ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

جمعتهما علاقة عاطفية عابرة للطوائف وشغف مشترك بالكتابة

ناديا حمادة
ناديا حمادة
TT

ناديا حمادة وغسان تويني... الحب الغامر الذي حوّله الموت تراجيديا إغريقية

ناديا حمادة
ناديا حمادة

لم تكن العلاقة العاطفية المشرقة التي جمعت بين الشاعرة اللبنانية المتميزة ناديا حمادة والصحافي اللبناني الأشهر غسان تويني، من النوع المألوف الذي يتكرر حدوثه كل يوم، بل هي تبدو لشدة فرادتها وغرابة محطاتها، وكأنها سِفْر دراماتيكي من أسفار العهد القديم، أو فصل متأخر من فصول نشيد الإنشاد، أو فانتازيا سحرية مقتطعة من روايات ماركيز. ولذلك فلم يكن بإمكان هذه السلسلة الطويلة من المقالات المتعلقة بزواج المبدعين، أن تأخذ طريقها إلى الاكتمال، دون التوقف ملياً عند هذه العلاقة الاستثنائية في تناقضها الضدي، والتي ذهبت من جهة إلى أقاصي الحب والحدب الإنسانيين، في حين كان الموت من جهة ثانية يهيئ لها مصيرها القاتم ومآلها المأساوي. واللافت في تلك العلاقة أن انخراط طرفيها في مؤسسة الزواج، ولمدة تقارب العقود الثلاثة، لم يقلل على الإطلاق من ألقها الرومانسي، ولم يحول نيرانها رماداً، خلافاً للكثير من التجارب المماثلة التي أفرغتها الرتابة من الشغف، وأودى بها نزق أطرافها النرجسي، إلى الإخفاق والتصدع الكاملين.
تنتمي ناديا حمادة المولودة في بيروت عام 1935 إلى إحدى أكثر الأسر الدرزية عراقة في الجبل اللبناني. وقد بدت بثقافتها الواسعة وشخصيتها القوية والمنفتحة، ثمرة الزواج الناجح بين أبيها اللبناني، ابن قرية بعقلين الشوفية، المثقف والدبلوماسي محمد علي حمادة، وأمها الفرنسية من أصل جزائري مارغريت مالاكان؛ وهو ما ساعدها على تكوين رؤية للعالم بالغة الرحابة وبعيدة عن الانغلاق، وصولاً إلى تمرسها باللغة الفرنسية قراءة وكتابة، إلى حد وقوفها اللاحق جنباً إلى جنب مع أفضل المبدعين الفرنسيين.

