فرنسا تؤكد عزمها على مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية غرب أفريقيا

فرنسا تؤكد عزمها على مواصلة محاربة التنظيمات الإرهابية غرب أفريقيا

مزيد من التدهور في علاقاتها بمالي... وباماكو تطلب اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن
الخميس - 21 محرم 1444 هـ - 18 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [ 15969]
تغيير العَلم خلال تسليم القاعدة العسكرية لقوة «بورخان» إلى الجيش المالي في 14 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

لم تنته متاعب فرنسا في بلدان الساحل وتلك المطلة على خليج غينيا وفي غرب أفريقيا بشكل عام مع انسحاب آخر جندي من قوة «برخان» من مالي بعد تسع سنوات من التواجد المتواصل لمحاربة التنظيمات الإرهابية، ولتمكين السلطات المحلية من استعادة السيطرة على أراضيها وإعادة الإدارة والخدمات والأمن إليها.

والحال أن نشر ما لا يقل عن 5500 جندي بشكل أساسي في بلدان الساحل الثلاثة (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، وثلاثتها مستعمرات فرنسية سابقة، لم يحقق الهدف المنشود على الرغم من النجاحات التكتيكية التي حققتها القوة الفرنسية لجهة القضاء على عدد من كبار قيادات التنظيمين الجهاديين الرئيسيين، وهما «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» والدولة الإسلامية (داعش) في الصحراء الكبرى. ولا شك أن الخروج الفرنسي العسكري الذي يتسبب بفراغ حقيقي، سيشد عضد هذين التنظيمين. إذ تفيد المصادر العسكرية الفرنسية بأنهما بصدد توسيع مسرح عملياتهما وسط وشمال مالي.

ويراهن المجلس العسكري الذي يمسك بتلابيب السلطة في مالي بعد الانقلابين العسكريين اللذين حصلا في أغسطس (آب) عام 2020 ومايو (أيار) عام 2021 على تواجد ميليشيا «فاغنر» الروسية للحلول محل القوة الفرنسية المنسحبة.

بيد أن لا شيء يؤكد أن «فاغنر» التي تساند الجيش الوطني المالي قادرة على منع تمدد الجهاديين. ففي نهاية الأسبوع الماضي، خسرت الميليشيا الروسية التي يقدّر عددها بألف مقاتل، أربعة من أفرادها. ومنذ بداية أغسطس، خسر الجيش المالي 42 من أفراده في عمليات قتالية وهجمات إرهابية قامت بها مجموعة تابعة لـ«داعش» قريبة من مدينة تيسيت (وسط البلاد). وتؤكد المصادر الفرنسية، أن هذه المنطقة كانت آمنة قبل خروج القوة الفرنسية منها؛ ما يدل على سرعة تمدد التنظيمين الإرهابيين.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند أرسل الفرقة الأجنبية إلى مالي بداية العام 2013 لمنع التنظيمات الجهادية وقتها من النزول من الشمال إلى العاصمة باماكو.

المفارقة، أن باريس لم تعد قادرة على التدخل في مالي، حيث لم تعد لديها قوات هناك. كما أن الحكومة المالية لن تسمح لها بالتدخل من الخارج في حال ارتأت باريس ذلك؛ نظراً لتدهور العلاقات بين العاصمتين. وفي أي حال، فإن المجلس العسكري يسعى لتعزيز علاقاته مع روسيا، ليس فقط من خلال «فاغنر»، ولكن على مستوى الدولة. إذ حصل اتصال هاتفي بداية الشهر الحالي بين رئيسه الكولونيل غايتا والرئيس الروسي. وتريد باماكو الحصول على أسلحة روسية من مختلف الأنواع، بما فيها المسيّرات والطائرات الخفيفة، ما يبين الاستدارة الحادة التي قامت بها باماكو باتجاه موسكو وابتعادها عن باريس.

ويوماً بعد يوم، تتسع الهوة التي تفصل بين فرنسا ومالي. وآخر ما تفتقت عنه الدبلوماسية المالية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، طالبة انعقاد جلسة طارئة للنظر في «الأعمال العدوانية» التي ترتكبها فرنسا بحق مالي، ومنها انتهاك سيادته ودعم جماعات جهادية والتجسس على بلاده.

وفي رسالة صادرة يوم 15 الحالي عن وزير الخارجية عبد الله ديوب وموجهة إلى رئيس مجلس الأمن الحالي صيني الجنسية، ثبت بالاتهامات الموجهة لفرنسا وهي عديدة، منها «الانتهاكات المتكررة وكثيرة الحدوث» للمجال الجوي المالي وقيام الطائرات الفرنسية بـ«أنشطة تعدّ بمثابة عمليات تجسس» وجمع معلومات استخبارية لصالح مجموعات إرهابية وإلقاء الأسلحة والذخيرة إليها. وتصف الرسالة هذه الأعمال بأنها محاولات «ترهيب». وفي الرسالة أيضاً، أن باماكو «تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس» في حال تواصل الانتهاكات الفرنسية ودعوة لمجلس الأمن لأن تضع فرنسا حداً لـ«أعمالها العدوانية فوراً».

