البرلمان الأوروبي يصوت لصالح إعادة النظر في تعديلات بنود اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن

ثلث تجارة الخدمات في الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة بقيمة 193 مليار يورو

البرلمان الأوروبي يصوت لصالح إعادة النظر في تعديلات بنود اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن
TT

البرلمان الأوروبي يصوت لصالح إعادة النظر في تعديلات بنود اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن

البرلمان الأوروبي يصوت لصالح إعادة النظر في تعديلات بنود اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن

ازدادت التجارة الدولية في الخدمات للاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الماضية، وارتفعت صادرات الاتحاد الأوروبي من الخدمات لبقية العالم بنسبة 29 في المائة، من نحو 569 مليار يورو عام 2010 إلى تقريبا 735 مليار يورو في العام الماضي. في حين ارتفعت الواردات بشكل أقل وبنسبة 27 في المائة من 458 مليار يورو إلى 583 مليارا، ونتيجة لذلك ارتفع الفائض التجاري في تجارة الخدمات للاتحاد الأوروبي بشكل واضح بين عامي 2010 و2013، من 111 مليارا إلى 178 مليار يورو، قبل أن تنخفض في العام الماضي إلى 151 مليار يورو.
وحسب الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي في بروكسل (يوروستات)، كان الشريك الرئيسي لصادرات الاتحاد الأوروبي في الخدمات هي الولايات المتحدة الأميركية، ووصلت النسبة إلى 26 في المائة، وبقيمة وصلت إلى 193 مليار يورو، بينما وصلت النسبة مع سويسرا إلى 14 في المائة وبقيمة 103 مليارات يورو، ثم الصين في المرتبة الثالثة بنسبة 4 في المائة وبقيمة ما يقرب من 32 مليار يورو، وروسيا في المرتبة الرابعة بنسبة 4 في المائة أيضا ولكن بقيمة 29 مليار يورو تقريبا، وأخيرا اليابان بنسبة 3 في المائة وبقيمة تصل إلى 26 مليار يورو تقريبا.
وجاء الإعلان عن هذه الأرقام بعد ساعات من تصويت أعضاء البرلمان الأوروبي الأربعاء، لصالح قرار بشأن تأجيل التصويت الذي كان مقررا في نفس اليوم، على تعديلات بشأن بنود اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتجارة الحرة والشراكة الاستثمارية، وينص القرار على إعادة التعديلات المقترحة إلى لجنة التجارة الدولية في البرلمان ووفقا للمادة 175 من النظام الداخلي، وذلك لإعادة النظر في بعض القضايا العالقة والحد قدر الإمكان من التعديلات المقدمة، وصوت لصالح هذا القرار 183 عضوا ورفضه 181 وامتنع 37 عضوا عن التصويت، خلال جلسة انعقدت في ستراسبورغ.
وقال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز في بيان صدر ببروكسل، إن المفاوضات الحالية مع واشنطن تعمل على اتفاق له أهمية عالمية، ولا بد أن يساهم البرلمان الأوروبي في هذا الأمر من خلال موقف واضح لا لبس فيه، وبالتالي جاء القرار بتأجيل التصويت حتى يكون هناك موقف للبرلمان الأوروبي ككل في القضايا الحاسمة، ونحن على ثقة أن الأسابيع القليلة القادمة سوف تستخدم للوصول إلى هذا الغرض.
وتعليقًا على ما حدث، قال جياني بيتيلا رئيس كتلة الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية، في بيان، إن مجموعته لم تطلب تأجيل النقاش أو التصويت ولكن مجموعة حزبية أخرى ذات الصلة بالأمر لم تتخذ نفس الموقف، وهو الأمر الذي اعتبره بمثابة تلميح لانشقاق في صفوف التحالف بين الاشتراكيين وحزب الشعب الأوروبي ويمثلان معا الأغلبية في البرلمان الأوروبي، وقال بيتيلا، إن قرار رئيس البرلمان بتأجيل التصويت كان قرارا حكيما، ومنع التصويت برفض التعديلات. وأضاف: «نحن ملتزمون بالدفاع عن الإنجازات الضخمة التي توفرت من حيث حماية المستهلك وحقوق العمال والأغذية والمعايير البيئية وحماية الخدمات العامة من الخصخصة ونحن مقتنعون بأن اتفاقا عادلا للتجارة الحرة مع واشنطن يمكن أن يزيد من تعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، ولكن نحن على موقفنا من رفض مسألة وجود آلية مستقلة لفض النزاع بين المستثمر والدولة، ونرحب بالنقاش العام حول هذه القضية، وعلى حزب الشعب الأوروبي أن يتحمل المسؤولية في مواجهة الرأي العام، ويقرر ما إذا كانوا يريدون فعلا قرارا أم لا.. ونحن مستعدون».
