الرئيس الفرنسي يزور الجزائر لـ«طي صفحة الماضي»

ماكرون يريد علاج «قضايا الذاكرة المشتركة» وتطوير {علاقة تتوجه للمستقبل}

ماكرون خلال زيارته إلى الجزائر في ديسمبر 2017 وإلى جانبه رئيس البرلمان الجزائري آنذاك عبد القادر بن صالح (غيتي)
ماكرون خلال زيارته إلى الجزائر في ديسمبر 2017 وإلى جانبه رئيس البرلمان الجزائري آنذاك عبد القادر بن صالح (غيتي)
TT

الرئيس الفرنسي يزور الجزائر لـ«طي صفحة الماضي»

ماكرون خلال زيارته إلى الجزائر في ديسمبر 2017 وإلى جانبه رئيس البرلمان الجزائري آنذاك عبد القادر بن صالح (غيتي)
ماكرون خلال زيارته إلى الجزائر في ديسمبر 2017 وإلى جانبه رئيس البرلمان الجزائري آنذاك عبد القادر بن صالح (غيتي)

باريس تريد فتح صفحة جديدة مع الجزائر، وذلك بعد أشهر من التوتر الذي تسببت به تصريحات رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون العام الماضي من جهة، والإجراءات التي أقرتها وزارة الداخلية من جهة أخرى، وأبرزها خفض عدد التأشيرات التي تمنح للمواطنين الجزائريين.
وخلال أشهر طويلة، تبادل الطرفان الشكاوى، وعمد الرئيس ماكرون نهاية العام الماضي إلى إرسال وزير الخارجية السابق، جان إيف لو دريان، في زيارة سريعة إلى العاصمة الجزائرية دامت 12 ساعة، التقى خلالها نظيره الجزائري والرئيس عبد المجيد تبون في محاولة لتسوية الخلافات، أو على الأقل خفض نسبة التوتر بين الطرفين. وشيئاً فشيئاً، عاد السفير الجزائري إلى مقر عمله في باريس بعد استدعائه في أكتوبر (تشرين الأول)، احتجاجاً على تصريحات ماكرون، التي تساءل فيها عن حقيقة وجود «أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي»، واعتباره أن النظام الجزائري «السياسي - العسكري» يعيش على «ريع الذاكرة»، والمقصود بها حرب الاستقلال عن فرنسا. وهي التصريحات التي أثارت حفيظة الرئيس الجزائري، الذي وصف أقوال ماكرون بأنها «بالغة الخطورة»، وأنها «جرحت كرامة الجزائريين». وأبلغ تبون من يهمه الأمر أن الجزائر «لن تقوم بالخطوة الأولى».
ولمحو هذه الأجواء السامة من الذاكرة، عمد ماكرون للاتصال بالرئيس الجزائري مرتين، آخرهما السبت الماضي ليؤكد قبوله الدعوة الرسمية، التي وجهها إليه لزيارة الجزائر، وللتأكيد على قلب الصفحة الأليمة. بيد أن زيارة ماكرون إلى الجزائر من 25 إلى 27 الحالي تأتي في سياق بالغ الدقة، فمن جهة أدى انسحاب القوة الفرنسية «برخان» من مالي إلى حصول فراغ أمني تعول السلطات المالية على ملئه بالاستناد إلى ميليشيا «فاغنر» الروسية، وعلى التقارب الحاصل بين باماكو وموسكو. ثم جاءت الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، إلى مالي لتزيد من قلق باريس التي تعاني من كثرة المنافسين لها في مناطق نفوذها الأفريقية التقليدية. كما تعي باريس أن للجزائر دوراً كبيراً تلعبه في مالي، الواقعة على حدودها الجنوبية، في ملف محاربة الإرهاب، خاصة أنها كانت عرابة اتفاق المصالحة عام 2016، لكنه لم يجد طريقه أبداً إلى التنفيذ. وفي المقام الثاني، تجدر الإشارة إلى التوتر التي تشهده سوق النفط والغاز نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا، وتأثيرها المباشر على أوروبا وعلى قدرتها على إيجاد البدائل. ومن هنا، فإن موضوع الطاقة سيكون حاضراً بقوة في محادثات الرئيسين، علماً بأن الجزائر قد أصبحت وجهة لكثير من المسؤولين الأوروبيين الباحثين عن النفط والغاز. وأخيراً، تتم الزيارة في ظل أزمة صامتة بين باريس والرباط، عقب ما جاء في خطاب الملك محمد السادس، الذي حث شركاء بلاده، وعلى رأسهم فرنسا، على توضيح مواقفها من موضوع الصحراء، والاحتذاء بإسبانيا التي تخلت عن مواقفها المتوازنة السابقة وتبنت موقف المغرب.