لا شك أن فرنسا ستخلص العبر من فشلها في مالي. وبداية هذا الصيف، طلب الرئيس ماكرون من قيادة الأركان مده بخطة جديدة لانتشار القوات الفرنسية في أفريقيا في الخريف المقبل من شأنها الاستجابة للرغبة الرسمية في الاستمرار بمحاربة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، ولكن أيضاً في بلدان خليج غينيا وتلك المطلة على بحيرة تشاد وغرب أفريقيا بشكل عام. وتبين المعلومات المتوافرة من قيادة القوات الفرنسية أن لباريس قواعد عسكرية في الغابون وساحل العاج والسنغال وجيبوتي، إضافة إلى قواعد في النيجر وتشاد وبوركينا فاسو. وخلال الزيارة المثلثة التي قام بها الرئيس ماكرون إلى بينين والكاميرون وغينيا بيساو، استغل المناسبات كافة لتأكيد أن باريس ما زالت ملتزمة بمحاربة الإرهاب، وأنها تقف إلى جانب حلفائها وأصدقائها. لكن فرنسا لا تريد تكرار الأخطاء التي ارتُكبت في مالي وفي أماكن أخرى، وهي حالياً بصدد إجراء مناقشات للنظر في مطالب شركائها.

ففي منطقة الساحل، وافقت النيجر على الإبقاء على قاعدة جوية فرنسية في نيامي ونشر 250 جندياً لتوفير الدعم لعملياتها العسكرية على الحدود مع مالي. وستواصل تشاد استضافة قوة فرنسية في نجامينا، بينما يأمل الفرنسيون في الإبقاء على كتيبة من القوات الخاصة في واغادوغو ببوركينا فاسو. وفي خليج غينيا يمكن للقوات الفرنسية في ساحل العاج حيث تتعاون مع الجيش، أن تؤمّن وسائل للمراقبة في شمال البلاد بطلب من أبيدجان. أما بالنسبة لبينين وتوغو «فهناك طلب لتقديم دعم فرنسي على شكل مساندة جوية وفي الاستخبارات والتجهيزات»، بحسب الإليزيه. وما زالت غينيا تدرس احتياجاتها لتأمين حدودها مع مالي. وتكفي نظرة سريعة إلى خريطة غرب أفريقيا لفهم التحديات الأمنية. ففي دول خليج غينيا الخمس الممتدة من ساحل العاج شمالاً إلى الكاميرون جنوباً، مروراً بـغانا وبينين ونيجيريا، تعاني هذه الجدول من عمليات إرهابية على حدودها الشمالية التي تتشاك بها مع مالي وبروكينا فاسو والنجير وتشاد.

من هنا، الخطر الذي تستشعره فرنسا من «نزول» التنظيمات الجهادية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو باتجاه الجنوب. وفي أي حال، فإن الأحداث الأمنية في أكثريتها الساحقة تقع في شمال بلدان الخليج. وتبدو بينين الأكثر هشاشة؛ إذ إنها الأكثر تعرضاً لعمليات إرهابية، في مناطقها الشمالية، لأعمال إرهابية بلغ عددها منذ نهاية العام الماضي عشرين هجوماً. ويتزامن ذلك مع دعوات موجهة للشباب للالتحاق بصفوف المجموعات الجهادية. وخلال زيارة ماكرون إلى كوتونو، عاصمة بينين، طلب منه رئيسها مساعدته على تزويد بلاده بالأسلحة، ذاكراً منها المسيّرات. وما يحصل في بينين يتكرر في توغو وغانا وساحل العاج، وكلها دول قريبة للغاية من باريس التي تريد مساعدتها ضمن إمكاناتها، ولكن ضمن «فلسفة جديدة». وبحسب الرئيس الفرنسي، فإنه يتعين على باريس أن «تعمل على نحو أفضل وأكثر فاعلية» في أفريقيا بمعنى أن تتحاشى باريس أن تكون قواتها في المقدمة مخافة استثارة شعور المواطنين وتذكيرهم بمرحلة الاستعمار، خصوصاً أن الجانب الفرنسي يستشعر دوراً لروسيا في تعبئة الرأي العام الأفريقي ضد الحضور الفرنسي. وفي أي حال، ثمة منافسة استراتيجية قد انطلقت في أفريقيا ولا تريد باريس الخسارة فيها. وليست روسيا المنافس الأوحد؛ إذ هناك أيضاً الصين وتركيا وإسرائيل كما لا يمكن تناسي التنافس الفرنسي - الأميركي في بعض بلدان القارة.


فرنسا أفريقيا الارهاب

اختيارات المحرر

فيديو