ومن جانبه، قال رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي بيرند لانغ وينتمي لكتلة الاشتراكيين والديمقراطيين، إن هناك مجموعة من أعضاء البرلمان يعارضون الاتفاق وسوف يصوتون ضد أي قرار في هذا الصدد.. «ولن نستطيع العمل مع هذه المجموعة لعدم وجود نفس النهج في السياسة التجارية، ولكن سنواصل التحدث إلى جميع الجماعات الحزبية لحشد الدعم للاتفاقية من دون آلية مستقلة لفض النزاع بين المستثمر والدولة».
من جهته، اعتبر البرلماني الأوروبي فيليب لامبرت (رئيس مجموعة الخضر – بلجيكا)، أن ما حدث يدل على انقسام داخل صفوف المؤيدين لهذه الاتفاقية. ورأى لامبرت، وهو من أشد المعارضين للاتفاق، أن تأجيل النقاش والتصويت على القرار، يعد إشارة إيجابية.. «هناك وعي متزايد بضرورة الالتفات إلى آراء معارضي هذا الاتفاق»، ووصف البرلماني الأوروبي بـ«المشروعة» مخاوف البرلمانيين والمواطنين والجمعيات الأهلية الأوروبية حيال هذا الاتفاق، وأشار إلى أن المعارضة والجدل حول هذا الاتفاق يتصاعدان خارج المؤسسات الأوروبية ومن أطراف، لم تكن متوقعة، مثل الشركات المتوسطة والصغيرة. وشدد على تصميم مجموعته الاستمرار في دعم الأطراف المعارضة للاتفاق، الذي يُخشى، وفق كلام مجموعة الخضر، أن ينسف المعايير الأوروبية وأن يضر بقطاعات هامة مثل الزراعة والصناعة الأوروبية التي لن تكون قادرة على منافسة الإغراق الأميركي.
وقبل أيام قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مقابلة مع صحيفة «سودويتش زيتونج»، إن من المهم أن تؤدي المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى اتفاق قبل ترك الرئيس باراك أوباما الرئاسة في يناير (كانون الثاني) 2017.
وخلال جلسة تصويت جرت في لجنة التجارة الخارجية الشهر الماضي، صوت الأعضاء لصالح التوصيات، والتي تتضمن المطالبة بضمان تعميق وصول الاتحاد الأوروبي إلى أسواق الولايات المتحدة الأميركية وفي نفس الوقت لا يتعارض ذلك مع معايير التكتل الأوروبي الموحد أو الحق في التنظيم من أجل المصلحة العامة. وجاء في التوصيات أيضا، أن الاتفاق المزمع التوقيع عليه هو اتفاق طموح، وقالت التوصيات إن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يعتمد اعتمادا كبيرا على التجارة والتصدير، ولهذا لا بد أن تضمن الاتفاقية تعزيز مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة بحلول 2020، كما أن شركات الاتحاد الأوروبي الصغرى والمتوسطة سوف تستفيد من سوق فيها 850 مليون مستهلك.
وحسب التوصيات فإن «هناك صعوبة في تقييم الفوائد الحقيقية لاتفاق التجارة الحرة على اقتصاد الاتحاد الأوروبي»، ولهذا جدد نواب البرلمان الأوروبي التأكيد على أهمية شفافية العملية التفاوضية من أجل التوصل إلى اتفاق طموح وفي نفس الوقت متوازن، بحيث يضمن تقاسم المنافع في جميع أنحاء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مما يساهم في بيئة اقتصادية فعالة، وأيضا ضمان مستويات عالية من الحماية للمستهلكين، للصحة والسلامة، وأيضا في النواحي المالية، والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية.
وحول حماية الاستثمار جاء في التوصيات أن الاتفاقية يجب أن تنهي المعاملة غير المتساوية بين المستثمرين الأوروبيين في الولايات المتحدة، من خلال إنشاء نظام إصلاحي وعادل للمستثمرين، يحقق الإنصاف في المظالم، وينبغي أن يستند على ورقة تفاهم بشأن نظام حماية المستثمر، سبق أن قدمتها مفوضة التجارة سيسليا مالمستروم، إلى لجنة التجارة الخارجية في البرلمان الأوروبي في 6 مايو (أيار) الماضي، وينبغي أن تتضمن الاتفاقية حل دائم، مع تعيين قضاة مستقلين، وجلسات استماع علنية، وآلية للاستئناف، مع احترام اختصاص محاكم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، وعلى المدى المتوسط يمكن استخدام محكمة الاستثمار لتسوية المنازعات بين المستثمرين.
كما جاء في التوصيات ضرورة وجود قائمة بمنتجات زراعية وصناعية يمكن أن تعفى من تحرير التجارة، أو تخضع لفترات انتقالية أطول، وقالوا في التوصيات: «لا بد أن تعمل المفاوضات على وجود شرط احترازي للاحتفاظ بالحقوق في إغلاق الأسواق أمام منتجات محددة، في حال حدوث زيادة حادة في الواردات، قد تلحق ضررا جسيما بالإنتاج الغذائي المحلي.

