أوكرانيا الحائرة بين الشرق والغرب تدفع فاتورة التاريخ والجغرافيا

بدء اعادة اعمار مدينة ماريوبول (رويترز)
بدء اعادة اعمار مدينة ماريوبول (رويترز)
TT

أوكرانيا الحائرة بين الشرق والغرب تدفع فاتورة التاريخ والجغرافيا

بدء اعادة اعمار مدينة ماريوبول (رويترز)
بدء اعادة اعمار مدينة ماريوبول (رويترز)

هذا العيد ليس مثل سابقه. لم يكن أحد في أوكرانيا يتوقع قبل عام فقط أن تحل الذكرى المقبلة للاستقلال والبلاد تخوض أسوأ استحقاق في تاريخها المعاصر، وتقف أمام خيارات كلها صعبة، أولها الإقرار بالهزيمة العسكرية الكاملة، ما يعني انهيار البلد وتفكيكه إلى دويلات يتبع بعضها روسيا وبعضها الآخر بلدان أوروبية، أو خيار المحافظة على ما تبقى من بلاد بأيدي الأوكرانيين، والقبول بتقديم «تنازلات مؤلمة» للكرملين.
أما الخيار الثالث الذي يتحدث عنه ساسة أوكرانيون، فهو إلحاق هزيمة واضحة بروسيا، وهو خيار يبدو بعيد المنال في ظل إصرار موسكو على تحقيق كل أهدافها، مهما بلغت تكاليف «العملية العسكرية الخاصة» التي أعلنتها في 24 فبراير (شباط) الماضي.
كيف تحتفل أوكرانيا بعيدها؟
قبل عام واحد، في مثل هذا اليوم، 24 أغسطس (آب)، تم ترتيب احتفالات واسعة في أوكرانيا، تميزت بمظاهر ابتهاج رافقتها فعاليات لها دلالات. ومع ترتيب عرض عسكري فخم، توجته استعراضات في سماء العاصمة كييف لمقاتلات أوكرانية وغربية شاركت في الاحتفالات، نزل الأوكرانيون بشكل نشط إلى شوارع مدنهم وقراهم في مسيرات بالقمصان المطرزة التي تعكس الموروث الثقافي للبلاد، وشكل التجمهر في ساحات المدن وإطلاق الرقصات الشعبية والفعاليات الثقافية عنواناً رئيسياً للمناسبة.
في عام، تبدلت أحوال البلاد بشكل كلي. نصف الأوكرانيين بين لاجئ خارج البلاد أو نازح في مناطق الداخل، ونصف البلاد يخوض معارك شرسة، وبناها التحتية دُمِّرت بنسب متفاوتة وصلت في بعض المدن إلى نحو 80 في المائة. وأجواء الاحتفال بعيد الاستقلال تعكسها قرارات حظر تجول شامل، ومخاوف من تحركات عسكرية روسية قوية في المناسبة.
وجهت السلطات دعوات للمواطنين للبقاء في منازلهم، وتم نقل موظفي القطاع العام ومكاتب الشركات التجارية في وسط كييف إلى العمل «من بعد» يومي 23 و24 أغسطس، وأرسل رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي عشية العطلة رسالة فيديو خاصة إلى مواطنيه، حذر فيها من «استفزازات محتملة». قال إن «شيئاً قبيحاً وشريراً بشكل خاص» متوقع في هذا اليوم. وهكذا تم إلغاء جميع الفعاليات الجماهيرية في العاصمة والمدن الكبرى.
وفي خاركيف التي تتعرض لضربات متزايدة في قوتها، دعا رئيس الإدارة الإقليمية أوليغ سينيغوبوف، السكان إلى «الاستعداد للبقاء في الملاجئ والمنازل»، وذكر أنه خلال حظر التجول، يحظر التنقل على طول الشوارع، عن طريق وسائل النقل أو سيراً على الأقدام، كما يحظر الوجود في الأماكن العامة. وتم قطع اتصالات السكك الحديدية بين خاركيف والمدن الأخرى.
بين عيدين انقلبت أحوال أوكرانيا والعالم. لكن المناسبة جاءت برغم ظروف الحرب لتذكر بتاريخ معقد وشائك من العلاقات بين موسكو وكييف، قاد في المحصلة إلى المواجهة الشاملة.
انطلقت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وأوكرانيا منذ 30 عاماً، في 14 فبراير 1992. وخلال العقدين الأولين، طور البلدان بنشاط التعاون الثنائي، وتفاعلا بروح حسن الجوار. تم إنشاء مراقبة الحدود والجمارك بين البلدين، وتم تقسيم أسطول البحر الأسود، وتم تنظيم التعاون العسكري الفني. وفي عام 1997، وقع الطرفان اتفاقية «حول الصداقة والتعاون والشراكة بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا». في ذلك الوقت، كان الجاران يعملان بنشاط على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية التي وصلت إلى مستويات عالية، لا سيما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وهكذا، وبحسب نتائج عام 2004؛ بلغ حجم التبادل التجاري 18 مليار دولار، أي أكثر من ضعف الأرقام المعلنة عام 1999؛ لكن الطرفين كانا على موعد مع أول اختبار للعلاقة فيما بات يعرف باسم «ثورة الميدان» أو «ثورة البرتقال». في عام 2004 كانت تلك باكورة الثورات الملونة التي شهدها الفضاء السوفياتي السابق، ما أقلق موسكو التي خشيت من انتقال العدوى إليها. اندلعت عبر سلسلة من الاحتجاجات والأحداث السياسية من أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2004 حتى يناير (كانون الثاني) 2005، في أعقاب جولة إعادة التصويت على الانتخابات الرئاسية الأوكرانية التي تنافس فيها حليف موسكو فيكتور يانوكوفيتش مع الرئيس السابق فيكتور يوشينكو الذي رفع شعار التقارب مع الغرب.