                                                                                        غسان تويني
أما غسان تويني المولود قبل ناديا بتسع سنوات، والحائز بكالوريوس الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت، وماجستير في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، فقد تربى من جهته في كنف جبران تويني، مؤسس جريدة «النهار»، إحدى أكثر الصحف اللبنانية عراقة وتأثيراً، قبل أن يتولى إصدارها ورئاسة تحريرها بعد رحيل الأب. وقبل أن يلتقي غسان ناديا عام 1954، كان اسمه قد اكتسب لمعانه من أدوار وحقول عدة، بينها نبوغه الصحافي، وتعرفه إلى مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، ومن ثم انتماؤه إلى الحزب، وانضمامه إلى الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أسهمت في إسقاط الرئيس اللبناني بشارة الخوري، وصولاً إلى انتخابه نائباً عن جبل لبنان عام 1951، ونائباً لرئيس مجلس النواب اللبناني عام 1953.
وفي كتاب سيرته يحرص صاحب «النهار» على التنويه بأن الصدف المجردة هي التي رسمت لحياته مسارها المختلف. إذ إنه كان قد سافر إلى اليونان، طلباً للراحة من مشاغله الكثيرة المرهقة، حيث كان كيوبيد، إله الحب عند الإغريق، يهيئ له سهام العشق والافتتان التي أصابت قلبه في الصميم. وإذ يؤكد تويني بأنه لم يكن يعلم على الإطلاق بأن للسفير اللبناني في أثينا ابنة فائقة الجمال تسمى ناديا، يصف لقاءهما الأول بالقول «تعرفت إلى ناديا حمادة بعد أسبوعين من وصولي إلى أثينا، بمناسبة مأدبة عشاء أقامها والدها في السفارة على شرف مجموعة من السياح اللبنانيين. ومن حسن حظي أنهم أجلسوني إلى يمينها؛ وهو ما سمح لي أن أصارحها طوال فترة العشاء، ليس فقط بأنها جميلة وذكية، بل متكلمة مفوهة أيضاً. لقد كانت مثقفة جداً وآسرة للغاية. تجاذبنا أطراف الحديث طوال السهرة، لا بل أكثر من ذلك. إنه الحب من النظرة الأولى، أصابنا نحن الاثنين».
وفي حوار له منشور في جريدة «النهار» عام 2014، يؤكد مروان حمادة، شقيق ناديا والسياسي اللبناني المعروف، بأن جميع أفراد الأسرة شعروا آنذاك بعلاقة الحب التي جمعت منذ اللحظة الأولى بين الطرفين، والتي استطاعت أن تتخطى الحواجز الدينية التقليدية، لتبني مداميكها المتينة فوق أرض الثقافة والفن والوعي المعرفي. واللافت حينها أن ناديا لم تتردد، بعد أن فاتحها غسان بشأن الزواج، في قبول العرض الذي جرت مراسمه بسرعة قياسية في السفارة اللبنانية في أثينا. كما أن الزوجة اليافعة ذهبت أبعد من ذلك حين وافقت على التعمد في إحدى الكنائس الأرثوذكسية في أثينا. على أنه لم يكن لتلك الخطوة الجريئة أن تتحقق، لولا ذهنية الانفتاح والتحرر الفكري التي وفّرتها العائلة العريقة لابنتها الشابة؛ الأمر الذي سمح خلال فترة وجيزة، لا بتذليل العقد والاعتراضات والمواقف المتشنجة التي واجهت ذلك الزواج فحسب، بل باعتباره في الوقت نفسه، إحدى اللبنات الأهم لتحقيق الانصهار الوطني والخروج من دائرة العصبيات الطائفية وشرانقها المغلقة.
أما البيت العائلي الأنيق والرومانسي الذي اختار غسان وناديا أن يبنياه في بيت مري، وفي أحد أجمل الأماكن المطلة على بيروت، فقد بدا بمثابة الترجمة المحسوسة لرغبة الزوجين المثقفيْن في العثور على ركن هادئ يوفر لهما المسرح الملائم للنشاط إلا بداعي من جهة، ولتوفير جو مثالي لأطفالهما القادمين، من جهة أخرى. وحيث كانت موهبة ناديا الشعرية قد بدأت بالتبلور لدى الشروع في بنائه، فقد حرص غسان على أن يكون تصميم المنزل شاعرياً بامتياز، فاختار له حجارة مميزة، بعضها أثري وبعضها الآخر تم استحضاره من بقايا البيوت التي دمرتها حروب لبنان المتعاقبة، وأحاطه بالورود والأشجار، قبل أن يتفق الزوجان على أن يسمياه «بيت الشاعر»، كتعبير رمزي عن ولائهما المشترك لأحد أكثر الفنون التصاقاً بالروح وصلة بالأحلام.
والواضح أن غسان وناديا تويني قد بذلا كل ما أمكنهما من جهد لرفد علاقتهما المشتركة بكل ما يلزمها من أسباب السعادة وهناءة العيش والعطاء الخلاق. وقد شكّلت ولادة ابنتهما البكر نايلة، ذات الشعر الأشقر والعينين الخرزيتين والشبيهة بالكائنات التي نقرأ عنها في الحكايات وكتب الأطفال، الثمرة الأكثر بهاءً لعلاقتهما الزوجية النموذجية. أما على المستوى الأوسع، فكان لبنان يشهد عصره الذهبي على صعد الاقتصاد والفكر والفن، في حين كانت «النهار» تتقدم إلى موقع الصدارة بين مثيلاتها من الصحف، سواء على مستوى صناعة القرار السياسي، أو على المستوى الإبداعي الذي شكل ملحقها الثقافي متنه وظهيره ورافعته الحداثية.
إلا أن الزوجين اللذين حصّنا حياتهما العائلية بكل ما يدرأ عنها العلل والمنغصات، لم يضعا في حسابيهما بأن الموت سيسدد باتجاههما وعلى حين غرة ضرباته القاصمة، التي بدأت برحيل نايلة ابنة السنوات الست، التي أودى بها مرض السرطان عام 1963، مفتتحة بذلك سلسلة المصائر التراجيدية لأفراد العائلة الآخرين.
