بين نساء الروايات المختارة، هو تعرضهن للعنف، وإن كان بأشكال مختلفة. فإن لم يكن عنفاً جسدياً، فهو عنف وقمع معنويان. فكما زُوّجت «ليلى» السعودية قسراً لابن عمها، حتى لا تتسبب بفضيحة لأهلها، في رواية «امرأتان» لهناء حجازي، وفي رواية علوية صبح «اسمه الغرام» استعان الأهل بخطّابة لتدبير زواج تقليدي لـ«نهلا» اللبنانية المسلمة، لمنعها من الزواج من حبيبها المسيحي. وهو أيضاً ما فعلته أسرة «نازك» السورية المسيحية في رواية «امرأة من طابقين» حين رفض أهلها حبيبها المسلم الذي تقدم لخطبتها، ودفعوها إلى الزواج بشاب من دينها وطائفتها.

العائلة شرارة العنف الأول

تظهر الروايات أن العائلة هي الحاضن الأول للعنف، الذي غالباً ما تواجه به المرأة المثقفة، ذات التطلعات الطموحة. وإن حظيت المرأة المتعلمة ببعض أشكال الدعم الأسري، يظل ضئيلاً. هكذا، ومع تنوع البيئات تبقى المرأة كائناً ناقصاً يخضع للمراقبة والتقويم. أما التعليم والثقافة اللذان تناضل النساء في سبيلهما، فغالباً ما يضاعفان ممارسة القهر والعنف عليها. روائيون وروائيات هموم رؤى مشتركة ثمة ما يجمع الكتّاب من الجنسين، فهم يكتبون غير منقطعين عن عوالمهم الداخلية، وتجاربهم الشخصية، ومحمولاتهم الثقافية. كما أن الروايات جميعها تُبقي التعليم مدماكاً أساسياً لإخراج المرأة من شرنقتها، وجعلها قادرة على تجاوز المظالم وكسر حلقة التعنيف التي تحيط بها. كذلك تتكرر تيمة العمل كوسيلة للوصول إلى الاستقلالية المادية وتعزيز إمكانية اتخاذ قرارات شخصية ومسؤولة. ومن المواضيع التي يشترك بها الجنسان مسألة الوعي الأنثوي للذات والكفاح من أجل الانتقال إلى مكان أفضل، وإن بدت الإخفاقات كثيرة، في أغلب الروايات.


الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.