وبحسب مصادر الإليزيه الفرنسية، فإن التعاون مع الجزائر «متواصل وأساسي»، وفرنسا، التي خرجت من مالي عسكرياً، تدعم التعاون القائم بين الجزائر والنيجر. علماً بأن المنطقة الصحراوية الواقعة على الحدود المشتركة للجزائر ومالي والنيجر منطقة تتنقل فيها المجموعات الإرهابية، وتستخدم للتهريب بأنواعه كافة. وفي هذا السياق، أكدت هذه المصادر، رداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، أن الملف سيتم بحثه بين ماكرون وتبون، اللذين سيعقدان اجتماعين مغلقين غداً (الخميس) وبعد غد (الجمعة)، واجتماعاً موسعاً يضم الوزراء المعنيين من الجانبين. وكشف مصدر عسكري أن القرار، الذي سبق للجزائر أن اتخذته بمنع الطائرات الفرنسية المتجهة إلى مالي والنيجر والساحل بشكل عام من التحليق في الأجواء الجزائرية، رداً على تصريحات ماكرون وملفات أخرى، تم التراجع عنه منذ مدة أمام الطائرات الفرنسية، ما يعكس الرغبة الجزائرية في «تطبيع» العلاقة مع باريس.
أما في الملف البالغ الحساسية الخاص بالعلاقة المثلثة بين باريس والرباط والجزائر بخصوص ملف الصحراء، و«التنبيه» الذي صدر عن ملك المغرب، فقد أكدت المصادر ذاتها أن موقف باريس «لم يتغير»، وأن الرباط والجزائر كلتيهما «صديقتان لفرنسا». وإذ ذكّرت هذه المصادر بأن باريس تعتبر خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء «تتمتع بالمصداقية»، فقد رأت أنه «يجب أن تفتح الباب من أجل مفاوضات تفضي إلى حل سياسي». مضيفة أن الرئيس ماكرون يعتبر أن «على شريكي فرنسا (المغرب والجزائر) أن يجدا السبيل من أجل خفض التوتر بينهما». أما بخصوص الأخبار التي تحدثت عن مبادرة فرنسية لقمة تجمع المغرب والجزائر وإسبانيا، فقد نفت مصادر الإليزيه أن يكون الرئيس ماكرون يسعى لأمر من هذا النوع، مع التذكير بأن البلدان المذكورة «صديقة لفرنسا، وباريس تدعم كل ما من شأنه المساهمة في التهدئة، إلا أنه لا مبادرة خاصة ولا قمة مزعومة» في هذا الخصوص.
وكثيرة هي الملفات التي ستكون موضع تباحث بين الجانبين، على مستوى الرئيسين وعلى مستوى الوزراء. بيد أن ما شدد عليه قصر الإليزيه هو أن ماكرون يريد، إلى جانب ملف تنقية وتطبيع الذاكرة، «الاهتمام بمشكلات الحاضر، والنظر إلى المستقبل، والاهتمام بشريحة الشباب والإبداع، والتأهيل والبحث العلمي، أي ما يشكل الأساس لتطوير علاقة تتوجه للمستقبل».
وقال الإليزيه إن وزراء الاقتصاد والداخلية والخارجية والدفاع والثقافة، وغيرهم، سيرافقون ماكرون في الزيارة التي تبدأ في الجزائر، وتنتهي في وهران. وبحسب هذه المصادر، فإن الزيارة «تعكس أهمية الجزائر وأهمية العلاقات الفرنسية - الجزائرية» بالنسبة لماكرون، رغم أنها لا ترتقي إلى زيارة دولة.
ومن بين هذه الملفات، يمثل ملف التأشيرات الممنوحة للجزائريين أحد أسباب التوتر بين الطرفين، بعد القرار الذي اتخذه ماكرون العام الماضي بخفض عددها إلى النصف، رداً على غياب تعاون الجزائر في موضوع استرداد رعاياها الموجودين على التراب الفرنسي، والذين لا تحق لهم الإقامة فيها. بيد أن المصادر الفرنسية أوضحت أن الأمور تغيرت لجهة تسهيل استعادة الجزائر لمواطنيها. وبالمقابل، أفادت باريس أن نسبة منح التأشيرات قد تحسنت كثيراً، وأنها عادت تقريباً إلى ما كانت عليه عام 2019،
كما أن بين باريس والجزائر قصة معقدة قديمة، عنوانها التجارب النووية الفرنسية ما بين 2060 و2066 في الصحراء الجزائرية. وفي هذا السياق، يريد الجانب الجزائري من فرنسا أن تتحمل مسؤولياتها لجهة الكشف عن المواقع التي جرت فيها التجارب، وإعادة تأهيلها، وتعويض الأشخاص الذين تضرروا من هذه التجارب.
ومن بين الملفات الأخرى البالغة الأهمية، هناك أيضاً موضوع «تصالح الذاكرة»، وهي المبادرة التي أطلقها ماكرون مع الجزائر، وكلف المؤرخ المعروف بنجامين ستورا بإعداد تقرير حولها، وقد سلمه للرئيس الفرنسي في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، وضمّنه كثيراً من الاقتراحات التي يتم العمل على تنفيذها. بيد أن باريس تريد من الجزائر أن تقوم من جانبها بالخطوات اللازمة، لأن تنقية الذاكرة لا يجب أن تكون من جانب واحد. وقد ذكّرت باريس بما قام به ماكرون من مبادرات خلال العامين 2021 و2022، لكن حتى اليوم لا يعرف ما إذا كان الطرف الجزائري ما زال مصراً على طلبه بأن تقدم فرنسا الاعتذار عما ارتكبته خلال 132 عاماً من الاستعمار، أو ما حصل خلال حرب الاستقلال. لكن الثابت أن باريس تريد أن تقلب هذه الصفحة الأليمة، وأن يكون الاهتمام بالمستقبل أكثر من البقاء رهينة الماضي، رغم آلامه.