كان الصراع داخلياً؛ لأنه بدأ في الاشتباه بتزوير في الانتخابات وبتحكم الفساد في أمور الدولة؛ لكن سرعان ما اتخذ أبعاداً سياسية واسعة؛ لأنه كشف عن انقسام المجتمع الأوكراني بحدة بين الشرق والغرب. الأقاليم الشرقية الناطقة بالروسية صوتت ليانوكوفيتش، برغم وجود شبهات في ماضيه وارتباطه بالفساد. والأقاليم الغربية الساعية إلى التكامل مع أوروبا صوتت ليوشينكو. شكلت تلك الأحداث البداية لأزمة أوكرانيا التي «استقلت» عن الدولة السوفياتية، ولم تعرف كيف تحدد هويتها الوطنية لاحقاً، وظلت رهينة التاريخ الذي يربط مصائر مناطق بأكملها فيها مع بلدان أوروبية، والجغرافيا التي تجعلها جارة لـ«شقيق أكبر» لديه طموحات ولا يعترف بتاريخ خاص للدولة الأوكرانية.
نجح يوشينكو مؤقتاً في تلك الجولة؛ لكن مقالب التاريخ أعادت يانوكوفيتش إلى السلطة في 2010، لتبدأ مسيرة الطلاق النهائي مع روسيا داخل جزء وازن من المجتمع الأوكراني الذي رفض سياسات الرئيس «الموالي لروسيا»، ولم يلبث أن عاد إلى «الميدان» في 2014، في لحظة فاصلة تدخلت فيها أيضاً أقدار التاريخ والجغرافيا؛ إذ تردد يانوكوفيتش في التوقيع على اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي، رغم أن حكومته تفاوضت مع الأوروبيين عليها منذ عام 2012. كان هذا الاتفاق التجاري الشامل مع الاتحاد الأوروبي سيؤثر على الاتفاقيات التجارية الأوكرانية مع روسيا، لكونها أكبر شريك تجاري لأوكرانيا في ذلك الوقت.
اعتقد يانوكوفيتش أنه يمكن معالجة التعقيدات، وقال إنه يعتزم دخول الاتفاقية؛ لكنه استمر في التأجيل. فُسر هذا الأمر على أنه محاولة للتراجع عن توقيع هذه الاتفاقية، وأدى إلى موجة من الاحتجاجات باتت تُعرف بحركة «الميدان الأوروبي». وسرعان ما تحولت الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة إلى استخدام وسائل العنف؛ خلافاً لثورة الميدان في 2004، وأسفرت عن سقوط قتلى وصلت أعدادهم لما يقارب 130 شخصاً، من بينهم 18 ضابط شرطة. ومع تدهور الموقف في 22 فبراير، فرّ يانوكوفيتش من كييف إلى روسيا. وساد نوع من الفوضى في البلاد تخللته سيطرة المتظاهرين على مقار الحكومة، وفي اليوم نفسه أعلن البرلمان إعفاء يانوكوفيتش من مهامه بنحو 328 صوتاً، ومن دون أي صوت معترض. وهو أمر وصفته موسكو بأنه «انقلاب النازيين والاستيلاء على السلطة»، ما دفعها إلى التحرك في الشهر التالي لضم شبه جزيرة القرم، بعد إرسال وحدات غير مسلحة سيطرت على المباني الحكومية من دون مقاومة. وفي الوقت ذاته شجعت موسكو انفصاليين في لوغانسك ودونيتسك على العصيان المسلح «ضد الانقلاب النازي». وكان السيناريو اللاحق واضحاً منذ خطواته الأولى؛ إذ أقدمت الحكومة المؤقتة، بقيادة أرسيني ياتسينيوك، على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وأصبح بترو بوروشنكو رئيساً لأوكرانيا، بعد نصر ساحق في الانتخابات الرئاسية المبكرة لعام 2014.
وأعادت الحكومة الجديدة تعديلات الدستور الأوكراني لعام 2004، والتي أُلغيت بشكل مثير للجدل، واعتبرت غير دستورية عام 2010، وبدأت بعملية تطهير واسعة النطاق للموظفين المدنيين الذين كانت لهم علاقة بالنظام المخلوع، ما عنى إبعاد الموالين لروسيا عن مراكز القرار. كما أُلغي القانون المتعلق باللغات الإقليمية الذي سمح للمناطق الأوكرانية التي تحوي أقليات ثقافية كبيرة باستخدام لغاتهم الخاصة في إداراتهم المحلية. ومنذ عام 2014، انسحبت أوكرانيا من المعاهدات داخل رابطة الدول المستقلة، ومنذ 2019، تم إنهاء معاهدة الصداقة مع الاتحاد الروسي. منذ تلك الفترة، كانت كل المؤشرات تقود إلى احتمال تفاقم المواجهة ووصولها إلى لحظة الانفجار، برغم أن الجزء الأعظم من الأوكرانيين والروس لم يكونوا ليصدقوا يوماً لو قال أحدهم إن حرباً شاملة قد تقع بين البلدين الجارين.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...