كما طالبوا المفوضية الأوروبية بالسعي لتشجيع الولايات المتحدة على رفع الحظر المفروض على لحوم الأبقار من الاتحاد الأوروبي. هذا إلى جانب بنود أخرى في مجالات متعددة تضمنتها التوصيات».
وفي العشرين من أبريل (نيسان) الماضي بالتزامن مع انطلاق الجولة التاسعة من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، أصدرت المفوضية الأوروبية ببروكسل، تقريرا حول فوائد هذه الاتفاقية، وما ستقدمه من إمكانات كبيرة للشركات الصغرى والمتوسطة.
وسبق أن ناقش البرلمان الأوروبي في الأسبوعين الماضيين تعديلات مقترحة، بشأن مشروع قرار، حول تقييم التقدم المحرز في المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وقال البرلمان الأوروبي، إن التعديلات المقترحة تبلغ 898 تعديلا على مشروع القرار، وتغطي المجالات المختلفة.
وكانت الجولة الثامنة من التفاوض بين الجانبين قد انعقدت في بروكسل فبراير (شباط) الماضي وانطلقت الجولة الأولى قبل 20 شهرا. ودعت القمة الأوروبية التي انعقدت ديسمبر (كانون الأول) الماضي في بروكسل إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق شامل وطموح مع واشنطن في هذا الصدد قبل نهاية 2015.
وترى المفوضية الأوروبية، أن اتفاقية شاملة للتجارة والاستثمار يمكن أن تزيد الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي بنسبة تتراوح ما بين 0.27 في المائة و0.48 في المائة، والدخل القومي الإجمالي الأوروبي بنسبة تصل إلى 86 مليار يورو، وحسب الأرقام الصادرة عن الاتحاد الأوروبي سيؤدي هذا الاتفاق الطموح إلى تحقيق مكسب للأسرة الأوروبية كل عام سيصل إلى 545 يورو، وستعزز الاقتصاد الأوروبي بنسبة ما بين 0.5 في المائة إلى 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي أو 119 مليار يورو سنويا.
وتقول المفوضية الأوروبية ببروكسل، إن العلاقات الاقتصادية بين الطرفين هي الأقوى في العالم وتشكل ما يقرب من نصف الناتج الإجمالي العالمي وقرابة ثلث التجارة العالمية وما يقرب من 2.7 مليار دولار من التدفقات التجارية يوميا، وهناك استثمار لـ3.7 تريليون دولار عبر الأطلسي، وهناك فرص عمل وروابط قوية بين الشركات ورجال الأعمال. وقالت أيضا إن إنجاز اتفاق التجارة والحرة والشراكة عبر الأطلسي سيطلق العنان لمزيد من الإمكانات مما يعني أخبارا جيدة للمواطنين من الجانبين، بل وللاقتصاد العالمي ككل.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.