مقالات ذات صلة

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

العالم العربي القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

القاهرة لإطلاع حفتر وصالح على نتائج زيارة شكري لتركيا

كشفت مصادر ليبية ومصرية متطابقة لـ«الشرق الأوسط» عن سلسلة اتصالات، ستجريها القاهرة مع السلطات في شرق ليبيا، بما في ذلك مجلس النواب و«الجيش الوطني»، لإطلاع المعنيين فيهما على نتائج زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى تركيا أخيراً. وأدرجت المصادر هذه الاتصالات «في إطار التنسيق والتشاور بين السلطات المصرية والسلطات في المنطقة الشرقية». ولم تحدد المصادر توقيت هذه الاتصالات، لكنها أوضحت أنها تشمل زيارة متوقعة إلى القاهرة، سيقوم بها عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، والمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». وكان خالد المشري رئيس المجلس الأعلى الدولة الليبي، ناقش مساء السبت مع وزير الخارجية ا

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

خطة حكومية عاجلة لوقف هجرة الأطباء الجزائريين إلى أوروبا

أعلنت الحكومة الجزائرية عن «خطة عاجلة» لوقف نزيف الأطباء الذين يهاجرون بكثرة، كل عام، إلى أوروبا وبخاصة فرنسا، بحثاً عن أجور عالية وعن ظروف جيدة لممارسة المهنة. وتفيد إحصاءات «مجلس أخلاقيات الطب»، بأن 15 ألف طبيب يشتغلون في المصحات الفرنسية حالياً، وقد درسوا الطب في مختلف التخصصات في الجزائر. ونزل موضوع «نزيف الأطباء» إلى البرلمان، من خلال مساءلة لوزير الصحة وإصلاح المستشفيات عبد الحق سايحي، حول ما إذا كانت الحكومة تبحث عن حل لهذه المشكلة التي تتعاظم من سنة لأخرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
العالم العربي تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

تونس تتهيأ لاستقبال وزير الخارجية السوري تتويجاً لإعادة العلاقات

يبدأ وزير الخارجية السوري فيصل المقداد اليوم زيارة إلى تونس تستمر حتى الأربعاء بدعوة من نظيره التونسي نبيل عمار، لإعلان استكمال المراحل المؤدية إلى إعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، والبحث في كثير من الملفات الشائكة والعالقة على رأسها ملف الإرهاب، واستقبال الساحة السورية لآلاف من الشباب التونسيين المنضوين في صفوف التنظيمات الإرهابية. وأوردت مختلف وسائل الإعلام التونسي أخباراً حول الزيارة، وبقراءات عدة، من بينها التأكيد على أنها «ترجمة للتوازنات الجيوسياسية الإقليمية التي تعرفها المنطقة العربية، ومن بينها السعي نحو عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية». وكانت مؤسسة الرئاسة التونسية صورت عودة ا

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

المغرب: دعوة لإسقاط مشروع قانون «اللجنة المؤقتة» لتسيير مجلس الصحافة

دعت «الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بالمغرب» -أحد ممثلي ناشري الصحف في البلاد- أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، إلى إسقاط مشروع قانون صادقت عليه الحكومة، يقضي بإنشاء لجنة مؤقتة لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» المنتهية ولايته، بدل إجراء انتخابات. وجاءت هذه الدعوة في وقت ينتظر فيه أن يشرع مجلس النواب في مناقشة المشروع قريباً. وذكر بيان لـ«الفيدرالية» مساء السبت، أنه تلقى «بارتياح، التصدي القوي والتلقائي لهذا المشروع من طرف الرأي العام المهني، والمجتمع المدني، وفاعلين جمعويين وسياسيين، وشخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة»، معتبراً: «إن هذا الموضوع لا يهم باستهداف منظمات مهن

«الشرق الأوسط» (الرباط)
العالم العربي باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

باشاغا: ترشحي للرئاسة الليبية سيتحدد بعد صدور القوانين المنظمة للانتخابات

قال فتحي باشاغا، رئيس حكومة «الاستقرار» الليبية، إنه باقٍ في منصبه «إلى أن تتفق الأطراف الليبية كافة على قوانين انتخابية يُرحب بها دولياً، والبدء في الإعلان عن مواعيد محددة للاستحقاق الانتخابي...

جاكلين زاهر (القاهرة)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.