ولعل من باب المفارقات الغريبة أن يكون موت الابنة هو البذرة التي طُمرت في باطن الأرض، لكي تجد موهبة الأم الخبيئة، سبيلها إلى الانبثاق. ومع أن مروان حمادة يشير إلى أن شاعرية شقيقته لم تأت من فراغ، وهي التي كانت تكتب نصوصاً أدبية عالية، إلا أن رحيل نايلة المأساوي، بدا بمثابة الصاعق الفعلي الذي سمح لها بالتفجر. وفي حوار أجريته معه في مكتبه في «النهار» قبل فترة وجيزة، ذهب حمادة إلى القول بأن الانعطافة الدراماتيكية في شخصية ناديا وشعرها، كانت وليدة عوامل ثلاثة مهمة، هي: رحيل ابنتها المبكر، وهزيمة يونيو (حزيران)، والحرب الأهلية اللبنانية. وحين سألته عما إذا كان الشطر الإيجابي الظاهر من زواج ناديا وغسان، يخفي وراءه أي نوع من الخلافات، أجاب بابتسامة مشوبة بالحزن «لم يحدث بينهما شيء من ذلك، لا لكونهما مثاليين بالمطلق، بل لأن الموت لم يترك لهما ترف الدخول في أي صدام هامشي».
وفي إطار حديثه عن موهبة ناديا الشعرية، يذكر غسان تويني في مذكراته بأن زوجته بعثت إليه في بداية علاقتهما، برسائل حب مؤثرة، و«بلغة فرنسية رائعة، تسببت له في حينه بالكثير من عقد النقص». ومع ذلك، فقد بدا صاحب «سر المهنة وأسرار أخرى»، وكأنه اعتبر تلك النصوص مجرد خواطر وجدانية آنية، لا إرهاصاً بما تبعها من عواصف الكتابة. وهو ما يؤكده قوله بأنه لم يقف على موهبة زوجته إلا بعد أن دفعت إليه إثر رحيل نايلة، بمفكرتها الشخصية التي تبين له إثر اطلاعه عليها، بأنها تضم نصوصاً شعرية بالغة التميز. ومن المفارقات المماثلة أيضاً، أن تويني الذي صرّح لإحدى محطات التلفزة بأن ذائقته الشخصية أقرب إلى القصيدة العربية الكلاسيكية منها إلى التجربة الحداثية، هو نفسه الذي جعل «النهار» وملحقها الثقافي، إحدى المنصات الأبرز لمغامرة الحداثة. كما أنه أقرّ من جهة أخرى بأن رغبته في نشر نتاج زوجته الشعري، والسهر على ترجمة أعمالها إلى العربية، كانت في طليعة الأسباب التي دفعته إلى تأسيس «دار النهار للنشر».
وفي الوقت الذي بدأ السرطان يفتك بجسد الشاعرة، ليضع الابنة والأم أمام المصير إياه، كان سرطان رمزي مماثل يضرب من خلال الاحتراب الأهلي جسد وطنها لبنان، كما لو أن على كليهما معاً أن يدفعا غالياً ثمن ما أوتياه من جمال. هكذا تحول شعر ناديا إلى مضبطة اتهام دامغة ضد فظاظة العالم وعدالته الخرقاء. ومع أنها عشقت وطنها حتى حدود الوله، وعبّرت عن افتتانها بمدنه وسهوله وقراه وجباله وأماكنه الأثرية «حيث إعصار الحجر يستمر في الهبوب»، و«حيث النسور لكي تنيخ بهاءها، تختار أعلى المزارات»، فإن الشاعرة ما تلبث أن تصرخ أمام أشلاء وطنها المذبوح بحراب بنيه «هل ولدتُ من كذبة في بلدٍ لا وجود له؟». ومن يتتبع أعمالها المتتالية، بدءاً من «النصوص الشقراء» و«حزيران والكافرات» و«حالم الأرض» و«عمر الزبد» و«محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» وغيرها، لا بد أن يلحظ في شعرها ذلك التواشج العميق بين العذوبة والألم، بين ثقل الواقع وخفة الكلمات، وبين الثمل بخمرة الوجود والاستسلام الوادع للتلاشي النهائي، منتظرة وقد يئست من مقارعة الجدار الصلب للهزائم «موتاً ناعماً كالهواء الناعم بعد المعركة».
والواقع أن الموت الذي وضع حداً لعذابات الشاعرة، في العشرين من يونيو عام 1983، كان على قسوته رؤوفاً بناديا؛ لأنه جنّبها على الأقل أن تتجرع لمرتين متتاليتين الكأس المرّ الذي تجرعه بعد رحيلها غسان تويني، وقد قدّر له أن يشيّع بعد ابنته وزوجته، كلاً من ولديه مكرم الذي قضى بحادث سير مأساوي عام 1987، وجبران الذي قضى اغتيالاً على مذبح الحرية عام 2005. وإذ أوصت ناديا أن تدفن إلى جوار ابنتها في حديقة منزلها العائلي في بيت مري، فقد كانت تريد أن تقلص ما أمكنها ذلك، المسافة بين منزل الشاعرة وبين قبرها، لتستطيع أن تتسقط أنفاس أحبتها الأحياء، وليصبح الموت كما تمنته في قصيدتها، أليفاً كالنعاس، وناعماً كالنسيم، ووادعاً كالظلال الصيفية للأشجار.
«كانت جدتي ناديا تسكن في النقطة الأعمق من قلب جدي غسان» تقول حفيدتهما ميشيل، التي اختارت وفاءً لهما معاً أن تجعل من منزلهما بالذات، المكان المثالي لتقديم برنامجها التلفزيوني الحواري، الذي أطلقت عليه اسم «بيت الشاعر». أما غسان تويني الذي تزوج من شادية الخازن عام 1996، فقد ظل رغم ذلك مسكوناً بحضور ناديا الطيفي، حتى لحظة رحيله الجسدي عام 2012. وكان يحرص بين حين وآخر، على أن يردد أمام زواره النص الوجداني المؤثر الذي كتبه نزار قباني في رثاء «الفراشة المنقوشة بالشعر»، والذي يقول فيه:
كانت ناديا تويني جميلة ككتاب
ومرصعة بالحروف والأزهار كجدار كنيسة بيزنطية
ومكتظة بالعطايا كبيدر قمح
وكانت تتكحل مرة بحزنها الخصوصيّ
ومرة بحبر المطابع
ومرة بأحزان لبنان



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.